لهذا النص أهميةٌ في عرضه شهادة نادرة عن الحياة والمكان في فلسطين العثمانية، ولكونه جزءاً من أرشيفٍ إمبراطوريٍ يستعيد شيئاً من الذاكرة الفلسطينية المطموسة. ففيما كانت "الجمعية الفلسطينية" أداةً ناعمةً لتوسّع النفوذ الروسي في المشرق، كان معلّموها يجوبون القرى والمدن ويدوّنون مشاهداتهم عن السكان والعادات والجغرافيا. وفي ثنايا قسم "جولة في الجليل"، الذي يتبوّأ أكثر من نصف الكتاب، تتكشّف طبقاتٌ متداخلةٌ من السرد، تتقاطع فيها النظرة الاستشراقية مع الدقة الوصفية، وتنعكس من خلاله ملامح الجليل كما بدت في تلك المشاهدات، قبل أن تقابلها صورة جغرافيا متشظيةٍ تشكّلت بعد سنة 1948. ومن ثمّ فهي وثيقةٌ مهمةٌ لتأريخ فلسطين ما قبل النكبة، تضاف لمئات الوثائق التي تؤكد أن هذه الأماكن لم تكن "أرضاً بلا شعب" كما روّجت الحركة الصهيونية وإسرائيل من بعدها، بل هي وطنٌ نابضٌ بالحياة.

تجاوز هذا الوجود البعد الروحاني ليكون جزءاً من الصراع الدولي على النفوذ في الشرق، خاصةً في مواجهة التبشيرين الكاثوليكي والبروتستانتي، بحسب دراسةٍ للمؤرخ الروسي نيكولاي ليسوفوي، منشورةٍ على موقع الجمعية الرسمي بعنوان "الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية: القرون 19 – 21".
لم يكن ياكوبوفيتش من النخبة الروسية المترفة. وهذا ما تشير إليه وثائق متحف التاريخ الديني في سان بطرسبورغ، التي درسها المؤرخ الروسي بيوتر فيدوتوف في بحثٍ منشورٍ سنة 2015 بعنوان "كادروفايا بوليتيكا برافوسلافنَفا أوبشِستفا [. . .]" (سياسة شؤون الموظفين في الجمعية الأرثوذكسية [. . .]). إذ بدأ ياكوبوفيتش مسيرته المهنية "مسعفاً على متن سفينة" قبل أن يتحوّل إلى "معلم" في خدمة الجمعية الفلسطينية. وقد بدا في هذا التحوّل الجذري انعكاسٌ لطبيعة المشروع الروسي في فلسطين، الذي كان بحاجةٍ إلى طاقاتٍ عمليةٍ أكثر مما كان بحاجةٍ إلى نظرياتٍ لاهوتية.

تاريخ الدين في سان بطرسبورغ.
سرعان ما تدرّج ياكوبوفيتش في مناصب الجمعية وعُرف بصرامته وطموحه. بدأ أستاذاً في دار المعلمين (السيمنار) في الناصرة، ثمّ رُفّع إلى رتبة مفتّش المؤسسات التعليمية التابع للجمعية في الجليل. بعدها بات مفتشاً عاماً في فلسطين وسوريا العثمانيتين، قبل أن يختتم مسيرته الوظيفية مفتشاً عاماً لمؤسسات الجمعية كافة.
هذا الصعود اللافت وما بدا قدرةً على تحقيق أهداف الجمعية على الأرض، أكسبه إعجاب رؤسائه في سانت بطرسبرغ، ومنهم المدير العام للجمعية فاسيلي خيتروفو. وفي الوقت نفسه خلق له عداواتٍ محلية. وتعدّت هذه المسيرة الإدارية المسارَ الوظيفيَ لتنعكس كذلك في نشاطه الميداني.

واصلوا بعدها سيرهم إلى قرية عين دور، التي يرد ذكرها في العهد القديم وتقع للجنوب الشرقي من الناصرة، حيث تناولوا طعام الغداء. ومن هناك، صعدوا إلى جبل طابور الذي باتوا في ديره. وعلى هذا الجبل تجلى السيد المسيح، حسب المعتقد المسيحي، على الأقل منذ القرن الرابع.
