قراءة في استراتيجية الأمن الأمريكي 2025.. صياغة ترامب وروبيو للسياسة الجديدة

تعكس وثيقة الأمن الأمريكي لسنة 2025 تحوّلاً في مقاربة إدارة ترامب السياسةَ الخارجيةَ مع إعادة ترتيب الأولويات، ومن ضمنها موقع الشرق الأوسط.

Share
قراءة في استراتيجية الأمن الأمريكي 2025.. صياغة ترامب وروبيو للسياسة الجديدة
تعريف شكل الانخراط الأمريكي في العالم | تصميم خاص بالفراتس

في نوفمبر 2025 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استراتيجية الأمن الأمريكي، مطبوعةً في ثلاثٍ وثلاثين صفحةً، لتكون الركيزة الأساس للسياسة الخارجية. وصف البيت الأبيض الوثيقةَ بأنها خارطة طريقٍ لضمان بقاء الولايات المتحدة أعظم دولةٍ في التاريخ البشري وأنجحها. انتقدت الإدارات السابقة الوثيقةَ، واتهمتها بإهدار الموارد الأمريكية في حروبٍ لا تنتهي، خصوصاً في الشرق الأوسط. وأكدت أولوية قضايا أخرى، على رأسها حماية الحدود وتقاسم الأعباء مع الحلفاء.

تختلف هذه الاستراتيجية الأمريكية عن سابقتها في تعاملها مع الشرق الأوسط. فالناظر في الوثائق الاستراتيجية الصادرة في ولاية ترامب الأولى وفي ولاية جو بايدن سيراها تصوّر المنطقةَ عبئاً أمنياً. أمّا الوثيقة الصادرة في ديسمبر 2025 فأعادت تصويرها مساحةً للفرص الاقتصادية والاستثمارية. وانتقدت الاستراتيجياتِ والإداراتِ السابقةَ في محاولتها الضغط على حكومات المنطقة، لاسيما الحكومات الخليجية، لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان ورأت ذلك حياداً عن المصالح الأمريكية.

التحوّل الذي تكشفه الوثيقة في نظرة الإدارة الأمريكية للشرق الأوسط جزءٌ من تحوّلٍ أشمل في سياستها الخارجية وتعريفها أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. فالإدارة التي وصلت للحكم مدعومةً من حركة "ميك أميريكا غريت آغين" (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، المسماة اختصاراً "ماغا"، تعيد تعريف المصالح الأمريكية. فهي مناقضةٌ دورَ الولايات المتحدة في إدارة النظام الدولي، وتزيد التمايز بينها وبين أوروبا، وتركز على الصراع الاستراتيجي مع روسيا والصين. وبناءً على هذا، فهي تنقل التركيز الاستراتيجي إلى نصف الكرة الغربي الذي تصوّره ساحةً رئيسةً للتنافس والنفوذ. ومع أهمية هذا التحوّل في تهميش الخطاب الحقوقي في السياسة الأمريكية إزاء الشرق الأوسط، فإن آثاره المحتملة — سواءً على دعم أمريكا إسرائيلَ أو على دور أمريكا العسكري في المنطقة — لا تزال محلّ خلاف.


لا يمكن قراءة استراتيجية الأمن الأمريكي لسنة 2025 مجرّدَ تحديثٍ دوريٍّ لوثيقةٍ مقصدها الحفاظ على التفوّق الأمريكي، لأن هذه الوثيقة تختلف عن سابقتها في تعريفها المصالح الأمريكية. فبينما غلّفت استراتيجياتٌ سابقةٌ هذه المصالح بلغة الشراكة والقيم والنظام الدولي، تتخلى وثيقة 2025 عن هذا الغلاف وتستعيض عنه بخطابٍ مباشرٍ يقوم على المنفعة الصريحة.

بدأ إعداد وثائق استراتيجية الأمن الأمريكي ونشرها في ثمانينيات القرن العشرين. في أكتوبر سنة 1983 وقع انقلابٌ مدعومٌ سوفييتياً في جزيرة غرينادا بمنطقة البحر الكاريبي ما أثار مخاوف أمريكا من تمدد النفوذ الشيوعي إلى جوارها. فشنّت الولايات المتحدة وحلفاؤها عمليةً عسكريةً باسم "الغضب العاجل" لإجلاء نحو ستمئة طالب طبٍّ أمريكيٍّ من غرينادا. ومع نجاحها في الإطاحة بالسلطة الجديدة وإجلاء الطلاب، كشفت العملية عن ضعف التنسيق بين وحدات الجيش الأمريكي. فقد عانت القوات الجوية والبحرية والبرية من قصورٍ في التواصل والتخطيط المشترك.

