منذ أواخر الفترة الملكية حاولت محاميات مصريات الاحتجاج على هذا التمييز بلا نجاح يذكر.
توسعت الحجج الرافضة عملَ المرأة في القضاء في السبعينيات، وكان منها حجج اجتماعية وثقافية تتعلق بعدم جاهزية المجتمع، لأخرى دينية ترى عملَ المرأةِ قاضيةً مناهضاً الشريعةَ الإسلامية. حاولت السلطة في فترة الرئيس محمد حسني مبارك الالتفافَ على هذا التعنت عبر فرض توظيف النساء قاضياتٍ في أعلى السلم القضائي. لكن باب التوظيف في بدايات السلم القضائي والتدرج صعوداً بالمناصب مثل الرجال ظلّ موصداً. واصل الرئيس عبد الفتاح السياسي نهجَ مبارك بالتعيين من أعلى، إلا أنه تجاوزه بإعادة ترتيب النظام القضائي من جذوره.
أتاحت التعديلات القضائية منذ سنة 2015 مساحةً أوسع للنساء لدخول درجات السلم الوظيفي الأولى في مناصب السلك القضائي، إلا أنها أتت بثمن. ذلك أن مؤسسة القضاء بنيت تاريخياً على أساس اجتماعي صلب مكوّن من شبكة من العلاقات الأسرية والاجتماعية والمؤسساتية أتاح لها درجة من الاستقلال عن السلطة التنفيذية. فكانت السلطة القضائية قادرةً، وإن بقدر محدود، على الحدّ من نزعة السلطة التنفيذية في التغوّل والتوسع. لكن هذا التكتل الاجتماعي الصلب كان أيضاً المسؤولَ عن منع النساء من دخول هذه المنظومة. وكان على السلطة أن تعيد ترتيب المؤسسات العدلية وتحدَّ من نفوذها واستقلالها حتى تسمح بالتحاق المرأة فيها بعد وضع شروط جديدة في الولاء واختبارات اللياقة ورسوم التدريب.
يختص القضاء العادي بالنظر في المنازعات المدنية والتجارية والجنائية. وتتنوع محاكمه إلى ابتدائية وجزئية ومستعجلة، وكذلك إلى محاكم نقض واستئناف، إلى جانب النيابة العامة. ويختص القضاء الإداري المسمى "مجلس الدولة" بالفصل في المنازعات التي تكون جهة الإدارة (السلطة التنفيذية) طرفاً فيها، ويشمل ذلك الطعن في القرارات الإدارية النهائية ودعاوى التعويض ومنازعات الوظيفة العامة والعقود الإدارية والمسائل الضريبية والجمركية، إلى جانب دعاوى الجنسية. ويضم مجلس الدولة أربع محاكم: الإدارية والتأديبية والقضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا. أما ثالث الجهات القضائية فهو القضاء الدستوري الذي يضطلع بمراقبة دستورية القوانين واللوائح، وتفسير النصوص الدستورية، والفصل في تنازع الاختصاص بين الجهات القضائية، وهو مكوّن من محكمة واحدة هي المحكمة الدستورية العليا.
أما الهيئات القضائية فهي كيانات مستقلة في عملها، إلا أنها تتبع وزارة العدل إدارياً ومالياً. وتشمل هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة. ولا تصدر هاتان الهيئتان أحكاماً، بل تختص هيئة النيابة الإدارية بالتحقيق مع العاملين المدنيين بالدولة وتحريك الدعوى التأديبية، بينما تختص هيئة قضايا الدولة بالترافع وتمثيل الدولة أمام القضاء.
الانضمام إلى المنظومة القضائية تحكمه اعتبارات قانونية واجرائية، أهمها تقديم ملف يضم المستندات المعتادة من شهادة ميلاد وشهادة تخرج وشهادة الموقف من التجنيد والقيد العائلي والصحيفة الجنائية. ويُضاف إلى هذه المستندات صورة الحيازة الزراعية للأسرة إن كانت من ملاك الأراضي، والصحيفة الجنائية للأب والقيد العائلي لجدي المتقدم من جهة الأب والأم وشهادة عمل الأب موضحاً بها صافي دخله، فضلاً عن فحص المستوى المادي والاجتماعي للمتقدم وعائلته الكبيرة من أعمام وأخوال مع التأكد من خلو الأسرة من المطلوبين أمنياً أو أصحاب السوابق.
