تجارب مسلمي ألمانيا.. من التديّن الجماعي إلى الإيمان الفردي

يُعاد في ألمانيا بناءُ العلاقة مع الدين ولا يمكن إغفال أثر البيئة القانونية والسياسية ورقابة الدولة على الأنشطة الإسلامية.

Share
تجارب مسلمي ألمانيا.. من التديّن الجماعي إلى الإيمان الفردي
الإيمان حاضرٌ لكنه منخفض الصوت | تصميم خاص بالفراتس

لم تعد علاقة أحمد مع الدين كما كانت قبل سنواتٍ، وهو الطالب الجامعي في مدينة كولونيا غرب ألمانيا. في سوريا كان التديّن جزءاً من واجبٍ اجتماعيٍّ واضح المعالم، يُراقَب أداؤه ويُقاس بمدى الالتزام بالهيئة. أما اليوم فيصف علاقته بالإيمان بأنها أهدأ. يقول للفراتس: "هنا الأمر أصبح بيني وبين نفسي"، إذ لم يعد يشعر أن أحداً يراقب أو يقيّم درجة تديّنه.

يرى أحمد نفسه متديّناً، لكن خارج القالب التقليدي. لا يقدّم تعريفاً ثابتاً لتديّنه ولا يشعر بالحاجة إلى إثباته في الفضاء العامّ. بعض الأعمال ما زالت حاضرةً في حياته فيما تراجعت أخرى، لا عن قطيعةٍ، بل عن إعادة ترتيب. فلَم يعد الدين مجموعةَ شعائر تُؤدّى أمام الآخرين، بل علاقةً داخليةً تتشكّل وفق إيقاع حياته وأسئلته اليومية.

تفتح تجربة أحمد نافذةً لفهم التحوّل الأوسع في التديّن بين المسلمين في أوروبا، ولاسيما ألمانيا، حيث يُعاد بناء العلاقة مع الدين خارج الأطر الجماعية الصارمة، وفي مسافةٍ واضحةٍ عن المؤسسة والخطاب التقليديّين. فبين جيلٍ نشأ على مركزية المسجد والخطاب الجماعي وواقعٍ أوروبيٍّ يتيح هامشاً أكبر للاختيار الفردي، تغيّرت طقوس التديّن اليومية ووظائفه. فأصبحت علاقةً شخصيةً متجسدةً في تفاصيل الحياة اليومية، من دون أن يفقد الإيمان حضوره أو معناه الروحي. وقد ساهمت المراقبة الأمنية لأنشطة بعض الجماعات الدينية، ولو جزئياً، في تشجيع المسلمين على البحث عن تطبيق دينهم بعيداً عن المؤسسات الرسمية، ما عزّز التحوّل نحو التديّن الفردي.


يظهر التحوّل في التديّن في قصصٍ شخصيةٍ عديدةٍ لشبّانٍ وشاباتٍ في ألمانيا حيث يعيش نحو خمسة ملايين ونصف مليون مسلمٍ، بحسب تقريرٍ نشر في أكتوبر 2025 عن "مؤتمر الإسلام الألماني"، وهو إطارٌ حواريٌّ رسميٌّ تشرف عليه وزارة الداخلية الألمانية. ويشكّل ذلك ما بين 6.4  و 6.7 في المئة من إجمالي السكان. تجربة ليلى، الطالبة الجامعية المقيمة في مدينة بون غرب ألمانيا، واحدةٌ من هذه القصص. فهي لا ترى الابتعادَ عن الممارسة الدينية الجماعية تراجعاً، بل "نوعاً من النضج". في حديثٍ مع الفراتس تصف علاقتها بالدين اليوم بأنها قائمةٌ على السكينة وتتوافق مع إيقاع حياتها اليومية. وتقول: "الدين صار مساحةً شخصيةً، لا شعاراً خارجياً"، مشيرةً إلى أنها أدركت في سياق الهجرة أنها لا تحتاج إلى جماعةٍ تحيط بها باستمرارٍ كي يبقى إيمانها حاضراً.

