تجاوزت الأسئلةُ حدودَ الأهلية السياسية والقانونية لشغل المنصب، فلامست طبيعة الأدوار والمراسم التي ترافق تعيين رئيس الحكومة. ففي جلسةٍ مع الأصدقاء بأحد مقاهي الرباط بعد تعيين رئيسة الحكومة في 29 سبتمبر 2026، وحتى يبرهن أحدهم على عدم أهلية فاطمة الزهراء، أشار إلى أنّها لن تتمكن من حضور المناسبات الدينية الرسمية والصلاة إلى جانب الملك، وهي من عادات المغرب السياسية.
أعادني هذا النقاش إلى المفكّرة المغربية فاطمة المرنيسي التي تستحضر، في كتابها "سلطانات منسيات" المترجم إلى العربية سنة 2010، تجربة رئيسة الوزراء الباكستانية بينظير بوتو التي واجهت اعتراضاتٍ عند ترؤسها الحكومة سنة 1988. اعتراضاتٌ استندت إلى التاريخ والتأويل الدينيّ للطعن في شرعية تولّي بينظير الحُكم.
من هنا، وجدتني أستعين بمشروع المرنيسي الفكريّ النقديّ وأنا أعيد النظر في السؤال التالي: هل يكفيَ أن تكون فاطمة المنصوري امرأةً لنفي أهليّتها للقيادة السياسية. هي عودةٌ لمشروعٍ فكريٍّ جعل من سؤال المرأة مدخلاً لأسئلةٍ أعمق: من يملك السلطة ومن يصنع المعنى، ومن يرسم الحدود بين الرجال والنساء. والأهم، كيف تتحوّل هذه الحدود، مع مرور الزمن، من ترتيباتٍ اجتماعيةٍ قابلة النقاشَ إلى حقائق تبدو طبيعيةً وثابتة. فقد كرّست فاطمة المرنيسي جزءاً كبيراً من مشروعها لمساءلة علاقة المرأة بالدين والتاريخ والسلطة، وجمعت في كتاباتها بين البحث الاجتماعيّ والنقد الفكريّ والسرد الإنسانيّ. وهذا ما يظهر في أهمّ أعمالها الفكرية: "نساء على أجنحة الحلم"، و"أحلام النساء الحريم"، و"الحريم السياسي"، و"شهرزاد ترحل إلى الغرب"، و"سلطانات منسيات".
درست المرنيسي العلوم السياسية في السوربون الفرنسية، ثم حصلت على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة برانديز الأمريكية سنة 1973، قبل أن تعود إلى المغرب وتواصل مسارها الأكاديمي بجامعة محمد الخامس في الرباط.
تُعد فاطمة من أكثر النسويات العربيات تأثيراً، وقد أدرجتها صحيفة "غارديان" البريطانية سنة 2011 ضمن قائمتها لأبرز مئة امرأة مؤثرة في العالم. "باستحضار قضايا الإيمان والهويات والاستعمار والثقافة إلى دائرة النسوية، تكون ساهمت مساهمةً جوهريةً في إثراء الفكر النسويّ"، هذا ما ورد في مقال الباحثة الهندية المتخصصة في دراسات النساء والنوع شازية مليك بعنوان "الإيمان والجندر في أعمال فاطمة المرنيسي"، المترجم إلى العربية سنة 2016.
