أثناء التدريب، طرَحَ المدرّب هشام زكاغ نشاطاً جماعياً أراد منه تحليل مكامن النزاع في المنطقة. وعندما جاء دور أحد المشاركين من رقدالين، قال: "أصبحتْ قواتٌ تابعةٌ لمدينة زوارة تعاملنا بطريقةٍ سيئةٍ في معبر رأس جدير، وكأننا مواطنون من الدرجة الثانية، وهذا يزيد من حالة الكراهية". أراد مشاركٌ من زوارة الاعتراض، فاعترضه أحد أهم قيادات الثورة الليبية في زوارة — ويُدعى عبدالرحمن — قائلاً: "بل صحيح يا ابني، لقد كنّا لسنواتٍ نعامَل بذات الطريقة في المعبر أيضاً، وكانت القيادات الأمنية من المدن المجاورة تقهرنا وتلاحقنا حتى عندما نسمّي أبناءنا أسماء أمازيغية. وعندما جاءت الثورة، شعرنا بأنّ الفرصة مواتيةٌ لردّ اعتبارنا، لكننا تجاوزنا الأمر إلى ما هو أكثر". وبينما صمَتَ الجميع للحظةٍ، علّق المدرّب: "من هنا نرى كيف أنّ النزاعات قد تخفي أسباباً وجذوراً أعمق مما نراه أو يصرَّح به".
كانت ملاحظة عبدالرحمن صائبةً في حالة زوارة، التي اندلعت بينها وبين جيرانها اشتباكاتٌ مسلّحةٌ نهاية 2011. حينها، انضمّت مجموعاتٌ من زوارة مبكراً إلى الثورة. فلاقت المدينة نتيجة ذلك أياماً صعبةً حين حاصرها نظام القذافي، بقيادة شخصياتٍ عسكريةٍ وأمنيةٍ من جيرانها في المدن المجاورة، ونفّذ عملياتٍ أمنيةً فيها. لكنّ الأمر يتجاوز السياسة، إذ تجتمع هذه المدن والقرى المتلاصقة في أراضٍ تتنازع عليها ومصالح تتنافسُ عليها، أبرزها معبر رأس جدير وخطوط التهريب ومحطة بوكمّاش الكهربائية. فضلاً عن شعورٍ تاريخيٍّ بالظلم لدى زوارة الأمازيغية، يسود عليه الحرمان من استخدام اللغة رسمياً، وغياب اهتمام الدولة بالثقافة الأمازيغية.
حالة زوارة وجيرانها يمكن تعميمها على مستوى وطنيٍّ أوسع، حين تتطلب النزاعات متعددة المستويات حلولاً مركّبة. ومع أنّ البعثة الأممية إلى ليبيا منذ سنة 2011 حاولتْ جمعَ الليبيين على كلمةٍ واحدةٍ، هي المصالحة، إلا أنّها فشلتْ في ذلك منذ اندلاع الصراع المسلّح في صيف 2014. بدأت أولى محاولات المصالحة الوطنية بالاستماع إلى أعدادٍ كبيرةٍ من الليبيين، ثم تحوّل الحوار بين أطرافٍ مدنيةٍ وسياسيةٍ وأمنيةٍ متعددةٍ، بعدها ضاقت الحلقة أكثر إلى أقلّ من مئةٍ شخصيةٍ سياسية، حتى أصبح المتحاورون في النهاية عائلتيْن فقط. فقد تجاهلت البعثة، مع الأطراف السياسية الليبية والدولية، أسبابَ النزاعات المحلية. وانطلقتْ تبحث في كلّ مرةٍ عن حلولٍ لمعالجة نتائج الصراع، من انقسامٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ أو حتى تدخّل قوى دولية. وعلى ذلك، فإنّ العودة إلى النزاعات المحلية وتاريخها قد يعطي بعض المفاتيح في حلحلة الخلافات بين الليبيين.
ومع ذلك، حذّر رئيس البعثة بين 2012 و 2014 طارق متري — وهو نائب رئيس الحكومة اللبنانية الحالية — مجلس الأمن في يونيو 2013 من ارتباط التحديات السياسية والأمنية بإرث عقودٍ من الحكم السلطويّ ومؤسسات دولةٍ مختلفة. وقال متري حينها إنّ نجاحَ بناء المؤسسات السياسية بعد الانتخابات التشريعية متوقفٌ على نقاش أسس التعايش وتحديد إطارٍ واضحٍ للمصالحة. فقد كانت نزاعاتٌ محليةٌ، بين زوارة ورقدالين وبين نالوت والصيعان وبين ورشفانة والزاوية، تتفجر في الوقت ذاته الذي حاصرت فيه مجموعاتٌ مسلّحةٌ وزاراتٍ في طرابلس. وكان الحصار للضغط من أجل تفعيل قانون العزل السياسي الذي أقرّه المؤتمر الوطني العام (البرلمان الانتقالي آنذاك) في مايو 2013، ويحظر على من شغلوا مناصب عليا في عهد القذافي تولي المناصب العامة.

لاحقاً حاولت الهيئة التحضيرية للحوار الوطني، التي أنشأتها الحكومة الانتقالية برئاسة علي زيدان في أغسطس 2013 مبادرةً ليبيةً مستقلّةً لا تتبع الأمم المتحدة، أن تجعل الحوار أوسع من حصره في القوى السياسية بطرابلس. فتشكّلت من هيئةٍ استشاريةٍ من خمسةٍ وسبعين عضواً تتواصل مع قواعدها بالاستبيانات والمشاورات، على مرحلتين متتاليتين تبدأ أولاهما بصياغة ميثاقٍ وطنيّ.
