خُصّص ذلك اللقاء لما أسميناه "الدارجة التونسية بين الطرح الأكاديمي والتوظيف الإيديولوجي". استضفنا ضيوفاً بينهم ضياء البوسالمي، الشاب الذي نقل مذكرات الشاعر أبي القاسم الشابي من العربية الفصحى للعامية التونسية سنة 2018، تحت عنوان "مذكرات الشابي بالدارجة". مقابله جئنا بجاسر العيد، مؤسس جمعية "حماة اللغة العربية" ورئيسها. لا أستحضر اليوم كلّ النقاش الذي دار يومئذٍ، ولكنني أذكر احتدامه أحياناً، ونهاية حلقة النقاش في أجواءٍ من المزاح والهمز المكتوم دون التوصل لأرضيةٍ موحّدةٍ عن الموقف من الدارجة التونسية في الأدب. ربما كان الإشكال يكمن في تلك الثنائيات التي حاصَرْنا بها الكتابةَ بالدارجة التونسية. وهي ثنائياتٌ تتكئ على أسئلةٍ شروى أيّهما الأفضل للتعبير والكتابة، الفصحى أم الدارجة، وهل الدارجة أقرب إلى الأصالة أم الانحطاط الأدبي.
خلف حدود هذه الثنائيات تبدو الدارجة اليوم حاضرةً في الأدب وتُرى بعينٍ مختلفة. فقد صدرت بها أعمالٌ جديدةٌ ولمع تحت ضوئها كتّابٌ جددٌ، واكتُشفت أعمالٌ أخرى مغمورةٌ يعود بعضها للّحظات التأسيسية للأدب التونسي. جميعها من مشارب فكريةٍ وطبقيةٍ وقوالب أدبيةٍ متنوعةٍ، يؤلّف بينها كتابتها بالعامّية. بعضها عبّر عن رغبةٍ في ترقية فاعلين على حواشي التاريخ ومنحهم مكاناً أقلّ هامشيةً في السردية الجمعية التونسية، كما يظهر في مسرحية "الجازية الهلالية" لسمير العيادي. وأخرى استخدمت فيها الدارجة وسيلةً للتعبير عن الخصوصية السياسية والاجتماعية، كما في "الحيلة والعشق" ليعقوب شملة. ومن ثم وصولاً لكتاب "ريحة البلاد" لطاهر الفازع، الذي ارتكز على الدارجة لاستعادة أسلوب حياة طبقات المجتمع العليا بعدما عفا عليها الدهر. وربما كانت الدارجة تعبيراً غاضباً من أجل الفئات الهشة والمهمشة كالحال في رواية كمال الزغباني "مكينة السعادة". وتطابقه في المنحى رواية "راس العين" للشاعرة سلوى الراشدي. وعلى اختلاف منحاها أدبياً، فالوطاء المشترك بين هذه الأعمال توظيفُها الدارجة فرصةً للتعرف على أصواتٍ قد تُكتم لو كُتبت بالفصحى.
تنوعت السيرة حسب المناطق والقبائل. في مصر مثلاً، نجح شعراء الصعيد في حفظ هذا الموروث وتوثيقه بأكثر من صيغةٍ وروايةٍ، في حين تراجعت السيرة أو السير التونسية ولم يبقَ منها سوى نتفٍ متفرقة. وفي زمن توثيقِ النخبِ الحضريةِ الأدبَ التونسيَّ بدايات القرن العشرين، لم تَنَل السيرة وغيرها من السير الشعبية والبدوية اهتماماً، كما يذكر الشاعر محمد المرزوقي في كتابِه "الأدب الشعبي في تونس" المنشور سنة 1967.
في المقابل اهتم باحثون في الغرب بالسيرة، ومنهم لوسيان سعادة، الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي. إذ تمكنت من تجميع نسخةٍ شفويةٍ شبه كاملةٍ من السيرة وترجمتها للفرنسية سنة 1985 تحت عنوان "لا غاست هيلاليان" (السيرة الهلالية). شَفَعَت لوسيان العنوانَ بملاحظةٍ صغيرةٍ تقول "رواية بوثدي"، وبوثدي منطقةٌ ريفيةٌ وسط تونس اختارتها المترجمة لتجميع السيرة كما توارثها أهل المنطقة. على أهمية هذا العمل فإنه لا يقدم لنا صورةً كاملة. فالمتن لا يحتوي إلا على الترجمة الفرنسية، أما الأصل الشفوي كما كان يُحكى ويُنشد بلهجة أصحابه فقد ضاع.
وأمام هذا الفراغ الذي دام عقوداً طويلةً، لم يكن متاحاً للمهتمين بالسيرة حفظ الروايات المحلية، بقدر ما أمسى واجبهم إحياؤها واستدعاؤها من جديدٍ، ولو في قوالب فهمٍ معاصرة. كان أحد هؤلاء سمير العيادي ابن قرية المطوية بالجنوب التونسي، وقد مثّل الجيل الأول من مثقفي دولة الاستقلال التونسيين منذ 1956. "جيلٌ تمرّد على الرحم ولمّا يَزَل فيه" كما وصفه عبد الرؤوف الباسطي، وزير الثقافة قبل ثورة 2011، في تقديمه لأعمال العيادي المسرحية الكاملة والمنشورة سنة 2010.
كان العيادي شاهداً على حركات التحرر الوطني والاستقلال في إفريقيا في الستينيات، وعايش حركة الطلبة التونسيين التي بدأت احتجاجاتها في مارس 1968 ضد تقييد نظام بورقيبة الحرياتِ السياسيةَ وأثّرت في احتجاجات مايو من العام نفسه.