تحاول ليلى فهم القرآن انطلاقاً من تفاصيل حياتها المُعاشة. فلا تقصر القرب من الله على زيارة المسجد، بل يتجلى ذلك في العلاقات الإنسانية والقرارات الصغيرة وفي الإحساس بالمعنى الروحي. هذا الفهم الخاص دفعها إلى التوقف عن حضور الدروس الدينية التي كانت تحضرها سابقاً. إذ شعرت أن خطابها جامدٌ ولا يراعي واقعَ مسلمةٍ تعمل وتحاول بناء حياةٍ جديدةٍ في مجتمعٍ مختلفٍ، من دون أن تتخلى عن إيمانها.

تقدّم تجربة ليلى نموذجاً لما تسمّيه أبحاثٌ لجامعة لايدن الهولندية "الفردانية الدينية". وهو مفهوم طُوِّر ضمن برنامجٍ بحثيٍّ امتدّ بين سنتَي 2006 و2012 بعنوان "إنديفيجولايزيشن، فراغمنتيشن أوف أوثوريتي [. . .] " (التفرد وتجزئة السلطة والأشكال التنظيمية الجديدة بين المسلمين في أوروبا). يشير البحث لاتّسام حياة المسلمين الدينية في أوروبا بثلاث ظواهر متكاملةٍ وأحياناً متضاربة. أُولاها تحوّل الإيمان فيها مشروعاً فردياً. وثانيها تراجع دور السلطة الدينية التقليدية في حياة المسلمين. وثالثها استمرار رغبتهم في الانتماء للدين. ويوضح البحث خوض المسلمين في أوروبا، خصوصاً الشباب والنساء، تجاربَ جديدةً في تفسير المصادر الدينية. ويسهم ذلك في تنامي الفردانية في إنتاج المعرفة الإسلامية وتفكّك أشكال السلطة الدينية التقليدية. في المقابل يقود غياب المرجعية الدينية ولجوء الأفراد للنظر في مصادر المعرفة ومدارسها المختلفة والترجيح أو التلفيق بينها، إلى بروز أنماطٍ جديدةٍ من المشاركة الدينية. ويلفت البحث إلى أنّ الهجرة تُضعف هياكل السلطة الدينية التقليدية. غير أنّ مفاهيم مثل تخصيص الدين أو شخصنته أو ما يُسمّى "إيماناً من دون انتماء"، لا تنطبق بسهولةٍ على المسلمين في أوروبا. إذ لا يزال الانتماء لمجتمع المسلمين والمشاركة في أنشطتهم عاملَين أساسَين في تشكّل الهوية الإسلامية في السياق الأوروبي، وفق البحث.

وتَظهَر هذه الخلاصات النظرية في التجارب الفردية اليومية. يصف محمد، الموسيقي المقيم في مدينة إيسن غربي ألمانيا، تحوّل علاقته بالدين. فقد أصبح وسيلةً لتخفيف التوتر بعدما تراجع شعوره بالذنب لعدم انتظامه في أداء العبادات. يقول للفراتس: "صرتُ أقبل نفسي كما أنا"، معتبراً أنّ هذا القبول كان سبباً في بقائه مؤمناً. يعرّف محمد تديّنه بالروحاني، مستلهماً المعنى من النصوص الصوفية مثل كتابات الفيلسوف الإسلامي ابن عربي. ويركز على ما يمنحه الإيمان من طمأنينةٍ أكثر من تركيزه على التزام القواعد والواجبات الدينية.

تجسّد تجربة محمد انتقالاً من "التديّن القائم على الامتثال" إلى "التديّن القائم على السكينة"، وهو مسارٌ رصدته دراسات اجتماعيةٌ أوروبيةٌ اتجاهاً متنامياً لشبابٍ يسعون إلى علاقةٍ خاليةٍ من منطق الصدام وتقوم على قبول الذات وتوازنها. من هذه المراجع كتاب "ذا بوليتكس أوف بريفنتنغ فايولنت إكستريميزم [. . .] " (سياسات منع التطرف العنيف [. . .]) لشارلوت هيث كيلي وشادي شناه، الصادر سنة 2025. يبيّن الباحثان أن التديّن لا يرتبط بالضرورة بالعزلة الاجتماعية أو الانغلاق، بل يمكن أن يتحوّل ممارسةً فرديةً مستقرةً تتيح للفرد اندماجاً كاملاً في المجتمع الجديد بلا شعورٍ بالتهديد أو التناقض.

