تُمثّل حقبة الاستعمار الإيطالي في ليبيا بين سنتي 1911 و1943 أحد أهم الفصول في ذاكرة المجتمع الليبي الوطنية لفترة ما قبل الاستقلال. لم يقتصر الصراع حينئذٍ بين الليبيين والإيطاليين على المواجهات المسلحة، بل امتد ليصل إلى حد ارتكاب الإيطاليين الإبادةَ الجماعية حسب وصف دراساتٍ اهتمّت بتلك المرحلة، ومنها دراسة علي عبد اللطيف حميده الصادرة في 2024 بعنوان "كونفرونتينغ سايلانس آند كوفر أب أوف ذا كولونيال جينوسايد إن ليبيا" (مواجهة الصمت وإخفاء الإبادة الاستعمارية في ليبيا). وركّز فيها الباحث على وقائع القتل والاعتقال والنفي القسري الجماعي التي واجه بها الفاشيون مقاومةَ الليبيّين بين سنتَيْ 1922 و1934. فبعد أن واجهت إيطاليا مقاومةً ضاريةً – لاسيما في إقليم برقة شرق البلاد – لجأت السلطات الفاشية إلى تبنّي سياسة "الأرض المحروقة". هجّرت السلطات الإيطالية عشرات الآلاف من أبناء القبائل الليبية من مواطنهم قسراً، واقتادتهم إمّا إلى معسكرات الاعتقال التي أُقيمت في مناطق صحراويةٍ نائيةٍ، مثل سلوق والعقيلة والمقرون والبريقة والأبيار، وإمّا إلى المنافي في الجزر الإيطالية، مثل أوستيكا وتراميتي وفافنيانا وبونزا. ومدّ قائد الجيش الفاشي في ليبيا الجنرال رودولفو غراتسياني الأسلاك الشائكة على الحدود الليبية المصرية، من ضمن الخطة الاستعمارية الإيطالية الهادفة لخنق المقاومة الشعبية.
وفي ظلّ هذا العنف الاستعماري المنهجي وسياسات الترحيل والاعتقال الجماعي، برز الأدب الليبي، والشعر الشعبي على وجه الخصوص، مصدراً مهماً في حفظ تجربة النفي القسري في الذاكرة الجمعية. إذ تحوّل إلى سجلٍ حيٍّ يوثق تفاصيل المعاناة اليومية، ويعبّر عن مشاعر الاقتلاع والفقد والغضب والمقاومة، ثم مرجعاً تاريخياً لفهم تاريخ الاستعمار الإيطالي بليبيا من وجهة نظر من عانوا ويلاته.
رافقت هذه السياسةَ مجازر جماعيةٌ بحقّ المدنيين، أبرزها ما جرى في منطقة المنشية حيث قُتل نحو أربعة آلاف شخصٍ واعتُقل آلافٌ آخرون، تمهيداً لترحيلهم إلى سجون الجزر الإيطالية بعد اكتظاظ السجون المحلية. كما يوضح المؤرخ نصر الدين البشير العربي في دراسته "المنفيون الليبيون إلى سجون الجزر الإيطالية: سجن تراميتي نموذجاً" المنشورة سنة 2013. تصاعدت مع هذه المجازر الانتقادات الدولية، ما ألجأ الحكومة الإيطالية إلى استبدال سياسة النفي الجماعي مكان الإعدامات العلنية لتقليص أثر الفضيحة الدولية.
بلغت هذه السياسات ذروتها مع صعود الفاشية سنة 1922 في إيطاليا بقيادة بينيتو موسوليني، فتحولت سياسة النفي في ظل الحاكم العسكري بادوليو إلى عملية إبادةٍ وتهجيرٍ داخليٍ واسعة النطاق شملت إنشاء معسكرات اعتقالٍ كبيرةٍ ومسيّجة. يشير المؤرخ أنجِلو ديل بوكا في كتابه "لي إيتالياني إن ليبيا" (الإيطاليون في ليبيا) المنشور سنة 1988 إلى أن أعداداً كبيرةً من المُسنّين والأطفال لقوا حتفهم خلال عمليات الترحيل القسري، بعدما سيقوا في مسيراتٍ جماعيةٍ من مناطق الجبل الأخضر شرق البلاد إلى العقيلة في صحراء سرت غرباً. بلغ طول الرحلة نحو 1057 كيلومتراً سيراً على الأقدام. وفقد ما يقارب خمسين ألفاً من الليبيين حياتهم في هذه المعسكرات والمنافي إذ ماتوا إمّا رمياً بالرصاص أو نتيجة الظروف البشرية القاسية من جوعٍ ومرض. ويضيف العربي أن نسبةً كبيرةً من هؤلاء المنفيين كانت من الطبقات الفقيرة من الأهالي.