وسط هذه الأجواء خاض العيادي رفقةَ عددٍ من المسرحيين الشبّان، كتوفيق الجبالي والمنصف السويسي، عدّة تجارب مسرحيةٍ متمردةٍ على الرقابة وتأطير الدولة هذا النشاطَ عبر مؤسساتها، كمؤسسة "المسرح المدرسي". ومع هذه الموجة المتمردة والمنادية بالقطيعة مع السلطة، أسّس الشبّان حركات "مسرح الساعة" ثم "النادي المسرحي التجريبي" و"المسرح الصغير"، وهي تجارب واعدةٌ وثوريةٌ سرعان ما خَبَت.
مع بداية السبعينيات كان همّ العيادي أن يبحث عن "الصيغ الملائمة" للحكي، كما أسماها الصحفي فرج شوشان، في مقاله الذي صدّر به أعمال العيّادي الكاملة سنة 2009، بعنوان "من صخب الصمت إلى صمت الصخب". وهذه الصيغ التي بحث عنها العيّادي مكّنته من بعث مسرحٍ يسائل التاريخ والتراث وسرديات الثورة والتحرر والأحلام العريضة. وقد آل ذلك في النهاية إلى تغريبة بني هلال، وتحديداً عبر مسرحيته "الجازية الهلالية" التي كتبها سنة 1974، وافتتحت بها فرقة مدينة قفصة مهرجانَ الحمّامات تلك السنة.
سعت المسرحية لتقديم صورةٍ مختلفةٍ عن السيرة الهلالية ومساءلة خطابٍ سياسيٍ رسميٍ يحتل فيه بنو هلال مكانةً دونيةً (باعتبارهم دخلاء) ضمن التاريخ والهوية التونسية، كما صاغتها النخب التقليدية من فقهاء ومؤرخين وشعراء. ومنهم ابن خلدون الذي كتب في تاريخه المسمّى "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر [. . .]" في القرن الرابع عشر: "وسارت [. . .] جميع بطون هلال إلى أفريقية كالجراد المنتشر".
تنطلق المسرحية من كواليس الصراعات بين بلاط المستنصر الفاطمي والمعزّ بن باديس أمير إفريقية مطلع القرن الحادي عشر. ولم تكن قبائل بني هلال في الرواية الرسمية سوى أداة تخريبٍ في هذا الصراع، ولم يُمنَحوا فرصةً لإيصال أصواتهم.
في بداية المسرحية تحضر شخصية شاعر القيروان علي الحصري الذي عاش في القرن الحادي عشر راثياً بأبياتٍ من الفصيح تخريب "المفسدين" في القيروان. وفجأةً ينقطع المشهد بسخرية أحد الفلاّحين: "هكّا قالوا" (هكذا قالوا). هذه الجملة المتهكمة تأتي مباشرةً لنسف رواية من وصفهم فلّاحٌ آخَر من الحاضرين في المسرحية بأصحاب "الكتب اللي يتكلموا بالفقهي"، أي النخب من فقهاء ومؤرخين الذين يتحدثون الفصحى. وبهذا ينتهي كلّ حديثٍ بالفصحى في المسرحية، وعوضاً عنها تطغى الدارجة، لسان الفلاحين الذين اختارهم العيّادي لتقديم روايةٍ أخرى عن الحدث السياسي، روايةِ من هُم على الهامش.
لهذا نجد في هامش كتاب "الأعمال المسرحية الكاملة" للعيادي، الصادر عن وزارة الثقافة التونسية سنة 2010، ملاحظةً من العيادي موجّهةً للفرق المسرحية مفادها الارتجال باستقصاء الرواية الأخرى لصالح رواية المهمّشين. يقول: "المهم أن يقع الإلحاح على أسباب المجاعة السياسية والطبيعية"، التي دفعت بني هلال لمغادرة نجد. عوضاً عن عباراتٍ من قبيل "الزحف الهلالي" التي وظفتها المدونات الرسمية، لتصبح الهجرة الهلالية حركةً إنسانيةً طبيعيةً، وتمسي توقاً نحو الحرية والحياة بكرامةٍ للبربري والعربي على حدٍّ سواء.
هكذا حلم أبناء جازية الهلالية وأوّل من وصل بلاد الغرب في المسرحية، يونس ويحيى. إذ يقول يونس لأخيه في طريقهم إلى تونس: "زعمه [أحقاً] يا يحيى البلاد إللي تغيب فيها الشمس ما فيها حبس؟ ما فيها حاكم يتحكم فينا؟ ما فيها من يردعنا [. . .] ويمنعنا إذا حبّينا نغنّوا غنّينا وإذا حبّينا نحبّوا حبّينا [غنّينا إذا أردنا الغناء، وأحببنا إذا أردنا]؟". مثّل يحيى الفنان الحالم في الحكاية، في حين مثّل رفاقه المشروع الاشتراكي المبكر والحق في توزيع الثروة بعدلٍ، وفقاً لسردّيتهم الخاصة التي حفّزهم عليها شيخ القبيلة الحسن، أخو الجازية، عندما قال لهم: "لقينا إللي عندنا ما يكفينا. الدنيا مقسومة أقساط أقساط والقسمة غير عادلة، وما يرضى سواد الليل كان البوم". وبهذا قد تكون السيرة الهلالية انعكاساً لطموحات العيادي ونضاله مع أبناء جيله.
