تلخص تلك الجملة التي تفتتح مقال "أيها المحزُون" للمنفلوطي، فكرة رئيسة تلح في كتاباته الصحفية والأدبية على السواء، وهي النظر للحزن والبكاء طريقة حياة وسبيل نيل المطالب وفلاح المسعى. نشر المقال في ترتيب متقدم من كتابه "النظرات" الصادر سنة 2010، ويتبعه مقال آخر بعنوان "الرحمة"، كتب فيه مصطفى لطفي المنفلوطي "الدموع [. . .] سطور من نور تسجِّل أنك إنسان"، مؤكداً على رؤيته التي تخرج البكاء من حيز الانفعال العابر إلى مقام المعيار الأخلاقي.
تمثل كتابات المنفلوطي وما تبديه من رؤيته للعالم علامة على كتابات جيله من أفندية نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، تلك الجماعة الاجتماعية التي شكلت الطبقة الوسطى الحديثة وقتئذ. فقد أسست كتابات ذلك الرعيل من الأدباء المحدثين نظرةً خاصة للحزن وموقعه في الكتابة والإبداع المصري والعربي. نظروا للحزن قيمةً ومعياراً يُكافأ اجتماعياً ويمنح صاحبه شرعية قد تغنيه عن الفعل نفسه أو تحمل تبعات مساءلة الجذور السياسة والاجتماعية للأزمات. ورأس مال رمزياً تعويضاً عن هشاشة هذه الطبقة وقلة حيلتها. وهو ما رصده ناجي نجيب في كتابه "كتاب الأحزان" المنشور سنة 1983. بهذا أرسى المنفلوطي وجيله قاعدة إبداعية لم يحد عنها جزء من الأجيال التالية من كتاب وشعراء ومنتجين لمختلف صنوف الإبداع، وجدوا في الإغراق في الحزن بديلاً آمناً عن مواجهة الواقع، وإن كان هناك من انتقد هذا المنحى.
كتب المنفلوطي عدداً من المقالات وأصدر روايات حملت اسمه مؤلفاً وإن ترجمها. وكان أسلوبه الطاغي على المقالات والروايات معاً أسلوباً إنشائياً يتحرى البلاغة وجزالة اللغة الممزوجة بعاطفة جياشة، حتى إنه لُقِّب في عصره "أديب البؤساء والأشقياء". في مجموعتيه الشهيرتين "النظرات" الصادرة سنة 1910 و"العَبَرات" في 1916، جمع المنفلوطي مقالاته المنشورة تباعاً في "المؤيد" وصحف أخرى بدءاً من سنة 1907. وفيها "بلغ المنفلوطي ذروة الوجدان التراجيدي"، بحسب الوصف التسويقي لكتاب العبرات الذي يروج للنصوص أنها: "مجموعة من القصص التراجيدية، أثار بها المنفلوطي مشاعر الأسى والحزن، فلا تكاد تنتقل من قصة حتى تكون الأخرى أشد حزناً وأكثر شقاءً [. . .]".
لم يكن هذا النهج حكراً على المنفلوطي، فقد تمثله بعض من معاصريه ممن نشأوا نشأةً مماثلةً مثل الشاعر مصطفى صادق الرافعي. ولد الرافعي سنة 1880 لأسرة من الأعيان في قرية بالقليوبية، ثم تربى وعاش بين طنطا بالغربية ودمنهور بالبحيرة، وتلقى تعليماً أزهرياً. ومع انتقاله للمشهد الصحفي والأدبي في القاهرة أضاف لروافد معرفته وذائقته ما تعرض له من ترجمات الشعر والأدب والمسرح الغربي. ويكفي عنوان أشهر كتابات الرافعي "رسائل الأحزان" الصادر سنة 1924، ليدلل على النهج الذي اتخذه في شعره وكتاباته. لكن المنفلوطي ظل علامة اتجاه الحزن مثلما ظل علامة على أدب عصره، بحسب الأديب والسياسي فتحي رضوان، أول وزير للثقافة والإرشاد القومي في مصر عقب ثورة 1952، في كتابه "عصر ورجال" الصادر سنة 2003. يقول رضوان: "بل إني أعتقد أن الفترة التالية لنهاية الحرب العالمية الأولى يمكن أن تسمى عهد المنفلوطي".
هذه الجملة انتقاها الباحث الراحل ناجي نجيب ليفتتح بها "كتاب الأحزان". الذي تناول فيه بالتحليل أدب المنفلوطي ورفاقه من أدباء "الفئات المتوسطة العربية". يتتبع نجيب في دراسته المسار الذي بدأ من المنفلوطي "أديب البؤساء والأشقياء" وتواصل حتى الشاعر والمسرحي صلاح عبدالصبور. رصد نجيب عوامل رسمت مسار تطور حضور الحزن في الأدب، يسميها "جبهات اختبار كبرى"، وهي الحداثة الغربية وقيم المدينة الحديثة والفعل السياسي المباشر. ورصد الكتابات العربية منذ بدايات القرن العشرين حتى خمسينياته، وآثر أن يطلق على الحزن الذي صبغ كتابات المؤلفين العرب، على تباعد روافد معارفهم وقراءاتهم وتباعدهم الجغرافي أيضاً، وصف "المنفلوطية".