انعكست هذه الخبرة العائلية في مشروعه البحثي، فدفعته إلى التعامل مع الشعر الشعبي مصدراً للنظر إلى تلك التجربة. يؤكد حميده في كتابه "الأصوات المهمشة: الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الإستعمار وبعده" المنشور سنة 2009، أن الشعر الشعبي كان أهمّ مصدرٍ لفهم رؤية الليبيين معنى القهر والمقاومة في زمن الاستعمار، لاسيما إبان سنوات الاعتقال الجماعي، فتعامل معه أرشيفاً بديلاً للتاريخ. وعاد حميده للموضوع نفسه في كتابه "جينوسايد إن ليبيا: شَرّ، آ هيدن كولونيال هيستوري" (الإبادة الجماعية: الشرّ، تاريخ استعماري مخفي) المنشور سنة 2021.
يُعدّ مشروع "قصائد الجهاد" المنشور سنة 1987 ضمن مشروع توثيق الروايات الشفهية لجهاد الليبيين ضد الاستعمار، من الأعمال التي اعتمدت على الأدب الشعبي أداةً للتوثيق التاريخي لتجربة الاحتلال الإيطالي والمقاومة الليبية. إذ جاء في سياق محاولةٍ منهجيةٍ لاستعادة الذاكرة الشفهية، وتحويلها إلى أرشيفٍ مكتوبٍ يحفظ شهادات المرحلة الاستعمارية. وانطلق هذا المشروع ضمن جهود المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية الذي أُسّس سنة 1977 تحت اسم "مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي"، بدعمٍ مباشرٍ من معمر القذافي. استهدف المشروع تسجيل شهادات الناجين والشهود على حقبة الاحتلال الإيطالي. وأسفرت هذه الجهود عن جمع مئات القصائد الشعبية ونشرها في مجلّدَيْن بإشراف المؤرخين سالم الكبتي وسعيد الحنديري، إلى جانب تسجيل آلاف المقابلات الشفهية.
انطلاقاً من أبياتٍ في قصيدة "ما بي مرض غير دار العقيلة" للشاعر بوحويش والتي توثق السخرة والتعذيب، يقرأ حميده نتيجة عمليات النفي والاعتقال التي مارستها سلطات الاحتلال الإيطالية. إذ أنفقت ثلاثة عشر مليون ليرةٍ إيطاليةٍ على معتقلاتٍ محاطةٍ بأسلاكٍ مزدوجةٍ أطلق عليها الليبيون اسم "الشبردق"، وفرضت تقنين الغذاء والمراعي وأعمال السخرة، في ظلّ غيابٍ شبه كاملٍ للرعاية الطبية ومصادرةٍ واسعةٍ للمواشي. وأقامت ستة عشر معسكراً للعمل بالسخرة تتفاوت درجات قسوتها التي مورست ضد المعتقلين.
"ما بي مرض غير قولة اضربوهم [. . .] ولا تصنعوهم [جوِّعُوهم] [. . .] وبالسيف في كل شي خدموهم
ومقعد مع ناس ما نعرفوهم [. . .] حياة عويلة [. . .] إلا منغير ما عاد باليد حيلة".
