المشروعات الصغيرة في غزة: اقتصادٌ يُعاد تشكيله تحت السيطرة والقيود

يسعى أصحاب المشروعات الصغيرة في غزة لتأمين أدوات يومية تساعدهم على البقاء وموازنة العرض والطلب في سوق تخضع لشروط وقواعد تتغيّر يومياً.

Share
المشروعات الصغيرة في غزة: اقتصادٌ يُعاد تشكيله تحت السيطرة والقيود
المشروعات الصغيرة أكثر من أدواتٍ للبقاء | خدمة غيتي للصور

في سويعات النهار حين تكاد ألواح الطاقة الشمسية تشغّل الثلاجة، تنشغل هناء الزبدة بإعداد ما تيسّر من اللبن (الزبادي) والجبنة، قبل أن يسبقها انقطاع الكهرباء. لا فرصة للتأجيل هنا، فكل ساعة عملٍ قد تعني مزيداً من الإنتاج، وكل عطلٍ مفاجئٍ يعني خسارة شيءٍ منه.

بالنسبة إلى هناء، وهي تدير مشروعها من خيمة النزوح التي اضطرت إليها بعد تدمير بيتها من ضمن 82 بالمئة من بيوت غزة ومنشآتها المقصوفة، كانت بداية المشروع مع زوجها سنة 2021 من أجل دخلٍ إضافي. لكن بعد مقتل زوجها وابنها في مارس 2024، أضحت مسؤولةً عن إعالة أسرةٍ كبيرةٍ تضم أبناءها وأحفادها وأبناء شقيقتيها اللتين قُتلتا في الحرب، وبينهم أحد عشر طفلاً يتيماً يحتاجون إلى الطعام والرعاية. لذلك، حين عادت إلى مشروعها في مايو 2024، كانت تحاول إعادة بناء وسيلةٍ للحياة داخل سوقٍ تغيّرت قواعد العمل فيه.

تنتج هناء اللبن والجبنة من الحليب المجفف. وتقول إن مقدار إنتاجها يعتمد على الطلب وما يتيسر لها من المواد الخام. في مشروعها الصغير تتقاطع ظروف العمل اليومية مع تحولاتٍ أوسع في نهج السوق، تتحدد بمصادر السلع ومسارات التوريد المتاحة، والقدرة على تأمين استمرارية العمل. تكشف هذه التفاصيل عن تغيّرٍ في السوق من حيث الأسعار والسلع المتاحة، وفوق ذلك طرق الوصول إلى المواد الخام والزبائن، والشبكات التي تسهّل النشاط الاقتصادي، والقيود التي تفوق طاقة أصحاب المشروعات الصغيرة، وسط إطباقٍ إسرائيليٍ على القطاع.


ما يحدث في مطبخ هناء ليس بمعزلٍ عن دأب السوق في غزة اليوم. فبعد سنواتٍ من الحصار وتقييد الحركة، جاءت الحرب في أكتوبر 2023 لتضرب البنية الإنتاجية والتجارية للقطاع على نطاقٍ واسع. وبحلول 2025 كان الناتج المحلي الإجمالي في غزة قد انكمش بنسبة 84 في المئة، وتجاوزت البطالة 80 في المئة، وفق تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المنشور في فبراير 2026 بعنوان "غزة إيرلي ريكفري [. . .]" (خريطة المستثمرين للتعافي المبكر في غزة والتحليل المالي). ويشير التقرير إلى أنّ نسبةً كبيرةً من المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة بالكاد تعمل بفعل تضرر الأصول والبنية التحتية، وعدم موثوقية الطاقة، وتجزؤ الأسواق واضطراب سلاسل الإمداد.

بالنسبة إلى رائد مشروعٍ صغيرٍ، فالقيود الإسرائيلية والسيطرة على حركة البضائع والوصول إلى الأسواق، على كونها مسألةً ميدانيةً بعيدةً، تظهر في تفاصيل العمل اليومية: شحنةٌ تتأخر، ومواد إنتاجٍ لا تصل، وطريقٌ يصبح سلوكه أصعب، وتكلفة نقلٍ ترتفع فجأة.

بيانات غرفة تجارة غزة التي نقلها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في تقريره عن الحالة الإنسانية في القطاع لشهر يونيو 2026 تُظهر كيف يعمل السوق تحت ضغط الإمدادات المحدودة. ففي المدة بين 8 و21 يونيو 2026، جمعت شركات القطاع الخاص 1,293 شحنةً تجاريةً إلى غزة، حملت 48 بالمئة منها موادّ غذائيةً، فيما تضمنت 29 بالمئة غيرها سلعاً غير ضروريةٍ، بينها منتجاتٌ مثل كريمة البندق بالشوكولاتة والقهوة سريعة التحضير وألواح الحلوى. ووفق التقرير، كانت الأسعار تتراجع قدماً، لكنها بقيت عند نحو ثلاثة أضعاف مستويات ما قبل أكتوبر 2023.