وبحسب قراءة الباحث الراحل، لا تكتفي قصص المنفلوطي باستدرار الدموع، بل تصوغ من الحزن موقفاً فكرياً وأخلاقياً. ففي خاتمة قصته "غرفة الأحزان" يُكفّر صديق الراوي عن خطيئة إغوائه فتاةً ثم هجرانها بأن يعيش في غرفة كئيبة حتى الموت، يُطلق الكاتب موعظة صريحة إلى رجال عصره: "فيا أقوياء القلوب من الرجال، رفقاً بضعفاء النفوس من النساء". يتحول البكاء هنا إلى خطاب أخلاقي إصلاحي: دموع الندم والتعاطف هي التي تطهر الذنب، ونداء المنفلوطي للرجال "الأقوياء" أن يرحموا قلوب النساء "الضعيفة"، "تنادي قيمتي الشهامة وحماية العرض وترسخهما". وليس مصادفةً أنّ القصة تنتهي بصورة جنازة صديقه الآبق التائب وقد "ما رُئي مثلُ اليوم أكثرَ باكيةً وباكياً". الجميع رجالاً ونساءً يبكون في وداعه.
وعلى بروزها، فالنزعة البكائية عند المنفلوطي ليست منفصلة عن الاتجاهات الأدبية العالمية في عصره. فكتاباته تقاطعت مع المدرسة الرومانسية الأوروبية وتأثرت بها عن قرب في تمجيد العاطفة المُثلى والمعاناة النبيلة.
لم ينقل المنفلوطي النصوص الأوروبية حرفياً بقدر ما كان يُوطنها وجدانياً، ويعيد صياغتها على مقاس الذائقة والأخلاق المحليّة. اختار أعمالاً رومانسية مشبعة بالحبّ العُذري والمأساة والبؤس الإنساني. أشهرها: "سو ليه تييول" (تحت ظلال الزيزفون) الصادرة سنة 1832 لألفونس كار التي عنونت بعد تعريب المنفلوطي "ماجدولين". و"بول إي فيرجيني" (بول وفيرجيني) الصادرة سنة 1788 لبرناردان دي سان بيير التي عنونها المنفلوطي باسم "الفضيلة"، ومسرحية "بور لا كورون" (في سبيل التاج) لفرانسوا كوبيه الصادرة في 1895 التي قدمها المنفلوطي بالاسم نفسه.
في "ماجدولين" نقرأ رواية حب مأساوية تروي قصة الشاب ستيفن الفقير وحبيبته ماجدولين ابنة صاحب المنزل الذي يستأجر ستيفن أحد غرفه، لكن ماجدولين تتزوج من الثري إدوارد صديق ستيفن. يُخفف المنفلوطي من الجوانب الحسية في العلاقة العاطفية ويركز على الحب الروحاني العذري، ويقلل من تعقيدات الشخصيات النفسية ويبسّط دوافعها لتصبح أكثر وضوحاً ومثالية. ويضيف عناصر من الوعظ والحكمة الأخلاقية على لسان الشخصيات، محوّلاً بذلك رواية عاطفية أوروبية إلى نص يتماشى مع القيم المحافظة والذوق العربي في مطلع القرن العشرين.
في "الفضيلة" لبول وفيرجيني، نقرأ أيضاً قصة حب عذري بين الشاب بول والفتاة فرجيني في جزيرة استوائية. يغير المنفلوطي النهاية الحزينة كي يقحم فيها درساً أخلاقياً. فبدلاً من أن تموت فرجيني ضحيةً لحادث بحري، يجعلها تختار الموت في سبيل الحفاظ على عفتها وحيائها، رافضة أن تخلع ثيابها أمام البحار الذي جاء لإنقاذها من الغرق. يحوِّل المنفلوطي المأساة من حدث طبيعي إلى استشهاد يجسد قيم الفضيلة والعفة.
أمّا "في سبيل التاج" التي تسرد في أصلها قصة ملك يضحي بحياته من أجل شعبه، فيحولها المنفلوطي إلى مثال على التضحية الوطنية والفداء، مركّزاً على القيم الأخلاقية للحاكم العادل مجرداً إياها من كافة النقاشات والأبعاد السياسية.
لا يقتصر هذا المنحى على الأسلوب، بل يشمل اقتصاد الإحالة أيضاً. يلاحظ عبد الفتّاح كيليطو في كتابه "لن تتكلم لغتي" الصادر في 2002، أنّ "اللباس الأوروبي هو ولع المنفلوطي السري [. . .] لا يظهر على غلاف كتبه تماماً كما غابت أسماء المؤلّفين الأوروبيين الذين اقتبسهم".
هذه الازدواجية المتمثلة في استيراد الحساسية الأوروبية خِفية، والتبشير في الوقت ذاته باستقلالية الشعور الشرقي لم تقتصر على المنفلوطي، بل شملت كتاباً آخرين من جيله وإن باعدت بينهم الجغرافيا. منهم جبران خليل جبران، في رواية "الأجنحة المتكسرة" الصادرة في 1912. استوحى جبران فيها الحساسية الرومانسية الأوروبية في معالجة موضوعي الحب والمرأة، معيداً تقديمها في إطار شرقي. وظهرت هذه الازدواجية أيضاً في رواية محمد حسين هيكل "زينب: مناظر وأخلاق ريفية" الصادرة في 1913، التي اقتبس فيها تقنيات الرواية الواقعية الفرنسية لكن طبقها على البيئة الريفية المصرية. وكذلك استلهم عباس العقاد وطه حسين في كتاباتهما الأدبية المناهج الأدبية الغربية وأعادا تطبيقها في كتاباتهما بطريقة تجعلها تبدو كأنها محلية.