في اليوم التالي، نزلوا من الجبل مارين بـمنطقة "البلوطة الكبيرة" – وهي منطقة استراحة على الجبل – وأطلال خان التجار في المنطقة، حتى وصلوا إلى بحيرة طبريا شرقاً. واصلوا من هناك سيرهم شمالاً على طول شاطئ البحيرة لزيارة قرية مريم المجدلية (مسقط رأس مريم المجدلية، إحدى تلميذات المسيح) وكفرناحوم، قرية الصيد الكنعانية القديمة وذات الشواهد الأثرية. ثم انعطفوا غرباً صعوداً إلى مدينة صفد حيث باتوا في فناء كنيسةٍ محلية. ومن صفد اتجهوا جنوباً غرباً نحو قرية الرامة، حيث قضوا يوم الأحد وأقاموا قداساً في كنيستها.
كانت وجهتهم التالية غرباً نحو الساحل. زاروا مدينة عكا، ثم بارَوا الشاطئ واتجهوا جنوباً إلى حيفا، حيث استضافهم وكيل القنصلية الروسية سليم خوري. وكانت حيفا نقطة انطلاقهم إلى جبل الكرمل لزيارة مغارة النبي إلياس، قبل أن يعودوا إلى الناصرة مارين بقرية صفورية في قضائها، منهين بذلك جولتهم التي استمرت عدة أيامٍ وجابت أبرز معالم الجليل.
كانت هذه الرحلات، برأي القيّمين عليها، وسيلةً لتعريف الطلاب بوطنهم وتاريخه. لكنها كانت أيضاً فرصةً ذهبيةً لجمع المعلومات عن مناطق عمل الجمعية وسكانها. واللافت في مشاهدات ياكوبوفيتش هو الدقة الوصفية التحليلية القريبة للحياة اليومية في ربوع الجليل وثقافة سكانها وأنشطتهم وعلاقات بعضهم ببعض. وبذلك يستنبط بعض ملامح من واقعهم قد تخفى على الملاحظ العابر.

ففي قرية نين، على سبيل المثال، يتحدث ياكوبوفيتش عن الكنيسة قائلاً: "تُحفظ مفاتيح الكنيسة عند فلّاحٍ محلّيٍ مسلمٍ، وهو الذي رافقنا إليها [. . .] ومنه أيضاً عرفنا أنّ جميع سكان القرية يشتغلون بالزراعة، لكنهم لا يملكون أرضاً خاصةً بهم، بل يفلحون أراضي الإقطاعيين الذين يعيشون في الناصرة، ويحصلون على خُمس المحصول. أما بذار الحقول فيقدمه المالك". وهنا يرسم ياكوبوفيتش ملامح نظام الإقطاع الزراعي الذي ساد في فلسطين أواخر العهد العثماني، إذ كان الفلاحون مرتبطين بالأرض ومُلّاكها برباطٍ واهٍ من الإنتاج والديون.
كذلك يكشف النص عن معاناة الفلاح الفلسطيني تحت وطأة النظام الضريبي الناتج عند هذا الواقع. إذ إنه في الطريق إلى نين، يتأمل ياكوبوفيتش ورفيقه كزما سهل زرعين المحروق بالشمس، فيقارنانه بدمشق الخضراء، مسقط رأس كزما. وسرعان ما ينتقل الحديث إلى الظروف المحلية، ليخلصا إلى استنتاجٍ اجتماعيٍ اقتصاديٍ حادٍ ومبكّرٍ ولكنه بدا محزناً. يقول ياكوبوفيتش في الكتاب: "لا يمكن إلقاء اللوم على الفلاح حتى لو تعامل مع كل شيءٍ، مثلما يقال، باستهتار. فمهما عمل وكدَّ، فإنّ ما سيحصل عليه في النهاية هو رغيف خبزٍ نصف نيءٍ فقط. وغالباً، لا يستطيع أن يأكل منه حتى الشبع".