يضاف لهذه المتطلبات القانونية اعتبارٌ غير مكتوب يساهم بقوةٍ في انضمام المتقدم، وهو الانتماء لأسرة قضائية. وقد عبّر عدد من ممثلي السلطة القضائية عن دعمهم ذلك، ومن أبرزهم وزير العدل الأسبق أحمد الزند. فقد قال أثناء رئاسته نادي قضاة مصر سنة 2012: "تعيين أبناء القضاة سنة بسنة، ولن تكون هناك قوة في مصر تستطيع أن توقف هذا الزحف المقدس إلى قضائها". وقال في مناسبة أخرى: "من يهاجم أبناء القضاة هم الحاقدون والكارهون ممن يُرفض تعيينهم [. . .] وسيظل تعيين أبناء القضاة مستمراً". أدلى وزير العدل الأسبق محفوظ صابر سنة 2015 بتصريح مشابه، قائلاً "ابن الزبال لا يصح أن يدخل سلك القضاء".
ومع أن التصريح جلب عليه موجة من النقد دفعته للاستقالة، إلا أن قاعدة تفضيل "أبناء القضاة" ظلت "قانوناً غير مكتوب" يؤثِّر في التعيين. وهذا ما أكّده رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة ناصر أمين للفِراتس، فالأولوية في التعيين في الجهات والهيئات القضائية تُمنح لأبناء القضاة وبناتهم، "وبعد استيفائهم تُوزَّع النسبة المتبقية على أبناء الطبقات العليا".
وفيما كانت هذه المنظومة القضائية وبناؤها الاجتماعي الصلب حاجزاً أمام تغوّل السلطة التنفيذية وتمددها، إلا أنها في الوقت نفسه كانت عقبة كأداء أمام انتساب المرأة لها لأكثر من سبعين عاماً.
لم تقف عائشة راتب مكتوفة الأيدي، بل قدمت دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد قرار استبعادها. استمرت القضية منظورة في المحكمة سنتين ونصف، وانضمت إلى الدعوى جمعية الاتحاد النسوي المصري، التي أسستها رائدة حقوق المرأة في مصر هدى شعراوي.
ذكرت عائشة في دعواها أن وكيل المجلس أخبرها قبل إعلان القرار أن مسألة تعيينها عُرضت على وزير العدل، لكنه تردد في اتخاذ القرار وحده. وبعد أن رفع الأمر إلى رئيس الوزراء حسين سري باشا رفض التعيين لأنه "يتنافى مع السياسة العامة للدولة". وذكرت عائشة أن وكيل المجلس عرض عليها التعيين في مؤسسة الشهر العقاري التابعة لوزارة العدل المعنية بتوثيق الحقوق العينية على العقارات، أو في المحاكم الحسبية المتخصصة في الإشراف على أموال القُصَّر والمحجور عليهم وفاقدي الأهلية أو في وزارة الشؤون الاجتماعية. ووعدها كذلك أن يكون ذلك مقدمة لتعيينها لاحقاً في المجلس حين تتاح الظروف، لكن عائشة رفضت هذا الحل مفضِّلةً اللجوء إلى القضاء.
أيدت محكمة القضاء الإداري في فبراير 1952 قرار استبعاد عائشة راتب من التعيين. واستندت المحكمة على أن قصر بعض الوظائف – مثل وظائف مجلس الدولة أو النيابة أو القضاء – على الرجال دون النساء لا يعدو كونه تقديراً لجهة الإدارة عند المفاضلة بين المرشحين لشغل هذه الوظائف. وقد استندت المحكمة في ذلك إلى سلطتها التقديرية وما تراه من اعتبارات لطبيعة الوظيفة وملابساتها وظروف البيئة وأوضاع العرف والتقاليد. ورأت أن هذا التقدير لا يتضمن أي انتقاص من قيمة المرأة أو مساس بكرامتها أو مكانتها العلمية أو الثقافية، ولا ينطوي على إنكار نبوغها أو تفوقها أو أي صورة من صور الإجحاف بحقها. بل رأته مجرد تقدير إداري لملاءمة شغل وظيفة بعينها في ضوء ظروفها الخاصة. وأكَّدت المحكمة أن التعيين لا يرتبط بالكفاءة العلمية وحدها، بل يتأثر بعوامل أخرى مثل الحالة الصحية والاجتماعية.