لكنّ الهيئة لم تنجح كثيراً في عملها. وبحلول يونيو 2014، حذّر متري من أنّ اللجوء إلى القوة قد يدفع البلاد نحو مزيدٍ من العنف، لاسيما بعد الجدل الذي تبِعَ انتخابات مجلس النوّاب ومدى شرعيّتها. أعلن رئيس البعثة حواراً لجمع ممثلي القوى السياسية والقبلية، لكنّه تأجل بعد حملة تشهيرٍ ضدّ الأمم المتحدة والممثل الخاص، بسبب دعوته إلى الحوار. أنشأت بعد ذلك كتائب من مصراته وزليتن وطرابلس تحالفاً عسكرياً سمّوه "فجر ليبيا"، تصدّياً لمعركة الكرامة التي أطلقها اللواء خليفة حفتر ضدّ مجموعاتٍ من الثوار ومجموعاتٍ إسلاميةٍ وصَفها بالإرهابية والمتطرّفة. وهكذا، وجدَ متري مسار المصالحة في موقفٍ حرج واصفاً — خلال اجتماعٍ للأمم المتحدة في أغسطس 2014 — الحوار الذي لم ينعقد فرصةً ضائعة. فقد كانت الأمم المتحدة قبل الحوار الضائع تحاول حلحلة أزمة الشرعية التي طالتْ انتخابات مجلس النواب. لكنّها أصبحت بعد ذلك وسيطاً بين سلطاتٍ ومعسكراتٍ تتنازع حتى على تعريف الشرعية نفسها ومن يملكها.

مقاربة الوساطة بين أطراف نزاعٍ متعددةٍ طُبقت أوّل مرّة في اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015. بدا ذلك الاتفاق خطوةً في الاتجاه الصحيح، إذ جمعَ في المغرب نوّاباً من البرلمان وشخصياتٍ سياسية أخرى. من أهم مخرجاته حكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السرّاج، ومجلسَين: أحدهما رئاسيّ، وآخر استشاريّ تحت اسم "المجلس الأعلى للدولة". تضمّن الاتفاق بنوداً لتشكيل مؤسساتٍ سياسيةٍ موحّدةٍ جديدةٍ، وأخرى تُعنى بالمصالحة والعدالة الانتقالية. نجح اتفاق الصخيرات في التفاوض مبدئياً بين أطراف النزاع وإنتاج مؤسساتٍ حظيت باعترافٍ دوليٍّ، لكنّه لم ينتج احتكاراً موحداً للقوة أو قبولاً كاملاً من الفاعلين الرئيسين. فسرعان ما ضغط خليفة حفتر لإنشاء حكومةٍ موازيةٍ شرق ليبيا، وبهذا عادت البلاد إلى المربع الأوّل.
ومع أنّ اتفاق الصخيرات فشل في التوفيق بين أطراف النزاع، إلا أنّ البعثة نجحت في المقاربة بين أطراف نزاعٍ على المستوى المحلّي. فبالتوازي مع الصخيرات، دعمت البعثة مساراً للمصالحة بين مصراتة وتاورغاء بعد توترٍ اجتماعيٍّ جمع المدينتين منذ سنة 2011، حين فرّ سكان تاورغاء في أغسطس ومُنعوا من العودة إليها بعد أن اتهمهم مسؤولون في مصراتة بالمشاركة في هجمات قوات القذافي على المدينة. وصلتْ البعثة إلى اتفاقٍ في أغسطس 2016 كان هدفه تمكين أكثر من أربعين ألف نازحٍ من العودة إلى تاورغاء. حدث ذلك بعد أن فككت الهيئة النزاع إلى ملفاتٍ، منها تعويض الضحايا والمساءلة الفردية وإعادة الإعمار والخدمات والترتيبات الأمنية. صحيح أنّ العودة تعثرت لفترةٍ من الزمن، لكنّ شَكْل الاتفاق كان مهماً. ولعلّ العِبرة منه تكمن في أنّه كلّما اقتربت عملية المصالحة من تحديد من تضرّر وما الذي خسره، ومن يتحمّل المسؤولية، اقتربت من التعامل مع النزاع الحقيقي.

لم تكن تجربة تاورغاء الوحيدة التي تدخلت فيها البعثة في النزاعات المحلية. فقد أطلقت مشروعاً بتمويل صندوق الأمم المتحدة الإنمائي وبالشراكة معه، تحت اسم "نحو مصالحة وطنية في ليبيا" سنة 2017، كنتُ أحد المدعوين باستمرار لحضور نشاطاته في تونس. أريد للمشروع أن يفتحَ نقاشاتٍ واسعةً في ملفات المصالحة والسلام والعدالة الانتقالية. ومع أنّه استمرّ سنوات، لم يتمكن المشروع من تحقيق مصالحةٍ واسعةٍ أو تحويل توصيات المشاركين فيه إلى نتائج تظهر في المستوى المحلّي والوطني. وقد بدا أنّ هذه المشكلة ستستمر مع البعثة.
بقيَ الحال في البلاد بين شدٍّ وجذبٍ أربع سنواتٍ حتى تعرقلت جهود المصالحة سنة 2019، وهذه المرّة كانت البعثة تحت قيادة الأكاديمي اللبناني المتخصص في العلاقات الدولية غسّان سلامة، الذي ترأسها سنة 2017. وفي إحاطته لمجلس الأمن في نوفمبر من ذاك العام، قال سلامة إنّ ليبيا تبدو متجانسةً من الخارج، لكنّها في الواقع منقسمةٌ إلى مستوى شديد التفكك مع خططٍ فرديةٍ تتخفى خلف أسماء المدن والمناطق والقبائل.