لكن المنفلوطي يبقى قائد هذه الموجة، لأنه من أسس للمفارقة الجوهرية التي تقوم عليها. فهو من ناحية يستورد المواضيع والحبكات والحساسية الأدبية من الأدب الأوروبي الرومانسي، مثل موضوعات الحب العذري والمأساة الفردية والصراع بين القلب والواجب وتمجيد الألم النبيل. لكنه من ناحية أخرى يقدمها كأنها تعبير أصيل عن الروح الشرقية والقيم الإسلامية. هذه الازدواجية علَّها تخلق وهم الأصالة، إذ يشعر القارئ العربي أنه يطالع أدباً "شرقياً خالصاً" بينما هو في الواقع يستهلك حساسية غربية معاداً تغليفها.
تحت هذا الستار سعى المنفلوطي لتهريب الحداثة الأوروبية إلى الوعي العربي، بعد تغليفها بالتحفظ. فتبدو عملية التحديث الثقافي وكأنها عودة إلى الأصول، وليست استيراداً من الخارج. وهذا ما يبدو جلياً في تعاملات المنفلوطي مع النصوص. ففي "ماجدولين" يضخِّم فكرة العذاب الروحي للحبيب المهجور ويحولها إلى درس في الصبر والاحتساب. وفي "الفضيلة" يضخم لحظة اختيار الموت على العار ويجعلها محور الرواية كلها. وفي "في سبيل التاج" يركز على فكرة التضحية الوطنية ويهمل التعقيدات السياسية.
بالمحصلة فهذا الأسلوب يخدم مشروعه في "الدفاع عن الشرق ضد الغرب المادي" كما في مقاله "المدنية الأوروبية المنشور ضمن كتاب "النظرات". لكن مع هذا النقد، تُظهر ترجمات المنفلوطي تشربَه العميق من نبع الرومانسية الغربية التي يعد الحب العذري والوصف الحالم للطبيعة من أهم مواضيعها. ولكن خلف هذه الازدواجية فإن أسلوب المنفلوطي جاء وسيلةً ليعوض عن فراغ نفسي عاشته الشريحة الوسطى المصرية الجديدة وعُرفت باسم طبقة الأفندية.
تتتبع لوسي ريزوفا الباحثة في جامعة برمنغهام البريطانية نشأة طبقة الأفندية وتكوينها في كتابها "ذا إيج أوف ذا إفنديا [. . .]" (عصر الأفندية: ممرات الحداثة في مصر خلال الفترة الاستعمارية) الصادر في 2014. تربط الباحثة بين تكون تلك الطبقة والاستعمار، مع أن نشأتها الفعلية كانت مع بداية القرن التاسع عشر قبل نحو سبعين عاماً من وقوع الاحتلال الإنجليزي في 1882. لكن طابع طبقة الأفندية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين اصطبغ بواقع الاحتلال، لأن الفئة الغالبة من الأفندية كانوا من موظفي الدولة. لكنهم عملوا في أجهزة يجلس غير المصريين على قمتها، سواء كانوا من الأوروبيين أو الشوام (السوريين واللبنانيين) الذين استحوذوا على نصيب من مناصب الدولة.
تبيِّن ريزوفا أن ذلك الواقع تفاعل مع إحساس "الأفندي" الدائم بالظلم وانسداد الطريق أمام الترقي، مع الشعور باستحقاق مهدور، كون هذا الأفندي متعلم من أبناء البلد ولا يقل عن الأجنبي كفاءة. لكن الواقع فرض سقفاً لصعود المصريين من الطبقات الفقيرة والطبقة الوسطى الوليدة. وكانت النتيجة طبقة واسعة من المتعلمين محدودي النفوذ مرتفعي الطموح في ظل استعمارٍ يبدِّل قواعد المكانة. من هنا يمكن أن نفهم، كما يحلل ناجي نجيب، كيف غدت الفضيلة المعلنة، لا الثروة ولا النقود، عملةً رمزيةً قابلة للتداول.
في هذا الواقع يؤطر المنفلوطي البكاء معياراً مُقنّناً للسوية الأخلاقية، ومن أثر انفعالي إلى أداء علني يمنح صاحبه اعترافاً بالقيمة. فمثلاً في مقاله "في أكواخ الفقراء" يُشرعن الكاتب "الفقر الجميل" ويضفي عليه الرومانسية كما يظهر من مفتاح العنوان. ويدشن تلك القيمة بندائه الصريح "يا سكان القصور ليتكم من سكان الأكواخ، لتستطيعوا أن تكونوا من الراحمين المحسنين"، فيرفَع الحرمانَ إلى مقامٍ مُطهِّر ويمنح صاحبه امتيازاً أخلاقياً يوازي رأسمال الطبقات الميسورة.
بهذه الآلية يصيغ المنفلوطي "لغةَ فضيلةٍ" تحبب إلى العجز، جاهزة ليتبناها الأفندي حتى يؤكد جدارةً لا يملك أدواتها المادية. ومن هذا الباب نفسه يُوظَّف الحزن لإنتاج "استقلالٍ أخلاقي" للشرق في وجه الغرب. لا بإعلان القطيعة الخطابية فحسب، بل بإعادة تعريف البطولة ومعيار التفوق كما يكتب في مقال "الرحمة": "اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء [. . .] فالمحسن أفضل من القائد".
