"طالَعَ فيه وتأمَّلَ معانيه".. هوامش مخطوطات الأدب العربي ودلالاتها التاريخية والمعرفية

تعدّ القيود والكتابات التي تظهر في بدايات المخطوطات العربية ونهاياتها وهوامشها مصادر لتاريخٍ اجتماعيٍ وثقافيٍ وعلميٍ موازٍ، وتكشف عن حيوات النُّسّاخ والقرّاء.

Share
"طالَعَ فيه وتأمَّلَ معانيه".. هوامش مخطوطات الأدب العربي ودلالاتها التاريخية والمعرفية
مادة كاشفة عن أبعاد ثقافية واجتماعية | تصميم خاص بالفراتس

كانت البداية في العاصمة الألمانية برلين، حيث كنتُ على موعدٍ مع حكاياتٍ عن كتب الأدب العربي القديمة، حكاياتٍ تروي نفسها، لا أديبَ سردها ولا مؤرخَ دوّنها. "طالَعَ فيه وتأمَّلَ معانيه"، و"طالعَ هذا الكتاب الفقير حسن بن محمد العطار المصري الأزهري وذلك بدمشق الشام سنة 1226"، عبارتان من كتابات متطايرة من حكايات مخطوطات "كليلة ودمنة" غير المحكيّة. كانت هذه العبارات موضوعَ نقاش دائم مع مشرفتي في رسالة الدكتوراه بياتريس جروندلر، أستاذة الدراسات العربية في جامعة برلين الحرة في ألمانيا، ضمن مشروعها عن تاريخ كتاب كليلة ودمنة، وعلى هامش اشتغالي على أطروحتي للدكتوراه عن ممارسات النسْخ والكتابة في المخطوطات العربية المبكرة. 

تحكي الصفحات الأولى في المخطوطات العربية التي تضم صفحة العنوان وصفحات أخرى لكتابة الملاحظات والفوائد، حياةً خارج متونها. وكذلك الصفحات الأخيرة التي تضم بيان الختام الذي يكتبه الناسخ والصفحات الفارغة لتدوين معلومات هامشية وهوامش المخطوطات الداخلية أيضاً، كلّها مساحة لكتابات جانبية تختلف عن متن المخطوط. لم تكن هذه الكتابات مقتصرة على كتب التراث الديني فحسب، بل امتدت إلى التراث الأدبي من شعر وقصص وأمثال.

تتضمن الكتابات الهامشية في مخطوطات الأدب العربي أنواعاً متعددة من التعليقات، يفتح كثير منها الباب لفهم اهتمامات القراء واتصالهم المعرفي بالمخطوطات. منها تعليقات القراءة وتعليقات التملّك وتعليقات الوقف التي يكشف جزء منها عن تصوّرات متنوعة للعلاقة بين الدين والحياة، وعن توظيف الأدب في سياق المقاربات الفقهية. وهناك تعليقات لا صلة لها بمحتوى المخطوط أو استخدامه المعرفي، وإنما تدوينات عابرة في سياق تداوله واستعماله، لكنها تعكس أبعاداً متعددة لحيوات النسّاخ والقرّاء واهتماماتهم اليومية. يُظهر تحليل نماذج مختارة من هذه الهوامش والمقارنة بين الشواهد المختلفة انطواءها على قيمة تاريخية ومعرفية عالية، لأنها تكشف تاريخاً اجتماعياً وثقافياً وعلمياً موازياً.


من بين النماذج التي استوقفتني في سياق تحليل تعليقات هوامش المخطوطات، ما عاينتُه في بعض مخطوطات كليلة ودمنة. تضمنت بعض هذه المخطوطات التي اطلعتُ عليها في عملي  كتابات هامشية أثارت لديّ بعض التساؤلات. قد تُسهم هذه التساؤلات في استخدام مخطوطات الأدب العربي أدواتٍ معرفية لشحذ الفكر، تتجاوز مجرّد التلقي الأدبي القائم على المتعة.