يمكن العثور على بداية هذا المشروع في الحريم العائليّ (من الحرم، أي ما حُرِّم مسّه) الذي عاشت فيه المرنيسي طفولتها. ففي بداية كتابها "نساء على أجنحة الحلم"، المُعرّب سنة 1998، تقول: "وُلدت في حريمٍ بفاس". لم يكن الحريم عندها فضاءً مغلقاً يفصل النساء عن الرجال فقط، بل نظاماً من الحدود اليومية التي تحدد الحركة والفضاء والكلام والاختيارات، وما يجوز وما لا يجوز. وقد حظيَ هذا الحريم باهتمامٍ بالغٍ ضمن مشروع المرنيسي العلميّ والأكاديميّ، حسب وصف عبدالرحمن علّال، الباحث في جامعة محمد الأول بوجدة. ففي مقال "البنية الذهنية للحريم في حفريات فاطمة المرنيسي"، الذي كتبه سنة 2014، يقول علّال: "بات معها ذكر مفهوم الحريم متبوعاً باستدعاء اسم فاطمة المرنيسي التي راكمت فيه أبحاثاً مشهوداً لها بالعلمية والسبق والجدية".
تعود فاطمة المرنيسي إلى طفولتها وذاكرتها في كتابها "أحلام النساء الحريم" المُعرّب سنة 1997، لتخبرنا عن فاطمة الشابة التي حوّلت سنوات طفولتها إلى صوت النساء اللواتي شاركن ذلك الحريم معها، ويروين حكاياتهن. هذا ما جعل أستاذة الاقتصاد في جامعة غيلفورد الأمريكية ديا عبده تشير إلى أنّ فاطمة، بكتابتها عن حريم فاس، لا تتحدى الخطاب المحليّ والوطنيّ وحسب، إنّما تواجه خطاب الغرب عنها امرأةً تنتمي إلى الثقافة العربية والإسلامية. ورد ذلك في ورقة ديا عبده، بعنوان "ناراتنغ ليتل فاتيمة [. . .]" (سرد فاطمة الصغيرة [. . .])، المنشورة سنة 2007.
تستعيد المرنيسي تلك التجربة بنفَسٍ يتجاوز النظرَ إلى نساء الحريم ضحايا النظام الأبويّ. كان هذا الفضاء عالماً كاملاً من الحكايات والنقاشات والضحك والأحلام والتفاوض، أي أنّ وجود الحدود لم يكن يعني غياب القدرة على الفعل. فالمرأة داخل الحريم تحاول أن تعيد تشكيل هامشها الممكن داخل حدودٍ مفروضةٍ، أو كما تصفها المرنيسي في "أحلام النساء الحريم": "ليست الحدود إلا خط وهميّ في أذهان الذين يملكون السلطة". ولكن ما كان بإمكانها التأكد من ذلك في عين المكان، "لأنّ كلّاً من عمّي ووالدي يؤكد على عدم السماح للفتيات بالسفر لأنه خطر، والنساء عاجزات عن الدفاع عن نفوسهنّ". من هنا بدأ سؤال المرنيسي يتجاوز الباب والجدار إلى من وضعَ الحدود، ومن منحَها شرعيّتها، ولماذا نتعامل معها وكأنها كانت موجودةً دائماً.
تصبح الطفولة من منظور فاطمة المرنيسي مدخلاً لفهم الطريقة التي يتعلّم بها الإنسان، منذ سنواته الأولى، معنى المسموح والممنوع. فعبر هذه الطفولة تطرح أسئلة من نوع: متى تُزرع الحدود في الوعي قبل أن تصبح جزءاً من السلوك، ومتى يصبح الحريم منظومةً تحدّد للمرأة مكانها. وتطرح في كتابها أسئلةً مباشرةً من قبيل: "ما نفع الحريم؟ وكيف يمكننا أن نحقق فائدةً لبلادنا ونحن حبيسات في فناءٍ مُغلَق؟ لماذا نحن محرومات من التعليم؟ من ابتدع الحريم، ولأي غايةٍ ابتدعه؟". وهذه كلّها أسئلة تحوّل الحريم من مكانٍ إلى مفهومٍ بحمولةٍ ثقافيةٍ ثقيلة. فقد يسقط الجدار الماديّ، لكنّ الحدود يمكن أن تبقى حاضرةً في اللغة والتواصل والعادات والتربية، وفي الصور التي يحملها المجتمع عن المرأة والرجل. ولعلّ أخطر الحدود في نظر المرنيسي هو ذلك الذي لا يحتاج إلى حارسٍ، حين يبدأ الإنسان في حراسة حدوده بنفسه. وعن تلك الفكرة، تكتب: "[فالحريم العائلي] مكانٌ محميٌّ منظَّمٌ وفيه ضوابط عرفية محدّدة [. . .] ويحدد الحريم من خلال فكرة الملكية الخاصة والقوانين التي تنظمها [. . .] تصبح فيه الجدران عديمة الجدوى".