من هنا جاءت فكرة إقامة "الملتقى الوطني الجامع"، بعد أن نظمت البعثة في "مركز الحوار الإنساني" (إتش دي سنتر) مشاوراتٍ شارك فيها نحو سبعة آلاف ليبيٍّ في أكثر من أربعين مدينة. وكان يفترض أن تتحول إلى ملتقى في غدامس في 14 أبريل 2019 يضمّ أكثر من مئةٍ وخمسين شخصية. لكن قبل انعقاده بعشرة أيامٍ، هاجَمَ خليفة حفتر طرابلس. فبدأت حربٌ استمرّت نحو أربعة عشر شهراً، لم تتوقف حتى انسحاب قوات حفتر من محيط العاصمة في يونيو 2020. في إحاطته لمجلس الأمن في مايو، قال سلامة بحزن إنّه عرِفَ أشخاصاً قبلوا دعوته إلى المؤتمر، فوجد بعضهم يحمل السلاح للهجوم على العاصمة أو الدفاع عنها. وفي حوارٍ مع مركز الحوار الإنساني، نقلته شبكة الجزيرة في يوليو، قال إنّه وجدَ أطرافاً دوليةً صرّحتْ علناً بدعمها مسار البعثة الأممية، لتشارك لاحقاً في دعم أطراف النزاع وتزويدها بالسلاح.
وهكذا، وبعد أن أخذ كلّ طرفٍ حظّه من المواجهات وشهدت الساحة وجود قوات دعمٍ دوليٍّ، جاء وقف القتال الدائم من مسارٍ أضيق بكثيرٍ من الملتقى الوطني الجامع. فبعد مؤتمر برلين في يناير 2020، وقّعت اللجنة العسكرية "5+5" — التي مثّلت أطراف النزاع — اتفاقاً دائماً لوقف إطلاق النار في جنيف في شهر أكتوبر. بقيَ الاتفاق قائماً خمس سنوات، مع أنّ بنده الأساس بخروج المقاتلين الأجانب في تسعين يوماً لم يتحقق في موعده. كان عدد المفاوضين محدوداً والمشكلة واضحة، وكان الجالسون حول الطاولة أقرب إلى أصحاب القدرة على تنفيذ ما يتفقون عليه. فقد كان الاتفاق أقلّ طموحاً من إعادة بناء الدولة، وأكثر قدرةً على إدارة جزءٍ محددٍ من النزاع.

كانت للحوار مساراتٌ متعددةٌ، سياسيةٌ وأمنيةٌ واقتصاديةٌ، ومساراتٌ للشباب والمرأة، وكان لكلِّ مسارٍ أعضاؤه ومهمته. ومع ذلك، لم يكن لأيٍّ من تلك المسارات تأثيرٌ فعليٌّ في شكل الاتفاق النهائي، مقارنةً بالمسار السياسي الذي اختار أعضاؤه الخمسة والسبعون الحكومةَ المؤقتةَ الجديدةَ. سُميت تلك الحكومة "حكومة الوحدة الوطنية" بقيادة عبدالحميد الدبيْبة، واتفق الأعضاء في نوفمبر 2020 على خارطة طريقٍ تنتهي بانتخابات في 24 ديسمبر 2021.
بدا لي، وآخرين معي، حينها أنّ البعثة صمّمت المسار الاقتصادي ومسارات الشباب والمرأة لتكون شكليةً حتى تقول أمام العالم إنّها أشركت فئاتٍ أوسع. فهمتُ الأمر هكذا لأنني كنتُ في مسار الشباب الذي انعقد على الانترنت. قبل انعقاد اجتماع المسار، قدّر بعض الشباب أنّ البعثة ستفرض بياناً ختامياً للمسار، وفهمَ كثيرون منّا أنّ المسار شكليّ. وبالتالي تهيأنا بالاتفاق على رفض البيان والتركيز على أن تكون توصياتنا حقيقيةً وتعالج أصل المشكلة، مثل الأساس الدستوري والتنظيمي ومعالجة القواعد السياسية، وهو ما حدث بالضبط. ووسط إصرارنا، استطعنا فرض بيانٍ ختاميٍّ تفصيليٍّ، عن أصل العملية السياسية والمستقبل السياسي، وجمعنا عليه آراء كل أعضاء المسار الشبابي عدا شخصيتيْن. لكنّ البعثة فرضتْ أن يتلو التوصيات أمام لجنة المسار السياسي أصغر عضوٍ في مسار الشباب، بدل ترك المساحة لاختيار ممثلٍ قويٍّ، واكتفت بأن يكون ممثل مسار الشباب حاضراً خلال قراءة التوصيات فقط لا أن يكون عضواً في المسار السياسي.

وعلى عكس المسار الشبابي، لم يتفق المشاركون في المسار السياسي بجنيف على القاعدة الدستورية للانتخابات. فكان الخلاف، على أهلية المرشحين، الشرارة المباشرة لتعطّل خارطة الطريق فيما بعد. وهنا حدث شيءٌ تكرر مع البعثة.
أنشأت البعثة مسارات حوارٍ متعددةً وأشركت شخصياتٍ من الكفاءات التقنية والخبراء والشباب والنساء. لكن عند اختيار المؤسسات السياسية وتحقيق التوافق على المسار السياسي، اختارت شخصياتٍ ممثلةً المجموعات المسلّحة والأجسام السياسية القائمة والأطراف ذات المصالح. وهو ما أشار إليه كلّ من الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية وولفرام لاتشر والزميل البحثي في معهد تشاثام هاوس للشؤون الدولية عماد بادي، في مقالهما "اتفقوا على ألا يتفقوا: حكومة الوحدة الجديدة في ليبيا" المنشور في فبراير 2021.