في المسرحية تأتي الهزيمة النهائية بعد فشل محاولات التوفيق بين أسلوب حياة أهل القيروان الحضري ونظرائهم من البدو الهلاليين، لينتهي الصلح المؤقت بين بوزيد الهلالي والجازية والعلام أمير القيروان بمذبحةٍ قادتها قوّات أمير القيروان. عند هذه المرحلة لا يرتفع سوى نداء الحرب. يدخل الأمير الهلالي ذياب المعركة لإنقاذ فلول الهلاليين المنهزمين. وبعد سلسلةٍ من الانتصارات يخوض معارك مع الزناتي خليفة، أقوى أمراء البربر في السيرة وأشدّهم على الهلاليين.
تواصلت المبارزة بين البطلين حتى انقضى الشتاء وحلّ الربيع ثم الصيف دون جدوى. وفي الأثناء ضاعت البلاد وصارت ثغور إفريقية عرضةً للغزاة النورمان القادمين بحراً من شمال أوروبا. على الأثر، عشّش مكان الطيور الحقد، وغادر عصفور "الخُطِّيفة" (السنونو) أشجار الصفصاف شاكياً للسماء ما حلّ بالأرض، كما يحكي العيادي في المسرحية.
وفي المخيّمين المتصارعين أدرك الأبطال استحالة الانتصار بين عديلَيْن. وفي لحظة يأسٍ تتسلّل سُعدى بنت الزناتي خليفة إلى مخيم الهلاليين وتسرّ للجازية وذياب بموضع الضعف في درع والدها، تضحيةً بوالدها من أجل السلام. وبذلك ظَفَرَ ذياب بالنصر، وبدلاً من المصالحة بين العرب والبربر، استعبد ذياب الأقربين من بني هلال وأهل الأرض المهزومين من البربر على حدٍّ سواء. وبصوت سعدى، الأميرة السبيّة التي ضحّت بوالدها، يتلو العيّادي مرثيّته ولكن بالدارجة هذه المرّة على لسان سعدى:
يا ليت قصير العمر ما يخلف الضنا .. ويا ليت جيّاب [مُنْجِب] البنات عقور
يا ليت الأحباب إذا نووا يتلاقوا .. وباباي [أبي] من تحت التراب يثور
تصيح سعدى بالمسرحية بكلمة "يثور" في يونس وزيدان وبوزيد وأسياد بني هلال. ووحدها الجازية، شيخة القبيلة، تتقدم من ذياب المستبد بنصيحةٍ تشارف معها المسرحية على نهايتها، فتقول له: "انس الحقد يا ذياب واخدم هالأرض، اخدمها مع الناس الكل يكثر الخير".
الجازية عند العيادي أكبر من مجرد شيخة قبيلةٍ، فهي الأم والوطن ونصيحتها تلك لم تكن مُسداةً فقط لذياب الذي يتسامر بذكره الشعراء. بل كانت معنيّةً لذياب الحقيقي، المستبد وحده بالحكم في قصر قرطاج، القائد والزعيم الحبيب بورقيبة الذي نجح نظامه آنذاك في تطويق كامل الحركات السياسية وتطويع جلّ المنظمات المدنية. وهذا يدعمه استنتاج الصحفي التونسي سفيان بن فرحات في مقالِه "ديز أوريجين أ نو جور [. . .]" (منذ نشأته إلى الزمن الراهن[. . .]) الصادر سنة 2008، حول طبيعة الأعمال المسرحية في عهد بورقيبة. إذ يشير لدور السلطة المزعج والمتحد الذي قاده سمير عيادي ورفاقه بين سنتي 1966 و1975، عبر إنتاج أعمالٍ مناهضةٍ خطابَ السلطة الرسميّ، قوامها التركيز على الفئات الهشّة من طبقة العمّال الحضرية الجديدة، وأبناء الفلاحين المهمّشين ممّن صنعهم منوال تنميةٍ رأسماليةٍ مطلع السبعينيات.
ولكن تجربة العيادي في استخدام الدارجة لإظهار المهمّشين لم تكن الوحيدة، فقد سبقته أصواتٌ سياسيةٌ أخرى. وأبرزها يعقوب شملة الذي وظّف الدارجة أداةً لتعزيز الخصوصية الاجتماعية والسياسية لأقليته اليهودية، وحقّها في التمايز في المحيط التونسي الأوسع.
سنة 1916 أصدر شملة روايته الأولى "الحيلة والعشق". وقد وضعها بالأحرف العبرية، ولكنه كتبها بالدارجة اليهودية التونسية، التي كانت خليطاً من العربية والعبرية، مع غياب الحروف الأساس على غرار الذال. ومن ذلك كلمة ترد بتواترٍ في الرواية "الرديل" والتي يقصد بها "الرذيل".
وبقدر ما تمثله رواية شملة اليوم من وثيقةٍ نادرةٍ عن لغة يهود تونس المحكية، فإنها تمثل أيضاً وثيقةً تعكس ما صبا إليه يهود البلاد وقتئذٍ، وهُم أقليةٌ، من مشاريع وأحلامٍ سياسية.
ارتفعت أعداد اليهود في تونس من ثلاثين ألف نسمةٍ سنة 1860 إلى أكثر من مئة ألفٍ عشيّة الاستقلال سنة 1956، ثم انخفضت سنة 1961 لتبلغ خمسة وخمسين ألفاً، بحسب ما أورد المؤرخ عبد الكريم العلاقي في كتابه "جويف إي موسلمان أون تونيزي" (يهود ومسلمون في تونس) الصادر سنة 2016. ويقول العلاقي أنه كان ليهود تونس حضورٌ لافتٌ في الشأن العامّ، إذ انتمى بعضهم للدوائر المقربة من السلطات الفرنسية الاستعمارية أو البلاط الحسيني الحاكم. وانخرط بعضهم الآخر في صفوف الحركات الشيوعية والاشتراكية والحركة الوطنية الناشئة. وتوجّه قسمٌ آخر مبكراً لتبني الأفكار الفتيّة حول مشروعٍ سياسيٍ يهوديٍ خالص.