وكما للحريم طفولة، فإنّ التصوّر الاستشراقيّ عنه له طفولة أيضاً. ترى ديا عبده أنّ فاطمة المرنيسي تفصّل في تقديم تصوّرٍ استشراقيٍّ "لحياة النساء العربيات والمسلمات ضحايا مضطهدات لمؤسسةٍ سيئة السمعة تسمّى 'الحريم'، حيث لا يمكن قراءة 'أحلام النساء الحريم' بمعزلٍ عن التاريخ الطويل للتمثيل الاستشراقي للحريم". فوفقاً للمرنيسي، رسّخت الثقافة الغربية صورةً تختزل الحريم في فضاءٍ مُغلَق تسكنه نساءٌ شرقياتٌ خاضعاتٌ ومحاصراتٌ خلف الأبواب، ومحكوماتٌ بالشهوة والعنف والترف. وهي صورةٌ كرّستها الأدبيات والفنون الاستشراقية، ثم أعادت السينما ووسائل الإعلام إنتاجها بأشكالٍ مختلفة.
ومع أنّ الأسرة كانت فضاء المرنيسي في مواجهة هذه الحدود، إلا أنّها لم تكتفِ بتفكيكها في "أحلام النساء الحريم". فقد ذهبت إلى مصدرٍ آخر يمنح بعض الحدود قوةً أكبر، وهو التاريخ وتأويل النصّ الدينيّ. لا ترى المرنيسي التراث كتلةً واحدةً مغلقةً، وإنما فضاء تعددت داخله الأصوات والتأويلات والصراعات. كان هذا صلب مشروعها الفكريّ. وفقاً لشازية مليك، فإنّ كتابات المرنيسي ترتبط بحقل اللاهوت النسوي: "وعلى غرار النسويات الإسلاميات الأخريات، فقد قدّمت تأويلاً للإسلام نسائيّ النزعة، ومراعياً للفوارق بين الجنسين".
هكذا، لم تتعامل المرنيسي مع الماضي سلطةً نهائيةً على الحاضر. هي تعود إليه لتكشف أنّ ما نراه اليوم حقيقةً تاريخيةً واحدةً قد يكون في الأصل نتيجة اختيارٍ وتأويلٍ وانتقاءٍ وتراكمٍ طويل. فهي ترى في كتاب "الحريم السياسي: النبي والنساء"، المُعَرّب سنة 1989، أنّ الرجوع إلى الماضي رجوعٌ "إلى التقليد الذي يطالب به الرجال وسيلةً لإعادة وضع الأشياء إلى 'نصابها'. نصابٌ لن يصلح كلّ العالم، وبخاصة النساء اللواتي لم يقبلنه أبداً". ومن هنا كان لعلاقة المرنيسي بالتراث طابعٌ نقديٌ خاصٌ. فلم تكتفِ بأن تسأل ما الذي قيل عن المرأة، بل تخطّت ذلك لتطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً: عن السبب الذي يجعلُ رأياً إسلامياً عن المرأة حاضراً، بينما اختفت آراء أخرى.