ويضيف: "إنّ انعدام الحقوق تماماً، والانتشار المخيف للمقاطعجية والعشّارين، واستحالة الخلاص من الشباك المنصوبة في كل مكانٍ، وانعدام الدعم من أيّ جهةٍ، ولا أقول مادياً، بل حتى بالنصيحة غير المأجورة، كل ذلك لا يترك مجالاً كبيراً لازدهار الزراعة".
مع ذلك، وعلى صدقها، قد لا تُقرأ نصوص ياكوبوفيتش مرآةً محايدةً للواقع، فهي تحمل في طياتها أحياناً رؤيةً استشراقيةً إمبراطورية. إذ تتسم نظرة الكاتب إلى السكان المحليين عادةً بالتفوق الثقافي، نظرة تبدو متعالية.
فعندما يصل إلى عين دور مثلاً، لا يتردد في توثيق موقفٍ يجد فيه هو ورفاقه حرجاً. يقول: "تنتصب عند النبع شجرتا تين، قررنا أن نستفيد من ظلّهما. لكننا لم نكد نخطو بضعة خطواتٍ نحو الظل المنشود، حتى ظهرت من العدم فلاحةٌ أعلنت حقّها في هاتين الشجرتين واحتجت بقوةٍ ضد استفادتنا من الظل". يردف: " قررنا [بعد ترك الشجرتين] أن نستفيد من الساحة الصغيرة في المغارة قرب النبع [. . .] فظهر أحد سكان القرية وفرش عباءته في الساحة ووضع فوقها حذاءه العتيق، ثم انطلق إلى الماء. وعندما وصل إلى منتصف مجرى النبع، بدأ يغتسل بهدوء هناك، يتمضمض، وأخبرنا أنه سيصلي هنا، لذا يجب أن نرحل من المكان".
حسب ياكوبوفيتش، حاول هو ورفاقه ثني الفلاح بأن أوضحوا له أنهم يفكرون في تناول الغداء في المكان، لكنه أعلن أنّ ذلك سيكون ممكناً فقط عندما ندفع له وزريّاً واحداً.
ثم يواصل: "أما المرأة التي كانت قد أعلنت حقها بشجرتي التين فكانت تراقبنا. ولما رأتنا نرحل، عرضت علينا استخدام الظل لقاء وزريَّين". والريال الوزري (أو الزهراوي في بلاد الشام لوجود زهرة على أحد وجهيه)، هو قطعة نقدٍ فضيّةٌ عثمانيةٌ صغيرة. وقد استخدم على نطاقٍ محدود، وحافظ على سعره نسبياً بين الستينيات والتسعينيات من القرن التاسع عشر، بين خمسة وستة قروش. واستخدمت الفلاحات قطع الوزري زينةً لعمرة رؤوسهن المعروفة باسم "الوقاة".
وإن بدت حكاية ياكوبوفيتش وكأنها تكشف عن ذكاء الفلاحين في تعاملهم مع الأجانب، إلا أنها تقوّض في الوقت عينه الصورة النمطية عن "كرم الضيافة الشرقية". لتقدّم بدلاً منها علاقةً اقتصاديةً بحتةً أثارت حفيظة الكاتب الذي وصف المرأة بأنها "جشعة وبغيضة جداً".

من محفوظات أرشيف متحف تاريخ الدين في سان بطرسبورغ.
تتجلى أهمية النصّ أيضاً في توثيقه حواراتٍ عفويةً قد تكشف عن تعقيد العلاقات وقتئذٍ بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية، وتلقي الضوء على تداخل السياسة مع الجانب الإنساني الذي قد يتجاوز عدائية الحرب. ففي الطريق من الرامة إلى عكا، وفي أثناء توجههم إلى حيفا، يوثق ياكوبوفيتش لقاءً طريفاً مع جنديٍ عثمانيٍ سابق.
يقول الكاتب: "خرج ضابط صفٍّ تركيٌ من الكشك، اقترب منّا، سلَّم بالروسية وبدأ يسألنا بالروسية أيضاً، من أين نحن [. . .] قال إنه أثناء الحرب وقع في الأسر وعاش سنةً في مدينة كوستروما [شمال شرق موسكو]". سأله ياكوبوفيتش عما كانت عليه معيشته في الأسر. فأجاب الجندي بأنها كانت جيدة جداً، "كانوا يطعموننا جيداً، عشتُ في بيتٍ جيّدٍ، وكانوا يُلبسونني ويعطونني مالاً أيضاً [. . .] شكراً للإمبراطور ألكسندر".