انعكس هذا الزخم المعرفي والسياسي على حركة الكتابة والطباعة والنشر بالعبرية التونسية، وقد بلغت أوجها في بدايات القرن العشرين. ويشير الكاتب السعودي عبد الرزاق القوسي في كتابه "اللغة العربية اليهودية ورحلة الفرع المجهول من الأدب العربي" الصادر سنة 2019 إلى أن تونس كانت أكثر بلدٍ عربيٍ ازدهرت فيه حركات الطباعة بالعربية اليهودية، ثم العراق في مرحلةٍ لاحقة.
ولأن شملة كتب روايته بالحروف العبرية، فقد انحجبت عن أغلبية التونسيين. وكذا صارت الدارجة، التي يفهمها اليهود التونسيون، صوتاً خاصاً ووسيلة دعايةٍ وإنتاجٍ داخليٍ للتعريف بالخصوصية اليهودية، لا منطلقاً للحوار مع الآخر المختلف. وقد تُوصف هذه الدارجة بأنها أداةٌ للتعبير عن الهامش بتعزيز هويته وهمومه وآماله طريقاً متبايناً مع المحيط التونسي الأوسع.
تسرد رواية "الحيلة والعشق" قصةَ حبٍّ تقليديةً تجمع شاباً يهودياً وسيماً بفتاةٍ جميلةٍ بينما يحاول ثريٌ لئيمٌ إحباط تلك العلاقة. ويعتمد الكاتب في الرواية حبكةً أقرب للسذاجة لتحقق الرواية نهايةً سعيدةً تعلي من شأن الحب الصادق. ومع ذلك، أراد شملة من إطار العاطفية هذا أن يكون محملاً للقضية السياسية التي يدافع عنها، أي التضامن اليهودي في كلّ أنحاء العالم، بدايةً من الجزائر حيث انطلقت أحداث الرواية مروراً بتونس وفرنسا ونيويورك.
وحيثما ذُكر الشتات تحضر فلسطين ضمناً. وربما تأتي هنا أهمية "الحيلة والعشق"، إذ تعكس مرحلةً من الالتباس الانتقالي لدى النخب اليهودية خاصةً في المستعمرات الفرنسية ومنها تونس. ينقل العلاقي عن أجواء ذلك العصر ليقول إنّ الشباب اليهود ترعرعوا في مناخٍ فكريٍ محلّيٍ طغت عليه رؤى "الاتحاد الإسرائيلي العالمي" وأفكاره، إذ أُسِّس في باريس سنة 1860، وأدّى دوراً في الشمال الإفريقي. حمل الاتحاد مشروع الدفاع عن حقوق يهود العالم، وتحديداً ضدّ "معاداة السامية" التي يشير لها شملة في أكثر من موضعٍ في الرواية بعبارة "الإنتيزيميتيزم". وقد اتخذ الاتحاد مظهراً سياسياً قومياً مع ظهور الصهيونية سنة 1897، ولم تظهر دعوات "الوطن القومي" لليهود في فلسطين صراحةً في أدبياته إلا إثر وعد بلفور سنة 1917.
عكس شملة هذا الالتباس في روايته، إذ يحتفي بانتصارات اليهود في العالم، لاسيما سعيهم لتحقيق مواطنتهم الكاملة. ولكن في مقابل ذلك ترد إشاراتٌ غامضةٌ عن الوطن القديم وأمل بعثه. ففي مشهد صداق العروسَيْن يمنحهما كبير الأسرة بركته قائلاً: "راول وديانه يجعل من درييتكم تجديد مملكتنا، ويعلا شان قومنا الحقير الدليل، ويرجع قوم قوي شجيع متل الجدود"، أي دعا لهما على أمل أن يثمر زواجهما ذرّيةً تعيد بعث مجد مملكة اليهود القديمة وترفع من شأن بني إسرائيل، كما كان أجدادهم قديماً. ومع نهاية الرواية تبلغ حماسة شملة منتهاها ليذلّل العمل بدعاءٍ موجّهٍ للقرّاء فحواه: "ان الرب يجمعنا في وطننا، وعن قريب تتكون مملكتنا، ونرجعو لعزنا القديم واحترامنا، امين".
تبدو رغبة التوعية والتعبئة السياسية لغرض الخصوصية اليهودية في الرواية ظاهرةً، وللغرض ذاته يوظف شملة حبكة السرد واختيار الشخصيات.
اختار شملة شخصيةً متخيَّلةً من يهود فرنسا تحت مسمّى "راوول درايفوس"، اعتماداً على قصة ألفريد درايفوس، الضابط الفرنسي اليهودي المتهم بالجاسوسية للألمان سنة 1894، التي مثّلت واحدةً من أشهر قضايا الرأي العام في فرنسا ومعاداة السامية في العالم. وقد وظّف شملة روايته لتوضيح موقفه من الحدث وتبعاته السياسية وليوجّه رسالةً لكلّ متابعي القضية بضرورة الاعتزاز بألفريد درايفوس وما حلّ به. يقول في الرواية: "نعلم يقين بان درايفوس يخرج بري بالكامل، ويظهرو حقوقهو الدي انغباو مددة أعوام، ويرجع لهو اسمهو واحترامهو ويزيد يعلا مقامهو". وذلك تأكيداً منه على براءة الضابط التي لا بدّ أن تظهر ولو طال الزمن، ومعها يعود له احترامه وسمعته ويرتفع اسمه من جديد.
