وشوم بيت هيغسيث.. خارطة طريق اليمين المتطرف

تجسّد وشوم وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث دلالات تاريخية ورمزية يستعملها اليمين المتشدد، وتعبّر عن هوس بالحروب الصليبية، يوظف في الصراعات الراهنة.

Share
وشوم بيت هيغسيث.. خارطة طريق اليمين المتطرف
بيت هيغسيث في حملةٍ صليبيةٍ | تصميم خاص بالفراتس

تُرجم هذا المقال من نيولاينز، المجلة الشقيقة للفِراتْس.

زار الأمير ألبرت مدينةَ القدس سنة 1862، قبل أن يصبح ملكاً على بريطانيا ويتخذ اسم الملك إدوارد السابع. دوّن ألبرت في يوميّاته أنه وشم جلده هناك على يد واحدٍ من "أهل البلد". بعد عشرين سنة، كرّر ابنه — الذي صار الملك جورج الخامس — التجربة عينها. فقد كتب إلى والدته أنه وُشِمَ "على يد الرجل العجوز نفسه الذي وشم والدي، وبالنقش ذاته أيضاً: الصلبان الخمسة". يشير هذا الوصف إلى "صليب القدس"، المعروف كذلك باسم "صليب الصليبيين". وهو صليبٌ مربّع الشكل خلافاً للصيغ المستطيلة الأشيع للصليب المسيحي، تتفرّع منه أربعة صلبان مربّعة أصغر، واحدٌ منها في كلّ رُبع.

عاد هذا الصليب نفسه إلى دائرة الضوء عند ترشيح بيت هيغسيث لمنصب وزير الدفاع في بداية فترة حكم دونالد ترامب الحالية. فقد وُشم بحجمٍ يفوق بكثيرٍ وشمَ الملك إدوارد السابع على صدر هيغسيث، مقدّم البرامج في شبكة "فوكس نيوز" الأمريكية والعضو السابق في الحرس الوطني، الذي غيّر اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب بعدما اختاره دونالد ترامب وزيراً لها. كان هذا الصليب واحداً من مجموعة وشومٍ دينيةٍ ورمزيةٍ على جسد هيغسيث، وسرعان ما تعاطى الإنترنت مع هذه الرموز دليلاً على عقيدةٍ يمينيةٍ متطرّفةٍ عنيفةٍ، إن لم يكن على نزعة تفوّقٍ أبيض صريحة. ردّ هيغسيث بنفي التهم عن نفسه واصماً منتقديه بمعاداة المسيحية.

 إلقاءُ نظرةٍ متفحّصةٍ على تاريخ هذه الصور يرسم مشهداً يصعب إنكاره لمسيحيةٍ قتاليةٍ تستند إلى إرثٍ طويلٍ من رموز الحروب الصليبية. وهي الحروب التي تمثّل أحد أشدّ الفصول دمويةً في تاريخ المسيحية. ويكشف كذلك حقيقة أخرى مفادها أن هذه الصور منتشرة على نحو واسع في أوساط اليمين المتطرف، فنحن رأيناها في مظاهرات "وحدوا اليمين" في مدينة شارلوتسفيل في ولاية فيرجينيا سنة 2017، وفي المانيفستو الذي نشره النرويجي آندري بريفيك الذي فجّر مباني حكومية نرويجية سنة 2011 وقتل قرابة ثمانين من شباب حزب العمل النرويجي، وعلى سلاح منفذ الهجوم على مساجد مدينة كراستشيرش في نيوزيلندا سنة 2019 الذي قتل قرابة الخمسين شخصاً. 

ومع أن لهذه الرموز تاريخاً طويلاً، إلا أن حشدها معاً على هذا النحو — مثلما تظهر على جسد هيغسيث — لم يحدث إلا في العقد الماضي. منذ فترة حملة ترامب الأولى سنتَي 2015 و2016، وبصورةٍ أجلى منذئذ.

وهكذا فإنّ تفكيك طبقات التاريخ والمعنى لهذه الرموز يكشف لنا خيط التوازن الذي يمشي عليه اليمين المتطرف عبر سياسة الإنكار المعقول، مستخدماً التاريخ سلاحاً. فهو يرسل إشاراتٍ واضحةً لمناصريه، ويوفّر لهم في الوقت نفسه إنكار تداعيات النزعة القومية المسيحية على بقية العالم.


