تتناول رواية "أحدب نوتردام" العلاقة بين الفرد والسلطة في باريس خلال القرن الخامس عشر. كتبها الروائي فيكتور هوغو في لحظة صراعٍ سياسيٍّ بين إرث الثورة الفرنسية التي تدعو للحرية والعدالة والمساواة، مقابل واقع صعود الملكية مجدداً. فجعل من الرواية بياناً فنياً وسياسياً ضدّ السلطة القديمة الطامحة لفرض سيطرتها من جديد.
تدور أحداث الرواية في باريس، حيث يُفتن رجالٌ كثيرون بفنانةٍ غجريةٍ حسناء. ومن بين المفتونين بها القسُّ القاضي فرولو، حاكم المدينة الفعلي بسلطته الروحية والعدلية. ويُفتَن بها كذلك ربيبُه الفتى الأحدب الأصمّ الذي يعيش في برج كنيسة نوتردام الشهيرة ويدقّ أجراسها. يستغل القاضي المفتون سلطته على الفتى الأحدب ويأمره باختطاف الفتاة، وتتوالى الأحداث حتى تصل لمواجهةٍ بين المنبوذين من غجرٍ وشحاذين ومعهم الفتى الأحدب وبين القاضي ومن يساندونه من ضباطٍ وجنود.
كتب هوغو تلك الرواية في سياق نقده بنيةَ السلطة والمحاكم الكنسية وسياسات الإقصاء الطبقي في باريس. ويبدو ما كتبه صاحب "البؤساء" اليوم أكثر حضوراً من أيّ وقتٍ مضى، لأن العالم يعيش عودة خطاب النقاء والهويّة وتجريم المختلف سواءً كان مهاجراً أو من فئةٍ مهمَّشةٍ أو صاحب جسدٍ أو صوتٍ خارج السائد. إذ يزدهر تجسيد هذه الرواية عبر التمثيل والمسرح حول العالم. وتحطّ المسرحية رحالها في الكويت، في وقتٍ يزداد فيه وضع ملفّ الجنسية الكويتي تعقيداً ومأساوية. ممّن يخشى تعقيد الملف صديقي الذي يجلس بجانبي وهو يحمل الجنسية وفق المادة السابعة من قانون الجنسية في الكويت، لأنه من أبناء المجنَّسين المعرَّضين لسحب جنسياتهم. لذا تأهب منذ بداية الحملة منتظراً أن يحين دوره، فسألني عن أسعار العقارات في بلدي البعيدة عن الكويت.
قرأ صديقي عرض "أحدب نوتردام" تلميحاً مباشراً لما يحدث في الكويت هذه الأثناء من خطابٍ يدعو لتنقية الشعب الكويتي من الدخلاء، انتهى بسحب الجنسية الكويتية من الآلاف. فمع ظهور الطاغية على خشبة المسرح آمراً موظفيه بتعقب حركة المنبوذين والمهمشين وحراسة المدينة لمنعهم من دخولها، وصولاً لحرقها في لحظة عصيان أوامره، صعبَ علينا تصديق عبور المسرحية إلينا. تسرُّب هذا النوع من المسرحيات يوجب استقراء حال الرقابة على الفنون والآداب في الكويت، بتاريخه وآليّاته.
النسخة الحالية من المسرحية تعريبٌ لفيلم "ديزني" الغنائي الذي عرض سنة 1996، ثمّ تحوّل مثل كثيرٍ من أعمال ديزني الغنائية إلى مسرحيةٍ ناجحة. وأعلن الفنان السعودي الذي يعيش في الكويت، بدر الشعيبي، عن تقديم العرض المسرحي بعد أن اشترى حقوق إعادة إنتاجها وعرضها من شركة ديزني. لم تحظَ المسرحية بنجاحٍ يُذكر في أول عروضها في الكويت سنة 2023، لكن عرضها في موسم الرياض كان ناجحاً حين قُدمت في السنة نفسها.