دفع ذلك الكونغرس لإصدار قانون "غولد ووتر نيكولز"، لإعادة تنظيم وزارة الدفاع سنة 1986. استهدف التشريع تعزيز التنسيق بين مختلف فروع القوات المسلحة الأمريكية، وألزم الرئيس الأمريكي بإصدار استراتيجيةٍ سنويةٍ للأمن، لشرح رؤية الإدارة الأمريكية مصالحَ الولايات المتحدة وتهديداتها وسياستها الخارجية. وصدرت الاستراتيجية الأولى سنة 1987، في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان.

تصدر الوثيقة في صورة تقريرٍ تقدّمه الإدارة الأمريكية للكونغرس، يشرح كيفية استخدام الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية لحماية المصالح الأمريكية. النص التشريعي يشترط تقديم هذه الوثيقة سنوياً بالتزامن مع طرح ميزانية الدولة، لضمان اتساق الإنفاق مع الأهداف الاستراتيجية، إلا أن الواقع العملي شهد تفاوتاً في الالتزام. فقد اكتفى الرئيس الأسبق باراك أوباما بإصدار وثيقتين في ثمانية أعوامٍ، في حين أصدر ترامب وثيقةً واحدةً في ولايته الأولى سنة 2017.

لا يصوغ استراتيجيات الأمن القومي شخصٌ واحدٌ فقط. فالأساس فيها رؤية الرئيس وتوجيهاته الشخصية، لكن هذه الرؤية الإجمالية تتحوّل استراتيجيةً بموظفي مجلس الأمن القومي الذين يصوغونها. وبعد الانتهاء من الصياغة، يطرحها مستشار الرئيس للأمن القومي للنقاش الحكومي. ونظراً لاختلاف الرؤى بين الوزارات والهيئات، يستغرق الوصول إلى توافقٍ أشهراً من النقاشات التي تتركز عادةً بين رئيس مجلس الأمن القومي ووزير الخارجية. ما يميّز استراتيجية الأمن الأمريكية 2025 أن وزير الخارجية ماركو روبيو هو نفسه القائم بأعمال مستشار الأمن القومي.

تبنّت وثيقة 2025 مبدأ "أمريكا أولاً" عقيدةً رئيسة. هذا المبدأ هو الشعار السياسي الأبرز الذي تحمله حركة ماغا المؤيدة الرئيسَ، وتنطلق منه في نقدها السياسات الخارجية للإدارات السابقة. إذ ترى الحركة أن الإدارات السابقة انخرطت أكثر مما ينبغي في خدمة مصالح البشرية والدفاع عن القيم الأخلاقية، وذلك على حساب المصالح الأمريكية. في المقابل تُشدّد الحركة على أولوية المنفعة الاقتصادية والربح والمنافسة من موقع القوة أسساً للتعامل مع دول العالم.

ومع الاختلافات الظاهرة عن الاستراتيجيات السابقة، إلا أن الجوهر لا يزال مشتركاً، السعي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. لكن إدارة ترامب اختارت أسلوباً أقلّ اعتماداً على الحلفاء، وأكثر صداميةً مع عددٍ من الأطراف.

الصدام الأول الذي تخوضه الاستراتيجية صدامُها مع الإدارات الأمريكية السابقة والأعراف المستقرة للسياسات الأمريكية. تنتقد الوثيقة اعتقاد النخب السياسية الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة أن الهيمنة المستمرة على النظام الدولي تصبّ في مصلحة البلاد. يتشارك الجمهوريون والديمقراطيون هذا الاعتقاد، الذي انتقدته الوثيقة بتأكيدها أن شؤون الدول الأخرى لا تهم الإدارة الأمريكية إلا إذا هدّدت مصالحها مباشرةً. وانطلاقاً من هذا التصوّر تضع الوثيقة في صدارة أولوياتها مواجهة ما تصفه بتهديدات الهجرة، أو التهديدات العابرة الحدودَ مثل الإرهاب والمخدرات والتجسس.