وبعد أسابيع، ظلّت الصورة على حالها تقريباً، وبقيت الواردات التجارية متركزةً في سلع الاستهلاك، بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حول الحالة الإنسانية في غزة لشهر يوليو 2026. ففي المدة بين 13 و19 يوليو، وصلت غزة 828 شحنةً تجاريةً، كان 50 في المئة منها يحمل موادّ غذائيةً و28 في المئة سلعاً غير ضروريةٍ، أما دخول الآلات والمدخلات الزراعية وغيرها من السلع اللازمة لاستعادة القدرة الإنتاجية فبقي محدوداً. وفي الشهر نفسه، بلغ التضخم 187 بالمئة مقارنةً بمستويات ما قبل أكتوبر 2023، وفق التقرير الذي ذكر أنّ التضخّم وتراجع فرص توليد الدخل يواصلان تقويض قدرة السكان الشرائية.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن السوق توقفت. على العكس، ظلّت السوق تعمل، لكن في ظروفٍ مضطربةٍ تتمثّل في إمداداتٍ غير منتظمةٍ، وقدرةٍ محدودةٍ على التنبؤ بما يصل من مستلزمات إنتاجٍ، وأسعارٍ لا تزال بعيدةً عن مستويات ما قبل الحرب، وقدرةٍ شرائيةٍ أضعف، وفق ما يخبر الفراتسَ أستاذُ الاقتصاد في الجامعة الإسلامية في غزة محمد مقداد. 

يرى مقداد أن السوق في قطاع غزة شهد تحولاتٍ جوهريةً جرّاء الحرب، وأن ما يجري صار أكثر من تعطّلٍ مؤقتٍ في حركة التجارة. ويعزو ذلك إلى القيود المفروضة على دخول البضائع، وتضرر البنية التحتية وارتفاع تكاليف النقل، واضطراب مصادر التوريد. ويشير إلى أن اعتماد الاقتصاد الغزّي بدرجةٍ كبيرةٍ على الاستيراد، سواءً من إسرائيل أو عبرها، جعله أكثر تأثراً بالقيود التي تفرضها قوات الاحتلال على حركة البضائع. وبحسب قراءته فإن سعر السلعة، مع ارتباطه بتكلفة إنتاجها أو شرائها ومعدلات الطلب عليها، بات يتأثر أيضاً بإمكانية الوصول إليها، والجهة القادرة على إدخالها، والتكاليف التي تتراكم خلال انتقالها إلى السوق.

بالنسبة إلى هناء، يظهر أثر ذلك في أبسط عناصر الإنتاج. عندما عادت إلى العمل وجدت فرصةً مؤقتةً في ندرة منتجات الألبان. لكن ارتفاع الطلب لم يتحول إلى خطة توسعٍ مستقرة. فإنتاجها يظلّ مرهوناً بتوفر الحليب المجفف والخمائر وغيرها من مستلزمات الإنتاج، وكذلك بما يصل إلى السوق من منتجاتٍ منافسةٍ، وأخيراً بقدرة الزبائن على الدفع. وحيث تتغير الأسعار والإمدادات في السوق بسرعةٍ يصبح قرار زيادة الإنتاج مخاطرةً، وفق قولها.

هذه الحالة من التردد والعجز عن التخطيط تحكي واقع معظم المبادرات التي تحاول العودة إلى العمل في بيئةٍ غير مستقرة. الصحافي المختص بالشأن الاقتصادي الفلسطيني، محمد أبو جياب رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية، يصف هذا الواقع بأنه تحوّلٌ في طبيعة النشاط الاقتصادي. ويرى أنّ كثيراً من المشروعات التي عادت إلى العمل لا تنطلق من فرصٍ استثماريةٍ مستقرةٍ، قدرما تمثّل محاولةً لتوفير دخلٍ بديلٍ بعد فقدان الوظائف ومصادر الرزق التقليدية. ولذلك، يصفُها بأنها أقرب إلى "اقتصاد بقاء" منها إلى اقتصاد نموٍ أو تنمية.

