من الهامش الساخر إلى البطولة.. تحولات الجسد المنبوذ في السينما المصرية

بنت بعض كلاسيكيات الكوميديا المصرية قدراً من نجاحها على السخرية من الاختلاف والتقليل من شأن المختلف. لكن عدة أفلام مستقلة جديدة تسبح عكس هذا التيار.

Share
من الهامش الساخر إلى البطولة.. تحولات الجسد المنبوذ في السينما المصرية
يعكس المشهد الحالي في السينما المصرية صورةً لصراعٍ متعدد الجبهات | تصميم خاص بمجلة الفراتس

تبدأ القصة بضحكةٍ ترسم حقبةً بأكملها. في مشهدٍ من فيلم "ابن حميدو" الذي أنتج سنة 1957، يقف إسماعيل ياسين أمام الكاميرا ليلقيَ جملةً ساخرةً يتردّد صداها حتى اليوم. كان "صبيّ الباز أفندي" يتجسس على البطلين أحمد رمزي وهند رستم. عند اكتشافه، ينهال عليه إسماعيل ياسين بالسخرية فينعته بعبارة "تقاوي راجل" في إشارةٍ إلى أنه إنسانٌ غير مكتملٍ بسبب ضآلة حجمه. هذا المشهد العابر، الذي اختير له ممثلٌ قصير القامة بدلاً من أيّ مؤدٍّ آخَر لغرض الإضحاك، مثّل نهجاً في السينما المصرية القديمة، حيث كان الجسد "غير النمطي" يُتّخذ أداةً للسخرية الفجّة.
بعد أكثر من خمسة عقودٍ، أتى مشهدٌ مختلفٌ في فيلم "إكس لارج" المعروض سنة 2011. في هذا المشهد، يقف الرسام الساخر مجدي مكاوي (أحمد حلمي) الذي يعاني من السمنة المفرطة أمام الفتاة التي أحبّها، طالباً يدها للزواج. لكنه يتلقى صدمةً قاسيةً عندما تخبره بأن أطروحتها للماجستير تتمحور حول السمنة، وأنها تراه مجرّد "حالة". يطلق مجدي صرخةً يمتزج فيها الحزن بالصدمة، متسائلاً بأسىً "أنا حالة؟". لم تكن صرخته مجرّد ردّ فعلٍ على الرفض العاطفي، بل صرخةً وجوديةً تعبّر عن صراعٍ داخليٍ مع الجسد الذي أصبح سجناً لِذاته وعاطفته المرفوضة، في سياقٍ اجتماعيٍ قاسٍ يختزل الإنسان في حجمه وشكله ولونه. يفصل بين المشهدين قرابة نصف قرنٍ من الزمن ويكشف التباين بينهما عن تحولٍ، وإن لم يكن كلياً، في وعي السينما المصرية في مقاربتها تمثيلَ الأجساد.
تحوّلت صورة الأجساد غير النمطية في السينما المصرية عبر العقود من مجرّد أداةٍ للسخرية إلى مساحةٍ لطرح قصصٍ إنسانيةٍ أعمق. فتاريخ السينما المصرية حتى نهاية العقد الأول من الألفية، اختزل قصار القامة والبدناء في أدوارٍ ثانويةٍ هدفها إثارة الضحك، كما في مشهد "ابن حميدو". لاحقاً ظهرت مقارباتٌ مختلفةٌ مثل "إكس لارج" الذي اتخذ السمنة موضوعاً أصيلاً للمناقشة، وإن استخدمها مادةً للإضحاك، لكنه قدّمها على طبق صراعٍ داخليٍ واجتماعي. وصولاً إلى أعمالٍ أحدث مثل "سنو وايت" الذي عرض سنة 2024 وكسر الحضور النمطي الهامشي لقصار القامة وأسند البطولة لواحدةٍ منهم. يعكس هذا التحوّل تأثيراتٍ اجتماعيةً وثقافيةً، منها صعود مفاهيم "الصوابية السياسية" ومناهضة التمييز. مع ذلك لم يصبح هذا توجهاً سائداً بعد، إذ لا تزال السينما التجارية والثقافة الشعبية تستثمر في السخرية من المختلف، ما يجعل المشهد الفنّي ساحة صراعٍ مفتوحٍ بين أَنْسَنة الجسد المهمّش واستنساخ الصور النمطية القديمة.