اصطدمت الوثيقة كذلك بالنخب في دفاعها عن "القيم الأمريكية". على اختلاف التوجهات الحزبية، قدّمت الإدارات المتعاقبة الولايات المتحدة قوةً عالميةً حاملةً مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. انتقدت الوثيقة الحالية هذه الصورةَ لأنها لم تعكس ممارسات السياسة الأمريكية الفعلية. وقدّمت عوضاً عنها مراجعةً للنهج الأمريكي تجاه أنظمة الحكم في الخليج، إذ ترى الوثيقة أن محاولات الضغط من أجل الإصلاح السياسي والحقوقي خاطئة. بل تنظر للمنطقة مجالاً للاستثمار والشراكات الاستراتيجية، دون تحميل السياسة الأمريكية أي التزاماتٍ أخلاقية.

يمتدّ صِدام وثيقة ترامب إلى أوروبا، الحليف الأقرب إلى الولايات المتحدة منذ منتصف القرن العشرين. إذ تتبنى الوثيقة موقف نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، الذي عبَّر عنه في خطابه بمؤتمر ميونخ للأمن الذي انعقد في فبراير 2025. كررت الوثيقة زعم فانس أن أوروبا تواجه خطر "المحو الحضاري" بسبب الهجرة، محذرةً من أن هوية القارة ستتغيّر كلياً خلال عقدين أو أقلّ إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

شكّكت الوثيقة في مستقبل التحالف الأطلسي في ظلّ هذه التحوّلات الأوروبية. وربطَت استمرارَ العلاقة مع أوروبا على المدى الطويل بتغيّرها، لأنه يُحتمل أن يصبح بعض أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) ذوي أغلبيةٍ غير أوروبية. وعليه يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانوا سينظرون إلى مكانهم في العالم، أو تحالفهم مع الولايات المتحدة، بالطريقة نفسها التي نظر بها الموقّعون على ميثاق الناتو. 

وكما ودّعت الوثيقة زمن الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، أعلنت عن انتهاء زمن دعم الولايات المتحدة النظامَ العالمي برمّته، منتقدةً النظرة إلى الناتو حلفاً دائم التوسّع. وأكدت أن السيطرة المطلقة أفضل من الشراكة المقيّدة، وأن كلّ دولةٍ عليها مسؤولية إدارة شؤونها بنفسها. ووفقاً للوثيقة فإن شبكة الحلفاء والشركاء الأمريكيين تضمّ عدداً كبيراً من الدول الغنية والمتقدّمة التي تستطيع تحمّل مسؤوليةً أكبر عن أمنها الإقليمي، وتعزيز مساهمتها في ترتيبات الدفاع الجماعي.                   


لا تنبع أهمية استراتيجية الأمن الأمريكي 2025 من مضمونها فقط، بل من السياق الذي خرجت فيه. فغياب مستشار الأمن القومي، وتولّي وزير الخارجية ماركو روبيو المنصب مؤقتاً، ترك أثره المباشر على لغة الوثيقة.

لا يذكر التاريخ الأمريكي شخصاً جمع المنصبين قبل روبيو، إلا هنري كيسنجر. تولى كيسنجر منصب مستشار الأمن القومي مع تولّي ريتشارد نيكسون الرئاسة سنة 1969. حينئذٍ تجاوز كيسنجر وزير الخارجية ويليام روجرز في اختصاصاته، إلى حدّ أن وزارة الخارجية كانت تُفاجأ بمبادرات السياسة الخارجية عند الإعلان عنها للجمهور. ولم يكن للوزارة دورٌ يُذكر في مفاوضات وقف إطلاق النار في فيتنام، ولا في الاتصالات بين نيكسون والاتحاد السوفييتي. ومع التهميش المستمرّ استقال روجرز ليتولى كيسنجر الخارجيةَ بجانب الأمن القومي في المدة من 1973 وحتى 1975.

يقول بيتر كوزنيك، المؤرخ ومدير معهد الدراسات النووية في الجامعة الأمريكية بواشنطن، إن القرارت الكبرى في حقبة كيسنجر أُديرت خلف الأبواب المغلقة مع الرئيس نيكسون، وليس عبر وثائق رسميةٍ تقدَّم للكونغرس والرأي العام. وفي حديثه مع الفراتس، قال كوزنيك إن فيتنام كانت حينها أولوية كيسنجر، وأن سياسته اتسمت بالواقعية السياسية وحسابات توازن القوى. سعى كيسنجر إلى الانفتاح على الصين والاتحاد السوفييتي، لكنه في المجمل، مثل ترامب، لم يهتم بحقوق الإنسان.