يذهب الباحثان إلى أنّ اختيار ممثلي المجموعات المسلّحة والقوى السياسية القائمة جعل الأطراف السياسية المختلفة تقف ضدّ حلولٍ تعالج العملية السياسية جذرياً، وتحوّل التفاوض نحو مصالح هذه الأطراف. وبالتالي أصبحتْ المؤسسات السياسية المؤقتة واحدةً من السلطات المتنافسة داخل المرحلة الانتقالية، وأصبحَ أعضاء المسار السياسي الذي أنتج تلك السلطة جزءاً من الطبقة المنتفعة منها لاحقاً. وهو ما يمكن ملاحظته من عدد أعضاء لجنة الحوار الذين تولّوا، هم أو أقاربهم، مناصب سياسيةً أو توظّفوا في شركاتٍ حكومية. لعلّ أبرزهم زياد دغيم الذي أصبح مستشاراً لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وسفيراً لليبيا في مملكة هولندا، وأكرم الجنين الذي أصبح عضو مجلس إدارة بشركة الاستثمارات النفطية القابضة.
بهذا، فشلتْ المصالحة مجدداً، لاسيما عند تأجيل انتخابات ديسمبر 2021 إلى أجلٍ غير مسمّى، وعند تحوّل حكومة الوحدة الوطنية إلى طرفٍ من أطراف الانقسام السياسي في البلاد. ومع ذلك، جرّبت البعثة الأممية مساراً جديداً بقيادة السياسي السنغالي عبدالله باتيلي، الذي تولى رئاستها سنة 2022.
ضيّقَ رئيس البعثة أطراف الحوار من جديد، فدعا في نوفمبر 2023 خمسة فاعلين فقط، المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للقوات المسلّحة التي يقودها خليفة حفتر. لم يرفض المدعوون الدعوة صراحةً، لكنّ الاجتماع لم ينعقد. وفي إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن في أبريل 2024، تحدث باتيلي عن "مقاومة عنيدة وتوقعات غير معقولة" من القيادات، وقال إنّ تدافعاً متجدداً بين فاعلين داخليين وخارجيين على ليبيا وموقعها وثرواتها يجعل الحلّ بعيد المنال، ثم استقال.
في الحوار المهيكل، تغيّرت أسماء بعض المتحاورين وتحسّنت المنهجيات، وأصبحت البعثة أكثر قدرةً على وصف تعقيد الأزمة. لكنّ الأسئلة عن الأطراف التي وجب المصالحة بينها، لم تُحسم. فقد انعقد هذا المسار بدايةً بمبادرةٍ من مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إفريقيا وصهره مسعد بولس، قبل أن يستمر انعقاده بحضور البعثة بالتوازي مع مسار الحوار المهيكل. وفي 29 أبريل 2026، اجتمع في روما ثمانية مفاوضين فيما سمّته البعثة "الاجتماع المصغّر" وعُرف بمسار "4+4". ضمّ الاجتماع اثنين عن كلٍّ من حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب والقيادة العامة. وبعد جولاتٍ سبع في مقرّ البعثة، وقّع المجتمعون في طرابلس يوم 30 أغسطس خارطة طريقٍ تقضي بإجراء الانتخابات خلال أربعٍ وعشرين شهراً.
يكمل هذا المسار دائرةً أخذت تضيق منذ سنوات. فقد بدأت الهيئة التحضيرية للحوار الوطني سنة 2013 بمحاولة الاستماع إلى قواعد واسعةٍ من الليبيين. ثم صار الحوار بين أطرافٍ متعددةٍ في الصخيرات سنة 2015 ممثلةً في المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمؤتمر الوطني العام ومجلس النواب. بعدها ضاقت أكثر سنة 2021 إلى خمسة وسبعين عضواً في ملتقى الحوار السياسي في جنيف. حتى وصل الأمر خمسة فاعلين دعاهم باتيلي سنة 2023 من مجلسي النواب والدولة. ثم في ثمانية مفاوضين يمثلون معسكرَين فقط.
يرى منتقدون أنّ الحوار ضاق حتى بلغ عائلتين، هما حفتر والدبيبة. يقول تيم إيتون، باحث أول في معهد تشاثام هاوس، في مقاله "إز واشنغتون إندورسنغ فاميلي رول؟" (هل تدعم واشنطن حكم العائلة؟) المنشور يوم 30 يونيو 2026 إنّ توحيد البلاد على الشروط التي طرحها مسعد بولس "سيضفي الشرعية على حكم العائلة الذي يمارسه آل حفتر وآل الدبيبة في ليبيا". أما طارق المْقَرْيِف، زميل زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فيقول في مقاله "ليبياز نيو أولد بوليتكال بروسس" (العملية السياسية القديمة الجديدة في ليبيا) المنشور في 24 سبتمبر 2026 إنّ البعثة بدأت بإشراك "الغرباء" في لجنةٍ استشارية. ثم صاغت، حين فشل ذلك، لجنة "4+4" من أهل الداخل. ويضيف إنّ الصفقة التي شجّعها بولس كانت حكومةً موحّدةً يكون فيها الدبيبة "رئيس وزراء بلا سلطة إلى جانب واحدٍ من عائلة حفتر رئيساً".