ويوثّق الكاتب لقاءً آخر ذا دلالةٍ ربما يفصح عن أحد التناقضات الكامنة في المشروع الإمبراطوري الروسي، إذ يتحدث عن الشراكسة في سهل زرعين. يقول: "في حقلٍ إلى جانب الطريق، كانت هناك عربةٌ قرب أكوامٍ من القمح [. . .] أثار الأمر فضولي، فمن غير المعتاد جمع سنابل القمح بهذه الطريقة هنا. اتضح أنهما شركسيان".
سأل الكاتب من أين هما، فأجابه أحدهما: "أتعرف الكوبان؟ [إقليم في القوقاز] قريباً منه هناك". ويعلق ياكوبوفيتش على ذلك بقوله: "أدرت حصاني ولحقت برفاقي. سبق لي أن سمعت غير مرةٍ أحاديث عن الشركس الذين استوطنوا هنا وكيف أصبحوا منافسين أقوياء للبدو في مجال السلب والنهب". والشراكسة الأديغيّون هؤلاء كانوا قد وصلوا إلى المنطقة لاجئين، بعد أن فرّوا من بطش الجيش الروسي في القوقاز، لاسيما في مناطق مايكوب وما حولها، ليستقروا في فلسطين العثمانية.
على غزارة هذه المشاهدات وثرائها، إلا أنها لا تقتصر على لحظتها التاريخية. بل تمتدّ إلى ما تكشفه عند مقارنتها بما جرى لاحقاً. وبهذا تأخذ مشاهدات ياكوبوفيتش بعداً حيوياً أعمق عندما نقرؤها في ضوء التحولات الجذرية التي حلّت بفلسطين بعد نكبة 1948. قرى وبلداتٌ اختفت بالكامل أو تحولت لمستعمراتٍ يهودية.
تنطلق الرحلة عبر سهل زرعين، المنسوب إلى قرية زرعين الفلسطينية التي كانت مكان قرية "يزراعيل" الكنعانية المشرفة على السهل، على بُعد أحد عشر كيلومتراً إلى الشمال من مدينة جنين. هذه القرية هدمتها العصابات الصهيونية في 28 مايو 1948، وشرّدت أهلها الذين بلغ عددهم نحو 1464 نسمة، وأُنشأت على أنقاضها مستعمرة يزراعيل، وفق موقع "موسوعة القرى الفلسطينية".
ويصف الكاتب المشهد عند وصوله إلى قرية نين بعد عبور السهل بالقول: "وصلنا إلى نين وتوجهنا إلى الكنيسة الكاثوليكية. لا يوجد أيّ مَعلمٍ مسيحيٍ آخر في نين [. . .] اشتهرت نين بمعجزة إحياء يسوع المسيح لابن الأرملة. تحوّلت المدينة البائدة إلى قريةٍ بائسةٍ لا يزيد عدد سكانها عن خمسين نسمة، بمن فيهم الأطفال. لا تدل على العظمة السابقة سوى أكوام الحجارة". أثناء النكبة، تحديداً في ربيع 1948، هاجمت عصابات الهاغاناه المنطقة، فطال التدمير نين وشُرّد أغلب سكانها ولم يسمح لهم بالعودة، ومن بينهم ربما أبناء ذاك الفلاح المحلي المسلم الذي كان يحفظ مفاتيح الكنيسة. وباتت القرية اليوم أثراً صامتاً على طرف المرج، ولم يَبقَ فيها سوى آثارٍ قليلةٍ مثل المقبرة. وقد أقيمت على مساحتها مستوطنةٌ يهوديةٌ اسمها "نين"، تلفظ بالعبرية قريباً من اسمها العربي.