بعد عامين من العرض الذي سبَّب للشعيبي خسائر ماديةً فادحةً، عاد لعرضها في الكويت وسط أجواءٍ سياسيةٍ مشحونةٍ محققاً نجاحاً كبيراً. تضمّن إعلان العملِ الرسميُّ، الذي نشره الشعيبي من حسابه على "إنستغرام"، لقطاتٍ من تجارب الأداء ومقاطع للفنانين المشاركين. وكتب معلّقاً: "الإعلان الرسمي الأول لمسرحية أحدب نوتردام 2025. كلمات محمد الشريدة، ألحان بدر الشعيبي، توزيع حمد العروج، إخراج مالك صباح". وشارك ملصقَ العمل مخاطباً الجمهور: "لمدة أسبوع فقط [. . .] أنتم على موعد مع العمل العالمي أحدب نوتردام".
لم تكن هذه أول مرةٍ تُعرض فيها مسرحية أحدب نوتردام في الكويت. فقد قُدِّمت أول مرةٍ سنة 1997 على مسرح نقابة العمال في ميدان حولي بعنوان "الغجرية والأحدب". كان العمل عن نصٍّ مسرحيٍّ لنجف جمال، وتضمّن أغانٍ فصيحةً سجّلتها دراسة وليد حداد "المسرح الغنائي للطفل في دولة الكويت" المنشورة سنة 2018، ومنها أغنية "الصبح الحزين". ويبدو أن العرض ارتبط بفيلم ديزني الشهير الذي عُرض قبل تلك المسرحية بعامٍ واحد.
لم يحصد العرض النجاحَ المرجوَّ آنذاك لأن لغته لم تناسب استيعاب الأطفال، ولعدم موافقته خصائص المسرح الغنائي الموجَّه للصغار، كما خلص حداد في دراسته. في حين تُظهر تجربة الشعيبي سنة 2025 تغييراً واضحاً عن النبرة المأساوية الثقيلة التي اتّسم بها العرض الأقدم سنة 1997، فجاءت بروحٍ جديدة.
في دراسة "الحركة المسرحية في الكويت والبحرين" المنشورة سنة 1975 يؤرخ محمد حسن عبد الله لبداية المسرح في الكويت سنة 1925، وينسب البداية لنشاط المسرح المدرسي. بينما يؤرخ وليد حداد بداية النشاط المسرحي المدرسي سنة 1922، حين قدّم عبد العزيز الرشيد في المدرسة الأحمدية مسرحيةً قصيرةً على شكل "محاورة إصلاحية"، تناولت أهمية التعليم ومحو الأمية في المجتمع الكويتي. كان الرشيد قاضياً وأديباً وداعيةً وأول من وضع تاريخاً مكتوباً للكويت، وأسهم كذلك في تأسيس "مجلة الكويت"، أولى المجلات في الخليج. وتشير دراسة فيصل أبو صليب "المسرح السياسي في الكويت" المنشورة سنة 2020 إلى أن هذه المسرحية نفسها قامت على صراعٍ بين رجل دينٍ متشدّدٍ يرفض تعلّم العلوم الحديثة ومعلّمٍ حداثيٍّ يسعى إلى تطوير التعليم. ما يجعل من هذا العمل المبكر مثالاً واضحاً على توظيف المسرح في طرح الأسئلة الاجتماعية والفكرية في الكويت منذ بداياته.
ساهم المسرح المدرسي لاحقاً في تشكيل المسرح المحترف للطفل. وتذكر الصحفية الكويتية شيخة البهاويد في مقالتها "بداية عظيمة ونتائج مؤسفة: التدهور التراجيدي للمسرح الكويتي"، المنشورة في موقع "منشور" سنة 2017، أنّ السبعينيات شكّلت بداية الانطلاقة الحقيقية لمسرح الطفل في الكويت وتضمينه رسائل سياسية. ففي سنة 1974 قدّمت فرقة المسرح الكويتي مسرحية "أبو زيد بطل الرويد" من تأليف الشاعر الغنائي فايق عبد الجليل الذي اعتُقل سنة 1991 في أعقاب غزو العراق الكويتَ بسبب نشاطه المناهض الاحتلالَ. مواقف عبد الجليل السياسية كانت حاضرةً دائماً في مسرحه المقدَّم للكبار والصغار على السواء.