تختلف ملابسات جمع روبيو المنصبَين عن كيسنجر. فقد اختيرَ روبيو للعمل مستشاراً مؤقتاً للأمن القومي بعد أن قرر ترامب إقالة مايك والتز من المنصب إثر استخدامه تطبيق المراسلة سيغنال في مناقشة عملياتٍ عسكريةٍ حساسة. واختير روبيو، الذي خاض السباق الرئاسي سنة 2016 منافساً لترامب، للمنصب بعد إثبات قدرته على التوافق مع سياسة الرئيس، وتبنّي رؤية "أمريكا أولاً".

في بداية عمله وزيراً للخارجية قاد روبيو تغييراتٍ واسعةً في الوزارة، تماشياً مع رؤية ترامب. شملت التغييرات خفض عدد الموظفين الفيدراليين وإغلاق مكاتب في الخارجية ودمج بعضها وتقليص عدد التأشيرات الصادرة للطلاب الأجانب وتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. عزّز ذلك ثقة ترامب به. فقال قبل تعيينه قائماً بأعمال مستشار الأمن القومي: "عندما أواجه مشكلةً، أتصل بماركو [روبيو]، وهو من يحلّها". وبعد أشهرٍ مدحه ترامب في الكنيست الإسرائيلي يوم توقيع اتفاقية السلام في غزة، قائلاً إنه سيُخلَّد أعظم وزير خارجيةٍ في تاريخ الولايات المتحدة، مقارناً إياه بكيسنجر.

خلافاً لكيسنجر، يولي روبيو — ذو الأصول الكوبية — اهتماماً أكبر بدول أمريكا الجنوبية. ومنذ دخوله المعترك السياسي، كان يكثر من انتقاد القمع السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان في كوبا. يصف كوزنيك هذا الاهتمام بالهوس، ويضيف: "عندما يتعلّق الأمر بأوكرانيا أو أوروبا، فإنّه [روبيو] يتركها لآخرين. روبيو لا يهتم إلا بأمريكا اللاتينية. هو مهووسٌ بها".

يتضح تأثير روبيو على استراتيجية ترامب في الاهتمام الكبير الذي توليه لنصف الكرة الغربي. فاستراتيجية الأمن الأمريكي 2025 أعادت إحياء "مبدأ مونرو" الذي أعلنه الرئيس جيمس مونرو سنة 1823. وينصّ على الحماية الأمريكية الأحادية لنصف الكرة الغربي وعدم تدخل القوى الأوروبية فيها، مقابل امتناع الولايات المتحدة عن التدخل في الشؤون الأوروبية. فُسّر مبدأ مونرو تاريخياً على أن يجعل الأمريكتيَن مجال نفوذٍ حصريٍّ للولايات المتحدة، ويعدّ أيّ تدخلٍ فيهما تهديداً لأمنها القومي. استراتيجية 2025 أعادت إحياء هذا المبدأ ليصبح موجهاً أساساً ضد روسيا والصين اللتين تحاولان بناء نفوذٍ اقتصاديٍّ وأمنيٍّ داخل أمريكا الجنوبية والكاريبي. ولتؤكد أمريكا أنها المسيطرة الوحيدة في تلك المنطقة، وأنها ستمنع الدول في نصف الكرة الغربي من التعاون مع الآخرين.

تبدو الوثيقة محمَّلةً بتناقضات روبيو الشخصية. يشير كوزنيك، إلى أن روبيو يعاني ازدواجيةً واضحةً تعكس صراعاً بين هويتين. أولاهما روبيو المتشدد القديم، المعروف بمواقفه الصلبة تجاه روسيا والصين الخصمَين الاستراتيجيَّين للولايات المتحدة، وبتأكيده ضرورة مواجهتهما بسياسات الردع والعقوبات والضغط السياسي حول العالم. وثانيتهما روبيو الجديد المنخرط في خطاب ماغا، والمقرّب من ترامب والمستجيب لحساباته السياسية، والذي يكاد اهتمامه ينحصر في مجال النفوذ الأمريكي لا في "إدارة العالم".