لم يقتصر الاعتراض على المحللين السياسيين. فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة قبل التوقيع في 27 أغسطس أنه ليس طرفاً في اجتماعات "4+4" ولا مخرجاتها. وحين أيّد مجلس النواب الاتفاق، لم يحضر الجلسة سوى ثلاثين نائباً من مئتين. أما المدافعون عنه فحجّتهم، كما يقول المحلل السياسي وسام عبد الكبير في تصريحٍ للجزيرة في الفاتح من سبتمبر، أنّه يوقَّع "للمرة الأولى بين الأطراف الفاعلة" لا بين هيئاتٍ تآكلت شرعيتها الانتخابية.
أول ما اتضح لي من تلك النتائج أنّ أسباب النزاع متداخلة، فالاختلاف العرقي بين الأمازيغ والعرب لم يكن سبب النزاع الوحيد في هذه الحالات. لقد كان في حقيقته اختلافاً مركباً وظّفه نظام القذافي سياسياً ليحقق شكلاً اجتماعياً يضمن أمنه، دون أن يلتفت إلى ما يخلقه من مظلوميةٍ تاريخيةٍ عند طرفٍ ومن احتقان بين المناطق.

اعتمد هذا التوظيف، وفق ملاحظاتي التي دوّنتها، على أدواتٍ ثلاث. أولاها تغييرٌ مستمرٌّ في شكل الحكم المحلّي بإعادة توزيع "الشعبيات" (الاسم الذي أطلقه القذافي على البلديات منذ السبعينيات) على نحوٍ يعزز التنافس الاجتماعي. والثانية تكليف قياداتٍ أمنيةٍ من المنطقة المجاورة بالسيطرة على المنطقة الأخرى، فصار القمع والإفراط في استخدام القوة جزءاً من علاقة الجوار. والثالثة قوانين الملكية التي رفعت شعار "الأرض ليست ملكاً لأحد" و"البيت لساكنه"، فانتُزعت ملكياتٌ واضطربت أوضاع الأراضي القبلية المشاع وأراضي العائلات على حدود مناطق أخرى، بين بيعٍ وشراءٍ ووضع يد.

حين اشتعلت الثورة الليبية سنة 2011 وجدتْ هذه التراكمات طريقها إلى السياسة. ففي كلّ منطقةٍ ثوارٌ ضدّ القذافي ومؤيدون له، لكنّ التعبئة الإعلامية لصالح أحد الطرفيْن جعلت مناطق كاملةً توصف بالولاء لأحدهما. لم يرفض المجتمع هذا الوصف رفضاً كاملاً في وقتٍ من الأوقات، فأصبح ما يبدو خلافاً سياسياً أو عرقياً سبب النزاع والحرب بين هذه المناطق. ثم أضافت التجاوزات التي وقعت منذ 2011 مظلومياتٍ شخصية، كالقتل خارج القانون وتدمير الملكيات الخاصة والعامة، لتصبحَ ضمنَ مظلوميات المناطق والقبائل على من بدأ النزاع ولماذا. حدث كلّ هذا دون وجود طرفٍ يعالج هذه المظلوميات، وما يتّصل بها من تعويضاتٍ وديّاتٍ وإرجاعٍ للحقوق، فتفاقم النزاع أو بقيَ في تهدئةٍ بلا علاجٍ جذريّ.
لاحقاً، عملتُ وسيطاً للمصالحة في هذه المناطق وغيرها من مناطق النزاع. منها حالة النزاع بين ككلة والزنتان في جبل نفوسة، والنزاع في سرت — التي حررتها قوات "البنيان المرصوص" من سيطرة داعش في 2016 — بين ضحايا التنظيم وأهالي بعض أعضائه من سكّان المدينة. امتدّ عملي على هذه الحالات من 2017 إلى 2019، وكانت الوساطة في ذاتها تحدّياً آخر ومستوى جديداً يضاف إلى مستويات النزاع.
كان بوسعي أن أفهم النزاع بما أنجزته من أبحاثٍ وجلساتِ تحليلٍ مع أصحاب المصلحة. لكنني واجهتُ مشكلتَين رئيستَين. الأولى أنه كان عليّ أن أتعامل مع شخصياتٍ تمثّل كلّ الأطراف، لكلّ منها مواقف ومصالح ومبادئ مختلفة، فمنها من تقبّل الوساطة ومنها من وضع العراقيل أمامها. المشكلة الثانية التي واجهتها هي أن أجعل الأطراف تثق بي وسيطاً محايداً. وأثبت أنّ دوري يختلف عن لجان المصالحة الكثيرة التي سبقتني، لاسيما أنّني لم أتمكن من حلحلة بعض أسباب النزاع، وفي مقدّمتها الإصلاحات القانونية المتعلّقة بالأراضي وملكيتها التي تحتاج سلطةً سياسيةً قادرةً وراغبة.
حلّلتُ أصحاب المصلحة شخصاً شخصاً، بمواقفهم وشخصياتهم، وتعاملتُ بحذرٍ مع تصريحات كلّ طرفٍ ومع ما يصدر عنّي، وقدّمت وعوداً واقعية. وحددتُ هدفاً واقعياً يتمثل في تحقيق استدامةٍ للتهدئة وتطبيع العلاقات بين أطراف النزاع، وكذلك في الوساطة بين الأطراف والدولة لنقل المطالبة بمعالجة الأسباب الأوسع، حتى لا يسهم عملي في تعزيز النزاع أو إشعال اشتباكات.
