بين التحرش والاتجاه السائد.. عارضات الأزياء الشعبيات في مواجهة خطرين

يستفيد السوق غير الرسمي من عارضات الأزياء الشعبيات، ويكرِّس غياب التنظيم استغلالهن ويجعل الانتهاكات كلفة معتادة للمهنة.

Share
بين التحرش والاتجاه السائد.. عارضات الأزياء الشعبيات في مواجهة خطرين
العارضات عالقات في منطقة رمادية | تصميم خاص بالفراتس

صباح يوم صيفي حار سنة 2018 استقبلت بوسي اتصالاً هاتفياً من وسيط يعمل لصالح مصمم أزياء معروف، عرض عليها المشاركة في تقديم مجموعة تصميمات لملابس زفاف وسهرة. ذهبت في الموعد المحدد، لكن ما بدا تجربة أداء اعتيادية تحوَّل سريعاً إلى مواجهة مخيفة. فقد استقبلها "المصمم المعروف" بابتسامة مطمئنة سرعان ما أثارت شكوكها حين لاحظت غياب المساعدين، والهدوء غير المعتاد الذي خيّم على المكان، على خلاف العادة في مثل هذه الجلسات.

قاومت بوسي شعورها بالقلق والريبة، لكن اللحظات التالية أكدت مخاوفها، بعدما حاول المصمم التحرش بها. إلا أن صراخها في وجهه وخوفه من أن يفتضح أمره أنقذها، فغادرت المكان بسلام. لتعود إلى غرفتها تحت وطأة صدمة نفسية وغضبٍ شديدٍ من عجزها عن إبلاغ الشرطة، لعدم قدرتها على إثبات طبيعة عملها غير المنظم وخشيتها من الفضيحة أو خسارة دعم أسرتها، التي يتحفَّظ بعض أفرادها على مهنتها. 

استمرت آثار الواقعة تطاردها قرابة عام، إلى أن سمعت عن توقف عدد من العارضات عن العمل مع المكاتب، ومواصلة عملهنَّ من المنزل بعيداً عن المخاطر المباشرة. وكانت سلمى واحدة من هؤلاء. ومثل بوسي، فقد ابتزها مصور إعلانات بصورٍ التقطها لها خلسة أثناء جلسة تصوير، وهدَّد بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي ما لم تستجب لرغباته. لكنها تمكنت في النهاية من احتواء الأزمة بعد تدخل وسطاء.

احترفت بوسي وسلمى عرض الأزياء قبل نحو عشر سنوات، محاولةً لتحسين أوضاعهما المالية والاجتماعية. وتنتمي الفتاتان إلى حيَّين شعبيَّين في القاهرة، الأولى من بولاق الدكرور والثانية من عين شمس. وتقضيان ساعات طويلة في تصوير تصميمات متنوعة. فتخصصت بوسي في أزياء الزفاف والسهرة، وتخصصت سلمى في مجال العباءات والملابس المنزلية، لتُستخدم صورهما مادةً إعلانية على أغلفة المنتجات، وواجهات محال بيع الملابس النسائية وملصقاتها الدعائية.

بمرور الوقت، أدركت بوسي وسلمى أن التحرش والابتزاز ليسا استثناءً في تجربتهما، بل ضريبة شبه ثابتة تدفعها كثير من النساء العاملات في مهنة يفرض طابعها احتكاكاً مستمراً بأشخاص جدد، في سوقٍ مفتوحٍ ليس له إطار قانوني منظم. وفي مواجهة هذه المخاطر، وجدت الفتاتان ومعهما أخريات في الفضاء الرقمي "ملاذاً آمناً" ومنصة بديلة لمواصلة العمل والنشر والتسويق. غير أن هذا التحول الذي أتاح مساحة للحماية من استغلال الوسطاء والمكاتب التي تستفيد من هشاشة مهنة لا تحكمها ضوابط قانونية أو حكومية أو تحميها مظلة نقابية، لم يكن خالياً من المخاطر. فبينما وفَّر الفضاء الرقمي للعارضات من أبناء الطبقات الشعبية قدراً من الاستقلال، تحوَّل في الوقت نفسه ساحة جديدة للمضايقات والانتهاكات. وذلك في ظل مناخٍ اجتماعيٍ وتشريعيٍ يجعل من نشر النساء محتوى على الإنترنت مخاطرة غير محسوبة العواقب، خصوصاً مع حملات ملاحقة تستهدف الفتيات وصانعات المحتوى بتهمٍ مختلفةٍ، في مقدمتها "الاعتداء على قيم الأسرة المصرية".


قد لا توجد دراسات أو كتب تؤرِّخ تفصيلياً وباستقلالية لتاريخ مهنة عرض الأزياء في مصر. لكن بعض الكتابات التي تناولت الأوضاع الاجتماعية والثقافية منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أشارت إلى أعمال مبكرة مرتبطة بعروض الأزياء، كانت موجهة للأجانب ونساء الطبقات المرفهة. ففي كتاب "الجالية الفرنسية في مصر 1929– 1949" الصادر سنة 2016، ترد إشارات إلى عروض أزياء فرنسية كانت تُعرض أحياناً على البواخر، وفعاليات ذات طابع فرنسي مصري، من بينها فعالية للأزياء أُقيمت في القاهرة سنة 1929. ويشير الكتاب إلى أن مثل هذه العروض، إلى جانب تقليد الأزياء الأوروبية، أثارت نقاشاً مجتمعياً ظهرت أصداؤه في الصحف، خصوصاً أنماط اللباس النسائي الحديثة.