وتكشف المقارنة بين تجربتَي ليلى ومحمد قاسماً مشتركاً يتمثّل في نزع الصفة المؤسسية عن الدين وتحويله إلى تجربةٍ ذاتية. وتتقاطع الحالتان في رفض اللغة الحَرفية والخطاب الجاهز، وهو ما ينسجم مع أطروحة الباحث الفرنسي في الدراسات الإسلامية بابتيست برودارد. إذ يناقش هذا التحوّل في بحثه المُعَنوَن "فروم ترانسناشونال إسلامك موفمِنتس تو إنديفيجول ريلجوسِتي [. . .]" (من الحركات الإسلامية عابرة الحدود الوطنية إلى التديّن الفردي [. . .]) المنشور سنة 2024. يرى برودارد هذا التحول انتقالاً بنيوياً من الانتماء إلى الحركات الإسلامية عابرة الحدود إلى أنماطِ تديّنٍ فرديةٍ تقوم على استقلاليةٍ واضحةٍ داخل المجتمعات المسلمة في غرب أوروبا. وتوضح الورقة أنّ هذه الحركات عابرة الحدود والمنظمات التي تستند إليها، فقدت قدراً كبيراً من نفوذها نتيجة تأسيس مواطنين مسلمين العديدَ من الجمعيات الإسلامية والخيرية المستقلة.

ويجد هذا التحوّل النظري والبحثي صداه في الواقع المُعاش لدى شبابٍ مسلمين في ألمانيا، حيث يختبر أفرادٌ مثل عيسى علاقتَهم مع الدين بصورةٍ شخصيةٍ ومستقلةٍ، بعيداً عن الأطر الجماعية التقليدية. عيسى، وهو طالب ماجستير مقيمٌ في مدينة آخن غرب ألمانيا، يرى هذا التحوّل انتقالاً من تجربةٍ دينيةٍ جماعيةٍ إلى علاقةٍ فرديةٍ أكثر خصوصية. ففي بلده العراق كان الدين محكوماً بإيقاعٍ اجتماعيٍّ ثابتٍ وجماعةٍ واضحة المعالم، في حين تغيّر هذا الإطار كلياً في ألمانيا، كما يقول للفراتس. "أصبح الدين علاقةً شخصيةً"، يختار فيها متى يؤدي إيمانه وكيف يؤديه بلا حاجةٍ إلى جماعةٍ تؤكّد انتماءه.

ولا يعني هذا التحوّل في نظره تراجعاً في الالتزام الديني، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب الأولويات ضمن متطلبات الحياة اليومية. وهو فهمٌ تتقاطع معه تجربة نارين، وهي أمٌّ عاملةٌ تقيم في مدينة نويس غرب ألمانيا. تقول للفراتس إنّ الدين تحوّل مورداً روحياً يمنح المعنى والطمأنينة، من دون أن يتحوّل مساحةً للمساءلة الدائمة أو الشعور المستمر بالذنب.

ويجد علي، المقيم في أحد مراكز اللجوء بمدينة بوخوم غرب ألمانيا، صدىً لهذا التحوّل في بُعدٍ أخلاقيٍّ واضح. فهو يميّز بين تديّنٍ جماعيٍّ يشعر فيه بثقل الرقابة، وبين تديّنٍ شخصيٍّ يجد فيه صدقاً أكبر. يتمحور إيمانه حول الانسجام مع الضمير ومساعدة الآخرين وتحمّل المسؤولية، لا حول الامتثال أو الظهور العلني.

يمثّل هذا التحوّل امتداداً طبيعياً للظروف الاجتماعية في السياق الألماني خاصةً والأوروبي عامةً. فغياب الرقابة الاجتماعية يتيح للفرد مساحةً لإعادة التفكير في الإيمان من جذوره. نصر، صاحب محل خضارٍ في مدينة فوبرتال، يعبّر عن هذا التحوّل بالانتقال من سؤال "كيف أُومِن؟" إلى سؤال "لماذا أُومن؟". في أوروبا، كما يقول للفراتس، لم يعد الإيمان مفروضاً أو محاطاً بإجماعٍ اجتماعيٍّ، بل صار خياراً شخصياً يتطلّب قناعةً داخلية.