هذا ما حصل فعلاً في نهاية الرواية، على غرار القصة الحقيقية التي بُرّئ فيها ألفريد درايفوس بعد عشرة أعوامٍ من اتهامه. غير أن أكثر ما يوظف له شملة هذه القضية ليس درايفوس في حدّ ذاته، وإنما موقفه المدافع عن الدولة الفرنسية وحضورها في تونس، وهو الموقف الذي يودّ تعبئة كلِّ من يقرأ العمل من أجله. في هذا الموضع بالذات يتوقف السرد وتصبح الشخصية الأولى السيد إدمون درايفوس، والد راوول، مستمعاً لموعظةٍ سياسيةٍ مطولةٍ يلقيها على مسمعه نظيرُه رجل الأعمال رودولف، أحد الشخصيات الرئيسة في الرواية وأكثرها ارتحالاً بين دول العالم.
بفضل ارتحاله تمكن رودولف من تجميع صورةٍ عامةٍ على أحوال اليهود حول العالم. وخلاصة تجربته إبراز أفضال فرنسا على يهود العالم، إذ يستهلّها رودولف بقولِه: "انت فرانساوي وانا يهودي متلك"، لتصبح جملةً تكفي لإبراز التباس الهوى والانتماء عند شخصياته. ويمكن فهم حماس الرواية في تعداد أفضال فرنسا في سياق الأجواء السياسية السائدة في تونس حينئذٍ، تحديداً داخل الأوساط اليهودية. ويصف عبد الكريم علاقي في كتابه "يهود ومسلمون في تونس" الموقف اليهودي من استعمار البلاد سنة 1881، بقولِه إنّه على خلاف المسلمين رحّب اليهود بالحماية الفرنسية، إذ إنها أول دولةٍ تمنح المواطنة الكاملة لليهود في العالم سنة 1791.
وباستخدام شخصية رودولف معطىً سردياً في الرواية، يتحدث شملة أيضاً عمّا كان عليه حال يهود البلاد قبل تدخل فرنسا لفرض وثيقة عهد الأمان الدستورية سنة 1857 التي أصدرها محمد باي حاكم تونس تحت ضغطٍ أوروبيٍّ وأقرّت المساواة بين المسلمين وغيرهم من سكان الإيالة.
وهكذا بشأن حال اليهود قبل 1857، يكتب شملة في الرواية: "اليهود الدي بالوطن التونسي كانو في أعظم العداب والحقر والدل [. . .] وفرانسا هي الدي نغرت علا بنو قومنا وكسسبتهم الحرييه التاممه"، أي أنّ فرنسا هي التي أعطت الحرية التامة لليهود بعد سنين من الذل والاحتقار. وفي النهاية، يختم رودولف خطابه الطويل كالآتي: "جميع الاقوام عليهم ليشكرو فرانسا خالقة الحرييه في العالم".
في إثر "الحيلة والعشق" نشر شملة روايةً أخرى سنة 1923 بعنوان "صدور الأحرار، قبور الأسرار"، وهي روايةٌ لا تزال بحروفها العبرية، بالدارجة اليهودية التونسية، محتجبةً عن عموم التونسيين اليوم. ولعلّها بذلك تنال المرجوّ من ورائها بأن تبقى بعيدةً عمّن لم تُكتَب لهم. فمع انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945، بدأت الهوّة تتسع بين اليهود وبقية التونسيين المسلمين. ثم تتالت الأحداث مع نكبة فلسطين سنة 1948، واستقلال تونس سنة 1956. هنا توترت العلاقات، كما يحكي العلاقي في كتابه، وأصبح خيار مغادرة البلاد ملحّاً على نفرٍ من اليهود. وكذا انسحبت القوات الفرنسية من آخر قواعدها العسكرية في تونس سنة 1962، وهو ما ضاعف القلق عند الشرائح اليهودية.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة مع حرب 1967، إذ تسببت النكسة العربية في موجة عنفٍ واحتجاجاتٍ في جلّ المدن التونسية، استهدف بعضها محالّ اليهود وممتلكاتهم، وكذلك كنيسهم الأكبر في العاصمة. غادر تونس في تلك السنة وحدها ستة آلاف يهوديٍّ جلّهم يمّموا شطر فرنسا، لينحصر عدد الباقين منهم في تونس اليوم في حوالي ألفَيْ نسمة.
ومع تشتّت المكوّن اليهودي التونسي واختلاطه بشرائح يهوديةٍ أخرى في المهجر، تراجعت حركة الكتابة بالدارجة اليهودية التونسية إلى أن انتهت. ففي فرنسا وإسرائيل لم يعُد لهذه اللهجة المميزة من داعٍ في واقعٍ مختلطٍ جديد. ورويداً رويداً، تراجع استعمالها ضمن الفضاءات المنزلية وبين كبار السنّ.
وفيما تبدو مطالعة أعمال شملة أقرب إلى مطالعة وثيقةٍ مخفيةٍ تشهد على ماضٍ مندثرٍ، صار دورُ الدارجةِ الجديدُ هذا يؤدّى عكسياً اليوم. إذ باللجوء للدارجة في الكتابة يمكن بعث ماضٍ مختلف. ولعلّ الصحفي وكاتب النص طاهر الفازع واحدٌ من خير من استفادوا ممّا تمنحه الدارجة من إمكاناتٍ في هذا الصدد، عبر كتابه "ريحة البلاد: جولة حنين في لمدينة والرّبطين" المنشور سنة 2023.