وتطورت ثقافة الأزياء في مصر مع انتشار المتاجر الكبرى وافتتاح محلات مثل "شيكوريل" و"بنزيون"، التي أصبحت مقصداً لنساء الطبقات العليا. وقد أسهمت واجهات العرض فيها - إلى جانب الإعلانات المصورة  ومجلات الموضة والسينما - في ترسيخ ذائقة بصرية جديدة للملابس أكثر اتصالاً بالموضة الأوروبية.

وأرجعت دراسة أعدَّتها الباحثة أماني عبد الرازق، نشرتها جامعة برلين سنة 2020 بعنوان "تزيين الجسد الأنثوي في مصر الحديثة [. . .]" الظهور المبكر لمهنة عرض الأزياء في مصر إلى دور البائعات في المتاجر الكبرى. ولفتت الباحثة إلى أن هذه المتاجر اعتمدت في بدايات القرن العشرين على بائعين أجانب من الرجال، ما أثار انتقادات مجتمعية بدعوى تعارض ذلك مع الأعراف الاجتماعية التي ترفض الاختلاط. وتضيف أنه مع اتساع هذه الانتقادات، شجع أصحابُ هذه المتاجر توظيف النساء بائعاتٍ لعرض الأزياء وتقديمها للزبونات، خاصةً من الطبقات العليا. وبحلول الأربعينيات، شكّلت النساء ما بين 30 بالمئة إلى 50 بالمئة من القوة العاملة في بعض هذه المتاجر.

اكتسب هذا التطور مساراً جديداً بعد حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952 وإعلان الجمهورية. إذ ترافقت التحولات السياسية وصعود القومية المصرية، مع هجرة تدريجية لقطاعات من الجاليات الأجنبية بلغت ذروتها بعد العدوان الثلاثي سنة 1956، فضلاً عن جزء كبير من اليهود المصريين. وأتاحت هذه التحولات، إلى جانب الرؤية القومية للنظام الجديد، مساحةً أوسع لدخول المصريات إلى مجال عروض الأزياء، في لحظة باتت فيها الملابس تُقرأ أيضاً أحد تعبيرات الهوية الوطنية والاستقلال الاقتصادي.

وهذا ما تشير له أستاذة علم الاجتماع منى أباظة في كتابها "ثقافات الاستهلاك المتغيرة في مصر الحديثة [. . .]" الصادر سنة 2006. تقول إن الموضة لم تكن بمنأى عن السياسة، ففي الستينيات أصبحت الموضة في بعض الخطابات الرسمية والثقافية جزءاً من صورة الحداثة التي سعى النظام الناصري إلى تصديرها. وتلفت إلى مقال نشرته الكاتبة الصحفية سناء البيسي في مجلة آخر ساعة سنة 1963 بعنوان "القاهرة تُصدّر الموضة للعالم"، تناول عرض أزياء في الإسكندرية ظهرت فيه الممثلة رجاء الجداوي، مؤشراً على "تمصير" المهنة وربطها بخدمة الاقتصاد الوطني، خاصةً للترويج للقطن المصري.

وبحسب ما روته رجاء الجداوي في تصريحات صحفية، فقد كلفها الرئيس عبد الناصر في الستينيات بتكوين جيل جديد من العارضات المصريات. وهو ما نفذته في أواخر عقد الستينيات مع فريق من العارضين والعارضات في تمثيل مصر خارجياً بعروض أزياء تاريخية وحديثة.

أوائل السبعينيات شهدت ثقافة الملابس تحولاً جديداً مع سياسات الرئيس محمد أنور السادات، لاسيما مع صعود التيارات الدينية والانفتاح الاقتصادي والهجرة الواسعة إلى دول الخليج. وأشارت منى أباظة في مقالها "تحول مشهدية الموضة في مصر المعاصرة" المنشور في مجلة بدايات سنة 2021، إلى صعود أنماط اللباس الإسلامي، ثم تأثير اللبس المرتبط بتحولات العمل والهجرة للخليج. وما حمله هذا من أنماطٍ جديدةٍ مثل العباءة، التي خلقت سوقاً دعائياً وتجارياً احتاج إلى حضور نسائي للترويج.

ثم في التسعينيات أصبحت جلسات التصوير الإعلانية مساحة عمل شبه منتظمة للعارضات. قبل أن تدخل المهنة مع الألفية الجديدة مرحلة أوسع وأكثر انفتاحاً، جعلت عرض الأزياء نشاطاً أكثر انتشاراً وتنوعاً، من عروض المنصات إلى التصوير التجاري وصناعة الموضة المرتبطة بالإعلام والإعلان.

وعلى انتشار مهنة عرض الأزياء في تلك العقود، إلا إنها ظلت بعيدة عن التقنين وخارج أي رصد إحصائي رسمي.


قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كانت المهنة محصورة داخل مواقع تصوير محددة، محكومة بمساحات عمل ضيقة ومغلقة. وكان الدخول إليها يمر غالباً بعدد من مكاتب الإعلانات أو من علاقات شخصية مع مصممين ومنظِّمي عروض، وهو ما وفَّر شكلاً من الرقابة غير الرسمية وحدوداً أوضح للمسؤوليات. ومع ذلك، ظلَّ العاملون والعاملات في هذه المهنة ضمن العمالة غير الرسمية وخارج حسابات الدولة.