مثل بوحويش، صدح الشاعر المجاهد أبو رويلة المعداني بمجموعةٍ من القصائد التي تنوّعت بين توثيق المعارك وانتقاد التحولات الاجتماعية بحسب "قصائد الجهاد". ففي قصيدته "سوف الجين" وصف تجمعاً عسكرياً قرب وادي سوف الجين بمدينة بني وليد، وقد غنّاها ولحّنها الفنان أحمد فكرون في ثمانينيات القرن الماضي وحققت انتشاراً واسعاً. وظهرت في قصائده أيضاً ظاهرة "تَطَلْيُن" بعض العائلات الليبية التي ارتبطت في الوجدان الشعبي بالخيانة وترك الهوية الدينية والوطنية، قائلاً:
"مبروك عليكم ما درتوا [. . .] بعد اخترتوا خاطيتوا الإسلام كفرتوا
مبروك عليكم موبارك [. . .] يا حزبا في دينه شارك
الناس على الأديان تعارك [. . .] وانتم خاطيتوه اخترتوا"
توفّي الشاعر المناضل فضيل حسين الشلماني قبل أن يقابله باحثو موسوعة روايات الجهاد سنة 1988، وهم بصدد إعداد جزءٍ من الموسوعة عن روايات المنفيين. التقى الباحثون صديقاً له رافقه في فترة النفي إلى جزيرة فنيانا الإيطالية، ومنه وثّق الباحثون حياة الشلماني وشعره الذي وثّق فيه أوضاع المنفيين في الجزر الإيطالية.
وُلد الشلماني بمنطقة المرصص قرب طبرق ونشأ هناك وأتمّ حفظ القرآن وتعلّم الفقه وأجاد القراءة والكتابة، وكانت له مكانةٌ بين سكان تلك المنطقة، واشترك في معارك الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي قرب طبرق. وفي سنة 1914 اعتقله الإيطاليون وحكموا عليه بالسجن خمسةً وعشرين عاماً بسبب تعاونه مع المجاهدين، فنُفي إلى إيطاليا ومكث بها مع من حُكم عليهم مثله سبعةَ أعوامٍ، ورجعوا إلى ليبيا إثر عفوٍ عامٍّ سنة 1927. سطّر الشاعر كلّ ما عاينه من أحداثٍ بعد عودته في قصائد شعريةٍ توضح صنوف القهر والعذاب التي لقيها وشاهدها، وصوّر اشتياقه إلى أرض الوطن. فقال في قصيدته:
"خرب قرارك دم يا فنيانا .. بلاد الكدر والمرمدة والهانة
الله يخلي بوقك.. انعن البلاء في كل يوم ايتوقك
وانعن اغراب البين صائح فوقك.. ولا يفرحن ديمة انساك حزانة
انت بلاد الظلم مكثر جورك.. سبب بعدنا من وطننا وبنانا"
وثّق المشروع كذلك تجربة محمد بن عبدالسلام اليوسفي، أحد المنفيّين الليبيين إلى جزيرة أوستيكا الإيطالية الذي اعتقل سنة 1915، خلال حملات القمع التي أعقبت معارك المقاومة. يصف اليوسفي مسار الاعتقال والنقل القسري من الداخل الليبي إلى الساحل ثم عبر البحر، وظروف السجن الجماعي، ونظام العمل القسري والجوع والمرض وانقطاع الأخبار عن الأهل، إضافةً إلى الإذلال اليومي الذي مارسته الإدارة الاستعمارية. وإن كان في مقابلته مع باحثي المشروع قد روى ما حدث معه هناك، إلا أن شعره الذي صدح به أيام المعتقل يقدّم شهادةً مفصلةً عن المنفى، مسجلاً أموراً مثل تنظيم الوقت وقلة الطعام والرقابة والخوف الدائم، وتحوّل الجسد إلى موضوعٍ للعقاب من خلال العمل الشاق والحرمان والضرب، فممّا قاله:
"وطن الذل وجيره كيّه [والجيرة الحارقة]
نشوفوا حكم البريرية