ليس وشم الصلبان الخمسة سوى واحدٍ من وشومٍ كثيرةٍ على جسد هيغسيث. إذ يحمل أيضاً رمز "كاي رو"، الحرفين الأولين من كلمة "المسيح" باليونانية، وهو من أقدم أشكال ما يُسمّى "الكريستوغرام"، وهي الحروف المنقوشة في شارةٍ تعبّر عن جوهر العقيدة.

ولعلّ أكثرَ هذه الوشوم إثارةً للجدل عبارةُ المسيحية المنقوشة على عضده، "ديوس فولت" التي تعني "لتكن مشيئتك". قد تبدو هذه العبارة محايدة ومتعلقة بالإيمان بالإله في الديانات الإبراهيمية الذي عادة ما يكون مقترناً بطاعة الأوامر والأحكام. إلا أن تاريخ العبارة يحكي قصة أخص من هذه الدلالة العامة. فهي تعود للحملات الصليبية، وعكس صليب القدس لم تكتسب العبارة دلالةً أخرى .

ضمن وشوم هيغسيث أيضاً صليبٌ يتقاطع مع سيف، في إحالةٍ إلى آيةٍ في إنجيل متى تقتبس من كلام المسيح: "لا تظنّوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئتُ لألقي سلاماً بل سيفاً". وعلى مرفقه، تُقرأ كلمة "يشوع"، الاسم العبري ليسوع.

تجاورُ هذه الرموزُ والعبارات المسيحية على جسد هيغسيث وشوماً أخرى تستدعي التاريخ والهوية الأمريكيين. منها مثلاً العبارة الافتتاحية الشهيرة للدستور الأمريكي "نحن الشعب"، وسنة "1775" بالأرقام الرومانية التي تمثل بداية حرب الاستقلال الأمريكية. وهناك أيضاً أفعى كُتب فيها "انضمّوا أو موتوا". العبارة مستوحاة من رسمٍ ساخر يُنسب إلى بنجامين فرانكلين، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، يحضّ فيها المستعمرات الأمريكية على الاتحاد في القرن الثامن عشر.

وشم "نحن الشعب" والأفعى | الصورة من حساب هيغسيث الشخصي على إنستغرام

ومع هذه الرموز يوجد علمٌ أمريكيٌّ تتقدّمه بندقيةٌ من طراز "إيي آر 15" وبندقيتان متقاطعتان من طراز "مَسكيت"، التي شاعت زمن الثورة الأمريكية في القرن الثامن عشر. ومن وشوم هيغسيث أيضاً، دائرة النجوم التي كانت نسخةً مبكرةً للعلم الأمريكي في تلك الثورة، إضافةً إلى شارة فوج المشاة 187 في الجيش الأمريكي الذي خدم فيه هيغسيث في حرب العراق.

من الثابت أنّ كثيراً من هذه الرموز شائع الاستخدام داخل الأوساط اليمينية المتطرفة، ويمكن ملاحظة حضورها في أحداثٍ كثيرة. منها بيان النرويجي اليميني المتطرف أندرس بريفيك، الذي قتل العشرات في هجومه على مخيّم حزب العمال في جزيرة يوتويا النرويجية سنة 2011. وتجمّع شارلوتسفيل حيث وقعت أحداث شغبٍ في مظاهرات اليمينيين الأمريكيين سنة 2017. وكذلك النقوش المحفورة على سلاح الأسترالي برينتون تارانت الذي قتل العشرات في هجومه المسلّح على مسجدٍ ومركزٍ إسلاميٍّ في كرايس تشيرتش بنيوزيلندا سنة 2019. 

لكلّ من هذه الوشوم سياقٌ تاريخيٌّ ورمزيٌّ يمنحه دلالةً مضاعفةً في سياق الصعود اليميني الراهن في أمريكا.


يعود وشم صليب القدس إلى قرونٍ طويلةٍ سبقت تجربة الملك إدوارد السابع، إذ مثَّل واحدة من العلامات الدالة على الحج إلى الأراضي المقدسة. مثل كثيرٍ من الرموز القديمة في أنساقٍ اعتقاديةٍ متعددةٍ، فإنّ طرائق تفسير معناه متعددة. يرى البعض أن الصلبان الأربعة الصغيرة ترمز إلى أناجيل العهد الجديد الأربعة، فيما يمثل الصليب الأكبر صليبَ الصّلْب ذاته. ويمكن أيضاً وصفه أنّه "خمسة صلبان"، كما كتب جورج الخامس لوالدته، وهو وصفٌ يستدعي ما تسجّله الأناجيل من جراحٍ خمسة أصيب بها المسيح على الصليب. فاليدان والقدمان تمثّلهما الصلبان الأربعة الصغار، فيما يمثّل الصليب الأكبر طعنةَ الحربة في خاصرته. وهناك قراءات أخرى تعد الوشمَ رمزاً للتبشير، دلالةً على انتشار الإنجيل في أرجاء العالم كافة.