لا ينشر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بيانات مستقلة عن المهنة، كذلك لا تُدرج ضمن التقسيمات المهنية المعتمدة في تقارير سوق العمل. وفي ظل هذا الغياب، يمكن الاستدلال على حجم السوق بعدد الكيانات المسجلة التي تعمل في مجال العارضات، وهي ثمانية وثلاثون كياناً حتى مطلع أبريل سنة 2026. يعمل كثير منها في مجالي التدريب والدعاية، وتتركز غالبيتها في القاهرة الكبرى. وذلك وفقاً لبيانات منصة "رينتك ديجيتال" المتخصصة في بيانات الأسواق وتحليلها. وبالاستناد إلى هذا الهيكل، يمكن تقدير عدد العارضات العاملات بانتظام في السوق المصري بالمئات، مع وجود شريحة أوسع تعمل خارج أي إطار مؤسسي أو تعاقدي ثابت.

ويأتي هذا التقدير في سياق أوسع يهيمن عليه الاقتصاد غير الرسمي في مصر، إذ تمثل العمالة غير المنظمة نحو 66.7 بالمئة من إجمالي التوظيف. وهذا وفق تقديرات منظمة العمل الدولية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرهما المشترك بعنوان "إنفورماليتي آند ستركتشرال ترانسفورميشن [. . .]" (الاقتصاد غير الرسمي والتحول الهيكلي في مصر والعراق والأردن) الصادر سنة 2024. وفقاً لنتائج مسح القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، وبالتوافق مع تقديرات منظمة العمل الدولية سنة 2022 يعمل نحو 17 مليون شخصٍ في هذا القطاع.

وينعكس هذا الواقع على مهنة عرض الأزياء، التي تعتمد في الغالب على تعاقدات مؤقتة أو شفوية، وحملات دعائية قصيرة الأجل، ما يوسع الفجوة بين حجم النشاط الفعلي للمهنة وبين ما يُسجل رسمياً، ويُبقيها في منطقة رمادية داخل سوق العمل المصري. هذا الواقع جعل العاملات في هذه المهنة في موقع هش وعرضة لانتهاكات من مكاتب الإعلانات ووكالات الدعاية ووسطاء العرض والتمثيل.


تصف بوسي في حديثها للفراتس مهنة عارضات الأزياء بأنها أقرب إلى "الاستعباد". فبعض المكاتب تقتطع نصف أجر العارضة عمولة، فضلاً عن تعرض العاملات لأنماط مختلفة من التحرش.

تضيف: "كنت شاهدة على وقائع كثيرة من التحرش اللفظي والجسدي تعرضت لها بنات لسه داخلين المهنة، عشان ياخدوا فرصة شغل كويسة. مفيش بنت اشتغلت في المجال وما عدّتش [مرت] على مواقف بالشكل ده". ثم تستدرك: "أغلبنا بيسكت خوفاً من التشهير أو من غضب الأهل".

تشاركها سلمى هذا التوصيف، مضيفة أن المضايقات لا تتوقف عند حدود المكاتب التي يعملن منها أو بعض مصممي الأزياء، بل تمتد أحياناً إلى العملاء أنفسهم من أصحاب المحال والمصانع. وتقول إن المخاوف تلاحق العارضات في مواقع التصوير، سواء من التحرش اللفظي أثناء جلسات العمل، أو من انتهاكات أكثر خفاءً، خصوصاً وسط العارضات الشعبيات.

وبحسب شهادات ثلاث عارضات تحدَّثن إلى الفراتس شريطة عدم نشر أسمائهن، فإن من أكثر ما يثير مخاوفهن احتمال وجود كاميرات خفية داخل غرف تغيير الملابس، سواء في المحال التي تُصوَّر فيها الإعلانات أو في المواقع المخصصة للعروض. وتؤكد بوسي وسلمى أن بعض زميلاتهن صُوِّرن خلسة أثناء تجربة أداء لأحد المهرجانات، قبل أن تُنشر الصور سنة 2017 على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أثارت الواقعة ذعراً بين العاملات في المجال.

هكذا تغير عالم عروض الأزياء في مصر عمَّا كان عليه قبل سنوات، حين كانت الفعاليات محدودة وتُدار بمسمَّياتٍ واضحة. فاليوم تنتشر مهرجانات وحفلات تحمل صفة "عروض أزياء"، لكنها تقترب في أحيانٍ من استعراضات تبدو عشوائية تفتقر إلى التنظيم المهني ويغلب عليها الطابع التجاري. وغالباً ما تدير هذه الفعاليات مكاتب إعلانات وكيانات صغيرة، تحوِّلها إلى مصدر دخل دعائي للمشاركين كافة، فيما يحضرها أيضاً أصحاب محال ومصانع ملابس يختار بعضهم عارضات معينات لتصوير منتجاتهم.

في واحدة من هذه الفعاليات، شاركت بوسي في عرض تصفه بأنه كان أقرب إلى مهرجان دعائي، يضم مصممي أزياء، ومصففي شعر، وخبراء تجميل، وصنَّاع قطع الزينة. يدفع كل منهم مقابل الظهور والتصوير، ثم يحصل على مقاطع مصورة يستخدمها في التسويق على وسائل التواصل.