عُدَّت مسرحية "السندباد البحري" التي قدّمتها عواطف البدر سنة 1978، بالاستعانة بالكاتب الغنائي عبد الأمير عيسى والملحن أحمد البابطين، أول مسرحيةٍ غنائيةٍ مخصّصةٍ للطفل تنتجها مؤسسةٌ فنيةٌ مستقلّة. وبحسب دراسة الحداد، افتتحت "السندباد البحري" مرحلةً جديدةً قدمت فيها عواطف البدر نحو ثلاثين عملاً بين 1978 و1986. وقد خلّدت مسرحياتُها الأغنيةَ الشهيرةَ التي غنّاها الأطفال في مدارس الخليج العربي أعواماً طويلةً "بلادكم حلوة حلوة حلوة، بس الوطن ما له مثيل. حبّ الوطن غالي، والعيشة فيه جنّة".
انخرط في المسرح الكويتي منذ بدايته سياسيون أمثال عبد العزيز الرشيد وعبد الأمير التركي، السياسي الكويتي الذي خاض الانتخابات البرلمانية أكثر من مرّةٍ متبنياً فكراً قومياً يسارياً، وأحمد الرجيب الذي درس في مصر التربية صباحاً والتمثيل مساءً في سنة 1945. وسجلت النخبة السياسية الكويتية حضورها الداعم المسرحَ وصولاً لبيت الحكم، إذ يُعدّ حضور حاكم الكويت أحمد الجابر والوكيل السياسي البريطاني دكتور دكّوري سنة 1938 عرضَ مسرحية "إسلام عمر" التي قدّمها المعلم الفلسطيني في المدرسة المباركية محمد محمود نجم، دليلاً واضحاً على هذا الاهتمام. وفي مثالٍ آخَر عن هذه العلاقة تشير البهاويد في تقريرها لمشاركة الشيخ جابر الأحمد الصباح، الذي أصبح لاحقاً أميراً للبلاد، في طفولته بالتمثيل في عرضٍ مسرحيٍّ سنة 1939، وقد حضر والده – حاكم البلاد حينها – العرض تشجيعاً له.
تتقاطع هذه الإشارة مع ما يورده أبو صليب في دراسته. إذ يؤكد أن علاقة السلطة السياسية بالمسرح الكويتي علاقةٌ وثيقةٌ، وأن المسرح تأثر بالتحولات الاجتماعية والسياسية والعلاقة بين الحكومة والبرلمان. ودليل ذلك بناء أمير الكويت عبد الله السالم، الذي حكم من سنة 1950 إلى 1965 وهو "أبو الدستور الكويتي" كما يُطلق عليه، مسرحاً في عدّة ضواحٍ مع توفير دعمٍ ماليٍّ عزّز البنية المسرحية حينئذ.
وقد رافقت الحركة المسرحية في الكويت مسارَ الديمقراطية منذ بدايات المجالس التشريعية المنتخبة. فوُلد المسرح بالتزامن مع نشأة المجلس الاستشاري سنة 1921، واهتمت به النخبة السياسية تزامناً مع تدشين المجلس التشريعي سنة 1938، واهتم به الحاكم ونشر منصّاته في أرجاء الكويت مع ميلاد دستور 1961. وخلق الحراك الديمقراطي بيئةً سمحت للمسرح أن يكون منبراً لانتقاد الأوضاع السياسية والاجتماعية. ومع تصاعد الأزمات، مثل الحرب العراقية الإيرانية ثم الغزو العراقي الكويتَ، أصبح المسرح السياسي مساحةً تعكس الاحتقان العامّ، ما أتاح ولادة نصوصٍ مسرحيةٍ سياسيةٍ صريحة. لكن أبو صليب يشير إلى أن هذه المساحة لم تكن دائماً ساحةً لحرية التعبير فحسب. فقد استغلت السلطة المسرح السياسي في لحظاتٍ محددةٍ لخدمة رسائلها، خصوصاً عند حلّ البرلمان حلّاً غير دستوريٍّ أو تعليق العمل بموادّ الدستور. قُدمت العروض آنذاك لتصوير مجلس الأمّة عاملاً يحفّز الانقسام والفوضى، ما يجعل العلاقة بين السلطة والمسرح علاقةً نفعيةً متقلّبة.