مع انتهاء الحقبة الملكية بعد ثورة 23 يوليو 1952، وصلت مجموعة من النساء إلى عدد من المناصب القيادية، لكن باب العمل في القضاء بقي موصداً أمامهن. فبُعيد سقوط الملكية دخلت عشر نساء في إضراب عن الطعام عشرةَ أيام احتجاجاً على غياب النساء عن لجنة كتابة الدستور، وكان ممن أضربَ القيادية النسائية والشاعرة درية شفيق. حينها وعدها الرئيس محمد نجيب، عبر رسالة نقلها إليها محافظ القاهرة، بأن الدستور الجديد "سيكفل للمرأة حقها السياسي".
تحقق ذلك في دستور 1956 بمنح المرأة المصرية الحق في التصويت والترشح لأول مرة في تاريخ مصر الحديث. وبفضل درية نضال شفيق وزميلاتها، انضمت راوية عطية إلى البرلمان المصري سنة 1957 لتصبح أول امرأة مصرية وعربية تفوز بعضوية مجلس الأمة. كذلك انضمت الأكاديمية حكمت أبو زيد للسلطة التنفيذية، بعدما اختارها الرئيس جمال عبد الناصر في سبتمبر 1962 أول وزيرة للشؤون الاجتماعية.
لم يقتصر تعيين النساء على المناصب السياسية، بل امتد لمؤسسات قريبة من القضاء، أهمها النيابة الإدارية. وتختص النيابة الإدارية بالتحقيق في المخالفات الإدارية والمالية للموظفين والعاملين بالدولة، ومباشرة الدعاوى التأديبية أمام المحاكم التأديبية بمجلس الدولة. ففي نوفمبر سنة 1958 أصدر الرئيس عبد الناصر قراراً جمهورياً بتعيينات جديدة في هذه المؤسسة، ضمّت لأول مرة أربع سيدات في وظيفة مساعد نيابة إدارية. وقد واصلت النيابة الإدارية منذئذ تعيين النساء في وظائفها القضائية حتى وصلت نسبتهن سنة 2016 لنحو 40 بالمئة من إجمالي العاملين، وارتفعت سنة 2021 إلى 43 بالمئة. أتاحت هذه المساحة لمستشارات النيابة الإدارية الوصول إلى مناصب عليا. فقد تولت المستشارة هند طنطاوي، وهي إحدى النساء الأربع اللاتي عينهن عبدالناصر، رئاسة هيئة النيابة الإدارية في سبتمبر 1998 لتصبح أول مصرية تتولى رئاسة هيئة قضائية. تبع طنطاوي أربع مستشارات أخريات.
أما المؤسسة الأخرى التي حصل فيها توظيف نسائي فهي هيئة قضايا الدولة المسؤولة عن النيابة القانونية عن الدولة وتمثيلها أمام المحاكم. بدأ انضمام النساء إليها بعد قرار الرئيس محمد أنور السادات في أبريل 1978 بتعيين ثلاث مندوبات مساعدات بالإدارة، هن شريفة محمد مصطفى نجيب وفاطمة عوض مرسي العايدي ومرزوقة إسماعيل عبد السلام خليل. ووصلت مرزوقة خليل إلى عضوية المجلس الأعلى لهيئة قضايا الدولة سنة 2023. وفي سنة 2021 زادت نسبة تمثيل المرأة داخل الهيئة على 20 بالمئة، وفقاً لأمل عمار مساعدة وزير العدل.
على ما فيه من تطورات إيجابية في العقود التي تلت سقوط الملكية لم يمتد هذا الانفتاح إلى ساحة القضاء. بالعودة لسنة 1961 مثلاً، نجد أن المحامية كريمة علي حسنين تقدمت بطلب إلى وزير العدل فتحي الشرقاوي لتعيينها في القضاء استناداً إلى دستور 1956، لكن طلبها لم يُستجب له.