شكّلت الكوميديا المصرية القديمة، التي ارتبطت بأسماءٍ لامعةٍ مثل إسماعيل ياسين وعبد السلام النابلسي وعبد الفتاح القصري، نموذجاً فنّياً يعكس مفاهيم وتصوراتٍ سائدةً لدى المجتمع المصري آنذاك. فلم يكن تمثيل الأجساد غير النمطية، خاصةً قصار القامة، يحظى بالعمق الدرامي أو الإنساني. بل كانت هذه الأجساد تستخدم في أغلب الأحيان أدواتٍ لخدمة الكوميديا الساخرة التي تعتمد على الاختلافات الجسدية وسيلةً مباشرةً لإثارة الضحك.
يُعدّ دور صبيّ الباز أفندي الذي أدّاه عبد الدايم أحمد في فيلم "ابن حميدو" مثالاً على هذا النهج. كان دوره ثانوياً ومحدوداً في بضع دقائق، وغايته الوحيدة إضافة بُعدٍ مضحكٍ للمشهد. لم تظهر الكاميرا شخصيته أو دوافعه، بل اختزلته في قامته القصيرة التي أصبحت مصدراً لفكاهاتٍ يلقيها أبطال العمل. هذا الاستغلال الكوميدي ما هو إلّا صدىً لمعايير مجتمعيةٍ كانت تَعُدّ الجسد "غير المثالي" موضوعاً مباحاً للتهكّم، بما في ذلك إسماعيل ياسين، إذ كان يتندّر وزملاؤه في بطولة أفلامه على اتساع شدقَيْه.
كانت الكوميديا حينئذٍ تستغل ضعف الآخَر المختلف أو من لا حظّ له في قوّةٍ أو وسامةٍ لإضحاك الجمهور، فيما اصطلح النقاد المصريون على تسميته "كوميديا العاهات"، ما ساعد على تكريس صورٍ نمطيةٍ سلبيةٍ في عقل المشاهدين الجمعي.
يرتبط هذا النهج السيء بوجود معايير جماليةٍ تحدّد "الجسد المثالي"، هيمنت تاريخياً على صناعة السينما. أشار الكاتب الفرنسي إيمانويل إثيس إلى هذا النهج في كتابه الذي نشرت ترجمته العربية بعنوان "علم اجتماع السينما وجماهيرها" سنة 2021. وأوضح فيه أن السينما تختار أو تصنع جسد البطل بصورةٍ "مثالية" لتجذب انتباه الجمهور وتثير إعجابه، بحيث يصبح الجسد نفسه جزءاً من شخصية النجم وسحره، ويؤثر على كيفية استقبال المشاهدِ القصةَ والشخصيةَ.
في كتابه "لا دِيستانكسيون: كريتيك سوسيال دو جوجمون" (النقد الاجتماعي للحكم على الذوق) المنشور سنة 1979، يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو الجسدَ منتَجاً اجتماعياً يعكس التمايزات الطبقية، وعدَّ صورة الجسد أداةً من أدوات فرض الهيمنة وممارستها.
يشرح بورديو أن الجسد هو "المرآة الأساسية" للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد. إذ إن "الهابيتوس" (السَمْت) يترجم نفسه إلى طريقةٍ محددةٍ في المشي والوقوف وتناول الطعام ونوعيته، وأيضاً في شكل الجسد نفسه ومقاييسه من وزنٍ وعضلاتٍ ولياقة. ولا يقف بورديو عند هذا الشرح، بل يؤكد أن فكرة الجسد المثالي تعدّ وسيلةً من وسائل العنف الرمزي. فالنموذج الجسدي الذي تروّجه الطبقة المهيمنة هو ما يُرى "الجسدَ المثاليَّ" أو "الصحّي". هذا النموذج يفرض نفسه عبر وسائل الإعلام والثقافة بما فيها السينما ليكون هو "المعيار الطبيعي"، في حين تصنَّف الأجساد التي لا تتوافق معه في خانةٍ أدنى أو تعدّ غير متحضرةٍ فحقها النفي والإخفاء أو السخرية، وهو ما يعدّه بورديو عنفاً رمزياً.
كانت صورة الرجل البطل تُقدَّم في معظم الأعمال مثالاً على القوة البدنية والعقلية، إذا استثنينا قلّةً من الأعمال الكوميدية الخالصة، كأفلام علي الكسار. يتجلّى هذا في أفلام رشدي أباظة وعمر الشريف وأحمد رمزي، ولاحقاً في أعمال كريم عبد العزيز وأحمد عزّ وهاني سلامة. إذ يبدو "الجسد المثالي" بمثابة المحرك الأساسي للأحداث.