ظهر روبيو القديم في المناقشات حول خطة ترامب للسلام بين أوكرانيا وروسيا، المكوّنة من ثمانٍ وعشرين نقطة. صدرت الخطة في نوفمبر 2025، وبدا روبيو متمسّكاً بالضغط السياسي على موسكو، وعدم تقديم تنازلاتٍ سريعةٍ لإنهاء الحرب بأيّ ثمن. في المقابل تجلّى روبيو الجديد في استراتيجية الأمن الأمريكي 2025 التي انتقدت الطابع التوسّعي لحلف شمال الأطلسي، وسلّطت الضوء على عمق التوتر بين إدارة ترامب وأوروبا. فقد وصفت الحكوماتِ الأوروبيةَ بأنها حكومات أقليةٍ غير مستقرة. وعرَّفت المصلحة الجوهرية للولايات المتحدة بأنها إرساء استقرارٍ استراتيجيٍّ مع روسيا.

مفارقة القديم والجديد في مسيرة روبيو تبرز أيضاً في ملف الصين. كان روبيو القديم أبرز الأصوات في الكونغرس الداعية إلى اتباع سياسةٍ أكثر صرامةً تجاه الصين. ومع تولّيه الخارجية تغيّرت لغته للحديث عن سياسةٍ مسؤولةٍ وإدارةٍ ناضجةٍ للعلاقات الثنائية. ظهر هذا التحوّل في استراتيجية 2025 التي أبقت المنافسة مع الصين ضمن أولوياتها، لكنها لم تولِها الاهتمام والمساحة اللتين اعتادت الاستراتيجيات السابقة أن تخصصهما لها. فاكتفت بالدعوة إلى إعادة التوازن للعلاقة الاقتصادية الأمريكية مع الصين، والحفاظ على علاقةٍ اقتصاديةٍ متبادلة المنفعة معها، مع إعطاء الأولوية للمعاملة بالمثل.

يتخوّف بعض المتابعين من الآثار المحتملة لهذا التحوّل في الموقف من الصين على الشرق الأوسط. في حديثه مع الفراتس، عبّر  دينيس روس، مبعوث السلام في الشرق الأوسط في إدارتَي جورج بوش الأب وبيل كلينتون، عن قلقه من أن يؤدي دعم الصين إيرانَ (في إعادة بناء قدراتها الصاروخية) لاستئنافها الحرب مع إسرائيل. وحذَّر من غياب تحذيراتٍ أمريكيةٍ وعربيةٍ للصين من مغبّة مساعدتها إيران. وفي المقابل، يرى كوزنيك التعامل الحذر للوثيقة مع الصين انعكاساً لتراجع ترامب عن موقفه التصادمي تجاهها. ويعلّل ذلك بإدراك ترامب أن الصينيين يملكون زمام الأمور بسبب استعدادهم للردّ على العقوبات والتعريفات الجمركية والتهديدات العسكرية على خلفية احتكارهم شبه الكامل المعادنَ النادرة والمغناطيس، التي تحتاجها الولايات المتحدة بشدةٍ لجميع أنواع الصناعات.


برزت إيران في النسخ الأخيرة من استراتيجيات الأمن الأمريكي تهديداً رئيساً للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. يتفق الجمهوريون مع الديمقراطيين في هذا التصنيف على النحو الذي يكشفه اتفاق استراتيجيات الأمن الأمريكي في عهدَي ترامب وبايدن على هذه المسألة. ومع هذا الاتفاق، تعاملت كل استراتيجيةٍ مع هذا "التهديد الإيراني" باختلاف.

في استراتيجية ترامب التي صدرت في ولايته الأولى سنة 2017، صُوِّرت إيران دولةً رائدةً في رعاية الإرهاب في العالم. وأفردت الوثيقة مساحةً كبيرةً لها باعتبارها تهديداً متواصلاً في المنطقة وأحدَ الأنظمة التي تطوّر أسلحةً نوويةً وصواريخ لتهديد الكوكب بأكمله. وزعمت الوثيقة أن إيران وسّعت نفوذها في المنطقة بالشركاء والوكلاء، وعملت على تطوير صواريخ تسياريةٍ وقدراتٍ استخباراتيةٍ أكثر تطوراً، منذ الاتفاق النووي سنة 2015 الذي قيّد برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات عنها. ورسمت الوثيقة شكل الوجود الأمريكي لحماية مصالح الولايات المتحدة بعقد تحالفاتٍ مع الشركاء الإقليميين، والعمل معهم لحرمان النظام الإيراني من جميع السبل المؤدية إلى امتلاك سلاحٍ نوويٍّ، إلى جانب تحجيم النفوذ الإيراني. وذكرت الوثيقة أن التهديد الإيراني يؤكد أن إسرائيل ليست سبب مشاكل المنطقة، بل إن بعض الدول — والتي لم تسمّها الاستراتيجية — وجدت في إسرائيل حليفاً يمكن العمل معه لمواجهة التهديدات المشتركة.