هنا تأتي النقلة النوعية في مشروع فاطمة المرنيسي في كتابها "الحريم السياسي". فهي تنتقل فيه من الحريم العائليّ إلى الحريم السياسيّ، ومن تجربة الطفولة إلى البحث في التاريخ الإسلاميّ المبكر. وهو ما جعل أسئلتها تتوسّع أكثر إلى من يملك حق تحديد موقع المرأة في المجال العام. أعادت المرنيسي، في الكتاب، فحص عددٍ من الروايات والأحاديث والتصوّرات التي استُخدمت تاريخياً في النقاش عن المرأة والسلطة السياسية. وتجاوزتْ فيه السؤال عن منطوق النصّ إلى تاريخه وتأويله ونقله واستعماله، لاسيما حين تقول إنّ "كثيراً من الآراء التي تؤدي إلى تكريس دونية المرأة في المجتمع الإسلاميّ لا تمت للإسلام بصلة".
لعلّ هذه إحدى أكثر أفكار المرنيسي راهنيةً اليوم. فالسلطة لا تعمل دائماً بالقوة المباشرة، إنّما تعمل أحياناً بالتربية والعادات والتأويلات، والصور المتكررة التي تجعل ترتيباً اجتماعياً معيّناً يبدو جزءاً من طبيعة الأشياء. فعندما يُقال هذا "مكان المرأة" أو هذه "وظيفتها الطبيعية" أو هذا المجال "ليس لها"، فذلك يعني أنّ السلطة لا تحتاج دائماً جدراناً، يكفي أن يصبح الباب ممنوعاً في الوعي قبل أن يُمنع في الواقع. وهذا ما تراه الكاتبة الفرنسية الأمريكية من أصلٍ إيرانيّ، سعيدة باكرافان. ففي مقالها "ريفيو أوف دريمز أوف تريسباس" (مراجعة كتاب أحلام التعدي) المنشور سنة 1994، تقول: "فما إن تعرف ما هو ممنوع، حتى تحمل الحريم بداخلك، ويصبح الحريم في رأسك".
لهذا، فسؤال المرنيسي عن المرأة كان في العمق سؤالاً عن إنتاج السلطة نفسها. ومن هنا نفهم أهمية الحكاية وفعل الحكي والسرد عند المرنيسي. ففي كتابها "أحلام النساء الحريم"، لا تستعيد أصوات النساء على أنّها تفاصيل من الماضي، بل تجعل من الحكاية وسيلةً لاستعادة المعرفة. وبذا، فالمرأة التي تحكي عن عالمها تنتج معرفةً عن ذلك العالم، والذاكرة التي كانت تبدو خاصةً وعائليةً تتحّول إلى مادةٍ لفهم المجتمع والعلاقات والسلطة والحدود. وكما تقول سمية هوزان، الأستاذة في كلية الآداب والفنون بجامعة مولاي السلطان سليمان، فقد شغلت المرنيسي بالحدود التي ترسمها السلطة الأبوية، منذ الثالثة من عمرها حين أرسلت إلى الكتّاب لدراسة القرآن، وأثارت هذه السلطة اهتمامها، لأنها كانت تلعب ضمن حدودٍ مسطر لها دون أن تعلم سرّها". وهو ما يظهر في مقال هوزان "صورة المرأة ومفهوم الحريم والحدود وتمثلاتهما في كتابات فاطمة المرنيسي"، المنشور سنة 2025.
انطلاقاً من هنا، فالمرنيسي لا تتحدث عن الماضي فقط حين تقول إنّ ما يبدو طبيعياً قد يكون تاريخياً، بل تمنحنا أداةً لقراءة الحاضر. تقول أستاذة علم الاجتماع بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس أسماء بنعدادة إنّ المرنيسي انتبهت منذ البداية إلى "أنّ فهم المشكلات اليومية والسوسيوثقافية [الاجتماعية والثقافية] للنساء من مختلف الشرائح الاجتماعية لا يتمّ من خلال رصد واقعهن ومعالجته فحسب، بل أيضاً من خلال الرجوع إلى التاريخ والقيام بقراءةٍ تفكيكيةٍ نقديةٍ للتراث والأسس الفكرية والدينية والخلفيات الثقافية التي تؤسس النظام الأبوي". ورد ذلك في مقالها "أعمال فاطمة المرنيسي بين المقاربة التاريخية والبحث الميداني"، المنشور سنة 2019.