وتنسجم هذه القراءة مع تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره المذكور آنفاً. إذ يلفت إلى أن نسبةً كبيرةً من المشروعات التي عادت إلى النشاط تعمل بجزءٍ محدودٍ من قدرتها السابقة. ويشير أيضاً إلى أزمةٍ "حادة" أخرى تتمثّل في نقص السيولة لدى البنوك ومؤسسات التمويل الأصغر. وهو ما يجعل التمويل، حتى إن توفّر اسمياً (أي بالموافقة على منحه دون توفر السيولة اللازمة له)، غير كافٍ لاستعادة النشاط الاقتصادي في ظلّ تعذّر تحويله إلى نقدٍ حقيقي. 

عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 أعلنت سلطة النقد الفلسطينية عن إعادة تشغيل فروع خمسة بنوكٍ رئيسةٍ في القطاع. وشملت خدمات هذه البنوك فتح الحسابات وإعادة تفعيل الحسابات المجمدة وإصدار المَحافظ الإلكترونية، في حين ظلّت عملياتها الحسابية محاصَرةً داخل المنظومة الإلكترونية للمصارف، وسط ضعف عمليات السحب والإيداع النقدي في ظلّ تحديات توفير السيولة. ويؤكد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) الصادر في سبتمبر 2026، أن النظام المصرفي الفلسطيني لا يزال يواجه قيوداً إسرائيليةً مشددةً تمنع تحويل العملات الورقية المادية وشحنها وإعادة تسييلها (سحبها للتعامل بها في الأسواق). وحذّر من أنّ هذه القيود تزيد المخاطر على الاستقرار المالي الإجمالي، في قطاعٍ تضررت ودُمرت 92 بالمئة من منشآته الاقتصادية وبنيته التحتية المصرفية منذ أكتوبر 2023.

ينعكس هذا الواقع على طريقة إدارة المشروع. فبدل أن يكون السؤال الرئيسي هو كيف يتوسّع صاحب العمل أو يزيد حصته في السوق، يصبح تأمين المواد الخام وتوفير السيولة النقدية الشحيحة لتغطية تكاليف التشغيل وإيصال المنتج إلى الزبون ثم وجود سيولةٍ تسمح للزبون بالشراء، جزءاً من التحدي اليومي. ويشير أبو جياب إلى أنّ ارتفاع تكاليف الإنتاج والتوريد وأزمة النقد، بالتزامن مع ضعف الطلب وتراجع القدرة الشرائية، يضع أصحاب المشروعات الصغيرة أمام هامشٍ ضيّقٍ للمناورة.

وتظهر مشكلة السيولة في تجربة هناء أيضاً. فهي تقول إنّ فلسطينيين يقيمون في الإمارات وإسبانيا ودولٍ أخرى يتواصلون معها لشراء الجبنة أو اللبن لعائلاتهم داخل غزة. لكن وجود الزبون والمُنتَج لا يعني بالضرورة سهولة إتمام الصفقة، إذ يمكن أن تتحول عملية تحويل الأموال وسحبها إلى عقبةٍ إضافية. وفي أغسطس 2026، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقريره عن الحالة الإنسانية في غزة لشهر أغسطس 2026 إن رسوم سحب النقد استقرت عند 7 إلى 8 في المئة من أصل المبلغ، وهي أزمةٌ تفرض أعباءً إضافيةً على أصحاب المشروعات والسكان معاً.

لذا يصبح المشروع الصغير جزءاً من شبكةٍ اقتصاديةٍ أوسع. منتجٌ يحتاج إلى مادةٍ خامٍ، ومادةٌ تحتاج إلى مورّدٍ، ومورّدٌ يعتمد على مسارٍ لإدخالها، وزبونٌ يحتاج إلى وسيلة دفعٍ، ثمّ إلى طريقةٍ لاستلام المنتج. وكلّ حلقةٍ في هذه السلسلة يمكن أن ترفع الكلفة أو تؤخر العملية أو تجعل استمرار المشروع أكثر هشاشة. وبذلك، فتجربة هناء تكشف عن صعوبة تشغيل مشروعٍ صغيرٍ، وكيف أصبح الوصول إلى السلعة والموردين جزءاً من القدرة الاقتصادية نفسها التي تسمح بالاستمرار. وهي قدرةٌ باتت تدفع جيل الشباب إلى البحث عن قنواتٍ ومنافذ جديدةٍ للدخول إلى السوق.


إذا كانت هناء تحاول إعادة تشغيل مشروعٍ بدأ قبل الحرب، فإن عبدالله أسامة النجار قد دخل السوق من بابٍ مختلف. كان عبدالله، طالب هندسة الحاسوب في جامعة الأزهر بغزة، يبحث عن وسيلةٍ تساعده على تحمّل نفقات دراسته واحتياجاته الشخصية. قرّر في فبراير 2026، مع شريكين شابين، إطلاق علامة "نول" للملابس الشبابية. لم يبدأ المشروع من متجرٍ ولا محلٍّ تجاريٍّ، بل من هاتفٍ وحاسوبٍ محمولٍ ورأسمالٍ محدودٍ واتصالٍ متقطعٍ بالإنترنت. اعتمد الشركاء على صفحات التواصل الاجتماعي وتطبيق واتساب للتسويق واستقبال الطلبات، فيما تأتي الملابس من تركيا عبر وسيطٍ يتولى شراءها وشحنها.