أعادت استراتيجية الأمن الأمريكي الصادرة خلال حكم جو بايدن سنة 2022 التأكيد على خطورة التهديد الإيراني. وخلافاً لسابقتها، أكدت الاستراتيجية سعي الولايات المتحدة إلى مسارٍ دبلوماسيٍّ يضمن عدم تمكن إيران من امتلاك سلاحٍ نوويّ. لكنها لوّحت باستخدام "وسائل أخرى"، لم تسمّها، في حال فشل الدبلوماسية.

أما استراتيجية ترامب الصادرة سنة 2025، فأعلنت عن انتهاء التهديد الإيراني بعد إضعاف قوّته التي زعزعت استقرار المنطقة. أشارت الاستراتيجية للإجراءات الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر سنة 2023، إلى جانب عملية "المطرقة منتصف الليل" التي نفَّذها الجيش الأمريكي في يونيو 2025. وتفاخرت الوثيقة بنجاح الإدارة الأمريكية في تسوية الصراع بين إسرائيل وإيران في ثمانية أشهر.

وعلى عكس ما ورد في الاستراتيجية الجديدة بشأن إيران، يؤكد كوزنيك أن التهديد الإيراني ما زال قائماً. ويضيف أن تراجع القدرات النووية الإيرانية بعد عملية المطرقة لا يعني تدميرها ولا إضعافها بشكلٍ كبير. فمخزون إيران من اليورانيوم المخصّب لا يزال مجهولاً، ولا تزال إيران تمتلك المعرفة التقنية اللازمة لإعادة بناء برنامجها النووي إذا ما قررت ذلك. في المقابل يرى روس أن ما ورد بشأن إيران يعكس ما يؤمن به ترامب. وأشار إلى أن إعادة بناء البنية التحتية النووية الإيرانية لن يكون سهلاً، ولا يرجِّح إقدام إيران عليه في المدى القريب، لما قد يترتب على ذلك من شنّ ضرباتٍ إسرائيليةٍ جديدة.

اكتفت استراتيجية الأمن الأمريكي 2025 بالحديث عن تحييد التهديد الإيراني في المنطقة دون عرض خطة احتواءٍ طويلة الأمد. وهو ما عدّه مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الأمن الدولي، توماس كنتريمان، خللاً كبيراً. فعدم رسم رؤيةٍ طويلة المدى تجعل المشهد – برأي كنتريمان – في المنطقة ضبابياً للسياسة الأمريكية. وقال كنتريمان للفراتس إن "الوثيقة تلخّص سياسات الولايات المتحدة على المستوى التكتيكي، وليس الاستراتيجي، عند وقوع الأزمات. وهي أيضاً متناقضة: أحياناً تقول إن أمريكا ستقود تحالفاً عالمياً، وأحياناً تقول إنها ستتصرف بضبط النفس ولن تتدخل في كل مكان. ومن المستحيل التنبؤ أيٌّ من هذين النهجَين سيسود في الواقع".

تناقض الاستراتيجية مع بعض السياسات العملية لإدارة ترامب يزيد ارتباك الخبراء. مثلاً، تؤكد الوثيقة تراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط. وعلى أرض الواقع أعلن ترامب عن عزمه ترؤّس "مجلس سلام" للإشراف على قطاع غزة وإعادة إعماره بعد وقف إطلاق النار. فضلاً عن تعاون الولايات المتحدة مع سوريا في تنفيذ عملياتٍ ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" هناك، وتوسّطها في اتفاقيةٍ أمنيةٍ جديدةٍ بين إسرائيل وسوريا.


تتعامل استراتيجية الأمن الأمريكي 2025 مع الشرق الأوسط على أنه دخل طور الاستقرار. وهو ما يترجَم عملياً في مقاربة الملفات الأساسية، من إسرائيل وفلسطين إلى الخليج. فتُعاد صياغة هذه القضايا ضمن إطار إدارة ما بعد الصراع، لا في ظلّ صراعٍ مستمر.