هنا تكمن القيمة الأعمق لإرث المرنيسي. فقد بدأت من الحريم، لكنها لم تكن تكتب عن مكانٍ مُغلَق بقدر ما كانت تبحث عن الآليات التي تجعل الحدود ممكنةً ومقبولة. وهو ما نراه في كتاباتها المتكررة عن شخصية شهرزاد.
من هذه الذكرى الصغيرة، بدأتْ فصول علاقةٍ يمكن وصفها بالوجدانية. اتخذت المرنيسي من شهرزاد رمزاً للمرأة الواعية والمثقفة التي استطاعت بفطنتها وذكائها أن تأسر الملك شهريار وتكبح رغبته الجامحة في قتل النساء، كما يظهر في حكايات ألف ليلة وليلة. وما أثارها في شهرزاد لم يكن قدرتها على النجاة فحسب، إنّما قدرتها على تحويل الكلام إلى فعلٍ في مواجهة شهريار. فلم يكن معها سيفٌ ولا سلطةٌ ماديةٌ، لكن كان معها المعرفة والذاكرة والخيال والقدرة على تنظيم الحكاية وتأجيل نهايتها. تأثّرت المرنيسي بهذه الحكايات في طفولتها، زرعت فيها الرغبة في أن تكبر حتى تتمكن هي الأخرى من تنمية موهبتها راويةً تتقن الحكي ليلاً.
عبر الحكي، تحوّلت شهرزاد في وعي المرنيسي من شخصيةٍ تراثيةٍ إلى نموذجٍ لقوة الكلمة. وفي هذا السياق، تورد الباحثة والمؤرخة المصرية فاطمة حافظ في مقالها "قراءة في خطاب فاطمة المرنيسي النسوي" المنشور سنة 2012: "عبر منهجية السرد الحكائي، التي تُكثر المرنيسي من اللجوء إليها حتى لتستحق عن جدارة لقب شهرزاد، تمرر فكرتها الرئيسة، وهي أن الحدود — المرادف الحرفيّ للطاعة — يتمّ فرضها بالقوة عبر آليتَي الإرهاب والتخويف منذ الصغر".
يتجلى هذا في كتاب "شهرزاد ترحل إلى الغرب: ثقافات مختلفة، حريم مختلفة" المترجم إلى العربية سنة 2003. تنطلق المرنيسي في هذا الكتاب من تجربتها في الغرب لتفحص الطريقة التي تُبنى فيها صورة المرأة الشرقية داخل المخيال الغربيّ. لكنّ قوة الكتاب أنّ فاطمة لا تقع في المقارنة التقليدية بين شرقٍ مقيَّد وغربٍ متحرّر، بل تكشف أنّ أشكال السيطرة على المرأة تختلف من مجتمعٍ إلى آخر. فقد يكون الحريم في الشرق مرتبطاً بالعزل والفصل والرقابة على الحركة، بينما تظهر حدودٌ أخرى في الغرب كمعايير الجمال وصورة الجسد المثاليّ وثقافة الاستهلاك، والنظرة التي تجعل المرأة موضوعاً دائماً للتقييم.
ترى المرنيسي في كتابها هذا أنّ ارتحال شهرزاد إلى الغرب جرّدها من هويتها وذكائها وحكمتها، التي طالما امتازت بها في الشرق، وتتبع المرنيسي ذلك من ترجمة الفرنسي أنطوان غالان كتابَ ألف ليلة وليلة. من هذا المنطلق، ترى أنّ شهرزاد انتقلت من عالم الحكي العربيّ بين ثنايا الحكاية إلى الغرب بمفاهيمه عن الشرق الشبِق والجنسيّ. وتضيف الباحثة في جامعة الجيلالي بونعامة بالجزائر عائشة بوحناش — في مقال "النقد النسوي العربي، التحليل الجندري للثقافة الذكورية العربية" المنشور سنة 2023 — أنّ شهرزاد لم توصف بالذكاء في الأدبيات الغربية "على الرغم من جاذبيتها وقدرتها على نسج الكلمات وتوظيف ذكائها وبراعة في التأثير على العقل الذكوري".
