موافقة البرلمان على مشروع القانون لم تكن مفاجئة. إذ سبقتها أربع مبادراتٍ برلمانيةٍ لإلغاء الاتفاقية قُدّمَت منذ سنة 2023. رُفضت الأولى في ديسمبر 2023، وتحوّلت اثنتان سنة 2024 إلى أدوات ضغطٍ سياسيٍ قبل أن يُصوَّت عليها، فيما انتهت الرابعة في أكتوبر 2025 إلى تبنّي قرارٍ يدعو الحكومة رسمياً إلى إلغاء الاتفاق. ومع افتقاد مشروع القانون هذا الأثرَ القانونيَّ، لأن الدستور الفرنسي يجعل إلغاء الاتفاقيات الدولية من اختصاص رئيس الجمهورية لا البرلمان، فإن تصويت الجمعية الوطنية لصالح مشروع القانون يرسل إشارة ضغطٍ للداخل والخارج من طرف اليمين الفرنسي. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين واليمين يستغل ملف الهجرة في خطابه السياسي واستقطاب أصوات المحافظين، كما لوَّح مراراً بتعديل الاتفاقية وإلغائها.
لم تكن اتفاقيات تنظيم الهجرة بين فرنسا والجزائر منذ توقيعها مجرد إطارٍ لتنظيم التنقل والإقامة بين البلدين. بل آليّة تفاوضٍ غير متكافئةٍ تسمح باستمرار النفوذ الفرنسي في الجزائر، وتتغير شروطها أحياناً وفقاً لمصالح اليمين الانتخابية. إذ تحولت الامتيازات التي منحتها الاتفاقية للجزائريين أوراق ضغطٍ بيد فرنسا، تستعملها كلما احتدم الخلاف الدبلوماسي، أو تعثرت ملفات الأمن والترحيل، فيما تتمسك الجزائر بالحفاظ على المعاملة الاستثنائية لمواطنيها باعتبارها امتداداً للذاكرة الاستعمارية.
واجه مشروع "الجزائر الفرنسية" تحدياتٍ غير مسبوقةٍ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945. ففي العام نفسه، ظهرت "حركة انتصار الحريات الديمقراطية"، وهي حزبٌ سياسيٌ جزائريٌ أسّسه مصالي الحاج، وكان الجسر الذي نقل النضال الجزائري ضد الاستعمار من المطالبة بالإصلاح إلى الثورة. كانت الحركة لبنةَ تأسيس جبهة التحرير الوطنية، ثم حرب التحرير التي انطلقت في الفاتح من نوفمبر (الأول من نوفمبر) 1954 وانتهت بانهيار الاستعمار الفرنسي للجزائر.
استمرت الثورة الجزائرية ثمانية أعوامٍ، فُرضت على فرنسا خلالها أزماتٌ داخليةٌ وخارجية. داخلياً، انقسم الرأي العامّ الفرنسي من استعمار الجزائر المكلِّف مادياً ومعنوياً، على نحوٍ ساهم في إسقاط الحكومات. وخلال اثني عشر عاماً شهدت فرنسا تعيين عشرين حكومة. أما خارجياً، فمارس لوبي "الأقدام السوداء" ضغطاً كبيراً لاستمرار الاستعمار. ورفع شعار "الجزائر ستبقى فرنسية" رافضاً أيّ حديثٍ عن الاستقلال.
اعتقد اللوبي الفرنسي في الجزائر أن تولّي شارل ديغول رئاسة الوزراء الفرنسية سنة 1958 ثم رئاسة الجمهورية الخامسة في العام التالي سيضمن بقاء الجزائر فرنسية. لكن الجنرال اعترف في خطابه الشهير، الذي ألقاه يوم 16 سبتمبر 1959، بحقّ الجزائريين في تقرير المصير. وفي يونيو 1960 أعلن ديغول من قصر الإليزيه عن استعداده لبدء المفاوضات مع قادة الثورة الجزائرية. بدأت المفاوضات سرّيةً، قبل أن تُعقد أوّل مفاوضاتٍ علنيةٍ بمدينة مولن في 25 يونيو 1960. وبعد سلسلةٍ من التعثر، وقّع الطرفان في مارس 1962 اتفاقية إيفيان التي مهدت لاستقلال الجزائر.