وبعد إصدار الرئيس جمال عبد الناصر الميثاق الوطني سنة 1962 الذي نص على ضرورة مساواة المرأة بالرجل وإزالة القيود التي تعيق حركتها، طالبته المحامية كريمة علي حسنين بتعيينها في القضاء أسوة بالرجال استناداً إلى الدستور والميثاق وقانون السلطة القضائية الذي يتيح تعيين المحامين في الوظائف القضائية. إلا أن طلبها لم يستجب له أيضاً. وعلى ما يبدو فالرفض جاء بعد تقديم الأزهر رأيَه في المسألة، بعدما لجأت المحامية كريمة علي حسنين له. بحسب ابنها نجاد البرعي، انقسمت آراء اللجنة التي نظرت في طلب والدته بالتساوي بين مؤيد ومعارض. وجاء رد الأزهر أن تعيين المرأة بالقضاء غير متفق مع أحكام الشريعة وذلك استناداً إلى آراء الحنابلة والمالكية والشافعية التي لا تجيز للمرأة تولي القضاء.
حتى فترة الستينيات كانت جل الأسباب التي تمسَّك بها الرافضون انخراطَ المرأة في المنظومة القضائية تبرَّر بالأعراف والتقاليد والظروف الاجتماعية. لكن منذ السبعينيات بدأت الأسباب المستندة إلى الشريعة الإسلامية تكتسب رواجاً وانتشاراً أكبر. ولعلَّ السبب في ذلك أن الدستور المصري الجديد الذي أقرّه الرئيس السادات سنة 1971 نص في مادته الثانية على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع".
ويمكن اعتبار قضية هانم محمد حسن أول قضية وُظفت فيها تلك المادة لرفض دخول المرأة القضاء. كانت هانم مديرة التفتيش الإداري بمجلس الدولة، وفي سنة 1978 تقدمت بطلب لتعيينها في وظيفة مندوب، ثاني وظيفة في سلم الوظائف القضائية في مجلس الدولة، بعد حصولها على الماجستير في القانون العام. لكن طلبها رُفض بحجة مخالفة تعيين المرأة في القضاء الشريعةَ الإسلامية والمادة الثانية من الدستور.
ومثل من سبقوها، طعنت هانم بالقرار أمام المحكمة الإدارية العليا. إلا أن النتيجة لم تختلف فقد أيدت المحكمة في يونيو 1979 استبعادَها. كررت المحكمة ما ورد في حكم استبعاد عائشة راتب سنة 1952 بعدم ملاءمة ظروف المجتمع، وأضافت سبباً جديداً عن الشريعة. وأوضحت المحكمة أن بعض المذاهب الفقهية، مثل مذهب أبي حنيفة، يجيز للمرأة الفصل في قضايا الأموال دون الحدود والقصاص وبعضها لا يجيزه. وأن الإدارة لها سلطة تقديرية في اختيار ما تراه أكثر ملاءمة للظروف المجتمعية في الزمن الذي صدر فيه القرار.
وبهذه الطريقة وقفت المنظومة القضائية ببنيانها الاجتماعي الصلب أمام محاولات المرأة الانضمامَ إليها. يؤكد المحامي ناصر أمين للفِراتْس أن السبب الرئيس لغياب المرأة عن منصة القضاء طوال العقود الماضية "لم يكن بسبب الاعتبارات السياسية أو الدينية، بل بسبب العقلية المحافظة لغالبية رجال القضاء ونظرتهم للمرأة وعدم تقبلهم لسلطتها التي قد تنشأ وتقوى بسبب اشتغالها بالقضاء".
أضاف أمين أن انضمام النساء إلى هيئتي النيابة الإدارية منذ الخمسينيات وهيئة قضايا الدولة في السبعينيات نُظر إليه حداً أقصى للتمثيل النسائي بالقرب من منصة القضاء.
في حوار مع الفِراتْس، أيدت المديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة نيفين عبيد هذا الرأي. وأشارت كذلك إلى وجود اتفاق ضمني سنواتٍ طويلة يقضي بتعيين قريبات القضاة في الهيئتين، بينما يظل القضاء المدني والإداري خالياً من النساء، ما أخَّر انضمام النساء لمنصات القضاء عقوداً.