في رأي المرنيسي، تحصر النظرةُ الغربية المرأةَ في صورة الجسد والشهرة والجمال. وتقول في كتابها إنّ "الغربيين لا يختزلون في أذهانهم إلا أشكال حريم تكوّنت انطلاقاً من الصور التي نسجها فنّانوهم". وهو اتجاهٌ تتقاطع معه راوية برجم، الباحثة في التيارات النقدية المعاصرة بجامعة محمد الشريف مساعدية في الجزائر. ففي مقالها "رمزية شهرزاد في خطاب فاطمة المرنيسي [. . .]" المنشور سنة 2018، تقول راوية: "اهتمام المجتمعات الغربية التي نُقل إليها نصّ 'شهرزاد' [كان] منصبّاً حول الجنس والعجائب والمغامرات، أي أنّهم أخذوا عن الشرق قشور الحضارة لا اللبّ الذي تمثله سمات البطلة".
ومن هنا تأتي قراءة فاطمة المرنيسي النقدية صورةَ الحريم الغربية. وقوّتها أنّها لا تسلّم بهذه السردية، بل تقلب الصورة لتسأل: ما الذي تكشفه عن الشرق، وعن الثقافة التي أنتجتها.
المشكلة بحسب المرنيسي ليست فقط أنّ الغرب قدّم صورةً مشوّهةً عن المرأة الشرقية، إنما بما تكشفه هذه الصورة عن الطريقة التي ينظر بها المجتمع الغربيّ إلى الجسد والمرأة والرغبة. تعبّر فاطمة عن هذا في كتابها عن شهرزاد، قائلةً: "إنّ الغرب الذي كان مهووساً خلال القرن الثامن عشر بالرغبة في الحرية، ومضطرباً بفعل النضال من أجل حقوق الإنسان، قد ألغى الرسالة السياسية لحكايات ألف ليلة وليلة في النسخة التي اعتمدها، وكذا الحسّ العقلي الذي تتوفر عليه الحاكية". وبالتالي، وإن أعلن الغرب — في نظر المرنيسي — التحرر والديمقراطية وسيادة المرأة وحريتها ومساواتها مع الرجل، فهي تلومه على تلك الصورة المتخيَّلة عن المرأة المشرقية، التي استوحاها من الترجمات وصور الرسّامين والأفلام.
في مواجهة هذه الصورة، تستعيد المرنيسي شهرزاد نقيض المرأة المختزلة في الجسد. فشهرزاد لا تنتصر لأنها أجمل، بل لأنها تجعل شهريار يصغي إليها. قوّتها في قدرتها على تحويل الكلام إلى تأثير، وعلى جعل السرد مساحةً للتفاوض مع السلطة. تقول المرنيسي: "لم تكن شهرزاد تتحكّم في الجنود، بل في الكلمات". وتضيف: لم "تذهب للموت بسذاجة، بل إنّ لها إستراتيجيتها، ولها خطّتها المضبوطة: أن تتحدث إلى الملك، وتشدّ أنفاسه إليها، إلى حدٍّ يجعله غير قادرٍ على التخلّي عنها". وهكذا تصبح شهرزاد، ضمن نطاق مفهوم الحريم، نموذجاً أوسع لمرأةٍ تقاوم المنظومة الذكورية بالكلمة.