هكذا تُزاح قيمة الفعل لصالح قيمة الرحمة، وتُستعاد السيادة على المعنى في حقلٍ يصور المستعمِر أنه لا يملكه: حقل الرمز الأخلاقي. لذلك تبدو نهايات المنفلوطي المأساوية أكثر من حبكاتٍ دامية، إنما آليات ترميز تحوِّل الموت إلى شهادة للفضيلة (كما يقرأ المنفلوطي خاتمة "الفضيلة")، وتحول الحياء والبراءة إلى معيارٍ جامعٍ يتجاوز الفوارق الطبقية. وعلى مستوى الممارسة الاجتماعية، يصبح البكاء العمومي في مواكب التأبين والخطب الوطنية جزءاً من نظام انفعالي تُكافَأ فيه بعض المشاعر، فيجد الأفندي في الدموع لغةَ اعتراف متاحة. ويجد "الشرق" فيها سنداً لاستقلالٍ رمزي يعوِّض عن اختلال القوة المادية مع الغرب.
يقول ناجي نجيب إن بكائيات العرب في القرن العشرين تشير إلى إخفاقات الفئات والشرائح المتوسطة في المجتمع العربي. أي أن الانتشار الواسع لأدب الحزن والبكاء لم يكن إلا مرآة لفشل تلك الطبقة الوسطى في تحقيق تطلعاتها المادية والمعنوية، فجاءت الدموع لتملأ الفراغ. فالأفندي الذي أخفق في السياسة والاقتصاد، وجد في الأدب الوجداني ضالته ليعبر عن قلقه واغترابه. وبدلاً من أن يعبر صراحة عن غضبه من هيمنة الاحتلال البريطاني أو هيمنة الطبقة العليا مثلاً، أودع إحساسه بالضياع والظلم في قصص المظلومين والمنكوبين التي عشقها.
بهذا وفَّر أدب المنفلوطي وأشباهه للأفندية "منظومة شعورية جاهزة" يصبون فيها إحباطاتهم وتوتراتهم. ناقلين أحلامهم الوطنية إلى ساحة العاطفة والمبدأ المطلق، بدل التعامل العملي مع الواقع. وصار بوسع أي موظف صغير يقرأ العبرات في المساء أن يشعر بأنه ينتمي إلى جماعة متخيَّلة من "القلوب النبيلة" التي تتألم في صمت وتشاطر بعضها قيم التعاطف والكرامة.
لكن هذه الأحزان لم تكن حكراً على النخبة المتعلِّمة وقراء الكتب، بل تسربت عدوى الحزن المنفلوطي إلى عموم الثقافة الشعبية مسهمةً في صياغة الخيال الوطني المصري.
في كتابه "أورديناري إيجيبشينز: كرييتنغ مودرن نيشن ثرو ببيبولار كلتشر" (المصريون العاديون: بناء أمة حديثة عبر الثقافة الشعبية) الصادر في 2012، وجد الباحث زياد فهمي أن الهوية الوطنية المصرية في تلك الحقبة تبلورت عبر وسائل الثقافة الشعبية الجماهيرية مثل المسرح الغنائي والأغاني الفكاهية والنصوص الساخرة، أكثر مما تبلورت عبر الكتب والصحافة التقليدية. فالأمية كانت منتشرة (أقل من 10 بالمئة من المصريين كانوا يقرأون سنة 1910)، لذلك كانت العروض المسرحية والاسطوانات الغنائية المسجلة أدوات أقوى في تشكيل الوجدان الوطني من الجرائد أو الروايات المطبوعة.
هذه العروض خاطبت الناس بالعامية المصرية، لغتهم اليومية المفهومة، وحملت خليطاً من الفكاهة والنقد الاجتماعي والغزل العذري والغمز السياسي. ومع اشتداد وطأة الحرب العالمية الأولى وارتفاع الأسعار وترسخ الاحتلال، بدأت الأغاني الشعبية تنحو منحى أكثر جدية في مضمونها الاجتماعي والسياسي.
يوثق زياد فهمي أن الأغنية الجماهيرية في مصر مالت إبان الحرب العالمية الأولى إلى التعبير المباشر عن ضيق المعيشة والغلاء، مثل أغاني سيد درويش ومنها طقطوقة "استعجبوا يا أفندية" سنة 1914، التي تصف أزمات الوقود وارتفاع الأسعار قبيل اندلاع الحرب، و"لحن الكُترة" التي تبرز الندرة والضنك اليومي. ويبين فهمي كيف ساعد انتشار الاسطوانات وتداول مطالع بعض الأغاني في مظاهرات سنة 1919 على صنع مجالٍ لغوي عاطفي مشترك حول الهم المعيشي والاحتلال، فصار الغناء الشعبي وسيطاً سريع الدوران لتوحيد المزاج العام والتعبئة الرمزية في الشارع.
فيُلحظ أن المحتوى السياسي والتحريضي في أغاني سيد درويش ومسرحياته وقتذاك، بدا مغايراً لنهج الاستعاضة بالحزن عن الفعل الذي سنّه مثقفو عصره، وعلى رأسهم المنفلوطي. وهي المفارقة التي ينتبه لها ناجي نجيب في قراءته وجدانَ الأفندية المتكون عبر القراءة، وخصوصاً قراءة المنفلوطي ومن ساروا على دربه.
لكن بسبب ذلك التناقض الظاهري تشكلت لحظة 1919 من تلاقي خطَّين: لغة السخرية والاحتجاج في الطقطوقة الشعبية التي تُنشد همّ اليوم في الشارع، ولغة الفضيلة والتطهير في القراءة التي تجعل من الألم معياراً أخلاقياً في المخيال الجمعي. ومعاً يصنعان ما يمكن أن يعتبر "جماعةً وجدانيّة".