تقول بوسي: "أصحاب المكاتب في الفعاليات دي بيعتبروا مشاركتنا كعارضات دعاية مجانية لينا، علشان كده الأجر بيكون رمزي". وتروي أنها في واقعة أخرى اتفقت مع أحد المكاتب على عرض أزياء، لكن قبل انطلاقه بدقائق أُلغي بسبب غياب التصاريح، ورفض المكتب دفع الأجر بحجة عدم تنفيذ الحفل، "ما قدرناش نشتكي لأن ما كانش فيه عقد، وأغلب المكاتب بتتعمد كده للتهرب من الضرائب والتأمينات".

في هذا السياق، يقول للفراتس حسن صلاح، صاحب شركة تعمل في مجال عروض الأزياء، إن كثيراً من هذه المهرجانات يُقام بلا تصاريح أو إشراف رسمي، وغالباً تحت مسميات بديلة مثل "حفلات تكريم" أو "مسابقات". التمويل، حسبما يورد، مصدره أصحاب محال ومصانع يُكرَّمون في الحفل نوعاً من الدعاية، بينما يُتعاقد مع العارضات شفهياً فقط، بلا أوراق تضمن حقوقهن.

ومع اتساع العمل في المجال، أصبحت وجهة السفر إلى الخليج إحدى المراحل التي تطمح إليها كثير من العارضات، نظراً إلى الأجور التي قد تفوق أضعاف ما يحصلن عليه داخل مصر. لكن في غياب إطار قانوني منظِّم للمهنة، تسافر كثيرات بتأشيرات سياحية أو زيارة دون عقود رسمية، ما يفتح الباب أمام تجاوزات قد يصعب اثباتها أو ملاحقتها قانونياً.

ففي سنة 2023 مثلاً، تلقت سلمى عرضاً من مكتب إعلانات في القاهرة لتصوير مجموعة "عباءات خليجي" في دبي. تقول إنه فور وصولها، وفي اللقاء الأول مع صاحب الإعلان، تعرضت لتحرش لفظي، قبل أن تكتشف أن التصوير يشمل عرض منتجات ملابس داخلية، رغم أن اتفاقها مع المكتب لم يتضمن ذلك. لذا رفضت المشاركة وعادت إلى مصر دون الحصول على مقابل مادي، مع عرض مضاعفة الأجر لإقناعها. ونظراً لعدم وجود وثائق تثبت اتفاق العمل وسفرها بتأشيرة سياحية، لم تتمكن من اتخاذ أي إجراءٍ لاحقاً ضد المكتب.

لبوسي تجربة مشابهة، فقد تلقت عرضاً سنة 2023 من مصور مصري يعمل في الرياض، سبق أن تعاونت معه، وأخبرها بوجود إعلان لعلامة عباءات وأن العميل اختارها. لكن حين استفسرت عن طبيعة الإعلان، أبلغها أنه يشمل أيضاً عرض منتجات ملابس داخلية. وحين رفضت، طلب منها ترشيح عارضات بديلات مقابل عمولة، ما دفعها إلى إنهاء المكالمة.

تقول بوسي إن مثل هذه العروض تتكرر في ظل اعتماد كثير من العاملات على الإعلانات السريعة مصدر دخل رئيس، "الفرص دي بتكون مغرية لبعض العارضات، لأنها بتجيب فلوس حلوة، تخليها ما تضطرش تقبل أي إعلان، خصوصاً في الظروف الصعبة [. . .] وإحنا كمان بنصرف علشان نحافظ على شكلنا علشان نعرف نشتغل".

وبحسب شهادات، لا تقف استباحة غياب القانون في هذا السوق عند استغلال العارضات البالغات، بل تمتد إلى الأطفال. تروي سلمى أن زميلة سابقة كانت تصطحب طفلتها ذات الثماني سنوات إلى جلسات تصوير. ولا تكون الطفلة مرافقة، بل عارضة في إعلانات ملابس أطفال "من غير عقود ولا تصاريح ولا حتى حد بيسأل عن سنها".

وتردف أن الأم كانت تنظر إلى الأمر فرصة دخلٍ سريعة، بينما كانت الطفلة تُصوَّر ساعاتٍ داخل محال أو مراكز تصوير مغلقة تحت إشراف مصورين وعملاء لا تربطهم بها أي مسؤولية قانونية. لا تبدو هذه الحالات استثناء عند سلمى وبوسي، بل امتداداً طبيعياً لمنطق سوق يعمل خارج الرقابة وبالتالي يسمح بتطبيع تشغيل الأطفال في الإعلانات طالما أن الصورة "تبيع" ولا تثير ضجيجاً.

ومع أن قانون العمل المصري يحظر تشغيل الأطفال قبل إتمام مرحلة التعليم الأساس أو قبل بلوغهم خمسة عشر عاماً، إلا أن غياب الرقابة داخل سوق الإعلانات يترك هذه الممارسات تمرّ جزءاً اعتيادياً من العمل اليومي.

مع غياب التقنين الرسمي في هذه المهنة، جاء التوغل الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي ليحدث تغييرات في عالم الدعاية والتسويق وفي عمل عارضات الأزياء. وعلى مميزات الفضاء الجديد إلا أنه أتى بتحديات ومشاكل أيضاً للعارضات.