ففي النسخة المخطوطة من كتاب كليلة ودمنة المحفوظة في المكتبة البريطانية برقم "آد. 7413" يرد في الورقة الثانية هذا التعليق: "طالَعَ فيه وتأمَّلَ معانيه عبد الرحمن ابن السيد رمضان الحنفي". وفقاً لهذا التعليق، لم يكتفِ عبد الرحمن ابن السيد رمضان الحنفي، الذي لم أقف على معلومات عن حياته بعد، بقراءة المخطوط، بل تعمّق في دراسة معانيها. ويشير هذا النوع من القراءة المقرونة بالتأمل إلى اهتمام جاد بالنص وتعامل معرفي معه. وقد أثار هذا التعليق لديَّ تساؤلاً: هل كان عبد الرحمن بن السيد رمضان الذي توحي نسبته إلى المذهب الحنفي بتكوينه الفقهي يقرأ كليلة ودمنة لغايات معرفية تتجاوز القراءة الأدبية الاستمتاعية بنص أدبي؟

لم يكن هذا التعليق الوحيد الذي دفعني إلى هذا التساؤل. ففي الصفحة نفسها من المخطوط يَرد تعليق آخر نصه: "من كُتب الفقير محمد راغب زيني زاده المفتي بطرابلس الشام، غفر الله له وعفا عنه ورحم والديه". ويشير هذا التعليق إلى أنَّ مفتي طرابلس محمد راغب زيني زاده، الذي لم أعثر على معلومات عن سيرته، حرص على اقتناء نسخة مخطوطة من كليلة ودمنة. ومن اللافت أنّ شخصية تتأسس وظيفتها العلمية على دراسة الفقه الإسلامي اهتمّت بامتلاك هذا النص الأدبي، وهو ما يعزّز التساؤل عن طبيعة حضوره في السياق المعرفي لقرّائه.

كليلة ودمنة . مخطوط المكتبة البريطانية رقم آد 7413. ورقة 2 وجه: قيود مطالعة زيني زاده، حسن العطار، رمضان الحنفي.

وأمام هذا التعليق وقفتُ أتسائل، هل استخدم هذا الفقيه كليلة ودمنة في عمله الفقهي. وحَفَّزَ هذا التساؤل ما أشار إليه الباحث المتخصص في الأدب العربي وتقاطعاته مع الفكر الإسلامي ماتيو كيغان في دراسته "ألسوير لايز إتس مينينغ: ذا فاغاريز أوف كليلة أند دمنة ريسبشن" (المعنى يكمن في مكان آخر: تقلبات استقبال كتاب كليلة ودمنة) المنشورة سنة 2021. يذكر الباحث أنّ كتاب كليلة ودمنة استُند إليه في العصور الوسطى الإسلامية مصدراً للتشريع مثل القرآن. وفي هذا السياق، يستشهد كيغان بقصة القائد العسكري العباسي طاهر الخزاعي، المعروف بذي اليمينين لاستخدامه كلتا يديه بمهارة متساوية، أحد رجال الخليفة العباسي المأمون. يروي الأديب والفيلسوف الصوفي في العصر العباسي أبو حيان التوحيدي في كتابه "البصائر والذخائر" أن "ذو اليمينَين جلس يوماً من الأيام للمظالم (للفصل في الشكاوى)، فَعُرِضت عليه رقعةُ (شكوى على ورقة) رجلٍ ادّعى أجرةً على رجل آخر، بينما أحال المُدَّعى عليه المسؤولية على رجل آخر". فوقّع ذو اليمينين أسفل الرقعة: "يُرجع إلى الفصل الثاني من كتاب كليلة ودمنة". فلما رُجع إلى ذلك الفصل، وُجد فيه: "أجرةُ الأجير على من استأجره، فَعُمل بذلك". يعزز هذا الاستناد للكتاب في الحكم حضوره في المجال التداولي العلمي، لا نصاً أدبياً فحسب، بل مرجعاً يُستأنس به في بناء الحكم وتدعيمه.