صليب القدس على جدار دير نور فاراغافانك، القرن الثالث عشر، أرمينيا | ويكيميديا

ومثل غيره من الرموز أُعيد توظيف صليب القدس على يد جماعاتٍ مختلفةٍ عبر القرون، منذ أقدم استخداماته المعروفة زمنَ الحروب الصليبية. وبات لاحقاً من رموز الرهبنة الفرنسيسكانية، وهي جماعةٌ رهبانيةٌ تأسست سنة 1209 بعد نحو قرنٍ من سيطرة الصليبيين على القدس وتتولى اليوم الوصاية على الأماكن المسيحية المقدسة في القدس بالنيابة عن الكنيسة الكاثوليكية، ما جعله أيضاً أحد رموز المدينة نفسها. 

ولذلك اعتاد الحجاج المسيحيون، من ملوكٍ مستقبليين وأساقفة وحجاج عاديين، العودةَ إلى بلدانهم يحملون هذا التذكار الأبديّ من الرحلة مدقوقاً على أذرعهم، منزوعاً من دلالته الصليبية القتالية. ويمكن قراءة صليب القدس بمعنى قتاليٍّ أو غير قتاليّ.

بيد أن الاختلاف الجوهري بين هيغسيث وهؤلاء الحجاج يكمن في حجم وشمه. علّق على ذلك مات لودر، المحاضر الأول في تاريخ الفن ونظريته ومدير الدراسات الأمريكية في جامعة إسيكس وأحد أبرز خبراء وشوم حجاج القدس، قائلاً: "من اللافت أنه بهذا الحجم الكبير. في القدس، نتحدث عن عمليةٍ تستغرق عشرين دقيقة [يقصد عملية دق هذا الوشم بحجمه التقليدي]. أما وشمه هو، فيستغرق ساعات وساعات وساعات". وهذا بحدّ ذاته رسالة، وفق لودر الذي يضيف: "أحياناً تكون الرموز الأكثر إثارةً للريبة مخفيّةً إلى حدٍّ ما، مما يسمح بدرجةٍ أكبر من الإنكار المعقول والمتفهم. لكن هذا الرمز ليس مصمَّماً ليكون مخفيّاً".

وشم صليب القدس على صدر هيغسيث | الصورة من حسابه الشخصي على انستغرام

أما رمز "كاي رو"، فيحمل طبقاتٍ متعددةً من المعنى. إذ لا يثير هذا "الكريستوغرام" عند كثيرين أيّ جدل. شأنه في ذلك شأن عبارة "ألفا وأوميغا" التي تزيّن كثيراً من الكنائس، في إشارة إلى توصيف المسيح في "سفر الرؤيا" أنه الحرفان الأول والأخير من الأبجدية اليونانية، أي "البداية والنهاية".

غير أن "كاي رو" مرتبطٌ أيضاً بدلالةٍ محددةٍ في المسيحية المبكرة. فوفقاً للرواية الشائعة، رأى الإمبراطور الروماني قسطنطين مناماً عشية إحدى معاركه، أُبلغ فيه أنه سينتصر إذا حمل هذا الرمز على درعه. وعند استيقاظه أمر بحمْل الرمز على دروع الجُنْد جميعاً. وكان أن انتصر جيشه حقاً في معركة جسر ملفيان سنة 312 ميلادية. "مثّل هذا الحدث لحظةً مفصليةً في تاريخ المسيحية المبكرة"، وفق قول المؤرخ البريطاني مايك هورسويل، مؤلف كتاب "ذا رايز آند فول أوف بريتِش كروسيدر ميديِفالِزم" (صعود وأفول القروسطية الصليبية البريطانية 1825–1945) المنشور سنة 2018. لاحقاً، فرض قسطنطين المسيحية ديناً رسمياً للإمبراطورية الرومانية وعدّته الكنيسة الارثوذكسية المشرقية قدّيساً. يضيف هورسويل: "بالنسبة إلى من ينتبه لهذه الروابط، فثمة سرديةٌ واضحةٌ تُبنى عن مسارٍ تاريخيٍّ لمسيحيةٍ قتالية". 