جاءت المحاولة الأولى في يناير 2003 عندما أصدر مبارك قراراً جمهورياً بتعيين المحامية تهاني الجبالي قاضيةً بالمحكمة الدستورية العليا، لتصبح أول امرأة تعتلي المنصب في تاريخ القضاء المصري. جاء هذا القرار بعد ثلاث سنوات من إنشاء المجلس القومي للمرأة الذي ترأسته زوجة الرئيس سوزان مبارك التي دفعت باتجاه تعيين النساء في القضاء.
يُرجع المحامي ناصر أمين تعيين الجبالي إلى دورٍ محوري لرئيس المحكمة الدستورية، المستشار محمد فتحي نجيب، الذي كان يؤمن بأهمية انخراط النساء في العمل القضائي. ويقول أمين: "كثيرون نسبوا الفضل في تعيين الجبالي إلى سوزان مبارك، لكن في الحقيقة لولا حماس المستشار نجيب لما وصلت هي ومن جئن بعدها إلى المحكمة". وأوضح أمين، الذي شارك في حملات لتمكين المرأة من تولي القضاء منذ إنشاء مركزه العربي لاستقلال القضاء سنة 1997، أن الجهات القضائية قاومت بشدة تعيين النساء. ولكن ما ساعد على كسر الجمود هو تحمس نجيب الذي ترأس الدستورية العليا في الفترة من سبتمبر 2001 حتى وفاته في أغسطس 2003، وإيمانه بأهمية دخول النساء إلى القضاء.
يضيف: "كنا في كل المؤتمرات الحقوقية نطالب سوزان مبارك بدخول النساء للقضاء"، ولكن "بمجرد تعيين نجيب وهو كان شخصية ليبرالية يؤمن بدور المرأة وكان حريصاً على حضور المؤتمرات الحقوقية الدولية وافق على ترشيح الجبالي لعضوية المحكمة تنفيذاً لقانون السلطة القضائية الذي يسمح بتعيين المحامين والمحاميات في القضاء".
ومع تعيين الجبالي قاضية في المحكمة الدستورية العليا، عدَلَ الأزهر عن موقفه تحريم عمل المرأة بالقضاء. ففي أكتوبر 2002 أرسل وزير العدل الأسبق فاروق سيف النصر خطاباً إلى شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي ومفتي الجمهورية آنذاك أحمد الطيب ووزير الأوقاف محمود حمدي زقزوق طلباً لرأي شرعي حاسم بشأن تعيين النساء في القضاء. وجاء رد الأزهر بفتوى تُجيز تولي المرأة العمل القضائي، استناداً إلى عدم وجود نص قطعي وصريح في القرآن الكريم أو السنة النبوية يمنع المرأة من شغل هذا المنصب.
إلا أن قرار تعيين الجبالي أثار غضباً واسعاً داخل أوساط القضاة. ففي سنتي 2002 و2003 خصّص نادي القضاة أعداداً من مجلته لملف "المرأة والقضاء"، عارض فيها غالبية الكتّاب تعيينَ النساء مستندين إلى مبررات دينية واجتماعية. وفي أحد الحوارات التي نشرتها المجلة في ملحق "يونيو – ديسمبر 2002"، نقلت عن الشيخ أحمد الطيب، مفتي الجمهورية حينها، قوله إنه: "لا يوجد مانع شرعي من تولي المرأة القضاء، لكن المرأة الشرقية بطبيعتها عاطفية وطيبة، ولا تصلح لهذا العمل، كما أن المجتمع نفسه يرفضه".
إلا أن المقاومة وصلت مستوىً أشد بعد أن وجّه مبارك وزيرَ العدل إلى بحث إمكانية تعيين النساء في القضاء المدني. واجه مجلس القضاء الأعلى هذه الخطوة بتحفظ شديد. قال المستشار زكريا عبد العزيز، رئيس نادي القضاة حينها، إن الأمر يستوجب "عرض القرار على الجمعية العمومية للنادي واستطلاع الرأي العام حول مدى قبوله". وأكد عبد العزيز حينها أن "وضع التعيين في المحكمة الدستورية مختلف عن منصة القضاء العادي وذلك كون الحالة الأولى عمل محدد في مكان معين بينما القضاء العادي يشمل مصر كلها". وتساءل "هل ستعين المرأة من بداية السلم القضائي كمعاون نيابة؟ وهل ستسري عليها التنقلات".