باستحضار هذه القصة، بدأت أفكر في أنّ تفاعل مفتي طرابلس مع كليلة ودمنة ربما كان تفاعلاً معرفياً مشابهاً لذلك الذي حدث مع ذي اليمينين، خصوصاً أن مفتي طرابلس لم يكن وحده من أبدى اهتماماً بالمخطوط. إذ يدلنا تعليق آخر في الصفحة نفسها من مخطوط المكتبة البريطانية المذكور سابقاً، على أن "طالَعَ هذا الكتاب الفقير حسن بن محمد العطار المصري الأزهري وذلك بدمشق الشام سنة 1226". فهل كانت قراءة حسن بن محمد العطار، شيخ الأزهر المعروف المتوفى سنة 1834، لكتاب كليلة ودمنة قراءة معرفية للتزوّد بزاد يمكن الاستفادة منه على نحو مشابه لما حدث مع ذي اليمينين؟

ليس هذا فحسب، بل هناك مجموعة من التعليقات الهامشية المثيرة الاهتمام على إحدى نسخ كليلة ودمنة المحفوظة في المكتبة الأزهرية في القاهرة، التي قد تنتمي إلى نفس الاتجاه المعرفي. فعلى وجه الورقة الأولى من النسخة المخطوطة برقم 66947 عام و6275 خاص، نجد مجموعة من التعليقات التي تنتمي إلى عائلة النجَّاري، وتُبيّن أنّ هذه النسخة من كليلة ودمنة انتقلت بالميراث من جيل إلى جيل. وفقاً لتعليق التملّك، كانت النسخة في بداية الأمر "في ملك العبد الفاني علي النجَّاري المعروف بالنبلي". وعلى الورقة نفسها، يشير تعليق تملّك آخر إلى أنّ المخطوط "انتقل إلى ملك ولده الفقير سلامة النجَّاري". وفي نهاية سلسة التملّك بالميراث، نجد التعليق: "صار بالميراث الشرعي في نوبة ولده الفقير لربه الباري فتح الله مصطفى سلامة النجَّاري"، الذي أوقف هذه المخطوطة، وفقاً لتعليق الوقف على الورقة نفسها "صدقةً لله تعالى مُأبّدة لينتفع به كل من أراد الانتفاع من المسلمين وجعل مقرَّه برواق السادة الحنفيّة المصريّين بالجامع الأزهر تحت ولاية من يكون شيخاً على الرواق المذكور في سادس شهر ذي القعدة سنة  1286 هجرية".

كليلة ودمنة . مخطوط المكتبة الأزهرية بالقاهرة ،رقم 66947  عام و 6275
ورقة 1 وجه: انتقال المخطوط بالميراث داخل عائلة النجاري حتى أوقفه على رواق الأحناف بالأزهر

لا توضح هذه التعليقات سلسلة تملّك المخطوط وحسب، بل توضح أيضاً حرص كلّ من الجد والأب والحفيد على ضمان استمراره عبر تناقله إرثاً بينهم، إلى أن استقرّ وقفاً علمياً ومعرفياً على يد الحفيد. ويعكس ذلك تقديرهم قيمةَ الكتاب التي تتجاوز المحتوى الأدبي إلى محتوى فلسفي وعلمي. والأكثر إثارة في الأمر هنا، هو حرص الشيخ مصطفى سلامة النجَّاري على أن يَهب هذه النسخة وقفاً على طلاب المذهب الحنفي في الأزهر، ما يثير التساؤل عما إذا كان هناك استخدام معرفي خاص لكتاب كليلة ودمنة بين دارسي المذهب. لاسيما أنّ الشيخ مصطفى سلامة النجاري كان من رجال صناعة الكتاب في مصر في منتصف القرن التاسع عشر، وبالتالي كان قادراً على تقدير الجمهور الذي سيهتمّ بكتاب معيّن.

جدير بالذكر أنّ هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها كليلة ودمنة والمذهب الحنفي في سياق واحد. فكما ذكرت سابقاً، حرص عبد الرحمن ابن السيد رمضان الحنفي على تدوين تفاعله مع كليلة ودمنة بقوله: "طالَعَ فيه وتأمَّلَ معانيه". ونجد أيضاً ناسخاً آخر ملقّباً بالحنفي نسخ نسخة من كتاب كليلة ودمنة، وهي أقدم نسخة من الكتاب في حدود اطلاعي على المخطوطات، ومحفوظة في جامعة الملك سعود برقم 2536. كتب هذا الناسخ في بيان ختامه: "تم وكمل كتاب كليلة ودمنة في السادس والعشرين من شهر صفر سنة سبع وأربعين وسبع مايةٍ (سبعمائة) للهجرة النبوية وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وَأصْحابِه وأزوَاجِهِ وذُريتهِ الطاهرينَ وعلى التابعيْن لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين على يد أضعف عباد الله تعالى وأَحوَجهم إلى رَحمَته مُحمّد بن علي بن سالم بن أحمد الحنفي عفا الله عنهم أجمعين". وتشير هذه الأمثلة بوضوح إلى وجود اهتمام بين دارسي المذهب الحنفي بكتاب كليلة ودمنة. فهل كان الأحناف يستخدمون كليلة ودمنة لشحذ قدرتهم على القياس الذي يعدّ أحد أساليب استنباط الأحكام الشرعية. فكتاب كليلة ودمنة بما يحتويه من أمثال وحكم، يمكن أن يساعد في تطوير مهارات الجدل والتفكير القياسي. وقد شهدنا مثالاً على ذلك عند ذي اليمينين.