في المقابل كانت المرأة تجسد غالباً بصورةٍ فاتنةٍ ومثيرة. إذ اتخِذ جسدها سلطةً ورأسَ مالٍ رمزيّاً يمنحها فرصاً للارتقاء الاجتماعي والمادي، حسب وصف بورديو. ولم يسلم من هذا التنميط حتى بارزات السينما المصرية مثل فاتن حمامة، التي كانت قصيرة القامة نسبياً مقارنةً بنجمات جيلها. فيُروى أنها كانت تقف على كرسيٍ في بعض المشاهد لتكون في مستوى طول الراحل عماد حمدي. وحين التقى بها الفنان يوسف وهبي أول مرّةٍ ظنَ أنّها طفلةٌ صغيرةٌ، ما سبّب لها إحراجاً شديداً ودفعها للبكاء وفقاً لما دوّنته في مذكراتها الشخصية.


بعد سنواتٍ من التنميط، شهدت السينما المصرية مع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة تحولاً ثقافياً وفنّياً في طريقة تصويرها الأجسادَ غيرَ "المثالية". فلم يعد الجسد محض وسيلةٍ لإثارة الضحك الساخر، بل أصبح محوراً لقصصٍ إنسانيةٍ معقدةٍ تعكس وعياً متزايداً، ولو جزئياً، بقضايا التنمُّر والتمكين والاختلاف في معايير الجمال. ويُعد فيلم "إكس لارج" للمخرج شريف عرفة والنجم أحمد حلمي نقلةً مهمة في هذه الرحلة.
كان بطل الفيلم رساماً ساخراً يعاني من وحدةٍ شديدةٍ ناجمةٍ عن بدانته. لم يستخدم الفيلم سمنة بطله أداةً للضحك المفرغ كلّياً من سياقه، بل جعلها محوراً رئيساً لقصةٍ إنسانيةٍ عن الوحدة والعزلة والصراع الذاتي، مع بعض الكوميديا. كذلك عَرَضَها قضيةً نفسيةً واجتماعيةً، وليست مجرد مشكلةٍ جسدية. وبذلك نقل الفيلم الكوميديا من السخرية الخارجية (الضحك على الجسد) إلى الكوميديا السوداء النابعة من الصراع الداخلي (الضحك مع الجسد).
مع ذلك، لم ينتصر الفيلم للجسد قلباً وقالباً. إذ لم يَنَل بطله القبولَ العاطفي من محبوبته إلا بعد أن تمكن من تحقيق الرشاقة الجسدية. واكتفت فلسفة القصة بالتركيز على الإصرار والإرادة في التغلب على البدانة.
كانت السينما المصرية في ذلك متأخرةً عن السينما العالمية. فبدايات السينما حول العالم، كما في مصر، جعلت من الأجساد المختلفة عن الجسد المثالي مادّةً للسخرية لانتزاع الضحكات. لكن تحولاتٍ بطيئةً ظهرتْ منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وشهدت إنتاج واحدٍ من أبرز أعمال السينما العالمية المهمة وهو فيلم "ذا فريكس" (المسوخ) الذي عرض سنة 1932. يتميز هذا الفيلم الذي أخرجه توم براونينغ بأنه أول فيلمٍ في تاريخ السينما كان أبطاله جميعهم – عدا شخصيات الأشرار – من قصار القامة أو أصحاب الإعاقات الجسدية. استخدم الفيلم الإعاقاتِ الظاهرةَ والأجساد المختلفة البعيدة عن الصورة المثالية لأبطال هوليوود ونجومها ليروي قصة أبطاله الذين يعانون من النبذ والاستغلال.
وسوى هذا الفيلم قدّمت السينما العالمية عدداً من الأفلام الأخرى التي ترى أصحاب الأجساد غير النمطية بعين حقيقتهم بشراً يحبّون ويكرهون وعندهم احتياجاتٌ إنسانيةٌ تعيقهم عنها نظرة المجتمع. ومن ذلك فيلم "ذي إليفانت مان" (الرجل الفيل) المأخوذ عن مسرحية بالاسم نفسه، وقد عرض سنة 1980 للمخرج ديفيد لينش.