فمثلاً تعدُّ الجيم المصرية وطريقة نطق ضمير المتكلم المفرد رمزَيْن للفصل بين تونسيّي الدواخل والأرياف والقرى وبقية الفئات الهشّة من جهة، وبين أحياء المدن الكبرى الشعبية من جهة أخرى. فالفئات الهشّة هذه تستعملُ الجيم المصرية وضمائر المتكلم "نا" و"ناي"، في مقابل سكان السواحل والحواضر مثل تونس والقيروان ممن ينطقون القاف ويستعملون "آنا" و"آني". وتبقى ثمة استثناءاتٌ إذ يحدث أن يتكلّم بعض سكان الدواخل بالقاف، كسكّان جبل وِسِلّات القدامى في وسط البلاد، في حين يستعمل كلّ التونسيين الجيم المصرية لبعض الكلمات مثل "قازوز" للمشروب الغازي.
من أجل إبراز الفروقات بين صنفي السكّان لا يستعمل الفازع غير اللهجة، وتحديداً في أجواء "الحاضرة" (العاصمة تونس). ويُقصد بالحاضرة المدينة العتيقة الكامنة وراء السور الفاصل مع مساكن علية القوم والأعيان، وهو تقسيمٌ استمر حتى ثلاثينيات القرن الماضي. لذا يسترجع الفازع في إحدى صفحات الكتاب ذكريات التقسيم العمراني لفضاء المدينة آنذاك. وهنا يميز الفازع بين صنفين من السكان: الأول هم "اللي يسكنو في الحزام الاول هوما البلدية متاع 'زَيْت وحَيْط ومشَيْت للجنينة خذاتني عيني'، وسكان الحزام الثاني متاع 'ولد باب السويقة [بجيم مصرية] والعوج ما نطيقا'".
تفصح تلك الكلمات عن اختلاف العوالم وأسلوب الحياة. فترقيق نطق الكلمات والتحدث بما يسمّى "الحلّة"، أي بنبرةٍ متراخيةٍ، يتناسق مع النوم في هناءٍ وسرور. إذ يعكس ذلك رغد عيش أبناء المدينة القديمة "البِلدية" ورقّة أحوالهم، حتى إنهم لا يتحرّجون من الاسترخاء في بساتينهم أو الجنينة ولو أدّى ذلك إلى نومهم، فالحياة هانئةٌ ولا تطلب كدّاً وجهداً كبيراً. وفي المقابل تأتي كلمات ساكن باب السويقة، أهمّ أحياء الحاضرة الشعبية قديماً، مقتضبةً وغاضبةً ولا مجال فيها للعوج، أي التساهل أو الرقة، وكأن ذلك امتدادٌ لشظف حياة الطبقات الدنيا وقسوتها.
وقد سبق أن عقد سمير العيادي هذه المقارنة في مسرحيته "الجازية الهلالية". ففي أحد مشاهد المسرحية يجمع رجلٌ بين زوجتيه، الأولى من دريد إحدى قبائل بني هلال، والثانية بلدية من حضر القيروان، ويشرع في المقارنة بين أساليب حياتهما. إذ يسأل الرجلُ عن خير الأسماء والمآكل وأخيراً عن علامة طلوع النهار. وهنا تجيب الدريدية بلهجتها الحازمة: "إذا رزم الفحل في المراح"، أي إذا تحركت فحول الدوابّ في حظيرتها، في حين أجابته البلدية: "ذا دقّوا الباب عليّه"، أي فقط عندما يضطر الناس إلى إيقاظها عنوة. وهنا تنتهي المفاضلة بتطليق البدوي زوجته البلدية ساخراً من كسلها وخمولها ومنطقها المتراخي. المقارنة السابقة في عمل العيّادي كانت أشبه بالاستطراد السريع لصالح البادية، الذي يتوقف مداه في تلك النقطة لتعود الكتابة خدمةً لقضايا أخرى. وفي مقابل ذلك فالمقارنة في بداية "ريحة البلاد" مقدمةٌ لثنائيةٍ بني عليها الفازع مجملَ كتابه.
تبدو مقارنة الفازع بالدارجة متحيّزةً ضد البادية التي زحفت على الحاضرة، وقضت على خصوصيتها ورائحتها. والرائحة هي مفتاح الفازع لإحياء تونس القديمة، ونقيضتها الحالية. يكتب قائلاً: "الروايح اللّي كانت تفوح مالمدينة، كانت تهز عروش القلب [. . .] دار تشم فيها ريحة معجون السفرجل بالقرفة وعود القرنفل، ودار ريحة الملّاوي [نوع من الخبز المحلّي في تونس] بزيت الزيتون". وعلى النقيض من الروائح المنزلية والطبيعية التي كانت تزخر بها، يأتي واقع المدينة اليوم معطلّاً الحواسَّ أو خليطاً من روائح الصناعة والمشافي والطعام المصنع الرخيص، فيكتب الفازع في مكانٍ آخر من الكتاب: "توّا سملّة العظيم [بِاسم الله العظيم] يا ما تشمّ شي يا تشمّ ريحة مرقاز البهايم [نقانق الحمير]، يا دجاج الحاكم [ دجاج المصانع]، يا برودو السبيطار [حساء خضر المستشفيات]".
لا يتعلق الأمر هنا بعالمٍ صناعيٍ حديثٍ هدم ماضياً عتيقاً، ولكنه أشبه بالرفض لكلّ تلك الفئات الدنيا القادمة من فيافي العربان وبوادي العروش، الزاحفة على الحاضرة والمهددة أصالتها ورقيّها. وبذلك تصبح المدينة الخالية من الأغراب لوحةً ورديّةً لا تنطوي إلا على الجميل والآمن والمتسق. وفي مقابل ذلك يُربط كلّ ما طرأ عليها من سلبيٍّ بالقادمين نحوها، أو "جماعة النزوح" كما يُطلق عليهم في المعجم التحقيري التونسي، وهي العبارة التي لا يتوانى الفازع عن استعمالها وتكرارها. فيكتب بصراحة: "ها الرعيل الأول للنزوح [. . .] كان متكون من قبائل وعروش [. . .] بكلهم أعداء لبعضهم [. . .] وظهروا عاد في هاك الزمان الانحراف، والإجرام، والاعتداءات على الأخلاق والأشخاص والأملاك".