تقول المؤرخة الأمريكية باربرا روزنواين في كتابها "إيموشنال كوميونتيز إن ذا إيرلي ميدل إيجز" (الجماعات الوجدانية في بدايات القرون الوسطى) الصادر في 2006، أن "جماعة وجدانية" تكونت في مصر تلك الفترة. وتعرف الكاتبة الجماعةَ الوجدانية بأنها الجماعة التي توحّدها مشتركات شعورية وقيمية. وينطبق تعريفها هذا على جماعة الأفندية ومعهم جمهور المدن الذين شكلوا وجداناً وطنياً عاطفياً، كانت الدموع والضحكات فيه أدوات تواصل وتعبير بقدر الشعارات السياسية.
كانت الصحف في تلك الفترة أيضاً تنشر مقالات وجدانية وقصصاً قصيرة، وبدأ الأدب الوجداني يتقاطع مع الخطاب الوطني في تمجيد التضحية والصبر على المكاره. حتى النكتة السياسية في مجلة مثل "الكشكول" لم تخل أحياناً من نبرة الأسى على حال الوطن إلى جانب تهكمها.
ويمكن القول إن المنفلوطي نفسه ساهم في جعل الحزن شعبياً حين قدم أمثلة أقرب للعامة في قصصه، خلافاً لأسلافه من أدباء النهضة مثل رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده اللذين قدما كتابات فكرية خالصة. وخلافاً للكتّاب الأوائل كذلك أمثال عبد الله باشا فكري وخيري باشا وغيرهم ممن وصفهم الشيخ محمد عبده بأنهم "ساجعون في المراسلات الخاصة، أو مصنفون في بعض الفنون العربية أو الفقهية".
وبينما اتسم أسلوب كتّاب النهضة هؤلاء بالتعقيد والتكلف والبُعد عن هموم الشارع اليومية، طوّر المنفلوطي لغة أدبية سهلة تمزج بين الفصاحة والعاطفة المباشرة. ما جعل "النظرات" و "العبرات" في متناول القارئ العادي من جيل الأفندية، وحوّل الحزن والدموع من موضوعات أدبية إلى تجربة وجدانية مشتركة يعيشها القراء في بيوتهم وشوارعهم. ومع أنه أزهري الثقافة، لم يكتب في قوالب تراثية صعبة مثل المقامات بل كتب القصة الحديثة المفهومة. كثيراً ما كانت شخصيات المنفلوطي من عامة الناس، أيتام وفلاحات فقيرات وفتيات بائسات وشباب مكدودون. وفي هذه الشرائح وجد الجمهور العادي صوراً من معاناته اليومية. فصار للمنفلوطي قراء من مختلف الأوساط وانتشرت كتبه في طبعات شعبية زهيدة الثمن.
مع ذلك فالأثر الوطني التعبوي الكامن في ذلك "البكاء الجماعي" لم يكن خواءاً. فحين يبكي الناس على قصص الظلم في الأدب، وحين يغنون في المقاهي أدواراً حزينة عن الفراق والجوع، فهم يعبِّرون بوعي أو بلا وعي عن رفضهم الواقعَ الاستعماري الظالم وتطلعهم لحياة أكرم. حسب ما يذكره زياد في دراسته، لم يكن غريباً أن تعتَبِر السلطات الاحتلالية هذا المد العاطفي الشعبي خطراً حقيقياً. فقد شجبت الصحف الموالية للسلطة "انحدار الناس إلى الابتذال وانغماسهم في فساد الأخلاق" بسبب تلك المسرحيات والأغاني. لعلهم كانوا يدركون أن الأغنية العامية الضاحكة الباكية أقرب إلى قلوب الناس من خطب الساسة الرنانة بالفصحى.
لا ينسب الفضل أو المسؤولية للمنفلوطي وحده في هذه التحولات، فهو واحد من كوكبة كتاب وشعراء شكلوا الوجدان القومي، مثل عبد الله النديم بخطبه العامية، وبيرم التونسي بأزجاله، وصولاً إلى أحمد شوقي وحافظ إبراهيم بقصائد الرثاء الوطنية. لكن المنفلوطي تميز بأنه أعطى مشروعية ثقافية عليا للعاطفة الجياشة، ما هيأ المناخ لتقبلها شعبياً وبين الشعراء الحداثيين بعده.
من هنا أصبحت "لغة الدموع" مشتركة بين الأدب الراقي والفن الشعبي. وبهذا التقت بكائيات المنفلوطي مع مواويل الفلاحين وأغاني الأفراح والأتراح في نسق شعوري واحد أسهم في بناء الخيال الوطني المصري على صورة أقرب إلى الأسرة العاطفية منها إلى المجتمع السياسي العقلاني.
بهذا المعنى يمكن القول إن المنفلوطي وزملاءه أسسوا، بوعي أو بلا وعي، نظاماً وجدانياً حديثاً في الثقافة المصرية، قوامه تمجيد التعاطف والبكاء ذروةَ الفضيلة. ولننظر إلى اقتباس المنفلوطي في مقال "الرحمة": "إن الدموع التي تنحدر على خديك [. . .] هي سطور من نور تسجل أنك إنسان". هذا التصوير المجازي قيمة معيارية: الإنساني الحقيقي هو من يبكي رحمةً، وغير الإنساني هو من تحجرت عيناه.