رمز الكاي رو في وسط الدائرة، متحف الأثار الرومانية، الجزائر | ويكيميديا

توجهتُ إلى توماس لوكاك، أستاذ التاريخ بجامعة غراند فيو المتخصص في تقاطع الدين الأخروي والعنف السياسي، وسألته إن كان يقرأ الأمر بالطريقة نفسها. قال لوكاك: "انظري، لا أعلم إن كان بيت هيغسيث قد غاص فعلاً في تاريخ قسطنطين، ولم أرَ أي مصدرٍ يشير إلى أنه مطّلع على هذا الإرث. ولكن هل يمكن أن يكون الأمر مجرّد 'ميم' يميني متطرّف يُتداول على الإنترنت؟ بالتأكيد هذا محتمل".

وشم الكاي رو على كتف هيغسيث | الصورة من حسابه الشخصي على انستغرام

تتجلّى هنا قوة الجمع بين رمزَي "كاي رو" وصليب القدس معاً، إذ يحمل كلاهما معنى مسيحياً قتالياً. الأول مرتبط بانتصار قسطنطين العسكري، والثاني بالحروب الصليبية. ويحملان أيضاً معنى آخر غير عنيف، وما من سبيل سهلٍ للقطع بالنيّة الكامنة خلف أي مثالٍ منفرد. يقول بن إيلي، الباحث الذي كتب أطروحته للدكتوراه عن التطرف اليميني عبر الإنترنت، في هذه الدلالات المزدوجة: "ثمة أشياءٌ كثيرةٌ ذات معانٍ متعددةٍ يمكنهم وصفها بالبراءة. ولكن اجتماع هذه الرموز كلّها معاً يرسم صورةً شديدة الألفة داخل أوساط اليمين المتطرف".


الوشم الذي يصعب كثيراً تجاهله، أو اعتباره إشارةً بريئة للالتزام بالتقاليد المسيحية، هو عبارة "ديوس فولت" الممتدة على عضد هيغسيث، ومعناها الحرفي "لتكن مشيئتك". وهي صيغة أمر في اللاتينية، أي التوجيه بفعل شيء ما لأن الله يريده. قد تبدو الجملة في الاعتبار اللغوي وحده محايدةً، فالإيمان بإله الديانات الإبراهيمية ينطوي بطبيعته على منظومةٍ من الأوامر التي يجب طاعتها. غير أنّ تاريخ العبارة أكثر تحديداً من ذلك، إذ يمكن تتبعها مباشرةً إلى الحروب الصليبية. ولم تكتسب قط، على خلاف صليب القدس، معنًى ثانياً موازياً.

وشم "ديوس فولت" على ذارع بيت هيغسيث | الصورة من حسابه الشخصي على منصة أكس

تبقى أصول العبارة محلّ جدل. فمؤرخو العصور الوسطى يتحفظون على الادعاءات الحديثة بأنها الصيغة التي استخدمها البابا أوربان الثاني للدعوة إلى الحملة الصليبية الأولى سنة 1095. صحيحٌ أن ثمة إشارات "صليبية" متفرّقة للعبارة، مثلما نجد في حوليات تعود إلى سنتَي 1100 و1130، إلا أنّ الربط الوثيق بينها وبين فرسان الحملات الصليبية هو تقديرٌ لاحق نسبياً. ووفق شارلوت غوتييه، مؤرخة الصراع الديني وتشكّل القوميات، فإن الربط الوثيق بين هذه العبارة والحروب الصليبية يعود إلى القرن التاسع عشر. قالت لي غوتييه إنّ "كل فهمنا المعاصر لثقافة الحروب الصليبية تقريباً يمكن إرجاع أصوله إلى العصر الفيكتوري، أو أوائل القرن العشرين".