ولأن المسرح بات ساحةً رئيسةً للسياسة، حضرت الرقابة الكويتية لترصد صراعات التيارات السياسية المستحوذة على المسارح. ومن تتبّع المعارك السياسية مع المسرح وحوله، تظهر خارطة الحرب مع الرقابة التي طالت كل الفنون والآداب في الكويت. وذلك كما تروي بثينة العيسى في كتابها "شرف المحاولة: معاركنا الصغيرة ضد الرقابة" الصادر سنة 2023. وثّقت العيسى في كتابها مراحل الحشد الثقافي ضد الرقابة في الكويت وصولاً للتقاضي حولها في المحاكم الدستورية في سبتمبر 2024. وتشخّص العيسى الرقابةَ لا قضيةً فنيةً، بل "أرضاً للتكسب بين التيار الديني المحافظ والتيار المدني". وتثبت ذلك بتتبّعٍ تاريخيٍّ يكشف أن الرقابة تحوّلت إلى أداةِ صراعٍ سياسيٍّ، من أزمة قانون الصحافة والنشر سنة 1965 التي دفعت ثمانية نوابٍ للاستقالة، إلى تعديل قانون المطبوعات في 1976 و1986 بالتزامن مع الحلَّين غير الدستوريَّين للبرلمان.
محاولة الفريق الذي توثّق العيسى تجربته في مواجهة قوانين الرقابة في الكويت تُعدّ استمراراً لدور المثقفين والمفكرين في مواجهة السلطة. مثال ذلك رواية "بدرية" لوليد الرجيب، التي مُنعت سنة 1989 لأنها روايةٌ يسارية. عمل اليساريون آنذاك على تصويرها وتوزيعها بين الطلبة والأساتذة سرّاً، في مشهدٍ يعكس قدرة النخب على تحويل المنع إلى فعلِ تداولٍ ثقافيٍّ منذ بدايات توحش الرقابة.
لكن هذا الدور النخبوي تراجع مع انكماش القوى المدنية وتراجع حضورها في الحياة العامة. ومن أبرز مؤشرات التراجع أن المنبر الديمقراطي الكويتي قاطع الانتخابات البرلمانية أربع مرّاتٍ بين 2012 و2020، وترافق الإحجام الانتخابي مع خفوت الفاعلية السياسية للتيارات المدنية وانسحابها من موقع الدفاع عن الحريات.
تشير صفاء النوادري في دراستها "قضايا الأقليات في الدراما العربية" المنشورة سنة 2021، في مجلة البحوث الإعلامية بجامعة الأزهر، إلى أن جزءاً من هذا التراجع انعكس على الدراما والمسرح في الكويت. فالأعمال التي تبدو في ظاهرها تحرريةً لا تستعيد الإرث التنويري الذي ميّز المسرح الكويتي منذ منتصف القرن الماضي وحتى بدايات الألفية، بل تقدّم خطاباً نقدياً منقوصاً يبتعد عن جذور ذلك المشروع الثقافي التحرري الذي ظهرت ملامحه في بدايات المسرح الكويتي المبكرة. وفي مقابلةٍ مع الفراتس، يؤكد أستاذٌ جامعيٌّ كويتيٌّ فضّل عدم نشر اسمه أنّ الأزمة الثقافية — ومنها تراجع المسرح السياسي وعدم تصدّيه لمسائل مجتمعيةٍ وسياسيةٍ مهمّةٍ مثل مسألة سحب الجنسية — تكمن جذورها في غياب النخبة السياسية بعد سنة 2010، واختفاء أسماء مفكرين وكتّاب بحجم خلدون النقيب وأحمد الربعي. ما ترك الساحة بلا مشروعٍ مدنيٍّ قادرٍ على مواجهة الرقابة أو إنتاج خطابٍ مضادٍ أو بديل.
عندما وقف الفنان الكويتي الشهير سعد الفرج ليقدّم مسرحية "الكويت 2000" سنة 1965، مجسِّداً شخصية "علاوي" وقائلاً عبارته الجريئة: "السياسة شيء والدين شيء آخر"، أطلق شرارةَ تحوّلٍ ردّت عليه الدولة بالقضاء على المسرح السياسي، حسبما يرصد أبو صليب في دراسته. أُحكِمت الرقابة لتقرر ما يمكن وما لا يمكن قوله داخل الفضاء الفني. واستمرت الرقابة متشددةً على الأعمال المسرحية بعدها، كما حدث مع عنوان مسرحية "بشت الوزير" الذي تغيّر إلى "بشت المدير" تفادياً للاصطدام مع السلطة لدى عرضها سنة 1995، كما يوثق تحقيق عبد العزيز المحميد "شكوى الهزار إلى الهزار: تشكيل النتاج الفني للواقع الكويتي" المنشور سنة 2021.