أما عين دور، واسمها الدارج اليوم "إندور"، التي قابل فيها الكاتبُ الفلاحةَ التي طلبت منه وزريَّين، فقد كان عدد سكانها آنذاك، حسبما يورد، "نحو 200 نسمة كلهم مسلمون، يعملون في زراعة الحبوب، ويملك غالبية أهلها قطع الأرض التي يعملون فيها، بينما يعمل بعضهم في أراضي الإقطاعيين". احتلتها الهاغاناه في 24 مايو 1948، أثناء حملاتها على القرى بعد سقوط وادي بيسان المجاور في قبضتها، والتي استمرت حتى أوائل يونيو. ولا تزال جدران المنازل شاهدةً على القرية حتى اليوم، ويستخدم المستوطنون أراضيها في الزراعة ومراعي لمواشيهم، وفق موسوعة القرى الفلسطينية.
لم تُنشأ مستعمراتٌ على أراضي إندور، فيما تقع مستعمرة دفرات التي أُنشئت سنة 1946، خارجها إلى الغرب من موقع القرية السابق، على الحدود بين أراضي قريتي إندور ودبورية وبالقرب من قرى إكسال والدحي ونين.
وعند صعود جبل طابور، يصف ياكوبوفيتش الوصول إلى الدير قائلاً: "لم نصل إلى دير الطور إلا قرب الساعة الرابعة فسمعنا من بعيدٍ رنين أجراسه. وعند بوابة الدير استقبلنا رئيسه المبتهج الكريم والودود جداً الأب بيسي". ويقدم وصفاً دقيقاً للديرين المبنيين على القمة: "دير يوناني [أرثوذكسي] في موقع الكنيسة البيزنطية، وآخر لاتيني [كاثوليكي] تأسس سنة 1873". بعد الاحتلال، بقي المَعلمان المسيحيان قائمين. لكن ياكوبوفيتش غفل عن ذكر قرية مسحة العربية التي وقعت عند سفح الجبل، والتي باعها ملّاكها الإقطاعيون، وهم من آل سرسق من العائلات الاقطاعية اللبنانية، إلى الحركة الصهيونية لتنشأ سنة 1901 مستعمرة كفار طابور على أراضيها. واليوم، أصبحت كفار طابور بلدةً إسرائيليةً، فيما اندثرت القرية العربية التي كان يسكنها أواخر القرن التاسع عشر نحو مئة عربيٍ مسلم.

من محفوظات أرشيف متحف تاريخ الدين في سان بطرسبورغ.
للشرق في طبريا، يصف الكاتب معاناته عند الوصول قائلاً: "كنا نشعر بعطشٍ شديدٍ، فانقضضنا على الماء فوراً. لكن للأسف، كان الماء دافئاً وتفوح منه رائحة مستنقع". ثمّ يضيف وصفاً دقيقاً للقسم اليهودي من المدينة: "الشوارع ضيقةٌ قذرة. الرائحة نتنةٌ لا تُحتمل. الوجوه يهوديةٌ تقريباً بدون استثناءٍ بألوانٍ مختلفةٍ [. . .] المشهد ليس ممتعاً أبداً". يصف أيضاً الحمامات السليمانية وحمام إبراهيم باشا، ويذكر قبور الحاخامات وكنيس اليهود.
فقبل سنة 1948، كان يمكن تمييز ثلاثة أقسامٍ رئيسةٍ في طبريا، شملت الشريط الساحلي والقسم الأوسط التجاري والقسم الغربي الزراعي. لكن بعد النكبة، هجّرت عصابات الهاغاناه السكانَ العرب بعدما انسحبت القوات البريطانية من المدينة لتتركها لقمةً سائغةً مجردةً من أيّ مقاومة وتغيّرت على الأثر معالم المدينة جذرياً. فقد هدمت العصابات الصهيونية في الأحياء العربية فيها ما يقارب خمسمئة منزل وبُنيت أحياءٌ سكنيةٌ على المرتفعات الغربية المطلة على البحيرة.