شعار وسام القبر المقدّس الأورشليمي، وأسفله عبارة "ديوس فولت" | ويكيميديا

إعادة تأويل الماضي إحدى السمات المركزية للقرن التاسع عشر، وقد تركت أثراً لا يزول على الطريقة التي نتعلّم بها التاريخ الأوروبي حتى اليوم. إذ كان عصرٌ تصوغ فيه دولٌ كثيرةٌ سردياتها القومية. تقول مؤرخة العصور الوسطى إليانور جانيغا إنّ "ما كان يفعله المؤرخون في القرن التاسع عشر هو العودة إلى الماضي القروسطي، بحثاً عن قصصٍ تجيب عن سؤال: ماذا يعني أن تكون إنجليزياً أو ألمانياً أو تشيكياً أو فرنسياً. والتفسيرات التي وصلتنا مثل فكرة 'قانون الفروسية' كلّها صيغٌ فيكتورية الطابع ترمي إلى ترسيخ مُثلٍ قوميةٍ يُدَّعى أن لها جذوراً تاريخية". وكان من مغبة ذلك ما يمكن أن نسمّيه اليوم إعادة تمثيل أو تقمّصاً. وتقول غوتييه: "بحلول أواخر القرن التاسع عشر، صار لدينا أناسٌ يتقمّصون حرفياً هيئة الصليبيين. يصنعون لأنفسهم أزياء مضحكةً ودروعاً رديئةً ويركبون الخيل ويتجوّلون بها. وعندما يقول اليمين البديل إنهم يعودون إلى تقاليد أسلافهم، فإنهم جهلاً يقصدون ثمانينيات القرن التاسع عشر، لا القرن الحادي عشر".

ومع ما يثيره انتشار سوء الفهم وبناء تصوراتٍ زائفةٍ عن التاريخ من إحباطٍ لدى مؤرخي العصور الوسطى، إلا أن الدقة التاريخية ليست في حقيقة الأمر هدفَ وشوم هيغسيث من الأساس. تقول غوتييه إن "الغرض من استخدام هذه الرموز هو استحضار الارتباطات الثقافية والنفسية التي تحملها". يعني ذلك أنّ المهم ليس ما كانته هذه الرموز تاريخياً، بقدر ما تمثله في الوعي الاجتماعي المعاصر.

أما لوكاك، الذي يتابع الأوساط اليمينية المتطرفة منذ أكثر من عقدٍ، فيقول بوضوح: "لا توجد أي نسخة من عبارة 'ديوس فولت' تعني شيئاً آخر غير هوس المعجبين بالصليبيين". وهل ثمة قراءات متعددة كما في حالة صليب القدس أو "كاي رو"؟. يجيب لوكاك "لا، على الإطلاق". 

لوكاك حاسمٌ في موقفه، وتوافقه جانيغا: "إنها دعوةٌ إلى عنفٍ دينيٍّ مرتبطةٌ صراحةً بإحدى أشدّ الحلقات رعباً في التاريخ. وما من طريقةٍ أخرى لقراءتها غير ذلك".
تنطبق القراءة الواضحة ذاتها على وشم السيف الذي يخترق الصليب، في إحالة إلى آية إنجيل متى التي تقول إن المسيح لم يأت ليجلب السلام بل السيف.


لا يترك رمز الصليب المتقاطع مع السيف، الموشوم على جسد هيغسيث، إلا هامشاً ضئيلاً للغاية لإنكار الطابع القتاليّ للنية الكامنة خلفه. تقول جانيغا ساخرةً: "أليس هذا هو يسوع الذي يقف مع الخبز والأسماك؟"، مشيرةً إلى قصة إطعام المسيح خمسة آلاف إنسان بدلالتها السلميّة لا القتالية. ويضيف هورسويل مؤكداً المفارقة نفسها إن هيغسيث لم يخترْ عبارة المسيح في إنجيل متى "طوبى لصانعي السلام". فالعهد الجديد زاخرٌ بالاقتباسات السلمية، ومع ذلك اختار هيغسيث صورة السيف، وهي صورةٌ أقلّ شيوعاً وأكثر دلالة.

وشم صليب يتقاطع مع سيف وكلمة "يشوع" | الصورة من ويكيميديا

لا تتعلّق المسألة فقط بالقتالية الكامنة في اختيارات بيت هيغسيث. يقول بن إيلي: "الأمر الأساسي في هذه الوشوم أنها حتى إن كانت مجرد رموزٍ مسيحيةٍ، فهي بحكم التعريف رموزٌ لصنفٍ من المسيحية يعرّف نفسه في مواجهة الإسلام. وهذا جانبٌ جليٌّ للغاية من القضية". ويذهب لوكاك أبعد من ذلك: "إنها معاداة صريحة للإسلام، ومعاداة ضمنية لليهود. إنها تعبيرٌ آخر عن القومية المسيحية، كما يظهر في كتب هيغسيث وفي وشومه وفي الكنيسة التي ينتمي إليها"، وهي رابطة الكنائس الإنجيلية الإصلاحية. ويشير لوكاك في إجابته إلى مؤلفات بيت هيغسيث التي تضم عناوين، مثل "أمريكان كروسيد" (الحرب الصليبية الأمريكية) و"ذا وور أون ووريَرز" (الحرب على المحاربين) و"ذا باتل فور ذي أمريكان مايند" (الحرب لأجل العقل الأمريكي) الصادرة بين سنتَي 2020 و2024.