أصبحت الرقابة في ضوء هذا التداخل واقعاً يومياً يتجاوز الجهاز الرسمي إلى التحكّم الفعليّ في حركة الأفكار. ومن أبرز الوقائع الدالة على ذلك إعادة السلطات الكويتية المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد إلى القاهرة بمجرد وصوله مطار الكويت سنة 2009 رغم حيازته تأشيرة دخول. واشتهر أبو زيد بقراءته التأويلية النصَّ الديني وانتقاده سلطةَ الخطاب الديني التقليدي. تذكر بثينة العيسى الواقعة في كتابها، وتُرجعها إلى تحريض نوابٍ برلمانيين كويتيين ينتمون للتيار الديني ضدّ أبو زيد على خلفية قضية الحسبة التي تقدَّم بها منتمون للتيارات الدينية ضده في مصر سنة 1996. ولم يكن ذلك حدثاً معزولاً، إذ سبقتْه دعواتٌ من نوابٍ كويتيين لمنع دخول "الأموات" إلى الكويت — مثل جلال الدين الرومي ومعروف الرصافي — سنة 2014، كما كتبت بثينة العيسى.
تعمّقت أزمة الرقابة على المسرح الكويتي كبقية الفنون، ومنها التمثيل الذي اشتهرت به الكويت في بداية الألفية الثانية. ترتب على هذا هجرة شركات الإنتاج الفني الكويتية لتصوير الأعمال في الإمارات وتركيا، كما يرد في تقرير قناة العربية "لماذا انتقلت الدراما الكويتية للتصوير في دبي وتركيا؟" المنشور على موقعها سنة 2017. فيما تؤكد النوادري في دراستها أن السلطات الرقابية الكويتية رفضت إنتاج مسلسل "ساق البامبو" سنة 2016، المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه فازت بجائزة البوكر العربية، ما اضطرّ فريق العمل للسفر إلى الإمارات لتصويره.
تصف العيسى وجهاً آخر لهذا الواقع، إذ تُستدعى الرقابة اليوم لا ضدّ الأعمال الفنية، بل مزاجاً اجتماعياً "يكرّس من بين الأمثلة محاربة الأفراد ضد أنفسهم". انتقلت ثقافة الرقابة لما تسمّيه العيسى "وطنيّون متحمّسون" يدافعون عن الفشل والنظام الإداري المترهل ورداءة الطقس، ليصبح كل ما يمسّ "جمال البلاد أو قُبحها، مجالاً للمقدّس الذي لا يُمسّ".
تظهر هذه المناورة بوضوحٍ في مسرحية "قفص الدجاج"، التي عُرضت سنة 1982 وكانت ضمن أوائل أعمال مسرح الطفل الغنائي. فالنص، كما يصفه الربيع، يعرض استعارةً سياسيةً واضحةً: دجاج "أم صابر" رمزٌ للشعوب المستعمَرة، والقط عنتر والفأر رمزان للقوى الاستعمارية المتصارعة على الثروات. حتى إن إحدى الشخصيات تقول مباشرة: "ها يا كبار، عرفتوا منو اللي يتحكم فينا؟"، في إشارةٍ صريحةٍ إلى أن المتلقّي المقصود ليس الطفل وحده بل جمهورٌ مدركٌ رمزيةَ النصّ ولجوءَه إلى الإيحاء لتجاوز الرقابة رغم تصنيف العمل مسرحيةً للأطفال.