كان خطّيت نطي منّه [إذا ما أخطأنا رأينا الويل منهم]
يعطي الجلود وين نبات
زمانات
علينا يخطّوا خُطّات
حال يسيب جنينه
يخاف الحي يفوت جنينه
عيني بحالي عيانه [حالنا تدمع له العين]
تفرّغ والدمعة قطّاره [بالكاد تدمع]"
يلفت عبد اللطيف حميده الانتباه إلى الحضور النسوي الشعري، مؤكداً أن تجربة المنفى والقمع لم تكن حكراً على الرجال والمجاهدين. بل امتدت إلى النساء اللواتي عايشن التشريد والسجن وفقدان الأبناء والأزواج. ومن أبرز الأصوات النسائية فاطمة عثمان من بلدة هون، التي كتبت قصيدتها "خرابين يا وطن" سنة 1928 بعد مشاهدتها شنق تسعة عشر رجلاً على يد الاحتلال الإيطالي في بلدتها بمحافظة الجفرة. ونفي سكان بلدتها لاحقاً إلى مصراتة والخمس. وتقول في مطلعها:
"خرابين يا وطن ما فيك والي
وناسك جوالى
والبعض في المشنقة والقتالِ
خرابين يا وطن ما فيك هلْ
وركبك الذلْ
اللي ما جلى في المشانق احْصل"
ويذكر حميده الشاعرةَ أمّ الخير محمد عبد الدايم التي اعتُقلت في معتقل البريقة، وحوّلت معاناتها ومعاناة المعتقلين إلى خطابٍ شعريٍ يتوسل الخلاص أو النصر، ويربط بين هذه الأصوات النسوية وتجربة النفي العائلي التي عاشتها جدّته في تشاد.
وُلد المهدوي سنة 1898 في فساطو ونشأ في أسرةٍ ذات مكانةٍ اجتماعيةٍ، وساعده عمل والده في الإدارة في العهد العثماني ليتعرّف إلى الشأن العامّ مبكراً. تنقّل المهدوي في طفولته بين أكثر من مدينةٍ، وتلقّى تعليمه في المدرسة التركية قبل أن تهاجر أسرته إلى الإسكندرية سنة 1912 عقب دخول القوات الإيطالية ليبيا. انفتح هناك على بيئةٍ ثقافيةٍ عربيةٍ نشطةٍ أسهمت في تشكيل وعيه القومي وهو المناخ العامّ الذي كان قد بلغ ذروته في مصر بحسب دراسة حامد مردان السامر "الوعي القومي في شعر أحمد رفيق المهدوي" الصادرة سنة 2009.
غير أن هذا التكوين تبلور مع تجربة النفي التي أصبحت واحدةً من أبرز العلامات الفارقة في حياته وشعره. اضطر المهدوي إلى مغادرة وطنه إلى تركيا بين سنتي 1924 و1934. وعاد ليجد البلاد لا تزال ترزح تحت التضييق ومصادرة الحريات، ولم يلبث أن تعرّض للرقابة والملاحقة، فعاد مرّةً أخرى إلى تركيا ليمكث فيها من 1936 إلى 1946. ترك هذا الاغتراب القسري أثراً عميقاً في نفسه، فغدا المنفى موضوعاً مركزياً في شعره، مرتبطاً بفكرة الحرية والكرامة ورفض الخضوع.
تؤكد منى علي الساحلي في دراستها "مضامين الثورة في شعر أحمد رفيق المهدوي" الصادرة سنة 2012 أن شعره لم يكن مجرد تعبيرٍ وجدانيٍ عن الغربة، بل سجلاً لتاريخ البلاد وهموم شعبها حينئذ. وترى أن مرحلة ما قبيل الاستقلال تُعدّ من أخصب أطوار شعره السياسي. فاشتدّ فيها خطابه الثوري وازدادت جرأته، الأمر الذي أزعج المستعمرين وأتباعهم بسبب وضوح مواقفه وحدّة تصريحاته. يقول:
"فلم أرضَ بالعيشِ إلا
ضعيفاً أو من الجبنِ استمدا
فقلتُ لطالبِ الإحسانِ قيداً:
قبولُ القيدِ من شيمِ العبيدِ
هداك اللهُ كيف تطيبُ نفسي
وفي عنقي أرى للأسرِ قيداً؟!"