مثّلت شخصية شهرزاد حيّزاً مركزياً في مشروع المرنيسي. فقد ناقشت فيه موقع المرأة، موظفةً سلطة السرد والحكي قوةً للدفاع عن أطروحتها عن حقوق النساء. فالمرأة التي تحكي عن نفسها تستعيد حقّها في إنتاج المعرفة عن ذاتها، والمرأة التي تكتب تاريخها تنازع الآخرين حقّ احتكار روايتها. وبهذا، تتجاوز كتابات المرنيسي الدفاع عن صورةٍ أكثر إنصافاً للمرأة، لتطالب بما هو أعمق: "أن تمتلك المرأة حق إنتاج الصورة التي تعرّف بها نفسها". فصورة شهرزاد "المطيعة وغير المرئية التي توقفت عن الكلام عند الفجر، لتطيع القانون الذي فرضه عليها زوجها الملك شهريار، أصبحت من الماضي". هذا ما قالته المرنيسي في مقابلةٍ لها سنة 2014 مع ماريا أنخلز روكي، مديرة تحرير مجلة كوادرنز دي لا ميديتيرانيا.
انطلقت المرنيسي في كتابها بسؤالٍ عن وجود نساءٍ في التاريخ العربي والإسلامي تولّين رئاسة دولٍ، مع إشارةٍ إلى أنّ بينظير بوتو (رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة) ليست الأولى في التاريخ. تقول المرنيسي إنّ هؤلاء النسوة موجودات "لكن شُطبن من التاريخ الرسمي"، وإنّ إخفاءهن يمثل "كل مظاهر الاغتيال التاريخي". أرادت المرنيسي أن تكشف أنّ الصورة التي ورثناها عن الماضي ليست محايدةً بالضرورة، وأنّ ما يُنسى في التاريخ قد يكون أحياناً جزءاً من الطريقة التي تُنتِج بها السلطة ذاكرتَها.
لكنّ أهمية الكتاب لا تكمن في إضافة أسماء نسائيةٍ إلى سجلّ الشخصيات التاريخية. السؤال الأعمق الذي تطرحه فاطمة المرنيسي هو كيف أمكن أن تُنسى هؤلاء النساء. فغياب المرأة عن الذاكرة لا يعني بالضرورة غيابها عن الحدث. توضّح المرنيسي أنّ هناك فارقاً بين ألا تكون المرأة قد شاركت في صناعة التاريخ، وبين أن تكون قد شاركت فيه ثم غابت عن الرواية التي حفظته. ومن هنا يصبح "النسيان" نفسه موضوعاً للتحليل، لأنّه يكشف عن آليات انتقاء ما يُروى وما يُهمل، وعن المعايير التي تحدد من يستحق أن يدخل الذاكرة التاريخية.
ومن هذا السؤال المركزيّ للكتاب، تدافع المرنيسي عن الحضور الوازن والمؤثر للنساء في حُكم الدول والأمم، وتناقش مسألة ظهورهن على المسرح السياسيّ حين يمتزج الجنس بالسياسة. تقول المرنيسي إنّ بعض النساء الموهوبات كانت لهن سلطةٌ على الخلفاء. وتسوق مثالاً من القرن الثامن عن الخليفة الأموي يزيد الثاني وجاريته حبابة التي ما إن كانت تشرع في الغناء، حتى تأخذه النشوة بعيداً ويهذي بكلماتٍ مفارقة العقل والمنطق. مما دفع المرنيسي إلى أن تقول إنّ "سلطة الإماء على الخلفاء أجرت تحّولات لم تنصّ عليها الشريعة، حتى في صميم النظام السياسيّ في علاقة النساء مع 'ممثل الله على الأرض'".