بعد عقودٍ ظلَّ فيها الوصول إلى الجمهور حكراً على الإعلانات التلفزيونية والصحف والمجلات، بما تتطلبه من ميزانيات ضخمة لا تقدر عليها إلا الشركات الكبرى، أعاد الفضاء الرقمي تشكيل العلاقة بين العارضة والسوق والجمهور معاً. فقد فتح الباب أمام أنماطٍ جديدةٍ من الإنتاج والانتشار، يمكن تتبّعها بوضوح من حجم الحضور المتزايد لوسائل التواصل في الحياة اليومية للمصريين، وما فرضته من منطقٍ جديدٍ للإعلان والعمل.

كذلك وجد أصحاب محال الملابس النسائية الشعبية في هذه المنصات وسيلة دعائية فعالة ورخيصة. وأصبح المعلنون، أو من تسميهم العاملات في المهنة "الكلاينت" (العملاء)، يستعينون بعارضات لجلسات تصوير للمنتجات داخل المحال أو في مراكز تصوير بسيطة، تُنتج عنها صور ومقاطع قصيرة (ريلز) تُنشر على الحسابات التجارية، وأحياناً تُستخدم على أغلفة المنتجات.

مع هذا الانتشار تزايد عدد العارضات، خاصة بعدما تخلَّت المهنة عن كثير من المعايير وأصبح لكل منتج تقريباً عارضته الخاصة. وظهرت تصنيفات متداولة داخل السوق، مثل عارضات ملابس الزفاف والسهرة، والعباءات، والملابس غير الرسمية، والملابس المنزلية، وصولاً إلى عارضات الملابس الداخلية النسائية التي تُعد من الفئات الأعلى أجراً. إلى جانب ذلك، أصبحت وسائل التواصل أداة العمل الرئيسة لعدد كبير من العارضات، إذ يقدِّمن أنفسهن ويصل إليهن العملاء في مواقع التواصل مباشرة، دون وسطاء.

أخبرنا مصطفى عبد الحليم، صاحب محل لبيع الملابس النسائية في منطقة باب الشعرية بالقاهرة، أن "الزبائن أغلبهم بييجي من السوشيال ميديا، عشان كده بنركز عليها أكتر".

يضيف عبد الحليم في حديثه إلى الفراتس: "في البداية كنا بنتعامل مع مكاتب الإعلانات اللي كانت بترشح لنا مجموعة موديلز [عارضات] نختار منهم، لكن مع الوقت بدأنا نتواصل مع البنات بشكل مباشر من خلال حساباتهم أو عن طريق المصورين اللي بيشتغلوا معاهم. وجلسات التصوير بقت بتتعمل هنا في المتجر، أو البنت تاخد الملابس وتتصور بمعرفتها، وتبعت لنا الصور والفيديوهات نختار منها للدعاية".

هذا التحول لم يغيّر طريقة الوصول إلى العارضات وحسب، بل أعاد تشكيل اقتصاديات المهنة نفسها. فمكاتب الإعلانات، التي كانت لسنواتٍ بوابة شبه إجبارية لدخول السوق، فقدت جزءاً من سيطرتها لصالح شبكات أكثر مرونة يقودها المصورون وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي.

والمصور الذي لم يكن دوره يتجاوز تنفيذ جلسة تصوير مقابل أجرٍ محددٍ، أصبح اليوم في كثير من الأحيان حلقة الوصل الأساس بين العارضة وصاحب المحل أو المصنع. فهو يرشِّح العارضات ويقترح أشكال التصوير، وأحياناً يتولى التفاوض غير المباشر على الأجر. في المقابل بحسب العارضات الثلاث اللاتي تحدثن إلى الفراتس، تراجعت عمولات بعض مكاتب الإعلانات التي كانت تصل أحياناً إلى نصف أجر العارضة، لكنها لم تختفِ من المشهد. إذ أعادت تموضعها مُنسِّقاً للعملية كاملة، من اختيار العارضة والمصور إلى حجز المكان وتنظيم يوم التصوير، مقابل عمولة تُقتطع من أطراف متعددة.

وبين هذه الشبكة المتداخلة من المصالح، تتحمل العارضة غالباً العبء الأكبر، إذ يُقتطع من أجرها نصيب المكتب والمصور، وأحياناً تكاليف إضافية غير معلنة. فهي في سوقٍ لا تحكمه تعاقدات واضحة ولا معايير معلنة للأجور، بقدر ما تحكمه العلاقات الشخصية وقوة الانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي.


"سلاح ذو حدين"، هكذا وصفت كثير من العارضات اللاتي تحدثن إلى الفراتس الفضاء الرقمي، موضحات أنه ينطوي على ميزات وعيوب. فبحسب آية، وهي عارضة أزياء، غيَّر صعود وسائل التواصل طبيعة المجال جذرياً، وأخرج المهنة من الدوائر المغلقة إلى فضاء أوسع.

وتوضح آية التي تتم عامها الثاني في مجال عرض الأزياء الرقمي، أن وسائل التواصل ليست مجرد نافذة للشهرة، بل أداة لانتزاع حرية الاختيار والسيادة الكاملة على شروط عملها. وتضيف أنها نجحت في وقتٍ قصيٍر في تحويل المهنة إلى مصدر دخلها الرئيس والوحيد، بما فتح لها أفقاً للاستقلال المادي ومنحها ثقة مضاعفة بالنفس.