ويؤكد هذا المعنى في رسالةٍ بعثها سنة 1926 قائلاً:
"لم ترضَ عزّةُ نفسي بالقيامِ على
ضيمِ الأعادي، وأربابِ الجهالاتِ
[. . .] وما جنيتُ سوى إنكارِ منكرِهم
بمذودي، فغدوا في معاداتي"
وتشير الساحلي إلى اتجاهه الى الشعر الشعبي، بعد الفصيح. فخاطب الناس باثّاً روحاً متفائلةً بالثقة بالنصر.
ذكر سيد أبو ديب في دراسته "ثري ليبيان بويتس أوف ذا توينتث سِنشري" (ثلاثة شعراء ليبيين في القرن العشرين) المنشورة سنة 1980 جانباً من خلفيته العائلية والاجتماعية، مشيراً إلى نشأته في أسرةٍ متعلمةٍ ذات صلةٍ بالبنية الإدارية في العهد العثماني، إذ شغل جدّه موقعاً بلدياً بارزاً، وتولّى والده منصب قائم مقامٍ وقتئذ.
تكشف هذه المعطيات عن نشأةٍ داخل إطارٍ إداريٍ وثقافيٍ متصلٍ بالدولة، إلا أن المصادر التي اطّلعنا عليها، بما فيها دراسة أبو ديب نفسها، لا تتوقف عند هذا التشكيل الأسري بوصفه عاملاً في تفسير موقفه من الاستعمار. ولا تناقش احتمال أن يكون رفضُه الاحتلالَ الإيطاليَّ قد تَشَكَّل في سياقٍ لا ينطلق بالضرورة من معاداةٍ موازيةٍ للحكم العثماني. ولا ينبغي إغفال أن خروجه إلى تركيا يُعرَض في هذه الرسالة اغتراباً بلا إشارةٍ إلى تجربة سجنٍ أو اعتقالٍ سياسيٍ مباشر. وهو ما يفتح سؤالاً حول إمكان قراءة تجربته بوصفها مختلفةً عن تجارب شعراء آخرين اقترنت معاناتهم بالنفي إلى السجون داخل الصحاري الليبية أو إلى الجزر الإيطالية.
في هذا السياق صدرت رواية "الهروب من جزيرة أوستيكا" للكاتب صالح السنوسي سنة 2018 متناولةً عمليات النفي القسري التي نفذها الاحتلال الإيطالي بحقّ آلاف الليبيين، نُقلوا على دفعاتٍ في مراكب خشبيةٍ نحو الجزر الإيطالية. وتعدّ "الهروب من جزيرة أوستيكا" من أوائل الأعمال الروائية التي اتخذت النفي القسري إلى سجون الجزر الإيطالية موضوعاً رئيساً.
لا تصوّر الروايةُ جزيرةَ أوستيكا مجرّد بقعةٍ جغرافيةٍ، ولا تكتفي بجعلها رمزاً مكثفاً للقهر والعزلة، بل تجعلها بطلاً ضدّاً يحاصر العلاقات الإنسانية التي نشأت بين المساجين. ويأتي التخييل في خيط الرواية الذي يتناول علاقةً عاطفيةً سرّيةً تربط بطل الرواية الشابّ سالم البراني، المنفيّ من مدينة درنة، بالفتاة الإيطالية لورينزا العاملة في مخازن السجن الزراعية، في ظلّ رقابة الحراس والظروف القاسية.
يرصد السنوسي من خلال ذلك الخيط التحوّلَ النفسيّ في حياة المنفيّين الذين اقتُلعوا من جذورهم، إذ تحضر المعاناة عبر الجوع والمرض والبرد وأعمال السخرة، وأيضاً من خلال فقدان الهوية والحنين إلى الوطن الأمّ في أرضٍ قاسيةٍ غريبة. يكتب السنوسي: "يوقظون العشرين سجيناً في الساعة السادسة صباحاً، ومَن يجدونه نائماً ينال عقابه من الجلد بالسوط أو الحبس الانفرادي. مع توالي الأيام والشهور أخذت مقاومة أجسام معظمهم تسقط تحت قسوة الحياة في معتقلٍ مُصمّمٍ من أجل أن يموت فيه كلّ مَن يدخله [. . .] انتشرت بينهم أمراض السلّ وفقر الدم والفشل الكلوي".