وبحسب ما يقول عبدالله للفراتس، تُختار الملابس من تركيا بطريقتين: إما أن يفتح عميلُه هناك مكالمة فيديو ويعرض عليه القطع المتاحة، أو يصورها ويرسل إليه الصور ثمّ يختار عبدالله التصميمات والكميات التي يريدها. بعد ذلك، يتولى صاحبه في تركيا تسليم الملابس إلى شركة شحنٍ هناك، وهي تشحنها إلى إسرائيل. ومن ثمّ، تدخل البضائع إلى غزة، كما يقول عبدالله، عبر شركات شحنٍ خاصةٍ أو تجارٍ، ضمن ترتيباتٍ يقول إنها تتمّ مع الجانب الإسرائيلي، مقابل مبالغ يدفعها التجار رسوماً تحت مسمى "التنسيق" لإدخال شاحناتهم.

ويقول عبدالله إن شحنات "نول" تأخرت عدة مراتٍ، وإن التأخير لا يحدث عادةً في انتقالها من تركيا إلى إسرائيل، وإنما في المرحلة التالية، أي عند دخولها من إسرائيل إلى غزة. ويربط ذلك بإغلاق المعابر المتكرر، إضافةً إلى السماح أحياناً بدخول أصنافٍ محددةٍ من الملابس دون أصنافٍ أخرى.

يذكر عبدالله شحنة ملابس كانت خطّته وشركائه أن تصل إلى قطاع غزة في العاشر من مايو 2026، قبل عيد الأضحى، لكنها وصلت بعد انقضاء العيد في الرابع من يونيو. وأرجع عبدالله التأخير إلى طول إجراءات التنسيق اللازمة لدخول الشحنة من الجانب الإسرائيلي إلى قطاع غزة. وأثّر ذلك في علاقته بالزبائن، إذ كان من المفترض أن تصل الملابس قبل العيد، حين يرتفع الطلب على الملابس الجديدة، لكن وصولها بعد انتهاء الموسم أخلّ بمواعيد التسليم وأوقعه في مشكلاتٍ مع الزبائن الذين كانوا ينتظرون طلباتهم. وتكشف هذه الواقعة، بحسب عبدالله، أن تأخّر إدخال البضائع لا يؤثر في موعد وصولها فقط، بل قد يحرم التاجر من فرصة بيعها في توقيته المُرام، ويتركه أمام التزاماتٍ تجاه الزبائن في سوقٍ تتغير فيه احتياجات المستهلكين وقدرتهم على الشراء بسرعة. ويضيف أن البضائع لم تُبَع بالوتيرة التي كان يتوقعها.

ولكن حتى في حال وصلت البضائع في الموعد المتوقّع، فلا تتوقف تكلفة الوصول إلى السوق عند سعر الملابس في تركيا. فبحسب عبدالله، يتغيّر السعر بعد وصول البضاعة إلى غزة تبعاً لتقلبات السوق، وتوفر السلعة أو شُحِّها، وحجم الطلب عليها، وفتح المعابر أو إغلاقها، إضافةً إلى تغيّر تكلفة التنسيق التي يدفعها التجار وشركات الشحن. ويشير كذلك إلى ما يصفه باحتكار أو حصر استيراد بعض السلع إلا على تجارٍ أو شركات شحنٍ محددةٍ تفرض تسعيراتٍ خاصة. فضلاً عن ضرائب ورسومٍ يزعم أن جهاتٍ محليةً، بينها جهاتٌ تابعةٌ لحكومة حماس المستقيلة وبلدياتها تقوم بتحصيلها، موضحاً أنّ هذه العوامل تنعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه الزبون. ويظهر ضغط السوق في سلوك الزبائن أيضاً. يقول عبدالله إن كثيراً منهم باتوا يبحثون عن أقلّ سعرٍ قبل أيّ اعتبارٍ آخر، حتى لو جاء ذلك على حساب الجودة.