تضمنت اتفاقية إيفيان محورين. الأول نظَّم الشؤون السياسية والعامة الداخلية بالجزائر خلال مرحلة تنظيم استفتاء تقرير المصير من 19 مارس 1962 إلى الإعلان الرسمي عن الاستقلال في الخامس من يوليو 1962. والمحور الثاني وضع بنوداً لضمان مصالح فرنسا والفرنسيين في الجزائر. وكان من أهمّ بنودها السماح لحاملي بطاقات الهوية الجزائرية بالسفر بحرّيةٍ من فرنسا وإليها خلال مدّة ثلاثة أعوام.
سرعان ما انتهت مهلة الأعوام الثلاثة التي حدّدتها اتفاقية إيفيان، فلَم يعُد لتدفق الجزائريين على فرنسا سندٌ قانوني. بدأ التنسيق بين البلدين لوضع اتفاقٍ جديدٍ يؤطّر الإقامة والتنقل، وينظِّم عدد العمال السنوي وحقوقهم الاجتماعية، وشروط لمّ شمل الأسَر والعودة إلى الجزائر والدراسة في فرنسا. وطالبت الحكومة الجزائرية بمعاملة الجزائريين باستثناءٍ، باعتبارهم ورثة علاقةٍ تاريخيةٍ، لأن فرنسا شهدت موجات هجرة عمالٍ كبيرةً من المغرب وتونس. وفي 27 ديسمبر 1968، وقَّعت حكومتا هواري بومدين وجورج بومبيدو اتفاقيةً جديدةً لتنظيم الهجرة بين الجزائر وفرنسا.
ميّزت اتفاقية 1968 الجزائريين بمختلف فئاتهم عن سائر الأجانب. فاستثنتهم جميعاً من قواعد دخول الأجانب وإقامتهم في فرنسا. وسمحت لمن يحمل منهم جواز سفرٍ ساري المفعول بدخول فرنسا بلا تأشيرةٍ للزيارات القصيرة التي لا تتجاوز مدّتها ثلاثة أشهر. وأكّدت حقّ الطلبة الجزائريين في متابعة دراستهم وتدريبهم في فرنسا شرط توفّرهم على موارد ماليةٍ كافيةٍ، ورخّصت لهم العمل الجزئي والاستفادة من نظام الضمان الاجتماعي للطلبة. وأدخلت العمال ضمن نظامٍ تفضيليٍ خاصٍّ يمنح الجزائر حصةً سنويةً تبلغ خمسةً وثلاثين ألف عاملٍ، ويسمح للعامل الجزائري بالحصول على إقامةٍ تُجدَّد تلقائياً كلّ عامٍ بعد تسعة أشهرٍ من وصوله، ثم الحصول على إقامة عشرة أعوامٍ بعد قضاء ثلاثة أعوامٍ متواصلةٍ في فرنسا. وساوَت العمالَ الجزائريين بالفرنسيين في الأجر وساعات العمل وظروف السلامة المهنية والتغطية الاجتماعية. وفي المقابل، ألزمت الاتفاقية الجزائرَ بمراقبة حركة المهاجرين وضمان قانونيةِ مغادرتهم، وحفظت حقّ فرنسا في رفض دخول أيّ مواطنٍ جزائريٍ لأسبابٍ تتعلق بالأمن أو النظام العامّ.
بسبب هذه الامتيازات جعل اليمين الفرنسي من الهجرة الجزائرية مادةً للانتقاد. بلغ الاحتقان ذروته صيف سنة 1973، الذي سُمِّيَ "الصيف الأحمر"، وشهد واحدةً من أسوأ موجات العنف والعنصرية ضد الجزائريين في مدن جنوب شرق فرنسا. حينئذٍ أصدر مجلس الثورة الجزائري برئاسة هواري بومدين مرسوماً يقضي بوقف هجرة العمال إلى فرنسا فوراً. في العام نفسه تفاقمت الأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة إيقاف الدول العربية تصدير النفط إثر حرب أكتوبر 1973، فقررت حكومة فاليري جيسكار ديستان في الثالث من يوليو 1974 تعليق الهجرة العمالية والعائلية من خارج السوق الأوروبية المشتركة. كان الجزائريون، وهم أكبر جاليةٍ أجنبيةٍ في فرنسا يومئذٍ، الأكثر تضرراً.