تُعدّ مسرحية "ليلى والذئب"، التي عُرضت سنة 1988 وأدخلت للمناهج الدراسية، المثال الأوضح لهذه المناورة في مسرح الطفل الغنائي. فالمسرحية تبدأ باستعراض حالة السلام في القرية قبل أن تداهمها الذئاب، ويتردد فيها الغناء الشعبي: "خلّونا نتلذّذ بالأحلام، نبي [نريد] نلبس، نبي ناكل نبي ننام". بينما يُطرح سؤال "ليش ندخل في صراع؟" مفتاحاً رمزياً يُقرأ في سياق الثمانينيات: نهاية الحرب العراقية الإيرانية ورسوخ الهزائم العربية والتطبيع. وهكذا تتحول البطلة ليلى من شخصيةٍ تعليميةٍ إلى رسولةٍ سياسيةٍ تنذر بالخطر، كما يصفها الربيع.
شكّلت هدى حسين التي لعبت دور الشخصية الرئيسة في "ليلى والذئب" وجدان الكويتيين، إلا أنها — وفي مفارقةٍ طريفةٍ — ارتبطت بقضية سحب الجنسية أيضاً. مُنعت هدى من دخول الكويت بعد التحرير في فبراير 1991، بحجة أنها عراقية. أثار قرار السلطات سحب جنسيتها نقاشاً واسعاً آنذاك، وأعيدت لها لاحقاً. لكن نقاش سحب الجنسية منها عاد إلى الواجهة مجدداً في إطار حملة سحب الجنسية التي اشتدّت في الكويت في سنتَي 2024 و2025. قُدّمت "ليلى والذئب" بفريق عملها الأساس مرةً أخرى في عرضٍ خاص بدايات 2024، وسط الجدل حول صحة خبر سحب جنسية هدى حسين من عدمه. فأعاد الفن تمثيل نفسه داخل المناخ السياسي ذاته، بعد أكثر من ثلاثة عقود.
كَبُرت في هذه المناورات حاجة الفن الكويتي بكلّ أشكاله إلى الترميز. أوصى تحقيق عبد العزيز المحميد بأهمية صناعة أشكال التفافٍ ومناوراتٍ جديدةٍ للتغلّب على قيود الرقابة، "عبر الفانتازيا مثلاً". واستشهد بلجوء المتصوفة إلى الترميز خوفاً من المصائر التي تعرّض لها الحلاج مثلاً.
تُدخِلنا الدعوة المستمرة إلى الترميز في إشكالية المسرح الثقافي الكويتي، كما يسمّيه جاسم الغيث في دراسته "التثاقفية في المسرح الكويتي المعاصر: شكسبير نموذجاً" المنشورة سنة 2018 في مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية. يعرِّف الغيث "المسرح التثاقفي" بأنه مسرحٌ مستوحىً من الأعمال العالمية، استُخدم في الكويت مسرحاً طليعياً يقدّم نقداً للأنظمة السياسية مُحْتَمِياً بعباءة تقديم المسرح العالمي. ويضرب المثل بنصوص شكسبير التي عُرضت في الكويت "رغم ما تحمله من أفكارٍ استشراقيةٍ تجاه العرب"، واستُخدمت لتوجيه نقدٍ سياسيٍّ مستتر. ولكن هذا المسرح يحمل مشكلاتٍ يبرز الغيث بعضها، ومنها ما يسمّيه "التهجين اللغوي"، إذ تؤدي الترجمات المبسّطة إلى إفراغ النص من عمقه. ويضرب مثالاً على ذلك بترجمة كلمة "هوت" في مسرحية "هاملت" إلى "الحَرّ"، في حين تتصل بنيتها الدلالية الأصلية بالغليان والغضب والثورة.
لا يمكن تحليل موضوع الرمز دون النظر إلى ممارسات الرقابة الكويتية كما تنقلها العيسى. فاقتباسات كتب الشاعر السوري أدونيس، الممنوعة في الكويت، "قُرئت بحرفيّةٍ مفرطةٍ منزوعةً من طبيعتها الشعرية الاستعارية". ومُنعت رواية العيسى "خرائط التيه" الصادرة سنة 2015 بدعوى أنها مدغدغة للغرائز. وتجد العيسى في أسباب المنع تجلياً لعجز الرقيب عن فهم السياق وطفوه الدائم على سطوح النصوص، حيث العبرة عنده "بالملافظ والمباني" لا بالمقاصد والمعاني.