مكان عملها هو منزلها في حي حدائق القبة شمال وسط القاهرة، وقد حوّلت ركناً منه إلى منصة تصوير. تؤدي آية عملها بطمأنينة في بيتها وبدعمٍ من أسرتها التي رأت في طموحها مساراً مهنياً مشروعاً وناجحاً.

وتلتقط آية صور المنتجات بمساعدة شقيقتها، التي تلازمها في كل جلسة تصوير مصوِّرةً ورفيقةً. تقول بابتسامة واثقة: "أنا سعيدة جداً في هذه المهنة، والسوشيال ميديا جعلتني مديرة نفسي، وحلمي الأكبر أن أصبح عارضة مشهورة". ومع استقلالية عملها وتحكمها في قواعده، إلا أنه لا يخلو من تحديات، "بنواجه تحرشات رقمية أو تعليقات مسيئة، لكن أنا وغيري بنعتبرها جزء من الضريبة إللي بتواجه أي مهنة في الفضاء العام".

غير أن واحداً من أكبر التحديات التي تواجه العارضات الرقميات، بحسب آية، يكمن في عدد المتابعين. موضحةً أن أجر العارضة يتناسب في كثير من الحالات طردياً مع عدد متابعي حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي.

يؤيد هذا الطرح نادر علي، صاحب مكتب إعلانات يعمل في مجال عروض الأزياء. يقول إن أصحاب المحال والمصانع يفضل كثير منهم في السنوات الأخيرة الاعتماد على "وجوه جديدة"، خاصة الفتيات متصدرات وسائل التواصل، باعتبارهن "إعلانات جاهزة". ويضيف أن أجر العارضة يتراوح عادة بين ألف وثلاثة آلاف جنيه (عشرين إلى ستين دولاراً أمريكياً) للعرض الواحد. لكن هذا المبلغ قد يتضاعف، بل قد يُحتسب أحياناً بالدولار (ألف إلى ثلاثة آلاف دولار) في بعض التعاقدات إذا كانت العارضة مؤثرة ولها قاعدة متابعين كبيرة.

لكن زيادة عدد المتابعين، وفق آية، سلاح ذو حدين. فمن ناحية تسهم في رفع الأجر، ومن ناحية أخرى قد تعرِّض العارضة لمخاطر الملاحقة القانونية أو تهديد السمعة. وتضرب مثالاً بإحدى المؤثرات التي "بدأت عارضة أزياء رقمية، وانتهى بها الحال داخل السجن".

وقد قبضت قوات الأمن على تلك المؤثرة في مايو 2020، ضمن ما عُرف إعلامياً بقضية "فتيات تيك توك". وواجهت اتهامات متعددة، من بينها "الاعتداء على قيم الأسرة". كذلك وُجِّهت لها في مسار قضائي منفصل اتهامات الاتجار بالبشر، وهي القضية التي شهدت تطورات وأحكاماً متعاقبة في مسارات قضائية مختلفة.

من هنا فإن التوسع المتسارع لمهنة العارضات في وسائل التواصل الاجتماعي، يضع المهنة والعاملات في سلسلة من المخاطر، مع غياب جهة رقابية تنظم هذا القطاع. إذ يتوزع الإشراف على هذا المجال بين هيئات وجهات حكومية متعددة تتبع أكثر من وزارة.


يضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الضوابطَ العامة للبث الإعلاني في الوسائل التقليدية مثل التلفزيون والإذاعة، وكذلك الوسائل الرقمية ومنها مواقع التواصل الاجتماعي. وتختص الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات بتنظيم ترخيص وكالات الدعاية أنشطةً تجارية. وتضطلع نقابة المهن التمثيلية بدور في تنظيم مكاتب الإنتاج الفني للدراما والسينما. وتتولى الإدارة العامة لمباحث المصنفات دور الشرطي، بملاحقة المكاتب غير المرخصة أو المخالفة قواعدَ الملكية الفكرية، وتمثل بهذا جهة إنفاذ لا جهة تنظيم.

ويزداد المشهد تعقيداً في المهرجانات والعروض التي تعمل بها العارضات، إذ تتولى الهيئة المصرية العامة للمعارض والمؤتمرات، التابعة لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، منح تراخيص إقامة الفعاليات التجارية منذ ستينيات القرن الماضي. وبالتوازي تعمل الشركة الوطنية للمعارض والمؤتمرات الدولية ذراعاً حكومياً آخرَ في تنظيم الفعاليات الكبرى. كذلك تتدخل وزارة الثقافة، بجهاز الرقابة على المصنفات الفنية، في الإشراف على المهرجانات ذات الطابع الثقافي التي قد تتضمن عروض أزياء.

مع هذا التشابك يغيب الإطار الموحد لحماية العارضات أو تنظيم عملهن، فلا نقابة مهنية رسمية تنظم الحقوق والالتزامات داخل المهنة. وتبرز في هذا الفراغ التنظيمي "اللجنة النقابية للمهن التجميلية وعروض الأزياء"، التي تعرِّف نفسها عبر موقعها الإلكتروني بأنها لجنة تابعة لوزارة القوى العاملة، أُنشئت في 18 أغسطس 2017 تنفيذاً لقانون المنظمات النقابية العمالية. وتضم عدة شعب مهنية تشمل مستحضرات التجميل وتصفيف الشعر والعناية بالبشرة والشعر وتصميم الأزياء و"الإكسسوارات" والتصوير والتصميم. وتمتد لعارضي الأزياء ومنظمي الحفلات  ومصممي التيجان والطرح.