لم تأبه السلطة بهذه الاحتجاجات واستمرت في مسار فرض النساء من أعلى في القضاء العادي. ففي أبريل سنة 2007، أصدر مبارك قراراً جمهورياً بتعيين ثلاثين من عضوات النيابة الإدارية في وظائف رئيس محاكم ابتدائية وقاضية بالمحكمة، محدداً أماكن عملهنَّ في المحاكم الابتدائية بالقاهرة والجيزة والاسكندرية دون باقي المحافظات.
فجر القرار حملةً من الرفض في أوساط القضاة. قاد الحملة المستشار يحيى دكروري، رئيس نادي قضاة مجلس الدولة آنذاك، الذي اشتهر باستقلاله عن السلطة التنفيذية من ناحية ومن ناحية أخرى معارضته الشديدة عملَ المرأة بالقضاء لأنه أمر يخالف "الشرع والدستور". وقال دكروري حينها "كيف نترك إجماع الفقهاء بعدم جواز تولي المرأة القضاء، ونأخذ برأي الحنفية الذين أجازوا لها ذلك في غير الحدود والقصاص". وأضاف "عمل المرأة قاضية يستلزم غلق باب غرفة المداولة عليها مع قضاة رجال لساعات طويلة، أليست هذه خلوة شرعية؟ وهل يجوز ذلك؟".
قال دكروري كذلك إن تولي المرأة القضاءَ يتناقض مع المادة الثانية من الدستور. بل مع مبادئ المساواة والمواطنة بالنظر إلى الحقوق الدستورية التي تحصل عليها المرأة ومنها إجازات الوضع ورعاية الطفل وغيرها التي لا يتمتع بها القاضي الرجل. واستطرد: "إن المواطنين والمتقاضين سيفاجأون بوجود قاضية حامل على المنصة، ما سيؤثر على هيبة القضاء ومظهر القضاة عند الناس، كما أن وضع طفلها قد يؤثر على سير الدعاوى القضائية التي تنظرها".
أما القرار الثاني فقد صدر في مايو 2008 متضمناً تعيين اثنتي عشرة من عضوات النيابة الإدارية وقضايا الدولة قاضيات بالمحاكم الابتدائية أيضاً. وبدا أن الخطوة التالية بعد القضاء العادي ستكون مجلس الدولة، المؤسسة الأكثر تشدداً في رفض انضمام النساء. وقد كان، حين دعا رئيس المجلس المستشار محمد الحسيني في أغسطس 2009 خريجات كليات الحقوق والشريعة والقانون للتقدم لوظائف "مندوب مساعد" للمرة الأولى في تاريخ المجلس.
تحولت جملة القرارات هذه واللغط القائم حول عمل النساء في القضاء سنة 2010 إلى أزمة مؤسسية. قرر رئيس مجلس الدولة المستشار محمد الحسيني حينها قبول تعيين المرأة قاضية بالمجلس، وبدأ في إجراءات تعيين ما يقرب من ستين فتاة اجتزن الاختبارات. عقد قضاة المجلس على إثر هذا القرار جمعيتين عموميتين متتاليتين لبحث المسألة، الأولى في فبراير والثانية في مارس 2010.
دافع البعض في الجمعية الأولى عن رؤيتهم لعدم أهلية المرأة لهذا المنصب. فيما أضفى البعض الآخر على الأزمة بعداً سياسياً، معتبرين أن إجماع مستشاري المجلس على رفض تعيين المرأة قاضية به سببه معرفتهم بأن الحسيني وصلته توجيهات من مكتب قرينة الرئيس سوزان مبارك لاتخاذ القرار، آملاً في منصب وزاري عقب انتهاء رئاسته للمجلس بعد عدة أشهر. وعدوا ذلك متعارضاً مع استقلال المجلس عن السلطة التنفيذية، لتنتهي الجمعية العمومية الأولى برفض 334 مستشاراً استكمالَ إجراءات تعيين خريجات الحقوق اللاتي اجتزن الاختبارات مع زملائهم الذكور، بينما وافقَ اثنان وأربعون مستشاراً فقط.