احتفظت الوثيقة لإسرائيل بمكانتها المركزية مصلحةً أمريكيةً رئيسةً في المنطقة. إذ نصَّت على أن "المصالح الأساسية" لأمريكا في الشرق الأوسط هي "ضمان عدم وقوع إمدادات الطاقة الخليجية في أيدي عدوٍّ صريحٍ، وأن يبقى مضيق هرمز مفتوحاً، وأن يبقى البحر الأحمر صالحاً للملاحة، وألا تكون المنطقة حاضنةً أو مصدراً للإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو الوطن الأمريكي، وأن تبقى إسرائيل آمنة".

لم تذكر استراتيجية 2025 تطلعات الفلسطينيين لإقامة دولةٍ فلسطينية. ووصفت الصراع بين إسرائيل وفلسطين بأنه لا يزال شائكاً، مع تأكيدها أن ثمة تقدّماً نحو سلامٍ أكثر استدامةً حصل بفضل جهود ترامب لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن. ولم تفسّر طبيعة ذلك السلام.

يختلف هذا الموقف تجاه الدولة الفلسطينية عن مواقف الاستراتيجيات السابقة. في استراتيجية 2017، تعهدت إدارة ترامب بالحفاظ على أمن إسرائيل والعمل على تسهيل اتفاق سلامٍ شاملٍ يقبله الإسرائيليون والفلسطينيون. جددت استراتيجية بايدن الصادرة سنة 2022 التزام واشنطن "الحديدي" (كما وَصَفَتْه) بأمن إسرائيل، مع مواصلة تعزيز حلّ الدولتين القابل للتطبيق عند حدود 1967، والذي رأته الاستراتيجية ضامناً مستقبلَ إسرائيل دولةً يهوديةً ديمقراطيةً، وملبِّياً تطلعات الفلسطينيين لدولةٍ آمنةٍ ومستقلة.

جيمس غاترس، الدبلوماسي والمحلل السياسي الذي عمل سابقاً في إدارة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ، عزا هذا التجاهل إلى عدم موافقة إسرائيل على إقامة دولةٍ فلسطينية. وقال في حديثه مع الفراتس إن ما يُعرَض حلّاً هو اختفاء الفلسطينيين، ومن ثم اختفاء المشكلة. وهذا هو الحل الذي يُفرض على غزة الآن، وسيُفرض لاحقاً على الضفة الغربية. في المقابل يرى روس أن عدم ذكر حلّ الدولتين في استراتيجية الأمن الأمريكي 2025 لا يعني عدم التزام ترامب به. واستند روس إلى ما عدّه التزاماً من ترامب بخطته لغزة التي أعلنها في 29 سبتمبر 2025، والتي تضمّنت عشرين نقطة. وبحسب روس "تُعد النقطة التاسعة عشر مهمةً بشكلٍ خاصٍّ فيما يتعلق بالفلسطينيين، إذ تنص على تنفيذ السلطة الفلسطينية إصلاحاتٍ حقيقيةً تفتح الطريق أمام تقرير المصير وإقامة الدولة، وهو ما يلبّي تطلعات الفلسطينيين".

أعلت استراتيجية 2025 من قيمة المصالح الاقتصادية. فجعلت العلاقة مع دول الخليج أولويةً قصوى لأنها مصدرٌ ووجهةٌ للاستثمار الدولي. تجاوز هذا التركيز النفط مجالاً للتعاون إلى مجالاتٍ أخرى منها الذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع. وأكدت الوثيقة تراجع الإدارة الأمريكية عن السياسة المتبعة من الإدارات السابقة، التي التزمت ممارسة الضغوط على دول المنطقة للتخلّي عن تقاليدها وأنماط حكمها. ولم تقدّم أي وعودٍ بممارسة الضغط أو التشجيع على تعزيز حقوق الإنسان أو ربط المساعدات بالإصلاحات، بل انتقدت سياسات الإدارات السابقة التي سعت للضغط من أجل الإصلاح، ووصفته بالنهج الخاطئ. وعدّت تقبّل المنطقة وقادتها، دون السعي لتغييرهم، مفتاحَ إقامة علاقاتٍ ناجحةٍ مع الشرق الأوسط والسبيلَ للتركيز على العمل المشترك في مجالات المصالح المتبادلة والاستثمار الاقتصادي. وأكدت أن الولايات المتحدة تشجّع الإصلاح وفق القيم الأمريكية عندما ينبع طبيعيّاً من داخل المجتمعات، من دون محاولة فرضه من الخارج.