وقّع البلدان سنة 1974 الاتفاقية القنصلية في باريس، وسط تزايدٍ كبيرٍ في موجات الهجرة الجزائرية إلى فرنسا. هدفت الاتفاقية إلى تنظيم مهامّ الحماية القنصلية لرعايا البلدين المقيمين في أراضي الطرف الآخر، وتحديد صلاحيات البعثات القنصلية، مثل إصدار الوثائق الرسمية، وتقديم المساعدة القانونية والاجتماعية، وضمان حقوق المواطنين في حالات التوقيف أو الترحيل أو النزاعات الإدارية. وأطّرت اتفاقية 1974 عملية إلزام البلدين بإصدار تصاريح قنصليةٍ لترحيل رعاياهم المقيمين بصفةٍ غير قانونيةٍ أو الصادر في حقّهم حكم ترحيلٍ نهائيٍ، بالإضافة إلى ضرورة إخطار القنصلية والسماح لها بالتدخل في حالة توقيف رعايا أحد البلدين في البلد الآخر.
وفي خريف 1983، تصاعدت مجدداً حدّة الخطاب العنصري في ظلّ الحكومة اليسارية بقيادة فرانسوا ميتران، فأطلقت الجالية المغاربية بفرنسا مسيرة من أجل المساواة ومناهضة العنصرية. انطلقت المسيرة في أكتوبر من مرسيليا باتجاه باريس. وشارك فيها أكثر من مئة ألفٍ جلّهم من المغاربيين، وانتهت بلقاءٍ جمع ممثلي المنظّمين بميتران. عقب اللقاء، أعلن ميتران عن إقرار بطاقات إقامةٍ صالحةٍ مدّة عشرة أعوام. لكن بعدها بعامٍ عُدّلت اتفاقية 1968 أوّل مرّةٍ لتساير التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في فرنسا. في هذا السياق، بدأت مفاوضاتٌ جديدةٌ بين الجزائر وفرنسا لتكييف أحكام الاتفاقية الأصلية مع الواقع الجديد، وانتهت بتوقيع الملحق الإضافي الأول في 22 ديسمبر 1985 بالجزائر.
قلَّص الملحق امتيازاتِ العمال والمهاجرين الجزائريين. فأبقى على حرية سفر الجزائريين إلى فرنسا من أجل الإقامات القصيرة أقلّ من ثلاثة أشهرٍ بلا تأشيرة، لكنه ألغى نظام حصص العمال الجزائريين السنوية، ليُخضع دخولَ سوق العمل الفرنسي للحاجة التي تحدّدها السلطات. وأدخل الملحق تعديلاتٍ جوهريةً على أنظمة إقامة الجزائريين، أخضعتها لشروط قانون الإقامة الفرنسي العامّ، بما في ذلك توفّر الموارد الكافية، والاستقرار المهني أو العائلي. وقيَّدت لمّ الشمل العائلي بشرط إثبات دخلٍ شهريٍ يعادل على الأقلّ حدَّ الأجور الأدنى، مع شرط توفّر السكن الملائم.
ومع بدايات تسعينيات القرن العشرين، غرقت الجزائر في فترة "العشرية السوداء" والعنف الذي اندلع بعد إلغاء الانتخابات التشريعية سنة 1991. ساهمت هذه التطورات في زيادة موجات الهجرة الجزائرية نحو فرنسا، سواءً الشرعية منها أو غير النظامية. وتزامنت مع صعود الخطاب اليميني المعادي للهجرة في فرنسا، والدعوات لإخضاع الاتفاق الثنائي مع الجزائر لقانون باسكوا الصادر سنة 1993، والمتشدد بشأن الهجرة. في هذا السياق قرّرت باريس والجزائر تعديل اتفاقية 1968 مرّةً ثانيةً في 28 ديسمبر 1994.