كان هذا المنطق نفسه حاضراً عندما وصف جورج دبليو بوش ردّه على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 أنّها "حملة صليبية". وهو توصيفٌ تلقّاه زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بترحيبٍ، ولأسبابٍ وجيهة.

تقول جانيغا: "كنت آنذاك باحثةً مبتدئةً في العصور الوسطى، ولكنني أتذكر أنني فكرت حينها أننا خسرنا". فالمسيحيون لم يخسروا الحروب الصليبية في العصور الوسطى فحسب، وإنما الغرب واصل خسارة حروبه في الشرق الأوسط على نحوٍ مطّرد. تضيف جانيغا: "نعم، هناك هوسٌ أبيض بالسيطرة على الأراضي المقدسة، ونحن ببساطة لا نستطيع فعل ذلك. فالأمر كلّه يقوم على سلخ الإنسانية عن الناس، أي النظر إلى من يعيشون هناك أنهم ليسوا بشراً، وكأن بالإمكان إجبارهم على الرحيل".


يخدم استدعاء الحروب الصليبية المتكرر، أو حتى استدعاء قسطنطين، جملةً من الأغراض. فهو أولاً يجذّر جماعات اليمين الأمريكي داخل تقاليد راسخةٍ، تبني إحساساً بالاستمرارية والأصالة حول مثالٍ أوروبيٍّ مسيحيّ. وهو مثالٌ يرتبط أيضاً (بصورةٍ عرضية وإن كانت لا تاريخية) بهويةٍ بيضاء.

يعلّق على ذلك أندرو إليوت، مؤلف كتاب "ميديفاليزم، بوليتيك آند ماس ميديا [. . .]" (القروسطيّة والسياسة ووسائل الإعلام الجماهيرية: توظيف العصور الوسطى في القرن الحادي والعشرين) المنشور سنة 2017. يقول إليوت إنه يرى في هذا التاريخ عنصرَين بالغَي الأهمية، هما: "أولاً الحنين إلى ماضٍ متوهمٍ، وثانياً الإحساس بالانتماء إلى جماعةٍ مغلقة". ويستشهد إليوت بأمثلةٍ من البيان المطوّل الذي أرسله أندرس بريفيك إلى الصحفيين والسياسيين قبل تنفيذه أسوأ عملية إطلاق نارٍ جماعيٍّ في تاريخ النرويج سنة 2011، التي توحي برغبةٍ في الانتماء إلى نظامٍ دوليٍّ متخيّلٍ اخترعه بنفسه. 

بريفيك الذي اعتقد وجود تيارٍ إسلاميٍّ ماركسيٍّ يسعى للسيطرة على أوروبا، استخدم في بيانه عبارة "ديوس فولت"، وردّدها مشاركون في تجمّع "وحّدوا اليمين" في شارلوتسفيل سنة 2017 إلى جانب شعاراتٍ يمينيةٍ متطرفةٍ مألوفةٍ، مثل "اليهود لن يحلّوا محلّنا". وكذلك ردّدها أنصار الزعيم اليميني جايير بولسونارو في البرازيل، والمشاركون في اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن في السادس من يناير 2021. تقول غوتييه: "إنها في كل مكان. ألمانيا، المجر، روسيا، البرازيل، بريطانيا، الولايات المتحدة. إلى حدٍّ سيغدو من الأسهل أن نقول أين لا تُستخدم العبارة". والأنكى أنّ هذه العبارة نادراً ما تُرى خارج الأوساط اليمينية المتطرفة. يقول إليوت: "لم أرَ قط عبارة ديوس فولت مستخدمةً خارج ثقافة اليمين المتطرف، باستثناء ألعاب الفيديو حين يصرخ الصليبيون بها. والأرجح أنهم عرفوها من هناك".