ويُرى هذا التحوّل أيضاً من منظورٍ نفسيٍّ، كما توضح للفراتس شادية، وهي مرشدةٌ نفسيةٌ مقيمةٌ في مدينة فيتن غرب ألمانيا. فهي لا ترى في هذا المسار علامةَ أزمةٍ، بل مرحلةً انتقاليةً يتحرّر فيها الدين من الجماعة ليعود إلى الفرد ولا يفقد وظيفته أو أثره النفسي. فبدل أن يكون الدين إطاراً ناظماً للسلوك العام، يتحوّل مورداً داخلياً يمنح الاستقرار والمعنى.

وتختصر شيرين، الطالبة الجامعية في مدينة أونا غرب ألمانيا، هذا التحوّل بالقول: "الإسلام الذي يتشكّل اليوم يبدو خافتاً وأبعد عن الجماعية، لكنه ربما أقرب إلى الصدق". وتعكس خلاصة تجربتها ما تلتقي عنده تجارب الأفراد الذين تحدثت إليهم الفراتس وقراءات الباحثين: دِينٌ يتراجع حضوره في الفضاء العام، في حين يزداد عمقه وتثبيته داخل التجربة الشخصية.


ومع انتقال التديّن لدى عددٍ متزايدٍ من الشباب المسلمين في ألمانيا إلى شعورٍ فرديٍ لا يقوم على الطقس الجماعي أساساً، تراجع الموقع الذي كان يحتلّه المسجد محورَ الحياة الدينية اليومية. ولا أرقام محددةً بشأن عدد المساجد في ألمانيا، غير أن التقديرات سنة 2022 تراوحت بين 2350 و2750 مسجداً. لا يظهر هذا التحوّل في موقع المسجد قطيعةً صريحةً مع المؤسسة، بل مسافةً تتّسع تدريجياً بين فضاء المسجد وواقع جيلٍ تشكّلت أسئلته في سياقٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ مختلف.

لا تقطع ليان، طالبة إدارة الأعمال في مدينة دورتموند، صلتها بالمسجد. لكنها لا ترى تكرار زيارة المسجد شرطاً لإيمانها، وفق ما تقول للفراتس. تقتصر زياراتها على شهر رمضان أو بعض المناسبات الدينية. توضح أنّ المشكلة ليست في المسجد بحدّ ذاته، بل في الخطاب الذي لا يشبه حياتها. يمثّل المسجد عندها مساحةً ثقافيةً مألوفةً، لكنه لا يوفّر اللغة التي تبحث عنها. فحضور اللغة الألمانية محدودٌ، والمقاربات الدينية لا تلامس واقع شابةٍ تدرس وتعمل وتحاول أن تجد موقعها في مجتمعٍ أوروبي. تشعر أحياناً داخل المسجد أنها "ضيفة"، لا جزءٌ من المكان، ما يدفعها إلى البحث عن احتياجاتها الروحية في مساحاتٍ خاصة.

وتشير دراسةٌ منشورةٌ سنة 2019 بعنوان "موسكز آر جندرد سبيسز" (المساجد فضاءاتٍ مُجندرةً) للباحثة لين نيهايغن، إلى أن مشاركة النساء وأدوارهن داخل المساجد تُعدّ من أكثر القضايا إثارةً للنقاش في الفضاء الديني، لما تطرحه من أسئلةٍ عن المساواة والمواطنة والحرية الدينية وتقرير المصير. وتُظهر الدراسة أن وجود مساحاتٍ مخصّصة للنساء يُشكّل شرطاً أساساً للمشاركة، إلا أنّ هذه المساحات غالباً ما تكون محدودةً أو أصغر مقارنةً بتلك المخصّصة للرجال.

وتلفت الدراسة إلى أن نساءً مسلماتٍ في أوروبا الغربية يميّزن بوضوحٍ بين ما يَرَيْنَه "إسلاماً أصيلاً" وبين ممارساتٍ مسجديّةٍ يَرَيْنَها نتاجاً لتقاليد ثقافيةٍ ذكوريةٍ، لا انعكاساً للتعاليم الدينية. وتشير الدراسة إلى ما تصفه "توتّراً قائماً" بين تصوّر هؤلاء النساء لأنفسهن مواطناتٍ متساوياتٍ، وبين المعايير القائمة على النوع السائدة داخل العديد من المساجد.