ثم بعد المرور بالعديد من القرى والمدن في الجليل والسهل، يصل الكاتب إلى قرية كفرناحوم (تعرف اليوم بِاسم تل حوم) بعد عناءٍ مع المرشدين الذين ضلوا الطريق. ويصف أطلالها بتأثرٍ عميق: "نزلنا عن الدواب وذهبنا لنفحص الحجارة الضخمة وأجزاء الأعمدة، تيجان الأعمدة ذات النحت الرائع. تقع الكتل الهائلة من هذه البقايا الرائعة في كومةٍ غير مرتبة... كل الباقي عبارةٌ عن أطلالٍ وأكوامٍ من الحجارة". وقد حافظت القرية على مكانتها موقعاً أثرياً مقدساً لدى المسيحيين بعد النكبة، إذ تعدّ مدينة يسوع، بموجب إنجيل متى. لكن المناطق المحيطة بها شهدت تغيّراتٍ سكانيةً جذريةً، إذ حلّت المستعمرات محلّ القرى العربية التي كانت قائمة.
ومن كفرناحوم يواصل الكاتب رحلته شمالاً إلى مدينة صفد، منهكاً بعد تسلق مرهق، ويقدم إحصاءً سكانياً قائلاً: "سألت الكاهن الذي آوانا، فقدَّر مع بعض موظفي المدينة أن عدد السكان في المدينة اليوم من المسيحيين الكاثوليك مئتان، ويوجد فيها أرثوذكسيان اثنان فقط، وعدد المسلمين سبعة عشر ألفاً". ثمّ يضيف أنّ يهودياً بولندياً من مقاطعة موغيليوف أخبره أنه "لا يوجد في المدينة أكثر من سبعة آلافٍ من أبناء دينه".
وعلى كبر عدد سكان المدينة، لم تسلم صفد من هجمات العصابات الصهيونية. فخلال النكبة، هُجّر غالبية سكانها العرب، وهم الأغلبية الساحقة من السكان، مقابل أقليةٍ يهوديةٍ شكلت أقلّ من 20 بالمئة من سكان صفد. ومع التهجير بدأ وصول مستوطنين يهودٍ جددٍ إلى المدينة وازداد عددهم لاحقاً. واليوم، هُوّدت جميع أحيائها العربية وتحوّلت مساجد المدينة وكنائسها إلى استخداماتٍ أخرى، مثل الطابق الأرضي لمسجد المدينة القديم "عين الزيتون" الذي تحول إلى حظيرة حيوانات. كذلك طال التطهير العرقي والتهويد تقريباً كل القرى التابعة لقضاء صفد، ومنها قرية الخالصة التي ترزح على أراضيها اليوم مستوطنة كريات شمونة.
وعند وصوله إلى عكا، يجول الكاتب في المدينة ويزور السوق المسقوف والمسجد الذي بناه أحمد باشا الجزار، ملاحظاً: "الآن يمكننا أن نشاهد آثار القصف الأخير لأسوار القلعة المدمرة في أماكن كثيرة". ويضيف: "يعيش في عكا أكثر من عشرة آلاف نسمة. تجارتها الرئيسة تصدير القمح". ثمّ يسجّل لقاءه بالجندي التركي الأسير السابق. وعكا هي البقعة التي شهدت معركةً ضاريةً سنة 1948 وسقطت في مايو. هُجّر قسمٌ كبيرٌ من سكانها العرب، لكن المدينة احتفظت بوجودٍ عربيٍ كبيرٍ نسبياً (نحو 30 إلى 35 بالمئة). وقد بقيت البلدة القديمة قائمةً، بما في ذلك السوق ومسجد الجزار، لكن الاستيطان اليهودي غزا بعض أحيائها.
وفي حيفا للجنوب من عكا، يصل الكاتب إلى المدينة عبر شاطئ المتوسط. يقول: "كان هذا للأولاد متعةً جديدةً تماماً وغير مجربة. كانت الأمواج تصل إلى العربة نفسها، وغالباً ما كانت تغمر عجلاتها تماماً". ثم ينتقد المدينة بقوله: "في وقتنا الحاضر لا شيء يستحق المشاهدة [. . .] الشوارع الضيقة القذرة نفسها الموجودة في كلّ بلدةٍ عربيةٍ صغيرة". ويتبين أنّ هذا الوصف ناتجٌ عن مقارنتها بمستعمرةٍ مجاورةٍ كان منبهراً بها: "هذه القذارة تبرز أكثر هنا، بفضل المستعمرة الألمانية المجاورة، التي تمثل نموذجاً للنظام والنظافة والتحضر بالمعنى الكامل للكلمة".