تظافرتْ الجهود مع فريق عملٍ متكاملٍ حتى مهّدنا لتوقيع اتفاق تعايشٍ وتهدئةٍ بين بلدية باطن الجبل ونالوت، وبين بلدية زوارة ورقدالين، تشكّلت على أساسه لجان تواصل. وقد بلغنا هذا الاتفاق بتحليل أصحاب المصلحة، وتقليل التركيز على من تتعارض مصالحهم الشخصية مع المصالحة أو من تبنّوا مواقف متطرفة نتيجة خلفياتٍ تاريخيةٍ، وبالتركيز أكثر على القيادات المنفتحة والمتوسطة في العمر والمنصب والقيادات الشابة. خضنا معهم تجربةً طويلة المدى أرشدناهم فيها إلى كيفية تحليل نزاعاتهم بأنفسهم، ونقلناهم إلى بيئاتٍ محايدةٍ كالمنتجعات الصيفية في مناطق أخرى ليتناقشوا وجهاً لوجه، ثم أخذنا بأيديهم ليفكّروا فيما قد يصير إليه النزاع إذا سلك مساراتٍ مختلفةً، عنيفةً كانت أم سلمية.
كانت النتيجة نقلةً نوعيةً في مهاراتهم وطريقة تفكيرهم، ودافعاً للعمل في مناطقهم أولاً لإقناع بقية القيادات بتحويل النزاع واستمرار التهدئة. وتأسست لجان تواصل مهمّتها الاعتراف بالنزاع وأسبابه ومنع تحوّله إلى نزاعٍ مسلّحٍ وتقليل حدّته باستمرار، وهو ما استمرّ حتى تاريخ كتابة المقالة.
يكتب حميده في الفصل الثالث من "المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا" عن "حركة الصفوف"، وهي أحلافٌ قبلية وفلاحية ظهرت في القرن التاسع عشر لمواجهة سياسات الدولة العثمانية المركزية. رأت هذه القبائل في سياسات الإصلاح العثماني (التنظيمات) ظلماً، على رأسها الضرائب المتزايدة، وحافظت بالصفوف على استقلالها عن الدولة فيما نظمت الدولة العثمانية صفوفاً مواليةً لها. وفي فصله الخامس، يتتبع حميدة صراع الأعيان في الجمهورية الطرابلسية، الكيان السياسي الذي أعلنه أعيان غرب ليبيا وشيوخ قبائله في نوفمبر 1918. وهو صراعٌ على النفوذ والأراضي والمناصب والضرائب، وقد استغلته السلطات الإيطالية التي غزت ليبيا في أكتوبر 1911 لتعيد احتلال المنطقة الغربية بنهاية 1922.
يذهب حميده في الكتاب إلى أنّ جذور الخلافات القبلية في ليبيا بنيوية. فالدولة المركزية في طرابلس قبل الاستعمار "ظلّت ضعيفة السلطة على الدواخل وبقيت قادرةً على جمع الضرائب من مدن الساحل غالباً". وفي دواخلها، "اعتادت القبائل الكبيرة على حمل السلاح لحماية مراعيها وقطعانها من القبائل الأخرى"، و"لم تتمكن الدولة المركزية من فرض سلطتها وقانونها" عليها. على أنّ استقلال القبائل لم يكن قطيعة، كما يقول حميده في كتابه. فالقبائل والفلاحون "اندمجوا في اقتصادٍ تكامليٍّ واحدٍ" حتى في حالات الحرب، وشيوخ الطرق الصوفية "توسّطوا في حل النزاعات القبلية".

في حواره مع الفراتس، يقول حميده إنّ هذا التاريخ أثّر مباشرةً على فشل محاولات المصالحات المعاصرة: "لم يكن عند الليبيين حرب أهلية واحدة، بل ثانية وثالثة، لكنهم لا يريدون حتى أن يقولوها. فإذا اعترفتَ بأنّ حرباً أهلية وقعت، استطعتَ أن تتعامل معها بصراحة". وللجملة جذرٌ في كتابه. ففي فصل الجمهورية الطرابلسية، يصف حميده الحرب الأهلية في الجبل الغربي بين 1920 و1922 أنّها لا تزال "غامضة نظراً إلى وفاة معظم قادة هذه الحرب، بالإضافة إلى حساسية هذه الحرب". فقد رأتها الحكومة الوطنية بعد الاستقلال "مخجلة ومحزنة ولا داعي لنبش الماضي"، وأعرض عنها أكثر المؤرّخين الليبيين. وأضاف في حديثنا أنّ "المشكلة الليبية مدوّلة"، وأنّ القوى الإقليمية والدولية "يحاولون أن ينشروا كذبةً كبيرةً هي أنّ الصراع بين الليبيين فحسب". وفي رأيه، فهي كذبة تعفي اللاعبين الخارجيين من مسؤوليتهم عن إطالة أمد النزاع، دون أن تعفي الليبيين من مسؤوليتهم.
يربط حميده بين الماضي والحاضر، متخذاً موقفاً من اتفاق الصخيرات الذي جاء بحكومة الوفاق الوطني نهاية 2015. يقول إنه "من أبشع الأشياء. فبدل أن يحلّوا المشكلة، وضعوا عليها تضميناتٍ وأعطوا كلّ واحدٍ شيئاً قليلاً، هذا منصب وذاك منصب". ويرى أنّ تقاسم السلطة خفّف من حدّة الصراع في البداية، لكنّه "خلق إشكالياتٍ لم تكن موجودةً وزاد منها". ففي تقديره، البعثة الأممية "انعكاسٌ لمجلس الأمن والقوة التي خلَقَتها"، لا هيئة محايدة فوق الصراعات الإقليمية. ولهذا يرى حميده أنّ البعثة تخطئ عندما تحاول صحبة الفاعلين على الأرض بناءَ دولةٍ عاجلة، قبل أن تبدأ عملية مصالحةٍ شاملة، إذ لا بدّ من "تنظيم الترتيبات المناطقية". فهو يقول في كتابه "الأصوات المهمشة"، المنشور سنة 2009، إنّ الدولة الوطنية "بناءٌ حديثٌ ونتاجٌ للفترة الاستعمارية". فقد أبقى تدمير الإيطاليين للمؤسسات المحلية "هوياتٍ إقليميةٍ قوية" ربطت الدولة المركزية الحضرية بالدولة الاستعمارية المكروهة. ولذلك يرى في حديثنا ضرورة تشجيع أيّ تقاربٍ على المستوى السياسيّ بين النخب، وفي الوقت نفسه العمل المباشر بين الناس في الشرق والغرب والشمال والجنوب.