لا يمكن تفسير ارتفاع تكاليف وصول البضائع إلى غزة بعاملٍ واحدٍ، وفق قراءة أستاذ الاقتصاد محمد مقداد. فهناك قيودٌ وإجراءاتٌ مرتبطةٌ بإدخال البضائع وتكاليف النقل الداخلي والخارجي، ومخاطر مرتبطةٌ بالشحن، إلى جانب المبالغ التي قد يضيفها الوسطاء والتجار الذين يتولون ترتيب إدخال الشحنات. ويقول مقداد للفراتس إن القيود الإسرائيلية على حركة البضائع ومحدودية الجهات القادرة على إدخالها، تمنح بعض الوسطاء موقعاً أقوى في السوق، وقد تسمح لهم بالاستفادة بفرض تكاليف إضافيةٍ في ظلّ ضعف المنافسة ومحدودية البدائل أمام التجار الصغار. وأما الجهة التي تفرض كل رسمٍ وقيمته، ومدى تدخل التجار في تحديده، فيحتاج إلى توثيقٍ مستقلٍ بحسب مسار كل شحنةٍ والجهة التي تتولى إدخالها، وفق مقداد. و"عندما تكون القواعد المنظمة للنشاط التجاري غير واضحة أو تتغير الظروف المحيطة بها باستمرار كما هو الوضع حالياً"، يصبح تقدير التكلفة النهائية أصعب، وتزداد المخاطر التي يتحملها أصحاب الأعمال. ويؤثر ذلك أكثر في المشروعات الصغيرة، التي تكون قدرتها على تحمل التأخير أو ارتفاع التكلفة أو خسارة موسم البيع محدودةً مقارنةً بالتجار الكبار، بحسب مقداد.

تنسجم هذه القراءة مع الصورة التي يرصدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره "خريطة المستثمرين للتعافي المبكر في غزة [. . .]"، إذ يصف القطاع الخاص بأنه يعمل وسط تحدياتٍ تشغيليةٍ بسبب صعوبة الحصول على المواد ومستلزمات الإنتاج الأساس، ومحدودية الوصول إلى مصادر طاقةٍ موثوقةٍ، وصعوبة الوصول إلى الأسواق التي تعمل كالعادة. ويشير إلى أن هذا الواقع يؤثر في قدرة التجار على التخطيط.

في مثل هذه البيئة، يصبح الوسيط أكثر من مجرد حلقةٍ في سلسلة التوريد، إذ يصبح بوابةً تمرّ عبرها السلعة إلى السوق، فيما تصبح معرفة الموردين ومسارات التوريد والقدرة على تأمين البضاعة موارد اقتصاديةً صرفة.

تتجسّد هذه الصورة بوضوحٍ في تجربة محمد عساف، الذي تطور مشروعه من تقديم خدمات الشحن عبر وسطاء ليصبح نشاطاً تجارياً مستقلّاً يتولى تأمين السلع وتوريدها. بدأ محمد، وفق ما يخبر الفراتس، عمله سنة 2021 من داخل غزة في شحن الملابس والأحذية من تركيا إلى الضفة الغربية، وكان يتعامل مع شركة "أطلس" للشحن في تركيا، فيما كان نشاطه وزبائنه يتركزون في الضفة الغربية. كان يختار البضائع من تركيا بناءً على طلب الزبائن، ثمّ يشحنها إلى متجرٍ ومخزنٍ يملكه في بيت لحم، ومنها تصل إلى العملاء. ومع السماح بإدخال بعض البضائع إلى غزة في نوفمبر 2025، بدأ محمد بتوسيع نشاطه باتجاه القطاع. أنشأ متجراً في غزة، وأصبح الزبائن يختارون الملابس والأحذية النسائية والنماذج من تركيا، فيما يتولى هو شراءها وشحنها إلى الضفة، ومن ثم إدخالها إلى غزة عبر شركة "الشرافي" للشحن.

لاحظ محمد لاحقاً، وفق قوله، أنّ جزءاً كبيراً من عملاء شركة "الشرافي" في الضفة وغزة كانوا أيضاً من زبائنه الذين يطلبون منه السلع، وهو ما دفعه إلى الاستغناء عن شركات الشحن الوسيطة والتأسيس لشركة شحنٍ وتوريدٍ خاصةٍ به، ليستقطب هؤلاء العملاء مباشرةً ويقدم لهم خدمةً متكاملةً تشمل الشراء والنقل. ومع هذا التوسّع انتقل من إدارة متجرٍ واحدٍ إلى افتتاح سلسلة متاجر ومخازن في منطقة البريج وسط قطاع غزة.

بحسب محمد، تغيرت آلية العمل بعد ذلك. فأصحاب المحال والتجار في غزة أصبحوا يحددون ما يحتاجون إليه من بضائع ويرسلون طلباتهم إليه. وهو يتولى شراء البضائع من تركيا وشحنها إلى الضفة عبر شركة شحنٍ في تركيا، ثم تتولى شركته إدخالها من الضفة إلى غزة عبر المسار المتاح.