وعن كيفية رسم الاستراتيجية لشكل العلاقة مع دول الشرق الأوسط، يقول روس إن الوثائق الاستراتيجية لا تُلزم الإدارات الأمريكية بمسارات عملٍ محدّدةٍ، بقدر ما تقدّم خريطةً أو إطاراً عاماً يحدد الاتجاه الذي ترغب الإدارة في السير فيه. وهو ما يفتح المجال للفصل بين فلسفة إدارة ترامب المعلنة في الوثيقة وسلوكها الفعلي على الأرض في المنطقة. وخلافاً لما تتبناه الاستراتيجية من تقليص الدور العسكري الأمريكي أو تهميشه، تواصلت العمليات العسكرية. فقد نفذت الولايات المتحدة ضرباتٍ جويةً ضد منشآت فوردو ونطنز وأصفهان في إيران، وشنّت ضرباتٍ ضد الحوثيين في اليمن استمرت نحو  ثلاثين يوماً، ولم تسحب قواتها من العراق أو سوريا. وإلى جانب ذلك، أنشأت الإدارة الأمريكية مركزاً مشتركاً للقيادة والسيطرة، وتعمل على تعيين قائدٍ أمريكيِّ لقيادة قوة الاستقرار الدولية في غزة، بما يعكس استمرار الانخراط العسكري والأمني في المنطقة.

بحسب روس، ترفع استراتيجية الأمن الأمريكي 2025 شعار "أمريكا أولاً" لإعلاء المصالح الاقتصادية. وهنا تصبح العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أقلّ حضوراً في المستقبل مقابل تعزيز العلاقات الأمريكية مع دول الخليج التي تمتلك ثرواتٍ نفطيةً وأسواقاً استثماريةً ضخمة. يرى روس أن المصالح بطبيعتها يمكن أن تتغير. وفي مقابل تقديم إسرائيل الكثير في مجال الأمن والتعاون التقني، فإن منظور الربح المباشر الذي تتبناه إدارة ترامب يجعلها تتجه نحو دول الخليج.

في المقابل لا يرى غاترس في هذا الخطاب تحولاً حقيقياً بل امتداداً للسياسة الأمريكية التقليدية. ويشير إلى أن الإدارات الأمريكية المتلاحقة حوّلت الديمقراطية وحقوق الإنسان أدواتٍ سياسيةً تستخدمها ضدّ خصومها وتتجاهلها مع حلفائها. ويعتقد غاترس أن هذا الأمر ينطبق على الشرق الأوسط. فمن الممكن رفع شعارات حقوق الإنسان عندما تريد الإدارة الأمريكية إسقاط نظامٍ مثل سوريا أو ليبيا أو إيران، لكنها تتجاهل تلك الشعارات عندما يتعلّق الأمر بالخليج.

يضيف غاترس أن الولايات المتحدة ستعزز وجودها العسكري في نصف الكرة الغربي، لكنها ستبقى على وجودها العسكري في الشرق الأوسط. يخالفه في ذلك مساعد وزير الدفاع السابق لشؤون الشرق الأوسط، مايك مولوري، الذي يرى أن تحويل تركيز واشنطن الرئيس إلى نصف الكرة الغربي وجعله أولويةً يعني تقليص الوجود العسكري في أماكن أخرى، ومنها الشرق الأوسط. ويشير مولوري للفراتس إلى إن ذلك التقليص سيؤثر على أمن إسرائيل، وفي المقابل ستسعى إسرائيل لتعويض ذلك بزيادة إنفاقها على الجيش.


تعيد استراتيجية الأمن الأمريكي لسنة 2025 تعريف شكل الانخراط الأمريكي في العالم، وفي القلب منه الشرق الأوسط. فقبل صدور الوثيقة، خففت إدارة ترامب القيود التي فرضتها الإدارات السابقة على استخراج النفط الصخري وإنتاج الطاقة. ولاحقاً، بعد نصف قرنٍ تقريباً من اعتبار الشرق الأوسط أولويةً مركزيةً للسياسة الخارجية الأمريكية، تعلن أن المرحلة التي هيمنت فيها المنطقة على التخطيط والتنفيذ الأمريكي قد انتهت. لتُعاد صياغة العلاقات الإقليمية على أساس المنفعة الاقتصادية، وتأتي دول الخليج شريكاً في المقام الأول، بينما تصور إسرائيل حليفاً استراتيجياً تاريخياً، لكن ضمن علاقةٍ يغلب عليها الطابع العمليّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

اشترك في نشرتنا البريدية