التقليد الذي يغرس بيت هيغسيث نفسه داخله، تقليدٌ غير سلميٍّ وغير تسامحيّ. ومع أنّ الإحالات إلى الحروب الصليبية تعود إلى زمنٍ بعيدٍ، إلا أن هناك منعطفاً حديثاً للغاية في القصة. يقول لودر: "الهوس الصليبيّ المقرون بالوشوم ظاهرة معاصرة، فأنا لم أرها قبل العقد الماضي. وهي ثقافةٌ تحيل الوسوم المسيحية إلى سلاح". يوافق لوكاك على هذا الإطار الزمني مضيفاً البعد الأمريكي إليه، فيقول: "هذا المزيج المحدّد من أيقوناتٍ شبه ثوريةٍ صريحةٍ، مع تاريخٍ صليبيٍّ قتاليٍّ، شائعٌ جداً على الإنترنت داخل فضاءات اليمين المتطرف ثم تسلّل إلى الإعلام اليميني السائد منذ حملة ترامب سنة 2015 وبعدها". أما غوتييه، فتُرجع البدايات إلى ما قبل ذلك بقليل، إلى الأزمة المالية سنة 2008 وما تَبِعها من قلقٍ وغضبٍ مرتبطَين بالأوضاع الاقتصادية الفردية. وهي تشير أيضاً إلى سنة 2015، لكن لسببٍ مختلف. فتذكر أنّ استخدام هذه الصور انفجر في ذلك الوقت مع ما سُمّي "أزمة اللاجئين"، ومع صور تدفّقهم إلى ألمانيا. وتضيف: "مع تدهور الوضع الاقتصادي، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والذكور البيض تحديداً، بدأ البحث عن طرفٍ يكون هو كبش الفداء. ورهاب الأجانب هو أقدم حيلة معلومة".

أشار كثيرٌ من الخبراء الذين تحدثت إليهم أيضاً إلى فيلم ريدلي سكوت الصادر سنة 2003 "كينغدوم أوف هيفن" (مملكة السماء)، الذي يبرز فيه صليب القدس بوضوح، وهو أمارة أخرى على كيفية إعادة اليمين المتطرف توظيفَ الرموز والرسائل. تشرح غوتييه: "صليب القدس مغطّى به كل شيء في ذلك الفيلم، رمزاً للحق والخير. غير أن اليمين المتطرف أعاد صياغة رسالة سكوت عن القيم الليبرالية الغربية، فنقلها من فكرة: ألسنا قادرين على التعايش؟ إلى فكرة: علينا الدفاع عن الغرب ضد غزو المسلمين".


توقيت وشوم بيت هيغسيث حديثٌ أيضاً، ومن المهمّ فهمه. يقول لوكاك "إنها حزمة وشوم جُمعت عمداً خلال إدارة ترامب [الأولى]. لم تكن عملية طويلة الأمد، وإنما في فترةٍ قصيرةٍ للغاية، إذ بدأت قرب نهاية إدارة ترامب وامتدت على السنوات الأربع التالية". ولذلك فلا مجال للحديث عن تطورٍ تدريجيٍّ في الأفكار، أو نزواتٍ شبابيةٍ يمكن الندم عليها لاحقاً، فمجموعة الوشوم برمّتها مصممةٌ بعنايةٍ لإرسال رسالةٍ جليّة للغاية.

ليس المرء بحاجة إلى بحثٍ طويلٍ عن مصادر معتقدات بيت هيغسيث، إذ كتب بنفسه عدداً من الكتب. من بينها كتاب "أميريكان كروسيد" (الحملة الصليبية الأمريكية) المنشور سنة 2020. يكتب هيغسيث فيه: "لحظتنا الراهنة تشبه كثيراً القرن الحادي عشر [. . .] نحن لا نريد القتال، ولكننا مثل إخواننا المسيحيين قبل ألف سنة يجب أن نقاتل. نحن نحتاج حملةً صليبيةً أمريكية". ويجادل هيغسيث بأن أوروبا قد "غُزيت" بالفعل، ويعبّر خصوصاً عن غضبه من عضوية تركيا في حلف الناتو. فيصفها أنها "دولة إسلامية" تريد العودة إلى الإمبراطورية العثمانية، وهي إمبراطورية امتدت بالفعل عميقاً داخل أوروبا قروناً.

فكيف يمكن لبيت هيغسيث أن ينكر اتهامات تبنّي هذه العقيدة كما تعبّر عنها وشومه، في حين أنه يعلن التزامه بها كتابة، ثم يقلب الأمر إلى اتهامات بمعاداة المسيحية؟

يقول بن إيلي: "هذا درس تعلَّمه اليمين البديل مبكراً منذ العقد الثاني من الألفية الثالثة تقريباً. وهو إذا استطعت أن تجعل أي شخصٍ يتهمك بشيءٍ يمكن إنكاره على نحوٍ معقول، فيمكنك بعدها تدوير الأمر بالطريقة التي تشاء". فيمكنهم الادعاء مثلاً أن اليسار أو الصوابية السياسية يدنّسون هويتهم، أو أنهم يُتَّهمون بجرائم بلا أساس.