من جهةٍ أخرى، عالجت رواية "صندوق الرمل" للكاتبة عائشة إبراهيم، الصادرة سنة 2022، حقبة الغزو الإيطالي والنفي القسري بأسلوبٍ مختلفٍ قائمٍ على تقديم سياسات الإبادة والترحيل من منظوري المستعمَر والمستعمِر معاً. اعتمدت الرواية على شخصيتين متقابلتين هما ساندرو كومباريتي الصحافي والجندي الإيطالي الذي يظهر شاهداً من داخل المعسكر الاستعماري، ويكشف عن فظائع نفي النساء والأطفال إلى سجون الجزر الإيطالية، وحليمة بائعة الحليب الليبية التي تجسّد مصير المرأة المنفية بعد اعتقالها مع شقيقها الصغير حمد. تُرحَّل حليمة إلى سجن جزيرة أوستيكا، وتُنقَل لاحقاً إلى سجن جزيرة غاييطا المخصّص آنذاك للنساء والأطفال.
تستند الرواية إلى وثائق الصحفي باولو فاليرا، وتقارير المراسل الحربي البريطاني فرانسيس ماكولا، ورسائل الجنود الإيطاليين التي جمعها باكيو باتشي في كتابه "لاغويرا ليبيكا دسكريتّا نيللي ليتّري دي كومباتينتي" (الحرب الليبية كما وصفها الجنود) الصادر سنة 1912، إذ يوظّف الكاتب رسائل الجنود لصياغة ما تسرده شخصية ساندرو. ويستخدم تقنية الرسائل رافعةً للحكي، فأتت رسائل الجنود الأصلية كما لو أنها رسائل يكتبها ساندرو. ويظهر باولو فاليرا نفسه واحداً من شخوص الرواية، كونه الصحفي الوحيد الذي أجرى مقابلاتٍ مباشرةً مع معتقلي أوستيكا وغاييطا.
وبهذا لا تكتفي الرواية بتوثيق مأساة المنفيين الليبيين، بل تكشف أيضاً الشرخ الأخلاقي والنفسي الذي أصاب المحتل نفسه، فتلعب الصدمة دوراً محورياً في تشخيص الجنود الإيطاليين الذين صُوّرت لهم ليبيا أرضاً من بساتين وحدائق، ليُفاجأوا عند وصولهم بواقعٍ مختلفٍ تماماً يتحوّل فيه المكان إلى "صندوق الرمل".
ينقل الكاتب من رسالة أحد الجنود على لسان ساندرو "لا أعرف كيف أنقل لكِ صورة ما حدث، إنني جدّاً مُشتَّتٌ الآن، وربّما لم تكن مقالتي مصاغةً كما ينبغي، لكنني أُضمِّنها بالحقائق التي شهدتُها ولامستُها أو كنت طرفاً فيها، لتكوني على يقين بأنها الحقيقة، أعلم أنه من الصعب أن يُصدِّق الإيطاليون أن أبناءهم من أفراد الجيش الذين يرتدون بِزّات الشرف العسكرية قد تحوّلوا إلى ضِبَاع، كان يوماً لا يُصدِّقه العقل، ما إن أطلق كانيفا الإشارة في ساعة الصباح حتّى انطلق مِهْرَجَان الدم، داهمنا البيوت، وأخرجنا السكّان من غرف نومهم، وسقناهم إلى المشانق، كنتُ مع خمسين جندياً يقودنا غراند، نَركُل الأبواب بأقدامنا، ونطلق النار، بالنسبة إلى غراند، المحظوظون فقط مَنْ أرسلهم إلى المنفى في جزيرة أوستيكا، أمّا البقية، فإلى المَقْبَرة، لستُ أدري إذا كانت مقابر المَنْشِيّة ستَسَع ما يزيد على أربعة آلاف جُثّة".