كليلة ودمنة. مخطوط جامعة الملك سعود برقم حفظ 2536
ورقة 156 ظهر : ناسخ المخطوط هو مُحمّد بن علي بن سالم بن أحمد الحنفّي

وتتضمّن مقدمات بعض نسخ كليلة ودمنة إشارات واضحة إلى طبيعة محتواه الذي يساعد على شحذ مهارات التفكير والقياس مثل: "لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له وإلى أيّ غاية جرى مؤلّفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصح وغير ذلك من الأجعال التي جعلها مثالاً وأمثالاً، فإنّ قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني، ولا أيّ ثمرة يجتني منها، ولا أيّ نتيجة تحصل له من مقدّمات ما تضمّنه هذا الكتاب". إلى الآن، لا يمكن الجزم بأنّ هؤلاء القراء وهذا الناسخ استخدموا كليلة ودمنة لأغراض شحذ مهارات القياس المعرفي بشكل مباشر، إذ إنّ هذا الموضوع بحاجة إلى مزيد من البحث.


في أواخر سنة 2024، خضت تجربة جديدة في عالم التعليقات الهامشية في مخطوطات الأدب العربي، وهذه المرة مع المخطوطات التي تقتنيها مكتبة تشستر بيتي في دبلن بإيرلندا، ضمن زمالة كوكرين لأبحاث ما بعد الدكتوراه. ظلّ سؤال يشغل بالي، هل استُخدمت كتب الأدب العربي الموجودة هناك في سياقات تتعدى مجرد القراءة للمتعة الأدبية؟ وهل استخدمَ هذه الكتبَ الفقهاءُ والمشتغلون بالدراسات الإسلامية في نقاشاتهم ومناظراتهم واحتجاجاتهم، كما استخدم ذو اليمينين كتاب كليلة ودمنة لحسم حكم قضائي؟ 

وفي دبلن، كنت على موعد مع نسخة من كتاب "مجمع الأمثال" تأليف أبي الفضل أحمد الميداني النيسابوري المتوفى سنة 1123 محفوظة في مكتبة تشستر بيتي برقم إي آر 3017. اهتممتُ بهذه النسخة لاحتوائها على كم كبير من التعليقات الهامشية. أحد التعليقات يقول: "الحمد لله ملك عبدالله بن الشحنة الحنفي". فهنا فقيه حنفي شهير، عبد البر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود سري الدّين أَبُو البركات ابن الشحنة المتوفى سنة 1514، حرص على اقتناء هذا الكتاب في الأمثال الذي يشبه كتاب كليلة ودمنة الذي يحتوي أمثالاً إلى جانب حكايات الحيوانات ذات المعاني الفلسفية والسياسية. وهنا يبرز السؤال نفسه: هل استخدم ابن الشحنة كتاب "مجمّع الأمثال" لشحذ مهارة القياس التي يعتمد عليها الأحناف في استنتاج الأحكام الفقهية؟

مجمع الأمثال للميداني. مخطوط تشستر بيتي رقم إي آر 3017
ورقة 4 وجه: تعليقات هامشية أبرزها قيد تملك عبدالله بن الشحنة الحنفي. تصوير: يسري السعداوي