يقول محمد إن المرحلة الأخيرة تعتمد على تاجرٍ كبيرٍ ووسيطٍ من عائلة الخزندار، مقيمٍ في مصر، وإنه من بين عددٍ محدودٍ جداً من التجار الذين لديهم تصريح تنسيقٍ لإدخال الشاحنات والبضائع إلى غزة. فعندما تصل شاحناته إلى الضفة يتواصل مع هذا الوسيط الذي يتولى إدخالها إلى غزة بموجب التنسيق المتاح لديه. ويشير إلى أن تكلفة التنسيق لا تبقى ثابتةً، إذ تتأثر بالسعر المحدد لكل صنفٍ، وبالمبلغ الذي يطلبه التاجر الكبير (أحد التجار المصرح لهم بإدخال شاحناتٍ إلى غزة وهم غير وسطاء التنسيق)، وهو ما ينعكس في النهاية على تكلفة البضاعة. ويبين أن بعض أصحاب شركات الشحن والتوريد وجدوا نافذةً إلى أصنافٍ لا يستطيع المواطن أو التاجر الصغير الوصول إليها بسهولةٍ، لأنهم يستطيعون تجميع طلبات التجار والشراء من الخارج وترتيب الشحن، ثم الاعتماد على القنوات الخاصة المتاحة لإدخالها إلى غزة.

يؤكّد مقداد صحّة وصف محمد للوضع، موضحاً أن الوصول إلى البضائع المستوردة بات عاملاً حاسماً في استمرار النشاط التجاري، خصوصاً مع تراجع الإنتاج المحلي وتضرر الأراضي والبنية التحتية ومحدودية دخول المواد الخام اللازمة للإنتاج. فقد يتمكن تاجرٌ من الحصول على موقعٍ أقوى في السوق لا لأنه يقدم منتجاً أفضل أو لقدرته على بيعه بكفاءةٍ أعلى، بل لأنه يستطيع الوصول إلى سلعةٍ يعجز منافسوه عن تأمينها. ويؤثر ذلك، وفق مقداد، في أصحاب المشروعات الصغيرة الذين يحتاجون إلى الحصول على المواد أو البضائع بأسعارٍ تسمح لهم بالاستمرار وتحقيق هامش ربح. وعندما تصبح السلعة نفسها صعبة المنال أو مرتبطةً بقنوات توريدٍ محدودةٍ، تتراجع قدرتهم على المنافسة حتى لو امتلكوا الخبرة والزبائن. ويضيف أن بعض التجار الذين كانوا معروفين في السوق قبل الحرب تراجع نشاطهم أو تعذر عليهم الاستمرار، في حين برز تجارٌ آخرون يستند نشاطهم إلى قدرتهم على الوصول إلى البضائع وإدخالها. ويعدّ هذا التحول أحد المؤشرات التي يرى مقداد أنها تعكس تغير موازين القوة التجارية في غزة.

تعطي تجربة محمد عساف بذلك مثالاً ميدانياً على تحوّل الوسيط إلى حلقةٍ أساس. فكلما تعقدت عملية الوصول إلى السلعة، ازدادت أهمية من يستطيع جمع الطلبات وتأمين البضاعة وترتيب نقلها والوصول بها إلى السوق. ويقول أبو جياب إن ندرة السلع وتغيّر أنماط التوزيع والتجارة أسهما في إعادة تشكيل بعض موازين القوى داخل السوق المحلية. وأنه مع تعطّل أجزاءٍ من القنوات التجارية التقليدية، برزت شبكاتٌ جديدةٌ لتوفير السلع والخدمات، واكتسب الوسطاء أهميةً أكبر في بعض الأنشطة. ويرى أن هذا التحول لم يكن نتيجة إعادة تنظيمٍ اقتصاديٍ مخططٍ، بل استجابةً للفراغات التي خلّفتها الحرب في قطاعاتٍ مختلفة.

ووثّقت وكالة "أسوشييتد برس"، في تحقيقٍ نُشر في أغسطس 2026 بعنوان "برايسز سور آز غزة سمغلينغ بومز [. . .]" (الأسعار تتضخم مع ازدهار التهريب في غزة [. . .])، نشوء شبكات تهريبٍ ووساطةٍ جديدةٍ نتيجة القيود المفروضة على دخول بعض السلع. وأشار التحقيق إلى أنّ وسطاء وتجاراً بل وجنوداً إسرائيليين يتقاضون رشىً لتسهيل عبور الشحنات، أصبحوا جزءاً أساساً من إيصال مجموعةٍ واسعةٍ من السلع إلى السوق، من الأدوية والأغذية إلى الألواح الشمسية وقطع الغيار. غير أنّ تعقيد مسارات التوريد والاعتماد على الطرق الملتوية أحياناً للوصول إلى السلعة ليس سوى وجهٍ واحدٍ من المشكلة. 