وتجد جانيغا قدراً من السخرية في هذه المسرحية كلّها. تقول ضاحكةً: "إن استندنا إلى مفاهيم الصليبيين عن الفحولة، فهو لا يرقى إلى معاييرها إطلاقاً. هذا يتناقض تماماً مع مثال الشجاعة الصليبية، إذ إن فرسان التيوتون لن يُعجبوا ببيت هيغسيث". وهي إشارة إلى تنظيمٍ عسكريٍّ من الفرسان الجرمان، تشكّل في عكا زمن الحروب الصليبية. تضيف جانيغا "من منظور العصور الوسطى، فإن هذا جبن. إمّا أن تفعل الشيء أو لا تفعله، لا أن تفعله ثم تختبئ".

بيد أنها لا تجد أي طرافةٍ حين يتعلق الأمر بالتبعات الواقعية، فتقول "بالنسبة إلى مؤرخ العصور الوسطى، هذه كلها إشارات تحذير واضحة". ويقاسمها جميع الخبراء، الذين قابلتهم، شعورَ القلق نفسه. ويضيف بن إيلي: "لو قيل لي إن هذا شخصٌ عشوائيٌّ من جماعة براود بويز، لما استغربتُ إطلاقاً. ولكن بالنظر إلى موقعه، فالأمر صادم فعلاً"، إشارةً إلى منظمةٍ يمينيةٍ متطرفةٍ تأسست سنة 2016 كانت من منظمي هجوم الكابيتول. ويعبّر لودر عن الإحساس ذاته: "الأمر سخيف ومخيف في آن واحد. مخيفٌ لأن شخصاً يحمل على جسده وشوماً بارزةً ومقلقةً إلى هذا الحد يحصل على منصبٍ وزاريٍّ رفيع في الولايات المتحدة، وسخيفٌ لأن كل هذا يبدو كأنه تنكّر".


ثمة سِمات لا يمكن إنكارها في مجموعة وشوم بيت هيغسيث. تقول جانيغا: "كلها عنيفة بوضوح. لا يمكن قراءتها أنها ليست عن العنف، حين تغطيك البنادق والسيوف. هو يخبرك ذلك بنفسه. لا يمكنه لعب دور المسيحيّ المُساء فهمه. هو عنيف".

وما يجده مؤرخو العصور الوسطى مقلقاً أكثر، في التاريخ الفعليّ للحروب الصليبية، ما حدث قبل أن يصل الصليبيون الأراضي المقدسة. تضيف جانيغا: "مما حدث، كان ثمة عنفٌ مروّعٌ هنا في أوروبا. كان ثمة فرسانٌ كثر متأهّبون، فلماذا ينتظرون وصول الأراضي المقدسة طالما هناك غير مسيحيين في جوارهم".

يتوقع لوكاك تصاعد القمع في الداخل الأمريكي، وهو ما يظهر فعلاً في كتاب بيت هيغسيث "الحملة الصليبية الأمريكية". وضع الكتاب بكلماته الحرفيّة "الاستراتيجية التي يجب أن نتبعها لهزيمة أعداء أمريكا الداخليين"، وكذلك الدعوة إلى مزيدٍ من العنف في الخارج، وخصوصاً في الشرق الأوسط.

ومع هذه الرسائل الواضحة الموشومة بحجمٍ كبيرٍ لا يُمحى على جسده، تبدو سياسة بيت هيغسيث جليّةً مهما أنكر. بل إن إنكاراته نفسها، القائمة على اتهام الآخرين بالتحيز "المعادي للمسيحية"، مختارةٌ بعناية. فهو لم يحاول شرح المعاني الأشدّ براءة لبعض وشومه، ولم يعتبرها أشياء لم يعد مؤمناً بها، ولم يوازن نزعتها القتالية بالحديث عن جوانب أخرى من المسيحية. 

وقد يكون من غير الحكمة تجاهل هذه الإشارات المتكررة والواضحة إلى القومية المسيحية العنيفة، لاسيّما عندما يُمنح صاحبها منصباً من أقوى المناصب في العالم. 

بيت هيغسيث في حملةٍ صليبيةٍ ضدّ مَن يسمّيهم أعداءه في الداخل والخارج. وبحلول يناير 2025، صارت سلطته واسعة النطاق لإطلاق العنف ضدّ الأمريكيين، وضدّ بقية العالم تبعاً.

اشترك في نشرتنا البريدية