لهذا، لا تقدّم المرنيسي السلطانات والإماء بطلاتٍ استثنائياتٍ خارج سياقاتهن، ولا تحاول استبدال رواية ذكوريةٍ بأخرى احتفائية بالنساء. هي تعيدهن إلى تعقيد التاريخ وسلطة السرد نساءً وصلن إلى السلطة وفاوضن وتحالفن وواجهن مقاومةً، وأدرن شؤون الحكم داخل أنظمةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ محددة، لكن لا تجد لهنّ مساحةً في القصة التاريخية. وهو ما جعل كلّاً من الباحثة بجامعة الأمير عبد القادر بالجزائر فطيمة بوالطين، والأستاذ بقسم الفقه بكلية العلوم الاسلامية بجامعة كارابوك بتركيا نعيم حنك، يعدان كتاب المرنيسي "ناطقاً بصفةٍ خاصة عن توجهها العام الذي يحكم رؤيتها للموضوع. وكان ذلك بمثابة تحدٍّ للتاريخ الرسميّ الذي كُتب بأقلامٍ ذكورية"، كما جاء في دراستهما الصادرة سنة 2022، "المرأة والسلطة: قراءة في كتاب السلطانات المنسيات لفاطمة المرنيسي". لهذا نجد أنه، بدلاً من الاكتفاء بالسؤال "كيف عوملت النساء في التاريخ؟"، تدفع المرنيسي نحو سؤالٍ أهم: "ماذا فعلت النساء في التاريخ". والفرق بين السؤالين معرفيّ وسياسيّ في آنٍ واحد.
يتصل ذلك بمفهوم الحريم مرةً أخرى واهتمام المرنيسي الخاص به. فالحريم في مشروعها أحد المواقع التي يمكن أن تتشكّل داخلها علاقات القوة والتفاوض والنفوذ. ولذلك تلتفت إلى شخصياتٍ مثل الخيزران، أمة الخليفة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين، متسائلةً عن حدود موقعها بين الحظية وصاحبة السلطة. فقد استحضرت موقعها، زوجةً لخليفة، وكيف أثّر وجودها في الحريم على مسلكها السياسيّ فضاءً داخلياً ومنطقة سلام. مقابل ذلك، هناك الفضاء العام فضاء الحرب، ما شكّل عقبة كبرى أمام الاعتراف بها حاكمة. فمع أنّ كثيراً من المؤرخين، كما تقول المرنيسي، كتبوا عن مكانتها عند المهدي ومن ثم خليفته وبكرها الهادي ومن ثم هارون الرشيد، إلا أنّها بقيت تحكم من داخل فضاء الحريم.
هنا تتجاوز المرنيسي فكرة استعادة دور المرأة. فتسأل عن الطريقة التي يكتب بها التاريخ أحداثاً وقعت، ومن يختار الرواية، وما يستحق أن يُحفظ وما يمكن أن يُنسى. ولذلك، فإن المرأة المنسيّة تكشف، بقدر ما تكشف عن نفسها، عن بنية الذاكرة التي صنعت غيابها. بهذا المعنى، لا تقول فاطمة في كتابها "سلطانات منسيات" إنّ النساء حكمن أيضاً. هي تسأل: لماذا يُنظر إلى حُكم المرأة استثناءً يحتاج دائماً إلى التبرير، بينما يعامَل حُكم الرجل صورةً طبيعيةً للتاريخ السياسيّ. ولماذا يتحوّل الماضي إلى حجةٍ لإغلاق إمكانات الحاضر، مع أنّ التاريخ نفسه أكثر تنوعاً وتعقيداً مما توحي به الروايات الانتقائية.
لقد أعادت المرنيسي المرأة من موقع المُتحدَث عنها إلى موقع الذات التي تتكلم وتنتج المعرفة وتصنع التاريخ. لذلك، فالعودة إلى كتاباتها من شأنها أن تعيد صياغة أفكارنا، لأنها تدعونا إلى ألا نتعامل مع ما يبدو ثابتاً وطبيعياً حقيقةً مُطلقة. وهو ما يظهره الجدل الذي حدثَ إثر تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للوزراء في المغرب. فقد يكون وراء ما نراه اليوم حدوداً تاريخٌ جعلها كذلك، ووراء كل تأويل سلطة، ووراء كل نسيان رواية حُجبت، وهنا تكمن قوة إرث فاطمة المرنيسي.