لم يقتصر التعديل الجديد على شروط الهجرة والعمل. بل ألغى أكثر الامتيازات التي أقرّتها الاتفاقيات السابقة. ففَرَضَ على جميع المواطنين الجزائريين الراغبين في دخول فرنسا الحصول على تأشيرةٍ، بقطع النظر عن مدّة الزيارة وسببها. وألغى امتيازات الطلبة، واشترط حصولهم على تأشيرات إقامةٍ طويلة الأمد، يُمنحون بعدها إقامة طالبٍ تُجدَّد سنوياً طيلة مدّة الدراسة، مثل طلبة سائر الدول.
أقرّ التعديل بطاقة إقامةٍ جديدةً تحمل اسم "الحياة الخاصة والعائلية"، تُمنح بصفةٍ شبه تلقائيةٍ لبعض الفئات، مثل أزواج الفرنسيين وآباء وأمهات الأطفال الفرنسيين القُصّر والجزائريين المقيمين بانتظام في فرنسا منذ أكثر من عشرة أعوام. وحافظ على بند الإقامة عشرة أعوامٍ للفئات التي تستوفي شروط الاستقرار المهني والاجتماعي، لكنه ألغى بعض الامتيازات القديمة، مثل الإعفاء من إثبات الموارد أو السكن. وأبقى حقّ حصول الجزائري الممارس عملاً حرّاً على بطاقة الإقامة عند إثبات تسجيله في السجل التجاري أو سجل المهن أو هيئةٍ مهنية.
تحوّل ملفّ الهجرة إلى أداة ضغطٍ بيد فرنسا. فبدلاً من أن تبقى هذه الاتفاقيات لتنظيم الإقامة والتنقل، ربطتها باريس بملفات الترحيل والتعاون القنصلي الأمني. ولوّحت أكثر من مرّةٍ بإعادة النظر في الامتيازات التي تمنحها للجزائريين أو تشديد شروط التأشيرة. ومع بداية القرن الجديد بدأت محاولات السياسيين الفرنسيين أوّل مرّةٍ للحدّ من الامتيازات التي منحتها اتفاقية 1968 للجزائريين. وأعلن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي في حملته الانتخابية بعد انتهاء ولايته الأولى بضرورة إعادة فتح مفاوضاتٍ مع الجزائر لإعادة النظر في اتفاق 1968 لأنه يقدم امتيازاتٍ مفرطةً مقارنةً مع المغاربة والتونسيين. وفي المقابل، هدّدت الجزائر بتجميد التعاون الأمني إذا مُسَّ ببنود الاتفاق.
وُقِّع اتفاقٌ جديدٌ بشأن الهجرة بين الجزائر وفرنسا في 16 ديسمبر 2013 في سياقٍ اتّسم بمحاولة البلدين إعادة تنشيط التعاون الدبلوماسي وتبديد التوترات السياسية القديمة التي ظلّت ترافق ملفّات الذاكرة والهجرة. نصّ الاتفاق الجديد على الإعفاء المتبادل من التأشيرات قصيرة الأمد لحاملي الجوازات الدبلوماسية وجوازات الخدم من كلا البلدين، إذ يتيح لهؤلاء دخول أراضي الدولة الأخرى بلا تأشيرةٍ مسبقةٍ والإقامة مدّةً لا تتجاوز تسعين يوماً خلال فترة مئةٍ وثمانين يوماً. وهذا الاتفاق ذو طابعٍ إداريٍ ودبلوماسيٍ بحتٍ، هدفه تسهيل تنقّل المسؤولين الحكوميين وأعضاء البعثات الرسمية، لا توسيع حرية التنقل لبقية المواطنين.
استخدمت فرنسا التأشيرات أداةَ ضغطٍ مباشرةً على الجزائر في سبتمبر 2021. إذ خفضت عدد التأشيرات الممنوحة للجزائريين بنسبة 50 بالمئة، مبرّرةً القرارَ بامتناع الجزائر عن إصدار التصاريح القنصلية اللازمة لاستقبال مواطنيها المقيمين بصفةٍ غير نظاميةٍ في فرنسا. وجاء القرار أحاديّاً دون تشاورٍ، ما أثار احتجاج الجزائر رسمياً، إذ عدّته مساساً بعلاقاتها الثنائية وبروح اتفاق 1968، وأغلقت مجالها الجوّي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية العاملة في الساحل الإفريقي. ومع نهاية سنة 2022 سعى ماكرون إلى ترميم العلاقات بزيارة الجزائر والاتصال مباشرةً بين وزيري الداخلية، فأفضت هذه الجهود إلى رفع القيود تدريجياً على التأشيرات خلال 2023.