لا يعتقد حميده أنّ الأمم المتحدة تدرك هذا التعقيد. فقد قال إنّه قدّم ورقةً في ندوةٍ نظّمها مركز الدراسات الاستراتيجية بعنوان "الصراع على الرموز في انتفاضة فبراير"، قبيل انزلاق الثورة إلى الحرب، لكنّ أحداً لم يفهم ما جاء فيها. وهذه الحادثة الصغيرة في رأيه تختصر مشكلةً أوسع. فالمعرفة التاريخية والاجتماعية الدقيقة متاحة، لكنّها نادراً ما تصل إلى طاولات التفاوض. وللأمم المتحدة موضع في "الأصوات المهمشة". فدولة الاستقلال سنة 1951 "صمّمتها الأمم المتحدة" ملكيةً دستوريةً اتحاديةً من ثلاث ولاياتٍ، وعانت بنيتها من "ضعف المؤسسات وقوة المصالح الإقليمية".
وما توصّل إليه حميده من موقعه الأكاديمي أكّده، من موقعٍ ميدانيٍّ مختلفٍ، أشخاصٌ عملوا معي في تحليل النزاعات المحلية. يقول هشام زكاغ، ميسّر الحوارات الذي أدار تدريبات مؤسسة ممكن، في حديثه مع الفراتس إنّ النزاعات الليبية تأتي من مصادر متعددة. فهو يرى أن "بعضها تحرّكه الهوية وبعضها التنافس على المصالح، وبعضها التاريخ الشفوي للنزاع". لكنّ الأطراف "تحتاج أحياناً لتبرير نزاعها بالاتكاء على أحد هذه المصادر، بينما قد لا يكون هو الحقيقة". ويذهب الكاتب مالك الكبير، أحد العاملين في المجال، إلى معنىً مشابهٍ في حديثه مع الفراتس: "النزاع في ذاته عبارةٌ عن مجموعةٍ من البكسلات [أجزاء] لصورةٍ كبيرةٍ واحدة. الشخص البسيط ينظر إلى الصورة الكاملة، فيقول هناك نزاعٌ أهليّ. لكن حين نقترب كثيراً، نجد أنّها عبارة عن مربّعات، كلّ بكسل يحمل لوناً وتركيباً يختلف عن الآخر".
هذا ما تكشفه قراءة علي عبد اللطيف حميده للتاريخ حين نسقطها على الحاضر. فالصورة الكبيرة التي يراها وسيطٌ دوليٌّ أو مسؤولٌ حكوميٌّ من بعيد، ولا تتعدى كونها "نزاعاً ليبياً" واحداً أو انقساماً، تتفكك عند الاقتراب منها إلى مستوياتٍ متراكمةٍ من التحالفات القبلية والمصالح الاقتصادية والمظالم التاريخية والرموز المستدعاة بعناية. وبهذا يكون التعامل مع المستوى الظاهر وحده، كما فعل اتفاق الصخيرات حين وزّع المناصب دون أن يعالج البنية التي أنتجت الصراع عليها، يخفّف النار مؤقتاً لكنه يراكم مشكلاتٍ جديدة فوق القديمة. وقد ختم حميده كتابه في أصله الإنجليزي "ذه ميكينغ أوف مودرن ليبيا" (تكوين ليبيا الحديثة)، الصادر سنة 2009، بالدعوة إلى النظر للتاريخ "من أسفل" لفهم الفلاحين والقبليين والنساء والمنبوذين".
يتفق مع هذا التشخيص مَن عمل قريباً من آليات البعثة نفسها. يرى هشام زكاغ أنّ المجتمع الدولي ينحو أحياناً إلى "إدارة النزاع" بدل حلّه، لأن حلّ النزاع "مكلف ويحتاج توافقات دولية"، فيُكتفى بالتحكّم فيه. ويعترف زكاغ بأنّ البعثة جرّبت أدواتٍ أقرب إلى الواقع المحليّ، مثل مشروع "الإنذار المبكر المجتمعي"، الذي صُمّم للتنبؤ بحالات النزاع والتدخل قبل تفاقمها. لكنّ نيّة التصميم شيءٌ، والقدرة على الاستمرار فيه شيءٌ آخر. فمشروع "نحو مصالحة وطنية في ليبيا"، الذي دعم وسطاء محليين وأطلق حملة "الصلح خير" سنة 2018، توقف لاحقاً لأسبابٍ غير معلنة.
يذهب مالك الكبير أبعد حين يُسأل عن مسارات البعثة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية ومسارَي الشباب والمرأة، وما إذا أسفرت عن نتائج فعلية أم بقيت شكلية. يرى الكبير في حديثنا أنّ المشكلة ليست غياب الفهم، بل العجز عن التنفيذ. فالأمم المتحدة "لا تمتلك ذلك الوصول السلس لكلّ المناطق وتختار دائماً نفس الشريك، فتتحصّل دائماً على نفس الآراء".