عُقدت الجمعية العمومية الثانية بسبب معارضة رئيس المجلس هذا الرفض، مبرراً بأن قرار تعيين النساء اعتمد من المجلس الخاص الذي يدير الشؤون المالية والإدارية ولا رجعة فيه. حضر الجمعية الثانية 319 مستشاراً رفض كلهم باستثناء مستشار واحد تعيينَ المرأة في مجلس الدولة. لينتهي الأمر بحفظ قرار تعيين خريجات كليات الحقوق والشريعة والقانون في أولى الوظائف القضائية بمجلس الدولة داخل أدراج رئيسه، إلى أن أُحيل إلى التقاعد في يونيو 2010.
أصاب مسارَ تعيينِ النساءِ في القضاء حالةٌ من الجمود في السنوات اللاحقة ثورةَ 25 يناير وتنحّي الرئيس مبارك. وبعد تولي عبدالفتاح السيسي الرئاسة واستقرار حكمه، أعاد فتح طريق النساء إلى منصة القضاء لكن بثمنٍ. إذ غدا الالتحاق بها مشروطاً بالولاء واختبارات اللياقة ورسوم التدريب في ظل إعادة ترتيب شاملة لمؤسسات العدالة.
مثّل الطريق الأول بسط السيطرة على قمة الهرم القضائي بتعديل آلية تعيين رؤساء الهيئات القضائية. كانت القاعدة المتبعة هي الأقدمية المطلقة، التي تقتصر فيها سلطة رئيس الجمهورية على التصديق على ترشيح أقدم القضاة. جاءت التعديلات الجديدة في أبريل 2017 لتمنحه سلطة الاختيار المباشر من بين أقدم خمسة مستشارين للمحكمة الدستورية العليا، ومن بين أقدم سبعة لكل من مجلس الدولة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة فضلاً عن اختيار النائب العام من بين ثلاثة مرشحين. جاءت هذه التغييرات متسقة مع التعديلات الدستورية سنة 2018 التي مددت فترة بقاء السيسي في الحكم من ثماني سنوات إلى ست عشرة سنة.
أما الطريق الثاني فبدا أعمق وأكثر وتأثيراً، إذ أُقحمت الأجهزة السيادية والعسكرية في صميم تعيين القضاة الجدد رجالاً ونساءً على السواء. ففي يوليو 2017، أعلنت رئاسة الجمهورية في خطاب إلى مجلس القضاء الأعلى عرض ملفات التعيين في النيابة العامة على جهاز المخابرات العامة لاختبار ولاء المرشحين وميولهم السياسية. تبعت هذه الخطوة مراجعة هيئة الرقابة الإدارية للمرشحين لاختيار من تراهم "الأصلح"، حسب ما صرّح مصدر قضائي بالنيابة العامة لموقع مدى مصر آنذاك.
وفي أغسطس من العام ذاته استُحدث كيان جديد اسمه "الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب"، وهي هيئةٌ اقتصادية أُنشئت بقرار رئاسي وتتبع رئيس الجمهورية مباشرة. ومع أن هدفَها المعلن إعداد الكوادر الشبابية للدولة، إلا أنها تحولت إلى بوابة إلزامية للالتحاق بالقضاء. إذ اشترطت الجهات القضائية على المرشحين بعد اجتيازهم اختبارات القبول القانونية والأمنية الالتحاق بدورة تدريبية داخل الأكاديمية مدةَ عام على نفقتهم الخاصة، قبل صدور قرارات تعيينهم.
ومع اعتراض مجلس القضاء الأعلى ونادي القضاة في البداية على هذا الشرط، إلا أن العمل به تصاعد. فمنذ يونيو 2024 أضيفت مرحلة جديدة تمثلت في خضوع المتقدمين من الجنسين لاختبارات اللياقة البدنية والنفسية المؤهلة للالتحاق بالكليات العسكرية، يعقبها تدريب إلزامي مدةَ ستة أشهر داخل هذه الأكاديمية. وفي يونيو 2025، فُرضت لأول مرة رسوم إلزامية لهذه الدورات بلغت مئة واثني عشر ألف جنيه للذكور ومئة وعشرين ألف جنيه للإناث (نحو 2385 و2555 دولاراً أمريكياً)، مقابل الإقامة الكاملة طوال فترة التدريب.