ومن مخطوطات دبلن اللافتة في هذا السياق أيضاً مخطوط كتاب "من توفي عنها زوجها فأظهرت الغموم وباحت بالمكتوم" لأبي بكر محمد بن خلف بن المرزبان المتوفى سنة 921 ميلادي، والمحفوظ في مكتبة تشستر بيتي برقم إي آر 3493. يضمّ هذا المخطوط أشعاراً قالتها نساء أرامل في رثاء أزواجهن. ومع أنّه ليس كتاب حديث أو كتاب فقه، إلا أن تعليقات  السماع المدونة في أوله وآخره تشير إلى أنه قُرئ في مجالس سماع على شيوخ كانوا يستمعون إلى قراءته ويجيزون على نحو يشبه ما فُعل مع كتب الحديث أو الفقه. وتسجّل تعليقات السماع الواردة في هذا المخطوط بدقة مَنْ الشيخ أو الشيخة الذي قُرئ عليه الكتاب، ومَنْ حَضَرَ مجلس السماع مِنَ المستمعين. ومن التعليقات اللافتة في هذا السياق، تعليق يوثّق مجلس سماع الكتاب في حضور الشيخة أم محمد ست الفقهاء المتوفاة سنة 1325 ونصّه:

"سَمِع جميع هذا الجزء على الشيخة المسندة الصالحة أم محمد ست الفقهاء بنت شيخنا الإمام تقيّ الدين أبي اسحق إبراهيم بن عبدالله بن الفضل الواسطي، باجازتها من عبدالله بن أبي بكر بن عمر النحال، وقمر بن بطّاح بن هلال بن عثمان الكاتب شهده باجازتها وبقراءة كاتب السماع عبدالله بن أحمد بن المحب المقدسي، أولاده محمد بن أحمد في الخامسة، وخديجة وعبدالله وعبدالرحمن ابنا أحمد بن عبدالهادي بن عبدالحميد ومحمد بن محمد بن محمد بن سعد المقدسي وفاطمة وامها عائشة بنت يوسف بن علي المشرقي والطون عناية الحاج علي التكريتي. وصحّ يوم الاثنين ثامن عشر من شعبان سنة ثلث وعشرين وسبعماية بمنزل الشيخة بالرباط بسفح قاسيون وأجازت لهما ما ترويه الحمد لله رب العالمين". 

من توفي عنها زوجها فأظهرت الغموم وباحت بالمكتوم. مخطوط تشستر بيتي رقم إي آر 3493
ورقة 1 وجه: قيد مجلس للكتاب في حضور الشيخة أم محمد ست الفقهاء. تصوير: يسري السعداوي

إنّ مجلس السماع المُدوَّن هنا، الذي تترأسه فقيهة حنبلية، وعُقد لسماع ومدارسة كتاب أدبي وانتهى بإجازة الطلاب الذين حضروا المجلس في حضور الشيخة، يدلّ على أنّ الاستقبال المعرفي لكتب الأدب العربي قد تجاوز مرحلة قراءتها نصوصاً للمتعة الأدبية وحسب. بل يبدو أنّ الأدب كان يُتلقّى في بعض السياقات معرفةً ذات قيمة علمية ودينية، تُعقد لها مجالس سماع وتجاز فيها الإجازات. تعدّ تعليقات القراءة والتملّك والوقف والسماع مصدراً أولياً لفهم تاريخ تداول المعرفة واستخدامها.


بالإضافة للقيود المذكورة أعلاه التي تعدّ وثائق تاريخية، تقابلنا تدوينات عابرة وطريفة في بدايات المخطوطات ونهاياتها. ففي نسخة كليلة ودمنة المحفوظة في المكتبة الوطنية التونسية برقم 16029، نجد في الورقة الأولى ملحوظة نصّها: "20 قيمته عشرون ريالاً". وهذا غالباً ثمن شراء المخطوط، غير أننا لا نعرف من اشتراه ومتى اشتراه. ومع ذلك، فإنّ مثل هذه المعلومات العابرة حين تدرج في سياقاتها التاريخية الأوسع، تصبح ذات قيمة كبيرة للباحثين في مجالات مثل تاريخ الاقتصاد وتاريخ الكتب. 