عندما أخرج توم براونينغ فيلم "ذا فريكس"، كان فيلمه حينئذٍ خروجاً عمّا ساد في هوليوود منذ نشأتها. إذ كانت شركات الإنتاج الأمريكية هي من يحدّد معايير الجمال والجسد المثالي وينشرها في العالم. ومن الحكايات المشهورة عن هذا الفيلم أن الشركة المنتجة "إم جي إم" عاملت ممثلي الفيلم من قصار القامة وذوي الأجساد غير النمطية معاملةً بالغة السوء، وأعطتهم أجوراً أقلّ بكثيرٍ مما تعطيه لممثليها آنذاك، ولم تمنح أيّاً منهم فرصاً للعمل بعد الفيلم الذي ظلّ يدرّ إيراداتٍ هائلةً بعد عقودٍ من إنتاجه.
انتقلت السينما بعد ذلك الفيلم لتصوير الإعاقات الجسدية والعقلية عند تناولها درامياً عبر ممثلين صحيحي الجسد، فتستخدم الصبغات والمساحيق واللدائن الصناعية لتحويلهم إلى أشخاصٍ من ذوي الأجساد غير النمطية، لغرض تصوير الأفلام. لكن صعود الصوابية السياسية منح أصحاب الأجساد "غير المثالية" فرصةً لتصوير واقعهم على الشاشات.
يعدّ فيلم "سنووايت" للمخرجة تغريد أبو الحسن من إنتاج سنة 2024، أحد مكاسب موجة الصوابية السياسية تلك. فالفيلم لم يلجأ لبطلةٍ من نجمات السينما ذوات الأجساد المثالية لتجسد هموم فتاةٍ من قصار القامة، بل جعل بطلته واحدةً من قصار القامة. لتنتقل المخرجة بفيلمها من معالجةٍ سينمائيةٍ لمشكلات قصار القامة إلى فرصةٍ للتمكين شبه الكامل. فكان فيلمها أول فيلمٍ مصريٍ يعالج قضايا مجتمع قصار القامة، وأيضاً أول فيلمٍ بطلته من قصار القامة.
مثل هذا الفيلم ذروة التحول في تصوير الجسد أداةً لإظهار الاختلاف في معايير الجمال، وحقِّ هذا الاختلاف في الوجود المرئيّ لا المهمّش. إذ تبوّأَت بطلته، مريم شريف، دوراً رئيساً في قصة حبٍ وزواجٍ تكسر تماماً الصورةَ النمطيةَ التي كانت سائدةً في الماضي. ويوضح الفيلم التحديات التي يواجهها قصار القامة في العلاقات العاطفية. يظهر ذلك في مشهد اللقاء بين إيمان (مريم شريف) وحبيبها عماد (محمد ممدوح). فقد تعرفت إيمان على حبيبها إلكترونياً، ولم تخبره بقصر قامتها، إلى أن جاء لقاؤهما عياناً. كان عماد متلهفاً لرؤية حبيبته وزوجته المستقبلية. لكنه حين رأى جسدها صدِمَ وغشى وجهَه الجمود. استجمعت إيمان قواها، وواجهته قائلةً: "أنا عارفة إنك هتسامحني. أنا بس محبوسة في الجسم ده". لم يبالِ عماد بكلامها ولم يخفِ استنكاره، بل أوضح أنه كان يعيش في "وهم" طوال الفترة الماضية، وأن ما تراه هي "تفاصيل" يراه هو جوهر العلاقة ذاتها.
يمثل فيلم "سنو وايت" بياناً اجتماعياً يعكس تغيراً في الوعي المجتمعي الذي أصبح رافضاً التنمّرَ، ويكشف عن ظهور فنانين ومخرجين يؤمنون برسالة الفن الإنسانية. ولعله لذلك حاز اهتماماً واسعاً منذ عرضه الأول في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي. إذ حَظِيَ الفيلم بدعمٍ مؤسسيٍ من جهاتٍ دوليةٍ ومحليةٍ، مثل صندوق الأمم المتحدة للسكان والمجلس القومي للمرأة، ما أضفى شرعيةً وأهميةً على رسالته. كذلك فاز بجوائز مرموقةٍ، مثل جائزة اليُسر لأفضل ممثلةٍ، التي فازت بها مريم شريف. ولم تكن هذه الجوائز مجرد تقديرٍ للمستوى الفنّي فقط، بل كانت أيضاً بمثابة رسالةٍ اجتماعيةٍ مهمة تساعد في تحفيز بقية المنتجين على إنتاج أعمالٍ مماثلة.