بعد محاولات متكررة لم تنجح الفراتس في الوصول إلى أحمد سليم، رئيس اللجنة، بسبب سفره خارج البلاد. وقد تمكنا من التحدث إلى شقيقته شيماء سليم، الأمين العام للجنة، التي أوضحت أن عدد العارضات العضوات لا يتجاوز "أصابع اليد الواحدة". وبررت ذلك بأن "90 بالمئة من العاملات في مجال عروض الأزياء لا يفضِّلن الالتزام بقواعد اللجنة أو اجتياز اختبارات القبول، ما يخلق "مشكلات عديدة لا نعلم عنها شيئاً".

أضافت أن اللجنة تطمح إلى التحول من "لجنة نقابية" إلى "نقابة عامة "بعد استيفاء الشروط القانونية المطلوبة. وعن علاقتها بمكاتب التوزيع والإعلانات، وهي المساحة التي تنشط فيها غالبية العارضات، أوضحت شيماء أن دور اللجنة يظل محدوداً ولا يتجاوز الحالات التي تتقدم فيها إحدى العضوات بشكوى رسمية موثقة ضد مكتب أو منظّم. تقول: "نحن لا نتدخل إلا إذا كانت العارضة عضوة لدينا وقدمت شكوى موثقة".

ينطبق الأمر نفسه على المهرجانات والفعاليات التي تتزايد سنوياً، إذ تؤكد المتحدثة أن اللجنة "لا تشرف إلا على المهرجانات التي يطلب منظموها أن تكون اللجنة راعياً رسمياً لها"، مشيرة إلى أن التدخل مرهون بطبيعة الشراكة مع المنظمين. وتدعو إلى وجود إطار قانوني واضح ينظم عمل المهنة ويمنح اللجنة أو النقابة سلطة فعلية على بيئة العمل وظروفها.

ترى بوسي غير المنضمة للجنة مع تأييدها فكرة وجود نقابة حقيقية، أن اللجنة "تركز على مصالح قياداتها أكثر من تركيزها على مصالح العارضات". وتدلل بأن الفائدة العملية الأبرز في الانضمام لعضوية اللجنة هي إثبات المهنة في بطاقة الرقم القومي، وهي خدمة تلجأ إليها بعض العارضات لتسهيل إجراءات السفر.

وتضيف أن" تكلفة تغيير المهنة قد تصل إلى خمسة عشر ألف جنيه (ثلاثمئة دولار تقريباً). يشمل ذلك رسوم بطاقة الانتساب والدورات التدريبية الإلزامية واختبارات الحصول على بطاقة مزاولة المهنة. وتتذكر بوسي واقعة حضرت فيها عرضاً لإحدى زميلاتها، إذ حصلت الأخيرة على أجر أقل من المتفق عليه بدون أن ترتكب خطأً، وكان بعض أعضاء مجلس إدارة اللجنة كذلك ضمن لجان تحكيم المهرجان ذاته. وهو الأمر الذي تعتبره بوسي "تعارضاً في الأدوار" يضعف من قدرة اللجنة على حماية العاملات.

أما سلمى، وهي ليست عضوة أيضاً، فترى أن اهتمام اللجنة يميل أكثر إلى شُعب التجميل والعناية بالبشرة ومستحضرات التجميل على حساب عروض الأزياء. وتحكي عن تجربة صديقتها مصممة الأزياء، التي التحقت باللجنة مدربةً في بداياتها، لكنها استقالت لاحقاً بعدما طُلب منها زيادة أيام التدريب وتقليص مدة الدورة التدريبية بقدرٍ وصفته بأنه "غير كافٍ لتدريس المحتوى". وتضيف سلمى أن أغلب أنشطة اللجنة "تقوم على منطق تجاري أكثر من كونها دعماً مهنياً حقيقياً".

يأتي هذا في الوقت الذي تكثف فيه وزارة العمل حملات التفتيش على مواقع العمل في مختلف المحافظات لضمان تطبيق قانون العمل الجديد رقم 14 الذي بدأ مطلع سبتمبر 2025. وهو القانون الذي أدخل إصلاحات برز منها تنظيم أنماط العمل الحديثة كالعمل عن بُعد، وزيادة الحماية من الفصل التعسفي، وتحسين الأجور والإجازات، إلى جانب إنشاء محاكم عمالية متخصصة وتسريع تسوية النزاعات. 

تواصلت الفراتس مع الوزارة الجهة المعنية بتنظيم بيئات العمل لنقاشها بشأن مهنة عروض الأزياء. والوزارة فوَّضت مدير مديرية العمل بمحافظة الجيزة كريم أبو السعود للحديث معنا. 

أوضح أبو السعود أن حملات التفتيش تشمل بعض المكاتب، إلا أن نطاق الرقابة يظل مرتبطاً بالعاملين بعقود رسمية فقط. أما العارضات اللواتي يعملن بصيغة "مهن حرة"، فهن خارج التعريف التقليدي لعلاقة العمل. وهو ما يجعل إدراجهن ضمن الرقابة المباشرة أمراً صعباً، باستثناء من يعملن داخل بيوت أزياء أو معارض مرخصة بعقود واضحة.

وأشار مدير مديرية العمل بمحافظة الجيزة - التي تضم أغلب المكاتب التي تعمل منها العارضات بأحياء الدقي والمهندسين والعجوزة - إلى أن اللجان النقابية تنظم حملات توعوية، لكنها تظل جهوداً جزئية ضمن منظومة أوسع وأكثر تشعباً.