ويضيف المنفلوطي في المقال نفسه مشبهاً الطبيعة بالإنسان: "إن السماء تبكي بدموع الغمام رحمةً، والأرض تئن بحفيف الريح [. . .] ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وحنينها". بل يقرن المنفلوطي الرحمة بالبكاء صراحةً: "لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عارٍ [. . .] ولأقفرت الجفون من المدامع"، أي أن مجتمع الرحمة هو مجتمع تنساب فيه الدموع (دموع التعاطف) وتنعدم فيه مآسي الفقر والظلم.
وفي موضع آخر يقول المنفلوطي إن "اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء [. . .] فالمُحسن أفضل من القائد". لقد قلب المعادلة التقليدية للقوة: بدلاً من تمجيد الفاتحين والقادة العسكريين، يرى أن من يمسح دموع البائسين (أي المحسن أو المتصدق الرحيم) أرفع شأناً. هذه دعوة ضمنية إلى استبدال قيم الفروسية السياسية بقيم العاطفة.
إن تتبّع مظاهر هذا النظام الوجداني في الحياة الاجتماعية يكشف مدى تغلغله. على سبيل المثال، يُذكر أن كبار الزعماء أو خطباء ثورة 1919 كان يُعرف عنهم التأثر والبكاء أثناء إلقاء الخطب الوطنية، وكانت الصحف تمتدح ذلك علامة إخلاص وعمق شعور. حتى في الأدب نفسه، ظهر نوع من التنافس غير المباشر حول القدرة على التأثير العاطفي. بحسب ناجي نجيب، صار أفضل كاتب هو من يستطيع أن يجعلك تبكي.
لكن نظام البكاء هذا حمل تناقضاته ومخاطره. فالإفراط في جعل البكاء حلاَّل المشاكل الأخلاقية ربما جاء على حساب تشجيع الفعل الملموس للتغيير. وهنا يعود ناجي نجيب ليحذر، من موقع نقدي معاصر، من أن الحزن المزمن ربما تحول إلى بنية نفسية عميقة في الوجدان العربي تفاقمت مع توالي الإخفاقات، حتى غدا "رواج المآسي استقبالاً للدموع تعبيراً عن ذات ممزقة وشخصية مبدّدة تحاول ملء فراغ الروح بروايات الحزن".
هذا التشخيص يكشف جانباً مظلماً مفاده أن جعل الحزن منهج سلوى وملاذاً، قد يكون ثبت في النفوس قابلية للاستسلام ورومانسية سلبية. فبدل تحويل الألم إلى عمل، ربما أضعنا كثيراً من الوقت في التنفيس العاطفي. وهذا ما أدركه بعض مجايلي المنفلوطي أنفسهم. فبينما امتدحه كثيرون لإخلاصه الوجداني، انتقده آخرون لإغراق الأمة في الدموع.
الكاتب عباس محمود العقاد، وهو من الجيل التالي، علَّق أن المنفلوطي "لم يكن متطرفاً في بكائه، بل يبكي على مصائب يتلاقى عليها الرحماء والقساة"، كأنه يدافع عن بكائيات المنفلوطي بأنها بكاء على مآس حقيقية موضوعية. لكن طه حسين وآخرين من دعاة العقلانية رأوا أن هذا الاتجاه العاطفي طغى أكثر مما ينبغي، وألهى الناس عن المواجهة العقلانية للتخلف والاستعمار. ففي العشرينيات ظهرت من مدرسة الديوان، وهي مدرسة فكرية وشعرية في مصر في مطلع القرن العشرين، دعوات للأدب "الفكري" مقابل أدب المنفلوطي "العاطفي". أي محاولة لإعادة التوازن للنظام الانفعالي المهيمن.
ويمثل هذا الصدام بين المنفلوطي وخصومه من دعاة العقلانية لحظة مفصلية في تاريخ الأدب العربي الحديث. إذ لم يكن الخلاف مجرد اختلاف في الذوق الأدبي، بل كان صراعاً عميقاً حول وظيفة الأدب نفسه. ففي حين رأى المنفلوطي في الأدب وسيلة للتطهير الأخلاقي عبر استثارة العاطفة والرحمة، رأى الجيل الجديد أن مهمة الأدب بناء وعي نقدي وعقلاني قادر على تفكيك مشكلات الواقع ومواجهة تحديات النهضة. فدعوا إلى أدب "فكري" يسلّح القارئ بأدوات التحليل، لا أدب "عاطفي" يغرقه في سلوان الدموع، معتبرين أن "الأمة في مرحلة البناء تحتاج إلى عقول صارمة لا قلوب باكية".
وعلى هذا النقد الذي وُجه للمنفلوطي، يبدو أن جزءاً من الجيل التالي من الكتّاب ورث تراثه الحزين، فطوّعه كلٌ منهم وفق أزمته وسياقه الخاص.
اتخذ ناجي من ليل القاهرة وذكريات الحب الضائع مسرحاً يبث فيه شجونه الشخصية التي حملت أيضاً ظلال واقع مضطرب. فمع وعود الاستقلال الشكلية في 1922، عاش المصريون عقوداً من الخيبة السياسية تحت ظل الاحتلال المستمر وهيمنة الملكية. في تلك الأجواء، وجد الشاعر إبراهيم ناجي وجيله في الرومانسية الحزينة مهرباً من صرامة الواقع. يقول ناجي نجيب في "كتاب الأحزان" إن الرومانسيين العرب في تلك الفترة كانوا "فرديي النزعة – عاجزين عن تحقيق فرديتهم". أي أنهم انكبوا على ذواتهم ومشاعرهم لعجزهم عن التحقّق الفعلي في مجتمعهم، فتحصّنوا بالبكائيات الشعرية.