يتكرر الشعور بعدم الانتماء بصيغةٍ مختلفةٍ لدى كمال، الموظف في شركةٍ تقنيةٍ في مدينة هاغن غرب ألمانيا. يزور كمال المسجد مرةً أو مرتين في الشهر، لكن حضوره متصلٌ بعدم الارتياح. يوضح في حديثٍ للفراتس أنّ هيمنة الانتماءات القومية والثقافية والطائفية داخل المساجد في ألمانيا، وانقسامها على هذا الأساس، أفقدها دورها مكاناً جامعاً. في نظره تحوّل المسجد مؤسسةً ثقافيةً متجمّدةً لا تواكب تحوّلات الحياة اليومية ولا تقدّم إجاباتٍ عن أسئلة العمل والاندماج والعلاقات والصحة النفسية. الفجوة بين المنبر وواقع الشباب، كما يصفها، هي ما يدفعه إلى الإبقاء على مسافةٍ محسوبةٍ بينه وبين المكان.

أما سلام، مصمّمة الأزياء المقيمة في هيسن وسط ألمانيا، فقد اتخذت قرار الابتعاد الكامل عن المسجد منذ خمسة أعوام. لا تتحدّث عن تجربةٍ صِداميةٍ مباشرةٍ، بل عن ضغطٍ غير معلنٍ رافق وجودها فيه، مثل الحاجة المستمرة لتبرير اختياراتها، من مظهرها إلى عملها الفني وصولاً إلى أسئلتها الدينية. ترى سلام أنّ المسجد لم يعد يعكس تنوّع التجربة الإسلامية في ألمانيا، وأصبح أقرب إلى فضاءٍ ينتمي إلى جيلٍ سابقٍ، لا إلى مساحةٍ تتّسع للاختلاف. في المقابل، تعيد تعريف علاقتها بالإيمان خارج الجدران، في أماكن تشعر فيها بحرّيةٍ أكبر، بعيداً عن القوالب الجاهزة والتوقعات المسبقة.

تكشف هذه الشهادات بتنوّعها عن تحوّلٍ عميقٍ في علاقة نسبةٍ من الشباب المسلمين بالمسجد داخل السياق الأوروبي، جزءاً من الإيقاع اليومي للتديّن، من دون أن يختفي رمزيّاً أو يُقصى من المشهد الديني العام. غير أنّ هذا التحوّل لا يُختزل في المكان وحده. أحد مفاتيح فهمه يتعلّق بالخطاب ذاته، لغته وبنيته والموقع الذي يصدر عنه. المسألة هنا ليست غياب المسجد، بل ما يُقال داخله وكيف يُقال ومن أي موقعٍ تُصاغ الأسئلة وتُقدَّم الإجابات.


يلمس يوسف هذه الأزمة من موقعه التعليمي المباشر، مدرّساً لتحفيظ القرآن في مسجد الهدى بمدينة كاسل، ومسؤولاً عن بعض الأنشطة التي تُقام فيه. يلاحظ يوسف، بحسب ما يُخبر الفراتس، أنّ الأطفال والمراهقين الذين يلتقيهم يحفظون النص لكنهم يفتقدون أدوات فهمه وربطه بحياتهم اليومية. لا يرى المشكلة في اللغة العربية، بل في الطريقة التي تُستخدم بها. لغةٌ مغلقةٌ تعليميةٌ تفترض التلقّي بدلاً من أن تفتح مجال السؤال. ويقول: "نعلّمهم ماذا يقول النص، لكننا نادراً ما نناقش لماذا يقول ذلك أو كيف يمكن أن يُفهم اليوم". يرى يوسف أن الفجوة تكمن في عدم انتقال الخطاب من مستوى الحفظ إلى مستوى المعنى، ومن التعليم الأحادي إلى الشرح التفاعلي.

ويتحدّث حامد، إمام مسجد السلام في مدينة مونستر غرب ألمانيا، عن تحدٍ متصل. يعترف في مقابلةٍ مع الفراتس أنّ الخطبة ما زالت تُبنى غالباً على نموذج الواعظ الذي يقدّم الإجابة الجاهزة من أعلى المنبر. يرى أن هذا النموذج لم يعد قادراً على مخاطبة جيلٍ لا يبحث عن التوجيه بقدر ما يبحث عن النقاش. يضيف: "نحن نتكلم كثيراً، لكننا نسمع قليلاً". لا ينكر أهمية الخطبة طقساً جامعاً، لكنه يشكك في فعاليتها حين تبقى منفصلةً عن أسئلة العمل والهوية والعلاقات والضغط النفسي. في رأيه، أزمة الخطاب ليست في المضمون الديني فقط، بل في موقع الإمام نفسه، هل هو موجِّهٌ، أم شريكٌ في البحث عن المعنى؟".