يأتي توجّه السينما المصرية نحو إنتاج أفلامٍ مثل "إكس لارج" و"سنو وايت" نتيجةً مباشرةً لتفاعلاتٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ عميقة. فمع بداية الألفية الثالثة، زاد الوعي بمخاطر التنمّر، ما دفع حكوماتٍ ومدارس ومنظماتٍ دوليةً إلى إدراج مكافحته ضمن برامجها التعليمية. كذلك أطلقت مبادراتٌ مثل اليوم الدولي لمناهضة التنمّر، الذي اعتمد في كندا منذ سنة 2007 وانتشر إلى عشرات الدول. وفي السنوات الأخيرة ارتبطت مكافحة التنمّر بخطابٍ أوسع حول الصحة النفسية، والوقاية من خطاب الكراهية، مع مشاركة شركات التقنية الكبرى في برامج توعيةٍ ضدّ التنمّر الإلكتروني على منصّاتها.
في الوقت ذاته صعدت مفاهيم مثل مناهضة التمييز، والصوابية السياسية والتي تعني الحرص على استخدام لغةٍ وتبنّي ممارساتٍ تراعي الحساسيات الاجتماعية والثقافية، وتتفادى الخطابات التي قد تعدّ مسيئةً أو إقصائية. ومع تحوّل هذه المفاهيم إلى إطارٍ مرجعيٍ في النقاشات العامة، فإنها باتت جزءاً من ثقافةٍ عالميةٍ جديدةٍ تسعى لإرساء معايير أكثر احتراماً للتنوع والاختلاف في الخطاب العام والإنتاج الثقافي والإعلامي.
انعكست هذه التحولات جليّاً في الإنتاج السينمائي، وأصبحت من المحركات الرئيسة للتغيير في صناعة السينما، وقوةً دافعةً للتحرر من التنميط الذي سيطر عقوداً على الصورة والمشهد والخطاب. إذ جاءت هذه المفاهيم لتفرض على صناع الأفلام إعادة النظر في طريقة عرضهم الشخصيات، وتقديمها بصورةٍ حقيقيةٍ ومعقدةٍ تعكس التنوع الإنساني.
في هذا السياق، تكون السينما هي "القوة الناعمة" القادرة على التأثير في وعي شعوبٍ كاملة. فبينما كانت السينما في الماضي مرآةً لقبول المجتمعِ السخريةَ من الأجساد غير النمطية، أصبحت اليوم أداةً لتغيير هذا الوعي، حسبما ترصده الباحثة المصرية مريم وحيد في دراستها الصادرة سنة 2022 حول "دور السينما في تشکيل الرأي العام العالمي".
لم تكن مفاهيم الصوابية السياسية العامل الوحيد الذي ساهم بالتحول في المشهد السينمائي نحو تقبّلٍ أكبر للأجساد غير النمطية. فقد ارتبط هذا التحول كذلك بفهمٍ أعمق للوعي بالذات، وبالجسد رمزاً لهوية الفرد وتجسيداً لتجربته.
يرى الفيلسوف الفرنسي وعالم الإناسة دافيد لو بروتون أن الجسد لم يعد مجرد شكلٍ خارجيٍ أو أداةً نستخدمها ونتكيف معها، بل أصبح مادةً أوليةً تحولت قيمتها من وجوديةٍ ثابتةٍ إلى ظرفيةٍ تتشكل وفق التجربة الفردية والاختيارات الشخصية. هذا الوعي الجديد بالجسد، جعل الفرد في العصر الحديث أكثر رفضاً للأفكار النمطية والمتحيّزة، وخلق لديه طلباً لأعمالٍ فنيةٍ تعكس واقعه المعقد والمتنوع.
وهنا، تأتي استجابة السينما لهذا الوعي الجديد بتقديم شخصياتٍ وقصصٍ أكثر أصالةً وإنسانيةً، بحيث لا تعكس الواقع فحسب، بل تسهم أيضاً في ترسيخ فهمٍ أعمق للتنوع والهوية لدى الجمهور. وهنا لم يعد دور السينما مقتصراً على تقديم التسلية، بل يمتد إلى تشكيل الوعي ومناهضة الصور النمطية السلبية.