استلهم الشعراء الإيطاليون في قصائدهم رموز الإمبراطورية الرومانية وأمجادها العسكرية لتأطير المشروع الاستعماري في ليبيا امتداداً تاريخياً لعظمة روما. وربطوا بين الإرث الروماني القديم والمستعمرة الجديدة. فمع اشتداد المقاومة الليبية رغم استخدام القوات الإيطالية المدفعية الثقيلة من البوارج الحربية، لجأت القيادة العسكرية إلى سلاح الطيران، الذي لم يكن فقط أداةً قتاليةً، بل وسيلةً نفسيةً دعائيةً تهدف إلى رفع معنويات الداخل الإيطالي و"بثّ الرعب في صفوف الخصم" نقلاً عن محمود أحمد الديك في دراسته "بعض من مظاهر أدب الحرب الاستعماري الإيطالي في ليبيا" المنشورة سنة 2010.
تسابق الشعراء والزجّالون الإيطاليون في تمجيد الطائرة بوصفها رمزاً للتفوق التقني والحسم العسكري المرتقب، وقدّموا هذا السلاح الجديد نقطةَ تحوّلٍ حاسمةً قادرةً على تعويض إخفاقات القوات البرّية وترميم صورة الجيش الإيطالي أمام الرأي العام. يقتبس الديك عن الشاعر الإيطالي باولو مالتيزي ما عبّر عن هذا التصور في قصيدته في "كتاب ليبيا أرض الميعاد" التي ترجمها عبد الرحمن العجيلي، من ضمن منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية سنة 1988:
"طرابلس يا أرض الحب الجميلة
طرابلس يا أرض الحب الجميلة.
هل تعرف أين نسيم الشمس سحراً أكبر؟
فوق البحر الذي يربطنا بإفريقيا الذهبية [. . .]
إن نجمة ترشدنا إلى كنز.
طرابلس، أرض الحب الجميلة.
تصلنا قصائدك الحلوة هذه
فيضيء العلم الثلاثي الألوان على أبراجك
على ذرى المدافع
اغرقي أيتها البارجة عباب البحر،
بدا للجميع كأنه طائر غريب، يشع في شكله،
وعدم تناسق جسمه.
وعندما لاحظ السلطان على قومه،
علامات الذعر، حاول تهدئتهم".
وها هو الشاعر الإيطالي الآخر داننونتزيو يُدلي بدلوِه:
"يرتفع إلى عنان السماء صقر صلع يعرف كالسهام عبر الأجواء نسر شاحب اللون:
إنه جوليو قافوتي، يحتضن قنبلته ويغار عليها،
وكما يقذف الحائك بمكوكه
أو رامي المقلاع بحجره،
اقذف أنت بقنبلتك
الآن وقد غطى جناحك مشاهديه المذعورين!
ألقها بعد شحنها بحماسك ومشاعرك الملتهبة،
فالهدف أمامك اضربه!"
وفي "صندوق الرمل" لعايشة إبراهيم يظهر هذا الفخر الإيطالي بالأسلحة عندما يستمع الجندي الإيطالي قبل ذهابه إلى ليبيا لمغنيةٍ إيطاليةٍ مشهورةٍ على منصة مسرح باولو في تورينو ليلة 8 سبتمبر 1911 تغني:
"طرابلس..
أرض الحب المسحورة..
ستغدو إيطالية بهدير المدفع..
اذهب أيها الجندي..
إيطاليا معك..
والمواسم الحلوة تنتظرك".
وتعلّق عائشة إبراهيم عبر السرد في روايتها: "حينها تقافزت الأجساد بشكلٍ هستيريٍ، وانفجرت صرخاتٌ ضخمةٌ، منتشيةً بسَكْرةٍ وطنيةٍ كبرى، [. . .] ظلّت الأُغنية تُردَّد في الشوارع والحانات والمقاهي وشرفات المنازل ومحطّات القطارات، وشيئاً فشيئاً بدت تخفت الأصوات الرافضة للحرب، وتبدّلت لهجة الصحافة التي كانت تهاجم الحكومة، وتحدّث الفلاحون بشوقٍ غامرٍ عن وفرة المحاصيل [. . .] وأصبحت تلك الأُغنية هي الترنيمة الوطنية الخاصة بتحشيد الجنود الذاهبين للحرب".