هنا يأتي صوت كمال، الموظف في شركةٍ تقنيةٍ بمدينة هاغن، لا ليكرر تجربته مع المكان، بل ليضيء على أثر الخطاب عليه. يصف علاقته بالخطب الدينية بعلاقة استماعٍ بلا مشاركة. لا يعترض على النصوص، لكنه يشعر بأن اللغة المستخدمة تفترض موقعاً سلبياً للمتلقي: "إما أن تقبل، أو تُصنّف منحرفاً أو ضعيف الإيمان". ما يفتقده، كما يقول للفراتس، هو الحوار لا الإرشاد، والمساحة التي يُسمح فيها بالشك وبطرح الأسئلة من دون الخوف من الوصم. لا يرى كمالُ المشكلةَ في وجود الإمام، بل في استمرار العلاقة العمودية التي تجعل الخطاب أحادي الاتجاه.

إلى جانب التحوّلات البنيوية في علاقة الأفراد بالمؤسسة، يواجه الخطاب الديني في ألمانيا أزمةً أخرى لا تقلّ أهميةً، تتمثّل في النقص بعدد الخطباء المؤهّلين. ففي العديد من المراكز الدينية بولاية تورينغن شرق ألمانيا، يُضطر القائمون عليها إلى الاستعانة بأشخاصٍ غير مختصّين لإلقاء الخطب في بعض الأحيان، لاسيما في المناسبات. وهو ما يؤدي غالباً إلى خطاباتٍ غير متماسكةٍ أو وعظيةٍ سطحيةٍ أو منقطعةٍ عن سياق المصلّين الاجتماعي والنفسي، وفق ما يقول حسن، الذي يعيش في مدينة إيرفورت وسبق له أن شارك في تنظيم العديد من المناسبات الدينية في مدينته. هذا الارتجال في الخطاب، وفق حديثه للفراتس، لا يضعف أثر المناسبة الدينية فحسب، بل يساهم أيضاً في تعميق الفجوة بين المنبر والجيل الجديد الذي يبحث عن خطابٍ واضحٍ ورصينٍ، قادرٍ على ملامسة واقعه بدل الاكتفاء بالتكرار أو العموميات.

تكشف هذه الأصوات من مواقع مختلفةٍ داخل التجربة الدينية عن أزمة خطابٍ في جوهرها لا أزمة التزام. فبين لغةٍ تعليميةٍ لا تفتح أفق المعنى، وخطبةٍ ما زالت تتمسّك بموقع الواعظ، وعلاقةٍ غير متكافئةٍ بين الإمام والمتلقّي، تتّسع الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش. ليست المسألة غياب الدين عن حياة الشباب، بل غياب لغةٍ قادرةٍ على ملامسة أسئلتهم من دون افتراض إجاباتٍ مسبقة. وهنا يبرز سؤالٌ لا يمكن تجاوزه، كيف تنظر المؤسسة الدينية إلى هذا التحوّل؟ وهل تراه انحرافاً عن المسار، أم واقعاً جديداً يفرض إعادة التفكير في الدور والوظيفة؟


يقرّ حسام، عضو لجنة الفتاوى التابعة لمسجد المهاجرين في مدينة بون غرب ألمانيا، أن الأسئلة التي تصل المؤسسة اليوم لم تعد تشبه أسئلة الماضي. يلاحظ أنّ كثيراً من الاستفسارات لم تعد تبحث عن حكمٍ شرعيٍّ مجرّدٍ، بل عن فهمٍ يراعي سياق الحياة النفسي والاجتماعي في أوروبا. يقول للفراتس: "الناس لا تسأل فقط هل هذا حلال أم حرام؟ بل كيف أعيش ديني هنا من دون أن أشعر بالاغتراب أو التناقض". لا يرى حسام هذا التحوّل ضعفاً في الالتزام، بل انتقالاً في طبيعة العلاقة مع الدين، من الطاعة الشكلية إلى البحث عن معنىً قابلٍ للعيش. ويعترف بأنّ المؤسسة، بما تحمله من إرثٍ فقهيٍّ وتنظيميٍّ، ما زالت تتعلّم كيف تتعامل مع هذا النوع من الأسئلة التي لا تقبل إجاباتٍ جاهزةً ولا قوالب ثابتة.