اليوم لا يزيد الوجود العربي في حيفا عن 10 بالمئة من سكانها بحسب المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي. فقد احتُلت المدينة في 23 أبريل 1948 وطُرد أهلها منها، وتضاءل حجم البلدة العربية في حيفا (وادي النسناس) كثيراً، وأصبحت المدينة مركزاً صناعياً وثقافياً إسرائيلياً. أما المستعمرة الألمانية التي ذكرها ياكوبوفيتش فغدت منطقةً سكنيةً وتجارية.
تختتم الرحلة عند صفورية، حيث يصف الكاتب القرية قائلاً: "قريةٌ عربيةٌ متواضعة. كلّ سكانها مسلمون، باستثناء مسيحيٍ واحدٍ، هو حارس الكنيسة الكاثوليكية [. . .]". يشير أيضاً إلى البرج القديم في قمة التل، والنبع الذي استراح عنده مع التلاميذ تحت شجرة تين. كل هذا عصفت به الريح عندما احتُلت صفورية في يوليو 1948، وهجّرت عصابات الهاغاناه سكانها العرب، لتتحوّل إلى موقعٍ أثريٍ ومتنزهٍ قوميٍ إسرائيليٍ يحمل اسم "تسيبوري". هُدمت القرية العربية واختفت، فيما بقي البرج الذي ذكره الكاتب وبقايا الكنيسة، لكن من دون السكان العرب.
لا يشكل النص الروسي، بخلفيته الإمبراطورية ورؤيته الاستشراقية، وثيقةً محايدة. لكنه يبقى سجلاً دقيقاً للحظةٍ تاريخيةٍ محددةٍ عن الجليل وأقسام المدن والقرى وطبيعة السكان وحياتهم اليومية. وبهذا يتحوّل إلى أداةٍ تعيد بناء الذاكرة وتوثيق الحق المغتصب، وتعزز الوعي بالهوية والتاريخ الفلسطينيَّين. غير أن إعادة قراءة النص وثيقةً تاريخيةً لا تنفصل عن مساءلة شخصية كاتبه. ومن ثمّ، يبرز سؤالٌ حول مدى انعكاس سلوك ياكوبوفيتش ومسيرته الشخصية على قيمة هذا النص ومصداقيته. فنجاح ياكوبوفيتش المهني قابله جدلٌ أخلاقيٌ تجاهه.
وفي النص نفسه يتبدّى كيف كان ياكوبوفيتش يراقب النساء ويتفحصهن. مثلاً يقول ياكوبوفيتش عن الفلاحات الفلسطينيات بعد مغادرته صفد متجهاً نحو الرامة: "توقفنا عند الجدول لنشرب ونتزود بالماء. كان الفلاحون ينزلون من الجبل إلى الجدول. لم تسلك الفتيات الطريق، بل أخذن طريقاً مختصراً [. . .] كنَّ يتحركن بحريةٍ، ويقفزن من حجرٍ إلى حجرٍ، كأنهن على طريقٍ مستويةٍ ملساء". ثم يضيف: "هنا ظهرت براعة القوام المرن وكل رشاقتهن الطبيعية بوضوح. عندما اقتربن منا تحدثن مع الأولاد، متكئاتٍ بأيديهن على الخصور. تفحصناهن عن كثبٍ واضطررنا إلى الاعتراف بأنهن جميلاتٌ بقدر ما هنّ رشيقات القوام".
إلا أن "شيطان العشق" الذي نبذته "الجمعية الفلسطينية" في شخصية الكاتب، على الأقل ظاهرياً، قد لا يكون أثّر في صدق مشاهداته. خاصةً أنه كان رفقة شاهدٍ موثوقٍ قرأ كتاب ياكوبوفيتش الذي صدر بعد عامٍ واحدٍ من الرحلة ولم يعلق عليه، وهو مدير السيمنار إسكندر كزما (ألكسندر غافريلوفيتش كيزما في الوثائق الروسية). وهو أهمّ شخصيةٍ عربيّةٍ في مسيرة المؤسسات التعليمية الروسيّة في فلسطين، وفق الأديب والباحث الفلسطيني حنّا أبو حنّا، الذي قادته الصدفة إلى الالتقاء بحفيدة كزما، نجاة خوري. وقد زوّدت الحفيدةُ الباحثَ أبو حنا بمفكرة إسكندر كزما الخاصة بين العامين 1895 و1898. وتشكّل هذه المفكرة أهم مصادر كتاب أبو حنّا المنشور سنة 2005 بعنوان "طلائع النهضة في فلسطين (خريجو المدارس الروسية)، 1862- 1914".