لم تدم الانفراجة طويلاً. ففي فبراير 2023، تفجرت قضية الصحفية الجزائرية الفرنسية أميرة بوراوي التي تركت الجزائر وانتقلت للعيش في فرنسا. عدّت الجزائر سفرَ البراوي من الجزائر "عملية تهريب" شاركت فيها الأجهزة الدبلوماسية والأمنية الفرنسية. وكان ردّ الجزائر على العملية باستخدام ورقة الهجرة، فأوقفت إصدار التصاريح القنصلية لترحيل المهاجرين الجزائريين غير النظاميين في فرنسا. وفي أبريل 2024، عاد التوتر بين البلدين بعد حادث اختطاف المعارض الجزائري أمير بوخرص في فرنسا وتوقيف السلطات الفرنسية موظفاً قنصلياً جزائرياً بتهمة المشاركة في عملية الاختطاف، وهو ما عدّته الجزائر خرقاً لاتفاقية 1974 التي تشترط ضرورة إخطار الدولة الأخرى قبل توقيف أحد رعاياها.
وردّاً على سلسلة الطرد الدبلوماسي التي باشرتها الجزائر في أبريل ومايو 2025، ردّت باريس بتفعيل ورقة الهجرة أداةَ ضغطٍ مباشرةً على الجزائر. وأعلن وزيرُ أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسيُّ جان-نوال بارو عن نيّة فرنسا إعادةَ جميع الموظفين الجزائريين حاملي جوازات السفر الدبلوماسية الذين لا يملكون تأشيراتٍ ساريةً إلى الجزائر. فيما شدّد وزير الداخلية برونو ريتايو على نيّة باريس تقييد دخول بعض المسؤولين الجزائريين وعائلاتهم إلى فرنسا بسبب رفض الجزائر استقبال أكثر من مئةٍ وعشرين من رعاياها المقيمين في فرنسا في وضعٍ غير قانوني.
أخذ الضغط الفرنسي على الجزائر طابعاً قانونياً خلال سنة 2025. ففي يناير، دعا وزير الداخلية برونو ريتايو إلى مراجعة اتفاقية 1968 باعتبارها تمنح الجزائريين "امتيازاتٍ غير مبرَّرة". وفي 26 فبراير أعلن رئيس الوزراء فرانسوا بايرو عن اعتزام حكومته إعادة النظر في جميع الاتفاقيات المتعلقة بالهجرة بسبب رفض الجزائر إصدار التصاريح القنصلية لإعادة قبول رعاياها المقيمين بصفةٍ غير نظاميةٍ في فرنسا. ثم عاد في أكتوبر، عند مغادرته منصبه، ليطالب بعدم تجاهل تصويت الجمعية الوطنية على إلغاء الاتفاقية نفسها.
بعد أعوامٍ من التلويح باتفاقيات الهجرة، انتقلت باريس في أغسطس 2025 إلى تنفيذ إجراءاتٍ فعليةٍ، لا مجرّد تهديدات. في 6 أغسطس 2025، وجّه الرئيس ماكرون رسالةً إلى رئيس وزرائه يطالبه فيها بتعليق الاتفاق الدبلوماسي لسنة 2013 الذي يعفي حاملي الجوازات الرسمية من التأشيرة، وتشديد شروط دخول الدبلوماسيين الجزائريين إلى فرنسا. واعتبر ماكرون أن تزايد صعوبات ملفَّي الهجرة والأمن يستدعي موقفاً أكثر حزماً، "إذ يجب أن تكون فرنسا قويةً لتكسب الاحترام". ردّت الجزائر في اليوم التالي باتهام فرنسا بالتنصّل من مسؤولياتها، وأعلنت عن إنهاء إعارة بعض المباني المملوكة للدولة الجزائرية وتستعيرها السفارة الفرنسية، في خطوةٍ رمزيةٍ تعبّر عن تصاعد التوتر الدبلوماسي بين الجانبين.