مثلما أعادت الحرب تشكيل الطرق التي تصل عبرها البضائع إلى السوق، أعادت أيضاً تشكيل البيئة التنظيمية التي يعمل داخلها أصحاب المشروعات، لتتركهم في مواجهةٍ يوميةٍ مع سوقٍ يخلو تدريجياً من المؤسسات والأطر الناظمة. 

تُظهِر شهادة محمود صبرة، صاحب مخبز "السدرة"، هذه الصورة من زاويةٍ يوميةٍ مباشرة. يقول للفراتس إنه عندما يواجه مشكلةً مع الموردين أو التجار أو الزبائن، فإنه "يتعامل معها بنفسه"، إذ لا توجد جهةٌ أو اتحادٌ يتوجه إليه لحلّ هذه المشكلات. ويصف السوق بأنه غير منظّمٍ ولا مستقرٍّ نهائياً، وأنّ الأسعار لا تنفكّ تتغيّر، "حتى سعر الطحين يختلف من يوم إلى آخر بحسب كمية التوزيع، فيما تتقلب أسعار المواد الخام المستخدمة في منتجات مثل البيتيفور، ومنها الشوكولاتة والحشوات". ويربط ذلك بحركة المعابر وفتحها وإغلاقها.

أما التراخيص والإجراءات الإدارية، فيوضح محمود أنّ مخبزه أُنشئ إبان الحرب من دون تعاملٍ مع أيّ جهةٍ رسميةٍ ولا استخراج تصاريح. مختصراً طبيعة علاقته بالسوق بعبارة: "أنا والسوق فقط". ويضيف أنه لم يلجأ لأيّ طرفٍ إداريٍ لحلّ عقباتٍ تتعلّق بالنقل أو التجارة أو الخدمات، مع غياب اللجان والأطر التنظيمية التقليدية – التي قامت قبل الحرب – وكذا غياب الأطر البديلة التي يمكن لأصحاب المشروعات التوجه إليها. ومع أن تجربة محمود في العمل دون تنظيمٍ إداريٍ لا يمكن الجزم بعموميتها في القطاع، لكنها تكشف عن جانبٍ من بيئة عمل مشروعٍ نشأ وسط الحرب. فقدرة صاحب المشروع على العمل تتحدد كثيراً بما يستطيع تدبيره بنفسه داخل السوق، وفق تصوّر محمود.

ويربط أستاذ الاقتصاد بالجامعة الإسلامية بين تراجع دور المؤسسات المعنية بتنظيم التجارة وحماية المستهلك وبين اتساع مساحة الاضطراب في السوق. ويرى أن غياب الرقابة الفاعلة وآليات تسوية النزاعات التجارية يُضعف قدرة المستهلك والتاجر الصغير على حماية مصالحهما، ويجعل متابعة الأسعار وحركة البضائع أصعب. ويشير إلى أن انهيار أو تعطل المؤسسات المعنية بتنظيم السوق خلال الحرب أضعف القواعد التي كانت تحكم جوانب من النشاط التجاري قبلها، وأتاح مساحةً أوسع للممارسات التي يصعب ضبطها في غياب الرقابة. ويؤكد مقداد ضرورة وجود جهةٍ مؤسسيةٍ فاعلةٍ تتولى تنظيم حركة التجارة، ومراقبة السوق، وحماية المستهلك، ومتابعة الأسعار والتعامل مع الممارسات الاحتكارية.

وتتقاطع طريقة عمل المشروعات الصغيرة مع التحوّلات التي طرأت على إدارة الحياة المدنية في غزة. ففي يوليو 2026، أعلنت حركة حماس عن حلّ حكومتها في القطاع، ارتباطاً بخطةٍ أمريكيةٍ للانتقال إلى لجنةٍ فلسطينيةٍ خبرائيةٍ لإدارة غزة. لكن الحركة أشارت في الوقت نفسه إلى أنها ستحتفظ بحضورٍ في الأمن والشرطة، بينما لم تكن اللجنة الخبرائية قد استلمت السيطرة فعلياً على القطاع، وهو الوضع القائم حتى لحظة نشر هذا التقرير. 