من محفوظات أرشيف متحف تاريخ الدين في سان بطرسبورغ.
يذكر ياكوبوفيتش "إسكندر جبرايل" بِاسمه واسم أبيه في النص كما تقتضي صيغة الاحترام الصارمة في اللغات السلافية. وقد يستشف من النصّ أن العلاقة بين الرجلين مهنيّة. فلم يكن كزما مجرّد موظّفٍ في مؤسسةٍ أجنبيةٍ، بل جزءاً من حركة النهضة العربية في فلسطين. وقد ساهم في تخريج أجيالٍ من المعلمين والمثقفين الذين قادوا حركة التعليم أواخر العهد العثماني وأثناء الانتداب البريطاني. وكثيرٌ من خريجي المدارس الروسية أصبحوا قادةً في مجالاتهم في فلسطين، معلمين وصحافيين وكتّاباً وسياسيين.
وفي مشهدٍ ذي دلالةٍ خاصةٍ في النصّ، عندما أراد ياكوبوفيتش أن يدفع مكافأةً ماليةً للتاجر الناصري الذي استضافهما مع التلاميذ في عين دور، تدخل كزما ومنعه: "لا تعرض عليه المال أبداً، لأنه قد يشعر بالإهانة". وقد فكَّر إسكندر جبرايل في أن يهديه كتاب صلاةٍ عندما يعود إلى الناصرة.
هذه الحساسية الاجتماعية، وفهم عادات السكان وأعرافهم، ميّزا كزما وسيطاً ثقافياً. فالرجلان شكّلا ثنائياً متنافراً إلى حدٍّ ما: ياكوبوفيتش، الروسي "المغامر" الذي جاء ليبني إمبراطوريةً تعليميةً، فتورط في فضائح أخلاقيةٍ وكوّن عداواتٍ، لكنه أنجز مهامه بكفاءةٍ عالية. وكزما، العربي المحلي الذي آمن بالمشروع التعليمي الروسي، فكرّس حياته له وخرّج أجيالاً، وظل محتفظاً باحترام مجتمعه.
والمفارقة أن وثيقة "جولات في فلسطين" التي جمعتهما بقيت. فقد دوّنها ياكوبوفيتش بكلّ تناقضاته، وأقرّها كزما وكان شريكه فيها. وهي هنا شهادةٌ على تعقيد العلاقة بين المستشرِق والمستشرَق، بين الإمبراطوري والمحلي، بين النظرة الاستعلائية والاحترام الحقيقي. والأهم أنها وثيقةٌ عن فلسطين، بقيت بعدما رحل الرجلان، لتصبح جزءاً من ذاكرة الوطن الضائع.
لذا فإن توظيف هذا الأرشيف بوعيٍ نقديٍ قد يمثل خطوةً مهمةً في مشروع استعادة جانبٍ من الذاكرة الفلسطينية، مقابل الرواية الإسرائيلية التي تسعى إلى طمس الماضي وتفريغ الأرض من تاريخها. فهذه النصوص تقدم لنا مادةً حيةً لإثبات حضور الفلسطيني في أرضه، ليس غريباً أو مارّاً، بل فلاحاً وتاجراً وقسيساً وصاحب حق. إنها تذكرة بأنّ الجليل لم يكن أرضاً خاليةً أو برّيةً غير مأهولةٍ، بل وطناً ممتد الجذور في عمق التاريخ، تتنفس قُراه وأنهاره حياةً يوميةً دافئةً، قبل أن يبتلعها تشظّي الجغرافيا وتعبث بها رياح النكبة، فتُشرّد سكانها وتمحو كثيراً من أسمائها العربية.