وفيما يتعلق بالفعاليات والمهرجانات، أوضح أن الإشراف عليها "مشترك" بين عدة جهات مثل وزارة العمل والنقابات ووزارة الثقافة، بحسب طبيعة كل فعالية.

قالت الباحثة في قضايا العمل والمرأة، منى عزت، إن حماية العاملات في مجالات عرض الأزياء مسؤولية أصيلة لوزارة العمل. وأكدت في حديثها للفراتس أن الوزارة مسؤولة عن إلزام الكيانات المختلفة بإبرام عقود مكتوبة تضمن الحد الأدنى من الحقوق للعارضات، خاصةً في ظل توجه قانون العمل الجديد للاعتراف بالعمالة غير المنتظمة وتحسين أوضاعها.

وترى منى أن دور اللجنة النقابية لا ينبغي أن يقتصر على أعضائها فقط، بل يجب أن يمتد إلى جميع العاملات في المجال، لأن الوظيفةَ الأساس للنقابات حمايةُ علاقات العمل وتنظيم القطاع. تشير المتحدثة كذلك إلى أن ضعف التعاقدات الرسمية يتغذى على النظرة الاجتماعية المتدنية لبعض المهن التي تعمل بها النساء، إضافة إلى طبيعة العمل غير المستقرة. لذا طالبت بتعزيز دور مفتِّشي وزارة العمل في متابعة المكاتب والكيانات العاملة في المجال، مؤكدةً أن حوادث الاستغلال المتكررة تضر بالمهنة وتكرِّس النظرة السلبية تجاه العاملات.

يتماهى حديث الباحثة منى عزت مع ما أشارت له منظمة العمل الدولية في ورقة بحثية صدرت سنة 2019 بعنوان "المرأة والنقابات العمالية في مصر"، إلى ضرورة تعديل قانون النقابات لتخفيض الحد الأدنى لتأسيس اللجان النقابية عن خمسين عاملة أو عامل. ذلك مع ضرورة دمج العاملات في القطاع غير الرسمي ضمن المظلة النقابية.

ومن هذا المنطلق ترى المتحدثة أن تعدد الجهات المشرفة على بيئة عمل العارضات يخلق "منطقة رمادية" تضيع فيها المسؤولية، ما يصعِّب إثبات الانتهاكات. وتدعو إلى تقنين مهنة عرض الأزياء، ووضع توصيفات وظيفية واضحة، بما يمكِّن جهات التفتيش من أداء دورها. هذا إلى جانب تطبيقٍ صارمٍ لقوانين مكافحة الاتجار بالبشر في حال تشغيل القاصرات، تماشياً مع توجه الدولة نحو تنظيم الاقتصاد غير الرسمي ودمجه.  

تختم منى عزت حديثها بالقول إن التشتت المؤسسي الذي يعرقل تقنين مهنة عرض الأزياء وتنظيم حقوق العاملين والعاملات وواجباتهم لا يبدو مسألة استثنائية بقدر ما هو تقاعس من الحكومة في مصر وكثير من الدول العربية.

ففي عدد من الدول تُدرج مهنة عرض الأزياء ضمن أنشطة العمل المنظمة، ولا تُترك لعلاقات شفوية أو ترتيبات مؤقتة كما هو شائع في مصر. في فرنسا مثلاً تُعامل العارضات عاملات محترفات يخضعن لقوانين العمل، بما يشمل إلزام الوكالات بعقود مكتوبة وتأمينات اجتماعية، وضوابط للسنِّ والصحة وساعات العمل. وفي إيطاليا وإسبانيا، تُدرج المهنة ضمن قطاعات الفنون والعروض، ما يوفِّر مظلة قانونية تنظم الأجور وآليات فض النزاعات. أما في الولايات المتحدة، ومع طبيعة السوق المفتوحة، فقد لجأت ولايات مثل نيويورك إلى سنِّ تشريعات محلية تُلزم وكالات عرض الأزياء بالتسجيل الرسمي، وتفرض شفافية في العمولات والعقود، بما يحدّ من استغلال العاملات في هذا القطاع.


دشّنت بوسي وسلمى، مثل كثيرات غيرهما، صفحاتٍ بأسماء الشهرة التي تستخدمانها في العمل على فيسبوك وتيك توك، وأعادتا نشر صور من جلسات تصوير سابقة لملابس منزلية وعباءات، وبدأتا استقبال اتصالات الراغبين في خدماتهما، بحثاً عن فرصة عمل أكثر أماناً وأقل خضوعاً لسطوة الوسطاء. لكن حكاية العارضات الشعبيات لا تنتهي عند حدود التكيّف الفردي أو البحث عن بدائل رقمية، إنما تكشف بنية أوسع يربح فيها السوق من حضورهن، وتتوسع المنصات في توظيف صورهن، بينما يظل عملهن نفسه خارج الاعتراف والحماية.

فبين سوق غير رسمي يستفيد من أجسادهن أداة دعاية، ودولة لا تزال تُبقي المهنة خارج الحسابات الرسمية، تبقى العارضات عالقات في منطقة رمادية. يُطلب منهن العمل الكامل بلا حقوق كاملة، بما يسمح بتكرار الانتهاكات كلفةً معتادة للمهنة.

اشترك في نشرتنا البريدية