تهرّبت العيسى في روايتها "حارس سطح العالم" الصادرة سنة 2019 من اللغة المباشرة. وحاولت كتابة روايةٍ عن الرقابة لا تستطيع الرقابة منعها: "رواية نظيفة السطح، لكنها نصّ مشاغب في صمته". وعلى النسق نفسه، طمس الكاتب الكويتي سعود السنعوسي في ثلاثيته "أسفار مدينة الطين" الصادرة سنة 2023 كثيراً من العبارات بالسواد، لتصل إلى القارئ نسخةٌ متخيَّلةٌ، كما لو أنها نُقِّحت في وزارة الإعلام، مع غلافٍ لملفٍّ يُراجَع في دائرة الرقابة. ظهرت جمل السنعوسي المطموسة مع هامشٍ في أسفل الصفحة يحمل تعليقاً متخيَّلاً لموظفٍ في الرقابة. هذه اللعبة تُفسح المجال للقارئ لاستنباط المحذوف.
يمتد هذا الطمس إلى أمثلةٍ أبكر. فقد امتلأت الصحافة الكويتية سنة 1967 بصفحاتٍ بيضاء كُتبت عليها كلمة "مراقبة"، بعد صدور المرسوم الأميري في 5 يونيو 1967 بإعلان حالة الأحكام العرفية بسبب حرب يونيو. يومها أعلنت الكويت أنها في "حرب مع العصابات الصهيونية" وعُيّن الشيخ جابر الأحمد الصباح حاكماً عرفياً، فمنع دخول الطائرات والبواخر الحربية الأجنبية إلى الأجواء والمياه الكويتية. ونصّت الإجراءات على فرض الرقابة على الصحف ووقف نشرها أو تداولها، وإغلاق أيّ مطبعة، ومنع نشر ما قد يَمسّ النظام أو يخلّ به.
إلا أن تجربة المسرح الغنائي في الطفل، كما تظهر في مسرحية أحدب نوتردام، تنطلق هذه المرة من شبابٍ غير مسيَّسٍ أو منخرطٍ في العمل السياسي. يظهر ذلك في مقابلات فريق العمل، التي لا نستشفّ منها وعياً مباشراً للتلميحات السياسية الموجودة في المسرحية. ففي مقابلةٍ مع برنامج "ذه إنسايدر" عبر قناة دبي، يقول كاتب المسرحية جاسم الجلاهمة: "كيّفناها لتناسب العادات والتقاليد الكويتية.
بدوره، يقول منتج مسرحية أحدب نوتردام وملحّنها بدر الشعيبي — في مقابلةٍ مع برنامج "مونولوغ" الذي يُبث عبر منصة "تيك توك" — إن المشهد النقدي والجماهيري في الكويت انتقده وزملاءه، واتهمهم بتحويل المسرح الغنائي للطفل إلى "مراقص". لكن الشعيبي يرى أحدب نوتردام "مسرحاً حقيقياً، صُنع باحترافيةٍ كبيرةٍ، وبدون تنازلاتٍ فنية". ولم يذكر الشعيبي شيئاً عن المضمون والمحتوى.
أمامي وأصدقائي الكويتيين، المندهشين مثلي من مرور العرض بسلامٍ من مقصّ الرقيب في هذا الظرف السياسي شديد التشابه مع مضمون المسرحية، رأيتُ الحضور مزيجاً من الأطفال والكبار. كثيرون منهم يحفظون الأغاني التي تدعو للتحرر والعدالة.
عندما قال الطاغية على المسرح "دوروها جيبوها" بعد أن هربت روزالينا الغجرية، سرعان ما صرنا نحن المشاهدين جزءاً من اللعبة المسرحية. فقد بحث عنها الممثلون بيننا، نحن الجمهور، فيما تجاوب هذا الجمهور بتلقائيةٍ بمحاولة إخفاء الممثلة من هذا الطاغية فوق خشبة المسرح. كانت الموسيقى الحماسية مثيرةً للغاية. وفي مفارقةٍ حزينة، لا ينبغي نسيان أن أحمد إيراج — الذي يؤدّي دور الطاغية في المسرحية — سُحبت منه الجنسية في الحملة الأخيرة.
لعلّ تلك كانت ثغرات توني موريسون التي ستستمر في الظهور بينما يستمر الحصار الرقابي والسياسي. أما صديقي فما زال خائفاً ولا نرى أفقاً لنهاية هذا الخوف.