كليلة ودمنة . مخطوط المكتبة الوطنية التونسية برقم حفظ 16029، ورقة 1 ظهر : تقييد لسعر غالبا هو سعر المخطوط

وفي نسخة مكتبة تشستر بيتي من كتاب "زهر الربيع: مختصر ربيع الأبرار" تأليف محمد بن أبي بكر الرازي، والمحفوظة برقم إي آر 3466، نجد في آخرها على الورقة 140، تدوينة سمّاها كاتبها "فائدة لدفع لدغ العقرب" ونصّها: "إذا لسع إنساناً عقرب يكتب على ثلاث أوراق ما صورته هكذا، ثمّ يغسلها في إناء نظيف ويشربها، يبرأ بإذن الله تعالى: بكنوا لمشت برحشيا بكنوا شش لا إله إلا الله محمد رسول الله". وتبدو الكلمات الواردة قبل الشهادة صيغة غير مفهومة، يرجّح أنها من قبيل الطلاسم أو التعويذات السحرية التي كانت متداولة في بعض الأوساط الشعبية. ومثل هذه التدوينات تكشف تداخل مجالات الأدب والطب الشعبي والممارسات الروحية في فضاء المخطوط.

كتاب زهر الربيع مختصر ربيع الأبرار. مخطوط مكتبة تشستر بيتي برقم حفظ  إي آر 3466
ورقة 140 ظهر : فائدة لدفع لدغ العقرب. تصوير: يسري السعداوي

وفي النسخة نفسها من مخطوط "زهر الربيع" المشار إليه، نجد أنّ أحد قرّاء المخطوط دوَّنَ في بدايته على الورقة الأولى السابقة صفحةَ العنوان هذه الأبيات، ونسبها إلى الزمخشري:

رضينا قسمة الجبّار فينا .. لنا علم وللأغيار مال

كما  قيل في هذا المقال .. للعلم رجال وللحرب رجال

فإنّ العلم يفنى عن قريب .. وعلم الله باق لا يزال

والعجيب أن هذه الأبيات التي نُسبت في هذا التعليق الهامشي للزمخشري، منسوبة للإمام علي بن أبي طالب. ويشير هذا التباين في النسب إلى أهمية مثل هذه التعليقات الهامشية شواهدَ ماديةً يمكن أن تفتح باب التساؤل والشكّ عن تداول النصوص الشعرية ونسبها.

كتاب زهر الربيع مختصر ربيع الأبرار. مخطوط مكتبة تشستر بيتي برقم حفظ إي آر 3466
ورقة 1 وجه: أبيات تشيع نسبتها لعلي بن أبي طالب منسوبة هنا للزمخشري. تصوير: يسري السعداوي

ويُنسب إلى الإمام علي الكثير من الأقوال والأشعار، مثل الأبيات التي كُتبت في مخطوط زهر الربيع. وقد نسبت إليه وصفةٌ غذائية دُوّنت تعليقاً هامشياً على نسخة مخطوطة من ديوان ابن الفارض المحفوظة في مكتبة تشستر بيتي برقم إي آر 3643. ففي صفحة العنوان من هذا المخطوط على الورقة الأولى نقرأ: "فائدة عن الإمام علي. نسخة معجون: خذ زنجبيل وناردين وقرنفل وفلفل وداز صيني وكبابة وذر فلفل وخولنجان وقرفة لف ومستكة. دقّ الجميع ويكون قدر بعضهم ويخلط بالعسل ويغلو على النار ويائكل عند الصباح مثقالين وعند المسا مثقالين، يرى العجب".

وتبدو هذه التدوينة وصفةً علاجية ذات طابع شعبي. ومن المحتمل أن يكون كاتبها شخصاً بسيطاً محباً للتبرك بشيء ذي صلة بالإمام علي، لذلك كتب هذه الوصفة المنسوبة له.

ديوان ابن الفارض. مخطوط مكتبة تشستر بيتي برقم حفظ إي آر 3643
ورقة 1 وجه : وصفة غذائية منسوبة للإمام علي بن أبي طالب

تنتمي هذه الفئة من التعليقات إلى نوع مختلف من تفاعلات القراء مع المخطوط، إذ ليست تفاعلاً مع محتواه، بل تفاعل المخطوط مع حياة البشر. فالمخطوط بما يحمله من مساحة فارغة في بداياته ونهاياته أو هوامشه، يتيح للناس كتابة ما يريدون ويحبون من أشعار ووصفات علاجية وغذائية أو ملاحظات حياتية أخرى. وبهذه الطريقة، يتحول المخطوط إلى حاضنة للخبرات اليومية للقراء، ويصبح شاهداً على الأبعاد الاجتماعية والثقافية لحياتهم، وليس مجرّد نص يُقرأ ويُحلل.  