وإلى الفجوة نفسها بين الفهم والتنفيذ تشير وافية سيف النصر، العضو في ملتقى الحوار السياسي الذي انعقد سنة 2020، وعضو اللجنة الاستشارية للبعثة سنة 2025. تقول في حوارها مع الفراتس إنّ الأمم المتحدة لا تجهل تعقيد النزاع، لكن "هناك فرق كبير بين فهم النزاع متعدد الأبعاد، وبين إدارة عملية وساطة تستطيع التعامل مع هذه الأبعاد بصورة مترابطة". فالنزاع يقسَّم إلى مساراتٍ، لكلّ منها اجتماعاته وتوصياته، وتبقى صلتها بمركز القرار السياسي ضعيفة. وتذكر من تجربتها أنّ التركيز كان على الوصول إلى التوافق أكثر من الاهتمام بشروط تنفيذه.
لا تحكم وافية على المسارات كلّها بالشكلية. فالمسار العسكري أنتج وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، وإن بقي توحيد المؤسسة العسكرية بلا حسم، وإشراك النساء والشباب أدخل قضايا وأصواتاً كانت أقلّ حضوراً في التفاوض السياسي التقليدي. أما الحوار المهيكل سنة 2026، فقد وسّع النقاش إلى الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة، وخرج بتوصياتٍ كثيرةٍ، لكنّ قيمته الحقيقية عند وافية رهنٌ بقدرته على التأثير في القرارات والترتيبات السياسية والمؤسسية لأن السؤال الأهم: "ما الذي تغيّر فعلاً في بنية النزاع وفي طريقة إدارة الدولة".
تخلص وافية إلى أنّ الوساطة الأممية افتقرت في مراحل مختلفةٍ إلى "أدوات الضغط والضمانات والمتابعة". وهكذا، "أحياناً ننجح في إدارة الحوار حول النزاع أكثر مما ننجح في تغيير الظروف التي تسمح باستمراره". وما تقوله وافية عن المصالحات المحلية يصبّ في الاتجاه نفسه. فالمصالحات المحلية في أغلبها "تعالج نتائج النزاع أكثر مما تعالج أسبابه"، وقد يبرمها ممثلون لا يملكون إلزام الفاعل المسلّح أو صاحب المصلحة الاقتصادية. فتوقف النزاع أو تخفف حدّته، لكنها يصعب أن تتحول إلى سلامٍ مستدام "ما لم ترتبط بتسويةٍ أوسع".
لم تبقَ هذه الفجوة بين الفهم والقدرة على التنفيذ حكراً على البعثة الأممية. ففي أبريل 2021، أعلن المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي تأسيس "المفوضية الوطنية العليا للمصالحة الوطنية"، تلبيةً لما سمّاه مخرجات الحوار الوطني الليبي، ووصفها بأنّها "صرح يجمع الليبيين ويجبر الضرر ويحقق العدالة بينهم بما يكفله القانون". وقد اختار المجلس الرئاسي الاستعانة بوسيطٍ خارجيٍّ هو الاتحاد الإفريقي، عبر لجنته رفيعة المستوى المعنيّة بليبيا التي يرأسها رئيس الكونغو برازافيل دينيس ساسو نغيسو. اتفقت اللجنة التحضيرية — المشتركة بين ممثلين أفارقة وليبيين — في اجتماعها بديسمبر 2023، على عقد "مؤتمر مصالحة وطنية شامل" في مدينة سرت يوم 28 أبريل 2024. غير أنّ الموعد مرّ بلا انعقاد المؤتمر، ثم أُعلن في أغسطس 2024 عن نقله إلى أديس أبابا. فتحوّل المسار الإفريقي إلى "ميثاق السلام والمصالحة الوطنية" الذي دُعي الليبيون إلى توقيعه في مقر الاتحاد الإفريقي في فبراير 2025، ووقّعه بعض الفاعلين السياسيين وبقيَ غيرهم خارجه.
وبدل أن يقترب المسار من الحسم، تعقّد أكثر. ففي يناير 2025، أقرّ مجلس النواب قانونه الخاص بالمصالحة الوطنية مع إرجاء المواد المتعلّقة بصندوق التعويضات، بعد أن أحال المجلس الرئاسي مشروعه إليه في فبراير 2024 وطلب إقراره دون تعديل. فتحوّلت المصالحة نفسها إلى ساحة تنازع صلاحياتٍ بين السلطتين المتنافستين. وفي يناير 2026، اعتمد المنفي في طرابلس ميثاقاً للمصالحة الوطنية، وعيّن الداعية علي الصلابي مستشاراً له لشؤون المصالحة. ما يعني أنّ المشروع، الذي صُمّم بديلاً وطنياً لمسارات البعثة، وقع في العلّة نفسها التي شخّصها حميده في الصخيرات.
أعود إلى القاعة في زوارة، إلى الصمت الذي أعقب كلام العم عبدالرحمن. ففي كلماتٍ قليلةٍ، قال ما تتحاشاه بيانات المصالحة عادةً. فالشكوى المعلَنة من معبر رأس جدير تخفي مظلوميةً أقدم منها بسنواتٍ، وقد كانت الثورة عند البعض فرصةً لردّ الاعتبار قبل أن تكون موقفاً سياسياً.
ولعلّ هذا ما يفسّر عجز كثيرٍ من عمليات المصالحة عندنا. فهي عندما تصغي لا تفهم، وإذا فهمت لا تستطيع تصميم الأدوات المناسبة، وإذا صمّمت الأدوات لا تستطيع التنفيذ الكامل حتى انفلت النزاع في ليبيا وأصبحت عواصم إقليمية ودولية تساهم — بقدر مساهمة القادة المحليين — في استمرار معاناة الليبيين وبؤسهم. وبهذا، أصبح ملف المصالحة نفسه موضوعاً للنزاع.