أما محمد عبد الحليم عبد الله المولود سنة 1913، أحد أبرز روائي منتصف القرن، فورث الحزن الرومانسي وصاغه في قالب قصصي اجتماعي يسهِّل على جماهير القرّاء التفاعل معه. تُعدّ رواياته مثل "شجرة اللبلاب" و"بعد الغروب"، وكلتاهما صدرتا في 1949، أمثلة مبكرة على الأدب الشعبي الوجداني الذي خاطب وجدان الطبقة الوسطى بلغة بسيطة وعواطف جيّاشة. أبطال عبد الحليم عبد الله غالباً شبّان وشابّات من الريف أو المدينة الصغيرة، تجمعهم قصص حب عُذري مكلّلة بالفراق أو الموت أو التضحيات المؤلمة. هذه الحبكات الدرامية تحوّلت إلى أفلام ومسرحيات عاطفية لاقت نجاحاً جماهيرياً واسعاً في الخمسينيات والستينيات. وأحبّ الجمهور تلك القصص لأنها عمّمت نمط الحس الحزين في الحياة اليومية. فصار القرّاء والمشاهدون يعثرون في معاناة الأبطال على انعكاسٍ لهمومهم الخاصة وأحلامهم المُجهَضة.
المثير أن هذا "المسرح العاطفي" المترع بالمشاهد الحزينة لم يكن موضع انتقاد النقّاد التقليديين، بقدر ما كانت استجابة الجمهور العريضة له هي الظاهرة الجديرة بالدراسة. فنجاح روايات محمد عبد الحليم عبد الله وأفلام الدموع المقتبسة عنها مثل "عاشت للحب" الصادر سنة 1959 المأخوذ عن "شجرة اللبلاب"، ربما تكشف أن القراء والمشاهدين لم يكونوا يبحثون عن حبكة متقنة أو إبداع أدبي رفيع بالأساس، بل عن معنى وجداني يشعرهم بأن آلامهم مشتركة.
كرَّس جيل التابعين من بعد المنفلوطي منهجه في البكاء والحزن قيمة تجمع بين الجماعة العاطفية التي تشكل مجموع سكان المدن في مصر، ممن لديهم قدرة على الوصول للكتب أو السينما. وقدموا لقرائهم عزاءً شعورياً وسط واقع سياسي خانق في حقبة ما بعد الملكية وبدايات ثورة يوليو 1952. فمع أن البلاد حصلت على استقلالها الكامل في 1952، إلا أن الحياة السياسية سرعان ما أُغلقت وزال الهامش الضئيل للفعل العام، فتحوّل جمهور الأفندية إلى عشّاق متألمين على صفحات الروايات والشاشات. بهذا ورث محمد عبد الحليم عبد الله إرث المنفلوطي وناجي ولكن بصيغة أكثر انتشاراً، محوّلاً الحزن إلى منتج ثقافي جماهيري يملأ فراغ الوجدان الجماعي.
وفي الستينيات اتخذت سلسلة الحزن الموروث منحىً جديداً مع جيل الشعراء الطليعيين وعلى رأسهم صلاح عبد الصبور. في أعماله الشعرية والمسرحية، يظهر الحزن مختلفاً، إذ ليس حزناً رومانسياً فردياً خالصاً بل شجن وجودي يمتزج بالإحباط السياسي. في مسرحية عبدالصبور "الأميرة تنتظر" الصادرة سنة 1969، تتنافس الوصيفات الثلاث في إلقاء النكات على مسامع الأميرة، فلما ضحكت قالت الوصيفة الثانية: "آه لو نملك أن نضحك حتى الموت.. لو متنا في شهقة ضحك" فترد الأولى: "دوماً تحيين على ذكر الموت حتى في لحظات البهجة". وهكذا تمضي المسرحية كلها، تشبه باقي مسرحيات عبدالصبور ودواوينه السابقة واللاحقة في حضور الحزن فيها والموت، يمتزجان بالظلم كما في"مأساة الحلاج"، والانتظار في "الأميرة تنتظر"، والضياع في مسرحية "مسافر ليل" الصادرة سنة 1969.
في ديوانه الأشهر "الناس في بلادي" الصادر سنة 1957 ومسرحيته الشعرية "مأساة الحلاج" سنة 1964، حاول عبد الصبور أن يقدّم رؤية نقدية للواقع متسلّحاً بحس تأمّلي حزين. لكنه ظلّ مسكوناً بثنائية الحلم والخيبة. فصلاح عبد الصبور ينتمي إلى جيل نشأ في كنف ثورة 1952 واعتنق حلمها في العدالة الاجتماعية والقومية العربية، ثم جاءت نكسة 1967 صدمةً لتخلق شعور فقدان الاتزان الوجداني لدى هذا الجيل. فبعد حقبة شعارات الثورة والانتصارات السريعة، وجد المثقف المصري نفسه وسط خراب سياسي ومعنوي هائل.