هذا النوع من التساؤلات الجديدة عن الدين في أوروبا يعكس تفاعلاً مع التحولات الأوسع في المجتمع، من الاستقرار القانوني لناحية الإقامة، وتوسّع فرص التعليم والعمل إلى تراجع منطق العزلة القسرية لاسيما لدى الأجيال الجديدة. فالدين أصبح جزءاً من الحياة اليومية في المدرسة وسوق العمل والفضاء العام، وليس مجرد ممارسةٍ ضمن جماعةٍ مغلقة. ما يعزز عملية الاندماج وتكييف الممارسات الدينية، ضمن ظروف المجتمع الجديد. وتُظهر نتائج دراسةٍ لمركز الأبحاث التابع للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين سنة 2020، تحت عنوان "موسلِمز لايف إن جيرماني 2020" (حياة المسلمين في ألمانيا 2020)، أن المسلمين مندمجون جيداً في المجتمع. اثنان من كل ثلاثةٍ لديهم تواصلٌ متكررٌ مع أشخاصٍ من أصولٍ ألمانيةٍ ضمن دائرة أصدقائهم. وفي الوقت نفسه، يُبدي أولئك الذين لا يزال تواصلهم محدوداً رغبةً قويةً في إقامة علاقاتٍ أكثر تواتراً.

ومن موقعٍ إداريٍّ وتنظيميٍّ مختلفٍ، يقدّم معتصم، المسؤول عن النشاطات الشبابية في المسجد الكبير بمدينة دويسبورغ، قراءةً واقعيةً كما يصفها في حديثه مع الفراتس. يرى أنّ المؤسسة تواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في تراجع قدرتها على جذب الشباب، وبطء استجابتها للتغيّرات الجارية. يشير إلى أنّ أنماط المشاركة تغيّرت وأن الحضور لم يعد يُقاس بالانتظام في الأنشطة أو الالتزام بالبرامج التقليدية. ويقول: "نحاول خلق مساحات تواصلٍ، لكننا نصطدم بثقل البنية، وبفكرة أن المؤسسة تعرف مسبقاً ما يحتاجه الشباب". يعترف بأنّ كثيراً من المبادرات تصطدم بمنطقٍ إداريٍّ محافظٍ، يخشى فقدان السيطرة بدلاً من السعي إلى بناء علاقةٍ جديدة.

ما يجمع بين قراءتَي حسام ومعتصم الإقرار الصريح بأنّ التحوّل لم يعد هامشياً ولا مؤقتاً. المؤسسة، بمستوياتها المختلفة، تجد نفسها أمام واقعٍ لم تعد فيه المرجعية الدينية أمراً بديهياً، ولا السلطة الرمزية مضمونة. ويكشف هذا التحوّل عن فجوةٍ جيليةٍ متناميةٍ، إذ يعيد الجيل الجديد صياغة علاقته بالدين بلغةٍ وأسئلةٍ تختلف عن تلك التي صاغت تجربة الأجيال السابقة. بناءً على ذلك، لم يعد السؤال كيف نُعيد الشباب إلى المؤسسة، بل كيف تُعيد المؤسسة تعريف نفسها في ضوء تجربةٍ دينيةٍ لم تعد تمرّ بالضرورة عبرها.


إلى جانب أزمة الخطاب وتحوّلات الجيل، لا يمكن إغفال أثر البيئة القانونية والسياسية التي تعمل ضمنها المؤسسات الدينية في ألمانيا، ولاسيما رقابة الدولة على الأنشطة الإسلامية. إذ تخضع الجمعيات الإسلامية في بعض الأحيان لدرجةٍ أعلى من التدقيق، سواءً مصادر التمويل أو طبيعة الأنشطة أو البنية الإدارية، وصولاً إلى مراقبة هيئة حماية الدستور بعضَ المساجد والجمعيات. ويُعدّ المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا هو الجهاز الأمني المسؤول عن رصد الأنشطة التي يُنظر إليها على أنها تهديد للنظام الدستوري. ويدرج الجهاز في تقاريره السنوية منذ عقودٍ دوائر متصلةً بما يُصنّف على أنه تطرّفٌ دينيٌّ أو سياسيٌّ، بما يشمل بعض الجمعيات الإسلامية المرتبطة بعناصر يُنظر إليها على أنها "متطرّفة" أو "تهدد الدستور".