ولم يقتصر الضغط على الحكومة، بل امتد إلى البرلمان الذي سخّر الجدل القانوني لتوجيه رسالةٍ سياسيةٍ إلى الجزائر. في 15 أكتوبر 2025 قدّم برلمانيون من حزبَي النهضة والتحرّك تقريراً موسّعاً ينتقد اتفاقية 1968 لأنها تُرسّخ تمييزاً بين فئات الأجانب، وتفتقر إلى بند المعاملة بالمثل، وتُحمّل فرنسا وحدها معظم الالتزامات. وتُقدّر كلفتها على الميزانية العامة بنحو ملياري يورو سنوياً نتيجة الامتيازات الاجتماعية والإدارية التي تمنحها لحاملي الجنسية الجزائرية. ولهذه الأسباب، أوصى التقرير بفتح مفاوضاتٍ شاملةٍ مع الجزائر لإعادة النظر في الاتفاقية أو إنهائها رسمياً وفقاً للقانون الدولي.
ثمّ بلغ الجدل ذروته في أكتوبر 2025 حين صوّتت الجمعية الوطنية على مشروع قانونٍ قدّمه حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف لإلغاء الاتفاقية، وحصل المشروع على 185 صوتاً في تصويتٍ رمزيٍّ غير ملزِم. ومع أن القرار لا يفرض على السلطة التنفيذية تعديل الاتفاقية، لكن التصويت استُخدِم ورقةَ ضغطٍ سياسيةً توجّه رسالةً للجزائر بأن الامتيازات الممنوحة لرعاياها لم تعُد محلّ إجماعٍ داخل فرنسا. في هذا السياق رفض رئيس الوزراء سباستيان لوكورنو الإلغاءَ الأحاديَّ لاتفاقية 1968 مع الجزائر، طالباً من أعضاء الجمعية فتحَ باب التفاوض مع الجزائر، ما يعكس انتقال الاتفاقية من إطارٍ قانونيٍ للهجرة إلى أداة مساومةٍ سياسيةٍ على مستوى مؤسسات الدولة.
ومع تصاعد الدعوات السياسية داخل فرنسا لإلغاء اتفاقية 1968 المنظّمة لهجرة الجزائريين، يظلّ مسار الإلغاء معقداً. فالوثيقة معاهدةٌ دوليةٌ تسمو على القوانين الوطنية بموجب المادة 55 من الدستور الفرنسي، ولا يمكن إبطالها إلّا بقرارٍ من رئيس الجمهورية عبر مسارٍ دبلوماسيٍ مع الجزائر أو انسحابٍ أحاديٍّ يخضع لشروطٍ صارمةٍ في القانون الدولي. وتوضح ناتالي كلارنس، أستاذة القانون العامّ بجامعة باريس سيتي، في حوارٍ مع موقع "نادي العدالة" أن الحجج المطروحة لإلغاء الاتفاقية ذات طابعٍ سياسيٍ أكثر ممّا هو قانوني. إذ تُتهم الاتفاقية بأنها تمنح الجزائريين امتيازاتٍ غير مبرَّرةٍ، أو أنها فقدت مبرّراتها التاريخية، أو أن الجزائر لا تتعاون في إصدار التصاريح القنصلية لترحيل غير النظاميين. غير أن هذه الحجج تبقى ضعيفةً قانونياً، لأن الاتفاقية لا تحتوي بنداً يتيح الإلغاء الأحاديّ ولا تفرض التزاماتٍ صريحةً على الجزائر بشأن التصاريح القنصلية، والاستناد إلى "التغير الجوهري في الظروف" أو "خرق جوهري" لا يرقى إلى شروط الإنهاء وفق اتفاقية فيينا، فيما لا يشكل تدهور العلاقات الدبلوماسية سبباً مشروعاً للانسحاب. لذلك يبقى إنهاء الاتفاقية خياراً استثنائياً يحتاج تبريراتٍ دقيقةً ومفاوضاتٍ معقدةً توازن بين الحسابات السياسية واحترام الالتزامات القانونية الدولية.