هكذا، لا يعمل المشروع الصغير داخل سوقٍ متغيّرةٍ فحسب، بل داخل بيئةٍ إداريةٍ وميدانيةٍ لم تستقرّ قواعدها بعد. وهذا يضيف بُعداً آخر من الارتياب في قراراتٍ تبدو اقتصاديةً في ظاهرها: متى يؤسس صاحب المشروع أو يشتري الخامات؟ كم ينتج؟ وكيف يضمن وصول ما ينتجه إلى الزبون؟ ومن الجهة التي يمكنه اللجوء إليها عندما تتعطل إحدى هذه الحلقات؟ إجابات هذه الأسئلة لا تزال غائبةً، لكن غيابها لم يمنع النشاط الاقتصادي من اختراع إيقاعه الخاص.

إلا أن اختراع هذا الإيقاع اليومي لا يعني تشكّل طبقةٍ تجاريةٍ جديدةٍ في غزة بقدر ما يكشف عن تحوّلاتٍ اضطراريةٍ في طريقة ممارسة النشاط الاقتصادي. كذلك، لا تشير النماذج المذكورة في حدّ ذاتها إلى بداية تعافٍ اقتصاديٍ حقيقي. إذ يضع تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في فبراير 2026 شروطاً لاستعادة النشاط تبدأ بضمان الاستقرار واستعادة الحد الأدنى من القدرة التشغيلية والسيولة النقدية، قبل الانتقال إلى استثماراتٍ أكبر ونموٍ طويل الأجل.

وفي السياق ذاته، يرى الصحفي الاقتصادي أبو جياب أنّ معظم المشروعات التي عادت إلى العمل أو ظهرت مؤخراً أقرب إلى محاولاتٍ لتأمين الدخل منها إلى مؤشراتٍ على انتعاشٍ اقتصاديٍ حقيقي. إذ يتطلب التعافي، بحسبه، استقراراً يسمح بإعادة الإعمار والاستثمار وتشغيل القطاعات الإنتاجية الكبرى.

أما مقداد، فيحذّر من أن استمرار القيود على حرية التجارة قد يؤدي إلى مزيدٍ من تراجع القدرة الإنتاجية، وضعف القوة الشرائية، وارتفاع البطالة، واتساع الفقر، فضلاً عن استمرار اعتماد السوق على قنوات توريدٍ "محدودة وغير مستقرة". ويرى أن تراجع قدرة المستثمرين والتجار على ممارسة أعمالهم داخل غزة قد يدفع بعضهم إلى نقل استثماراتهم إلى خارج القطاع، وهو ما يُضعف فرص التعافي الاقتصادي المأمول، ويحدّ من قدرة المشروعات على التوسع وخلق فرص عمل. ويضيف أن استمرار نقص المواد الخام والمستلزمات الضرورية للإنتاج قد يحول دون استعادة النشاط الزراعي والصناعي، حتى إذا تحسنت حركة إدخال بعض السلع الاستهلاكية. ويخلص مقداد إلى أن التعافي الاقتصادي لا يرتبط بقدرة أصحاب المشروعات وحدهم على التكيف، بل يحتاج إلى توسيع حرية التجارة، وتوفير مستلزمات الإنتاج، ووجود ترتيباتٍ مؤسسيةٍ تساعد على تنظيم السوق وحماية المستهلك وتعزيز المنافسة.


عند الغروب تنتهي الساعات التي تستطيع فيها هناء الزبدة تشغيل ثلاجتها بالطاقة الشمسية، ويبدأ انتظارٌ ثقيلٌ قلقٌ مع صوت الطلعات الجوية الليلة التي يصاحبها قصفٌ للخيام أحياناً، تُغالبه بالتفكير في يومٍ جديدٍ بمسؤوليات إعالة أسرتها الثقيلة. وفي الجهة الأخرى، يجلس عبدالله أمام شاشتَي الحاسوب والهاتف، يتابع طلبات الزبائن وينتظر الشحنات المعلّقة. وبين الثلاجة والهاتف، مروراً بالمخبز الذي يعمل بما يتوفر في السوق، وشركات الشحن والتوريد التي تبحث عن طرقٍ لإيصال البضائع، تتجمع ملامح اقتصادٍ يحاول أصحابه الاستمرار بما هو متاح.

وبغضّ النظر عن حجم هذه المشروعات أو أرباحها، تبرز أهميتها في قدرتها على الكشف عن التحوّلات التي تصيب الاقتصاد والحياة اليومية معاً. إذ يُعيد السوق ترتيب شبكاته ووسائل عمله تحت شروطٍ لا يملك أصحاب المشاريع الصغيرة تحديدها، فيما يحاولون في المساحة المتاحة لهم أن يهيّئوا لأنفسهم مكاناً للعمل والحياة. من هذه الزاوية، تصبح المشروعات الصغيرة أكثر من محض أدواتٍ للبقاء، إنها نافذةٌ على غزة التي تتشكل الآن.

اشترك في نشرتنا البريدية