في مشهدٍ آخر في الكتاب يتحدث الفازع عن أعيان الحاضرة من مشايخ وقضاةٍ أثناء دخولهم على البايات الحكام بمناسبة العيد. فيقول: "يجيبولهم الحلو في أطبقة من فضة ومن بعد يرشوهم بالطيب". ولكن عندما يشرع في الحديث عن الفئات الدنيا وما ينشغلون به، يغيّب تلك النبرة المبجّلة ويصبّ عليهم سيلاً من الشتائم والعبارات التحقيرية، فيكتب: "الأوباش والسوقة والرعاع وسقط المتاع والداصة [اللصوص] والدهماء وما لفّ لفه". لكن جُلّ هذه العبارات لا تستعمل في الدارجة التونسية، وإنما هي من المعجم العربي الفصيح، وهو معجمٌ تنطوي أدبياته، لاسيما المغاربية منه، على تراثٍ واسعٍ من خوفٍ وتحقيرٍ للفئات للدنيا، خاصةً البدوية. وعليه لم يضرّ المؤلف تغيير الموجة من الدارجة إلى الفصيحة، ثم العودة من جديدٍ طالما أن ذلك يوفر له رافداً آخر يعزز طرحه.
يبدو طرح الفازع هنا طرحاً مُتخيلاً يرسم فيه بالكلمات صورةً لم توجد يوماً في الواقع، بتلك الثنائية الصارمة على الأقل. غير أنه اضطر في أكثر من موضعٍ لمجابهة ما يطرأ على سرديته من ارتباكٍ، وتحديداً عند تعرّضه للحوادث الكبرى التي غيّرت في بنية المجتمع التونسي، واضطَرّت فئاتٍ واسعةً من سكانه لاتخاذ خيارات النزوح، وهم الفئة التي يشير لهم بالدارجة تحقيراً "جماعة النزوح".
إحدى هذه الحوادث كانت ثورة 1864، الثورة الكبرى التي اندلعت في غرب البلاد ضد نظام محمد الصادق باي بسبب مضاعفة ضريبة "المجبى"، وهي ضريبةُ جبايةٍ مباشرةٌ فرضت على الذكور البالغين. وأدّى قمعُ الثورةِ الوحشيُّ إلى مجاعةٍ وأوبئةٍ وأزمةٍ عارمة.
في حديث الفازع عن تلك الثورة، عرّج باقتضابٍ على ما آلت إليه الأوضاع في البوادي بقولِه: "ثار الشعب" مع قفزٍ فوق أحداث بعينها. لم يتحدّث مثلاً عن إجحاف السلطة وأعوانها الحضر المسلط على تلك الفئات المهمشة بزيادة الضرائب ولا عن قمعها الدموي. مثل هذه التفاصيل الدموية لا يمكن إلا أن تلطخ ثوبَ حياةِ الأعيانِ الناصعَ، كما أراد الفازع تصويرها. إذ يبدو أنّ الكاتب أراد أن نعيش مع أعيان المدينة رقّة تفاصيل حياة الحضر، مثل عادة استقبال قدوم فصل الربيع المسماة "عرضان الربيع" في قصورهم الريفية وبساتينهم في ولاية منّوبة، شمالي البلاد. وحتى الصراعات الداخلية والمساوئ والمؤامرات والاغتيالات، التي تحدث عنها في باب "مقتطفات من زمان حكم البايات"، كانت مخصصةً كلّياً للصراعات الداخلية بين الفئات العليا.
أما من وصفهم الفازع في موضعٍ آخر بالهامشيين، فلا حضور لهم، وإن حضروا في الكتاب فبمثل لحظة زحفهم على المدينة، ليحمّلهم وحدهم وزر ضياع "ريحة البلاد متاع زمان"، كما يقول، شاهراً سيف اللغة لتصنيفهم اجتماعياً وتحقيرهم طبقياً.
وبالقدر الذي تحمل فيه دارجةُ الفازع أصواتَ ما كان بالأمس طبقات المجتمع العليا، يحفظ لنا عملٌ آخر نتفاً من أصوات المهمَلين القادمين من الآفاق الواقعة وراء لافتات المدن الكبرى. ذلك العمل هو رواية "مكينة السعادة" للروائي وكاتب السيناريو كمال الزغباني، المنشورة سنة 2016.
لا تعترف رواية الزغباني بفئةٍ أو طبقةٍ ناصعةٍ تُرشّ بالطيب وترتدي الحرير، مثل ما فعل الفازع، بل إن شخصياتها الأكثر جاذبيةً تقع على النقيض من ذلك، أي على الهامش الاجتماعي. فنماذج روايته تنفّرها نظم المجتمع الأخلاقية والسياسية الرسمية، ولكنها تشقّ طريقها بالحيلة والمكر والبطولة أيضاً. وتظهر الدارجة أداةً طيّعةً في يد الزغباني عند رسمه استثنائيةَ هذه الشخصيات، ومنها شخصية الواعظ الديني.