عبَّر صلاح عبد الصبور عن ذلك في قصائده أواخر الستينيات، وقد حملت ألماً وجودياً بدا استبطاناً للهزيمة وتحويلها إلى إحساس جمعي بالعجز. قصيدته "أحلام الفارس القديم" مثلاً تصف فارساً مهزوماً، إذ يقول: "ماذا جرى للفارس الهُمامْ؟ انخلعَ القلبُ، وولَّى هارباً بلا زِمامْ وانكسرتْ قوادمُ الأحلامْ". فعبد الصبور عانى كذلك من تضييق السلطة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ثم الرئيس أنور السادات، ومن خيبة أمل رفاقه اليساريين، فتجلّت في كتاباته حالة حزنٍ على الإنسان المعاصر وقد فقد إيمانه القديم وبقي بلا سند روحي. ويتعزز هذا المنحى في مسرحيته "ليلى والمجنون" 1971، التي كتبها بعد النكسة بأربع سنوات. يصوّر في المسرحية جيل الشباب بعد الهزيمة وقد انغمس في اللهو واليأس، بينما يرثي الراوي حالهم بحزن عميق على فقدان الاتجاه والمعنى.
ولهذا تشير الكاتبة المصرية الراحلة أروى صالح في كتابها "المبتسرون" الصادر في 1985. تقول إن العنصر المشترك بين جيلي الستينيات والسبعينيات كان "خلطة عجيبة من المواقف الفكرية الراديكالية والمواقف الوجدانية العدمية"، وجوهر تلك الخلطة هو الهزيمة.
بهذا المعنى يستكمل صلاح عبد الصبور تقليد ما يمكن أن نسميه "الحزن المصري" موضوعاً أدبياً متكرراً، بدأ من المنفلوطي، مروراً بالرومانسيين، وصولاً إلى الحزن الوجودي في زمن عبد الصبور نفسه. كلٌّ عبّر عن أزمة عصره بلسان الحزن، وكلٌّ خاطب وجدان الطبقة الوسطى بلغته الخاصة، حتى صار الحزن نفسه موضوعاً مركزياً في الأدب المصري الحديث وفي مخيال أجيال لاحقة من المثقفين.
يشير الشاعر والناقد الراحل مهاب نصر لهذا الوضع مأزقاً، في كتابه "الجغرافيا المقلوبة عن الحداثة المصرية ومآزقها" الصادر سنة 2025. ويبين أننا نجد جذور "العاطفة المُورِّطة أخلاقياً"، أي ذلك الحب المثالي المطلق المطالب بالتضحية إلى ما لا نهاية، ما زالت مغروسة في رحم الثقافة الوطنية التي نشأنا فيها.
ويروي نصر عن جيله، جيل السبعينيات، من قصة أروى صالح في كتابها "المبتسرون"، وعلاقته بها زوجاً سابقاً وصديقاً، وكيف اكتشف متأخراً أن تصوراته عن الحب والحرية كانت متشابكة مع ثقافة عاطفية وطنية موروثة تجعل الحب مسرحاً للعذاب والعجز والإرادة المغلولة. بهذا ظن أبناء السبعينيات أنهم تحرروا من رومانسية جيل آبائهم، لكنهم وجدوا أنفسهم "لم ينفصلوا عن مشيمة ثقافة وطنية تصنع من الحب مسرحاً وعذاباً وعجزاً".
هذا قد يكشف استمرار النظام الانفعالي القديم برداء جديد، فالثوار اليساريون مثلاً أحبوا وطنهم كما يحب العاشق الولهان حبيبته، بحماس شديد وفكرة مثالية عن التضحية. لكنهم أيضاً واجهوا عجزاً حين اصطدمت الأحلام بالواقع، فآل بهم الأمر أحياناً إلى الإحباط والنكوص. أي أن الفاصل بين الخاص (الحب) والعام (السياسة) تماهى بسبب ذلك الإرث العاطفي. ولعل هذا ما كان المنفلوطي نفسه يصبو إليه ربما دون وعي حين جعل الحب والوطن توأمين في الألم. فدعا في "النظرات" صراحةً إلى استقلال النفس الشرقية مقروناً باستقلال الوطن، وجعل خيانة الحب في "غرفة الأحزان" مثلاً، ترمز ضمنياً إلى خيانة العهد الاجتماعي أو الوطني الذي تجسده صورة المرأة الضحية التي هي شرف الأمة. وهكذا صار البكاء على الحبيب الميت بكاءً على الوطن المصلوب، والعكس بالعكس.
ربما الأمران معاً، فلعل الوقود العاطفي أبقى جذوة الهوية مضيئة تحت ركام القهر، ولكنه في الوقت نفسه أغرى البعض بالاكتفاء بالوجدان عن الواقع.
وبين هذين الأمرين نحن مدينون لتلك الدموع بأنها شكّلت مرحلة أساس من نضج مجتمعنا الحديث وأظهرت أن للوجدان سلطة لا تقل أثراً عن المدفع والقلم، سلطة قد توحّد أمة حين لا يتيسر لها غير البكاء سبيلاً. وكما قال المنفلوطي: "اليد التي تصون الدموع أفضل من التي تريق الدماء". ولعل في هذا القول ما يُلهم تأملاً جديداً اليوم: فربما كانت "أحزان المنفلوطي" توجهات وجدانية لطبقة بعينها في زمن بعينه، لكنها أيضاً تذكرة بأن الإنسانية في جوهرها منظومة انفعالية، وأن فهم تاريخنا الثقافي يتطلب الإنصات لصوت الدموع بين سطور الكتب وصفحات الجرائد وأناشيد الشوارع. فهناك يجد المرء الحقيقة الوجدانية لعصر بكامله.