على هذا التحول، لا يزال تنميط الجسد شائعاً في السينما المصرية، لاسيّما جسد المرأة. إذ تُستغل النساء بأدوارٍ قائمةٍ على الإيحاء الجنسي الفكاهي، دون أيّ سياقاتٍ سوى التنميط. ومن الأمثلة على ذلك أفلامٌ مثل أولاد رزق 3 (2024)، وحلاوة روح (2014)، وحصل خير (2012)، وأعمالٌ غير سينمائيةٍ مثل مسرح مصر (2014)، وغيرها الكثير.
ويتزامن هذا التنميط في عالم السينما مع صعود سياسات سطوة الجسد على المجال العامّ ضمن المنظومات النيوليبرالية، أي اقتصاد السوق المتحرر من هيمنة الدولة، والتي يرتكز عملها في التسويق والترويج لكثيرٍ من منتجاتها على الجسد المثالي، الذي يَعرض وتعرض عليه هذه المنتجات. ضمن هذه المنظومة، يصبح الجسد – حسب وصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان في كتابه الذي صدرت ترجمته العربية بعنوان "الحياة السائلة" سنة 2016 – ملْكاً للجميع لا لصاحبه، إذ يُفترض أن يظلّ في صورةٍ مثاليةٍ لا تحتمل أيّ نقصان. وهكذا فإن تنميط الأجساد على شاشات السينما يعكس واقعاً اجتماعياً يرسّخ هذه الصور في الثقافة الشعبية، فيصبح الجسد مجالاً لإعادة إنتاج الهيمنة داخل السينما كما في الحياة اليومية.


قد يعكس المشهد السينمائي والتلفزيوني الحالي في مصر صورةً لصراعٍ متعدد الجبهات بين ثقافةٍ شبه "نخبوية" منغلقةٍ على عالمها الخاص وثقافةٍ شعبيةٍ تسير في مسارها المستقل، دون أن يحدث تلاقٍ أو تأثيرٌ متبادلٌ بينهما.
قطعت الصناعة شوطاً في تقديم أفلامٍ تراعي الصوابية السياسية، خاصةً الأفلام "المستقلة" التي تعرض في "مهرجانات السينما" أو المسلسلات المصنوعة خصيصاً للعرض الرقمي من خلال منصات مثل "نتفليكس". مع ذلك لا يبدو أن الفن التجاري تأثر بحزمة الصوابية السياسية تلك. في السنوات الأخيرة نجحت أفلام مثل "يوم الدين" (2018)، و"سنو وايت"، بتمثيل فئاتٍ مهمّشةٍ ومَقْصِيّةٍ ومنمَّطة. وكان هذا التمثيل محورياً، إذ يسمح لنا برؤية العالم من منظورهم، لا طرفاً هامشياً في عالم الآخرين. فيما استمرت الأعمال الدرامية والسينمائية ذات التوجه التجاري تواصل طريق استخدام أصحاب الأجساد غير النمطية للتقليل منهم وانتزاع الضحكات عبر السخرية من بدانتهم أو قصر قامتهم وغير ذلك.
فعلى أنسنة "الجسد المنبوذ" في الإنتاج مؤخراً، لا تزال الهوّة شاسعةً بين الأعمال التي تحسن تقديمه، وبين ما "يطلبه المشاهدون" في الأعمال التجارية التي ما زالت تجد نوعاً من أنواع الضحك والسلوى في تحقير الآخَر.
يمكن تفسير هذه الهوّة جزئياً بأن أفكار الصوابية السياسية صيغت في فقاعةٍ منفصلةٍ تماماً عن الواقع المعاش يومياً. فعند النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعد انعكاساً للذائقة العامة، يبرز سؤالٌ بسيطٌ لكنه جوهريّ، ما الذي لا يزال يولّد الضحك والكوميديا لدى الجمهور؟
تبرز في هذا الإطار شخصياتٌ مثل "أمح الدولي" و"باشا البلد"، المصابين بمتلازمة داون، أو شخصية "عمر فرج" مريض "العظم الزجاجي"، الذي باتت السخرية من ضعف قدميه شيئاً مسوغاً وطبيعياً دون أدنى شعورٍ بالذنب.
أصبحت هذه الشخصيات وغيرها نجومَ شبّاكٍ للكوميديا في الثقافة الشعبية الموازية للإنتاج السينمائي والدرامي، للأسباب ذاتها التي كانت تستجلب الضحك في أفلام إسماعيل ياسين وغيرها.

اشترك في نشرتنا البريدية