لم يكن الواعظ في الرواية سوى زبونٍ وفيٍّ لمبغىً خصّصه صاحبه لممارسة الفاحشة مع أتان الحمار في إحدى واحات الجنوب التونسي. ورسمه الزغباني رجلاً اختير واعظاً بفضل سياسة تعيينات النظام العبثية. وفي قريته البعيدة التي لم تعتد على مثل هذه التسميات أو الوظائف الجوفاء، استبشرت أمّه العجوز الأمّية بتعيين ابنها "ضايع ديني". فيبدو هذا التلاعب بالكلمات بالدارجة في أكثر من موضعٍ تحطيماً لما تنطوي عليه من هالةٍ، كما فعل بشخصية المناضل الشيوعي الذي أمسى معروفاً بين الناس بلقب "الشنوعي"، أي ذلك المغرم بالفضائح وافتعال المشاكل والشنائع. وهي كلمةٌ أسلس وأقرب للفهم من نظيرتها العقائدية والغريبة عن عالمهم.
على عكس الفازع، لم تستهوِ الحاضرةُ الزغباني، فصوّرها مدينةً قاتمةً رماديةً تعيش من خيرات الدواخل وناسها، وخصوصاً مناطق الشمال الغربي. وعند رغبته في التعبير عن هذه العلاقة غير السويّة بين الحاضرة والداخل، يترك الكاتبُ الفصحى ويلجأ للمعجم الدارج، لما يختزنه تجاه تلك المناطق من عبارات تهميشٍ ووصمٍ وتحقير. فيتهامس سكان العاصمة سرّاً عن شخصيتَيْن في الرواية: "هاذوكم الزوز [الاثنين] من الكا جي بي"، عندما يستمعون للهجة سكّان مناطقِ الكاف وجندوبة وباجة، أسماء اختيرت أحرفها الأولى بدهاءٍ لتصبح طريقةً لتسمية أهالي تلك المناطق، بربطهم بالكي جي بي، جهاز المخابرات السوفييتي. وفي ذلك إشارةٌ ضمنيةٌ لرواج المدّ اليساري الماركسي في تلك المناطق وقتها.
فقد ولدت ونشأت في تلك المناطق الثلاث كبرى قيادات الحركات الشيوعية المعارضة لنظام بن علي مثل حمّة الهمامي، الأمين العامّ لحزب العمّال الشيوعي التونسي، وشكري بلعيد، الأمين العامّ لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، وعفيف الأخضر، أحد أبرز منظّري الماركسية التونسيين. فيحوّل الزغباني هذا الوصم إلى مصدر اعتزازٍ وفخرٍ لما تبعثه العبارة وذكرى الجهاز السوفييتي القويّ من رهبةٍ، معتمداً بذلك على الدارجة لنقل الصورة وحمولتها العاطفية والنفسية.
في موضعٍ آخر يمسي السرد أقرب للنجوى الغاضبة. فتثيرها عبارةٌ تحقيريةٌ أخرى من الدارجة يفوه بها بطل الرواية: "يسمّونا الزيرو 8 [. . .] أغنى ثلاثة ولايات طبيعياً، ولكن اللي ساكنينها وجايّين منها أفقر الناس". ويقصد أنّ هذه الولايات الثلاث هي المنطقة المنكوبة، وترتبط عند بطل الزغباني بروائح على النقيض من روائح الحاضرة المترفة. رائحتها "الجوع والقهر والمذّلة متاع مئات الآلاف من امّالي هاك [ذاك] البرّ المنكوب اللي معفّسين عليهم [يُداس عليهم] الناس العايشين من خيرهم [. . .] من عرقهم ودمّهم". بهذا تصبح الدارجة في الرواية الحاضنةَ الوحيدةَ لمشاعر الحنين والتضامن مع الفئات الهشّة والكامنة في أسفل تراتبية المجتمع أو جهات الوطن، في مقابل أناسٍ آخرين متنفذين ضمن الرواية. فعندما يكتب عن السياسة ورجالها الأقوياء مثل الجلولي فارس، رجل دولة بورقيبة القوي في الجنوب الشرقي، يكتب بالفصحى، وكأن تلك العوالم لا يمكن أن تُبنى إلا ضمن الأطر الرسمية. بينما تقع المناطق والفئات المنسية خارجها ولا يمكن أن تستعاد إلا بلهجات أصحابها.
في نفس سنة صدور "مكينة السعادة"، صدرت رواية "راس العين" للشاعرة سلوى الراشدي. وقد كُتبت بكاملها بدارجةِ منطقة القصرين، وسط غرب البلاد، التي تنحدر منها الشاعرة وأيضاً علي بن غذاهم، الوجيه البدوي الذي قاد سنة 1864 الانتفاضة الشعبية عقب مضاعفة الضرائب.
تشترك الراشدي في هذا العمل مع الزغباني في رغبتها بمنح أهالي منطقة القصرين المهمّشة الفرصةَ لافتكاك مكانتهم في التاريخ. وعبر هذا الإغراق في اللهجة المحلية حوّلت الراشدي عملها إلى وسيلةٍ لتوثيق تراث منطقتها المهمّشة والمنسيّة، وأداةً لإبراز التنوع ضمن الكلّ التونسي. تماماً كما سبق لسمير العيادي وأن عبّر عنه في مقدّمة الجازية الهلالية، عندما وضع ملاحظةً اختزلت رؤيته مسألةَ الكتابة بالدارجة المغرقة في المحلّية، فعدّها ثراءً داخل "الوحدة القومية التونسية".
وفي لعبة التباينات هذه، تبدو الدارجة في ذاتها محايدةً إلى اللحظة التي يستثيرها الكاتب، فتمسي صوتاً قادراً على التعبير عن متناقضاتٍ شتّى وتبليغ فكرة التنوع والوحدة والاختلاف.