هذا الواقع لا ينعكس فقط على شكل المؤسسة الدينية، بل على استعداد الأفراد أنفسهم للانخراط العلني في العمل الديني الجماعي. بسّام (اسم مستعار)، لبنانيٌّ يقيم في ولاية تورينغن شرق ألمانيا، يروي تجربةً عاشها مع مجموعةٍ من الأصدقاء قبل أعوام. يقول إنهم كانوا يفكّرون جدّياً في شراء مبنىً صغيرٍ وتحويله مركزاً دينياً اجتماعياً يخدم العائلات المسلمة في المنطقة. جمعوا المال تدريجياً وناقشوا البرامج الممكنة، لكن المشروع تعثّر، "ولا واحد فينا كان مستعد يطلع اسمه رئيس جمعية".

يشرح بسّام للفراتس أن الخوف لم يكن من المسؤولية بحدّ ذاتها بل من التبعات كالتدقيق الإداري والشبهات السياسية وربط أيّ نشاطٍ دينيٍّ تلقائياً بأسئلة الأمن والتطرّف. حتى التبرعات، كما يقول، كان الجميع يفضّل تقديمها سرّياً، من دون تسجيل أسماءٍ أو أدوارٍ واضحة. ويختصر التجربة بالقول: "كلنا متديّنين، وكلنا بدنا نعمل شي منيح، بس بلا وجع راس".

تعكس هذه التجربة نمطاً يتكرر في تجارب كثيرةٍ في ألمانيا، حيث يدفع الإطار الرقابي الصارم بعض المسلمين إلى تجنّب التنظيم والابتعاد عن العمل الجماعي العلني، واللجوء بدل ذلك إلى أشكال تديّنٍ فرديةٍ أو شبكاتٍ ضيقةٍ غير مؤسسية. هنا لا يكون الابتعاد عن المسجد أو الجمعية ناتجاً فقط عن تحوّلٍ فكريٍّ أو جيليٍّ، بل أيضاً عن حساباتٍ واقعيةٍ للأمان القانوني والاجتماعي، وبالرغبة في ممارسة الإيمان بعيداً عن الشبهات والوصم.

هكذا يلتقي التحوّل نحو التديّن الفردي مع ما يمكن وصفه بالتديّن الحذر. فالإيمان حاضرٌ، لكنه منخفض الصوت ومتجنّبٌ الظهورَ المؤسسي. وهو ما يفسّر جزئياً أن تراجع دور المسجد أو الجمعية الدينية لا يسبب قطيعةً مع الدين، بل إعادة ترتيبه داخل التجربة الشخصية. فلا يكون عرضةً للتأويل السياسي بل أكثر التصاقاً بالضمير الفردي.


لا يبدو أن التديّن الإسلامي في ألمانيا سيتلاشى مع الوقت مع التحوّلات الكبيرة التي تصيبه، ولن يعود إلى صورته الجماعية القديمة. ما يتشكّل اليوم مسارٌ ثالثٌ، إيمانٌ منحسرٌ عن الفضاء العامّ ومتفلّتٌ من قيود المؤسسة، لكنه أشدّ التصاقاً بالتجربة الفردية والمعنى الشخصي.

وبين شبابٍ يعيدون طرح سؤال الإيمان من داخله ومساجد فقدت موقعها المركزيّ، ومؤسساتٍ دينيةٍ تعترف بصعوبة اللحاق بالتحوّل، تتبدّل وظيفة الدين أكثر مما يتبدّل جوهره. هذا التحوّل من الامتثال إلى القناعة لا يضع الإيمان في مواجهة المجتمع، بل يضع المؤسسة أمام سؤالها الأهم، هل تملك القدرة على الإصغاء والتكيّف وإعادة تعريف دورها في حياة جيلٍ لم يعد ينتظر منها الإجابة الجاهزة، بل الحوار.

اشترك في نشرتنا البريدية