ولأهمية تعليقات القراءة والسماع والتملّك على المخطوطات، بذلت مشروعاتٌ بحثية جهوداً كبيرة لجمع هذه التعليقات وإتاحتها للباحثين، تمهيداً لتوظيفها في سياقاتها البحثية والمعرفية المختلفة. ومن أبرز هذه الجهود جهود مكتبات ومنصات ألمانية. إذ لا تقتصر جهود المكتبات على إتاحة الوصول إلى المخطوطات العربية فحسب، بل تحرص أيضاً على تمكين الباحثين من الوصول إلى البيانات الهامشية المسجّلة في بدايات المخطوطات ونهاياتها. وفي هذا الإطار، تبرز قاعدة البيانات العملاقة "قلاموس"، التي تتيح الوصول إلى عدد كبير من مخطوطات المكتبات الألمانية، وتوفّر أيضاً إمكانية البحث في القيود الهامشية المسجلة فيها واستكشاف معلوماتها. كذلك تبرز قاعدة بيانات هامبورغ التي تؤرشف تعليقات السماع، مثل تعليق سماع أم محمد ست الفقيهات في مخطوط "من توفي عنها زوجها" المذكور سابقاً.

أما الكتابات الهامشية غير المرتبطة بمحتوى الكتاب مثل الأبيات الشعرية والوصفات الغذائية والعلاجية وغيرها من المعلومات المتناثرة، فثمة جهود فردية لجمعها والاعتناء بها. فمن أوائل الأعمال في هذا المجال كتاب "الصبابات فيما وجدته على ظهور الكتب من الكتابات" لجميل بن مصطفى بك العظم المتوفى سنة 1933، الذي جمع فيه طائفة من هذه التدوينات، وكان أغلبها أبياتاً شعريةً وقف عليها المؤلف باطلاعه على مخطوطات مختلفة وطبع سنة 2000.

كذلك اهتم محمد خير رمضان بمثل هذه التعليقات فجمع ما استطاع منها في كتابه "الغرر على الطرر: غرر الفوائد على درر المخطوطات والنوادر". وصدر منه مجلد يضم جزئين سنة 2004، مع وعد بإصدار مجلدين لاحقين. ونشر صالح الأزهري، زميلي في الدراسة في معهد المخطوطات والعمل في دار الكتب المصرية، كتاباً سنة 2016 جمع فيه ما التقطه من هذه التدوينات المتناثرة في مخطوطات دار الكتب المصرية، وأسماه "التقييدات الشهية من ظهور وغواشي وحواشي النسخ الخطية".

وتدل هذه الجهود، على طابعها الفردي، على إدراك متزايد لأهمية هذه الكتابات مادةً كاشفة عن أبعاد ثقافية واجتماعية لا تقلّ قيمةً عن متن المخطوط نفسه.


تثير التعليقات الهامشية في كتب الأدب العربي المخطوطة أسئلة جوهرية في محاولة لفهم تاريخ استخدام هذه الكتب ووظائفها المعرفية. فكتبٌ مثل كليلة ودمنة ومجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني النيسابوري، تكشف إمكان توظيفها في سياقات تتجاوز القراءة الأدبية، لتلامس مجالات الاستدلال واستنباط الأحكام الشرعية، كما في قصة ذي اليمينين. غير أنّ السؤال يظلّ قائماً: إلى أي مدى استُخدمت كتب الأدب العربي في أغراض مماثلة؟ وما طبيعة هذا الاستخدام وحدوده؟

إنّ الإجابة الشافية على مثل هذه التساؤلات تحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب والتحليل المقارن بين الشواهد المتفرقة في المخطوطات. كذلك فإنّ التعليقات المتناثرة من أبيات شعر ووصفات وإشارات إلى أسعار أو وقائع يومية وغيرها، تفتح أفقاً واسعاً للتساؤل عن الحياة الاجتماعية والثقافية للقراء، وتقدم مادة يمكن أن تسهم في إعادة قراءة المعلومات التاريخية الواردة في المصادر السردية، إما تأكيدها أو تعديلها أو إضاءة جوانب ظلّت خارج إطار الرواية الرسمية. 

اشترك في نشرتنا البريدية