بالتوازي مع هذه التعديلات، كان السيسي قد قدم تعهدات بتوظيف النساء في القضاء. فبعد اختيار سنة 2017 عاماً للمرأة المصرية، أطلق المجلس القومي للمرأة في مارس من العام نفسه "الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030". تضمنت الاستراتيجية تعهداً حكومياً برفع نسبة القاضيات من 0.05 في المئة سنة 2015 إلى 25 بالمئة من إجمالي عدد القضاة بحلول سنة 2030. ساهمت الاستراتيجية بتزايد أعداد الشابات اللاتي يحلمن بالالتحاق بمنصة القضاء.
تراجع الاتجاه الرافض انضمامَ المرأة إلى منصة القضاء مع سلسلة التعديلات التي أحدثها السيسي على قوانين السلطة القضائية ومؤسساتها. إلا أن الهيئات القضائية وجدت نفسها أمام سلطة أمر واقع لا يمكن تجاوزها فُرضت من أعلى قمة هرم الدولة، لتصبح مشاركة المرأة في القضاء مسألة وقت لا مبدأ.
تعود نشأة المجلس الأعلى للهيئات القضائية إلى سنة 1969 حين شكّله الرئيس عبد الناصر ليتولى رئاسة الجهات والهيئات القضائية والتحكم في شؤونها. وذلك ضمن ما بدا إجراءات عدائية ضد السلطة القضائية ومجالسها ونواديها، عُرفت حينها باسم "مذبحة القضاء"، بسبب اعتراض القضاة على الانضمام إلى "الاتحاد الاشتراكي" وهو التنظيم السياسي الذي أسسه عبد الناصر سنة 1962 وما تبعه من عزل نحو مئتي قاضٍ بتهمة معاداة نظام ثورة 23 يوليو. جُمِّد عمل المجلس في السبعينيات قبل أن يعيده الرئيس حسني مبارك إلى الحياة مجدداً بقانون صدر في يونيو 2008، بهدف احتواء حراك القضاة ومطالبهم بالاستقلال. واعترض نادي قضاة مصر على عودة المجلس، لأن وجود رئيس الجمهورية ووزير العدل على رأسه، وهما الجهتان اللتان تديران شؤون القضاة، يُعد التفافاً على استقلال القضاء وتدخّلاً في شؤونه. وهي الاعتراضات التي ساهمت في تجميد اجتماعات المجلس لاحقاً، قبل أن يعيده السيسي للمشهد.
بعد ثلاث سنوات من تفعيل المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وجّه السيسي بصفته رئيساً للمجلس في مارس 2021 دعوة إلى تمكين المرأة من العمل في مجلس الدولة والنيابة العامة. فكلف وزير العدل الهيئاتِ القضائية بوضع ضوابط محددة لتعيين النساء شملت السن وعدد المقبولات وآلية الالتحاق سواء من بداية السلم القضائي أو منتصفه. وبعد أيام أعلن مجلس الدولة فتح باب النقل الوظيفي للراغبات من عضوات "النيابة الإدارية" و"قضايا الدولة" للالتحاق بالمجلس في درجتي مندوب ونائب.
بعد ذلك صدر قرار بتعيين ثمان وتسعين مستشارة في وظائف قضائية، في سابقة تاريخية. وفي الوقت نفسه، قررت النيابة العامة الاستعانة بإحدى عشرة قاضية ممن سبق ونُقلن من الهيئتين المذكورتين للعمل بالقضاء العادي للعمل بالنيابة العامة مدةَ سنة. وصف المستشار أحمد عبد الرحمن، النائب الأول الأسبق لرئيس محكمة النقض، الخطوة بأنها "الكلمة الأخيرة في مسألة انضمام المرأة للقضاء". وفي حديث مع الفِراتْس قال إن السيسي طلب من الجهات القضائية الإسراع بإلحاق المرأة قبل بدء العام القضائي في أكتوبر من العام نفسه. ما جعل كل جهة أمام خيار وحيد للتنفيذ، هو الاستعانة بمستشارات هيئتي النيابة الإدارية أو قضايا الدولة أو حتى بالقاضيات ممن سبق وعين في القضاء العادي كما فعلت النيابة العامة.
كان التوجيه الرئاسي بمثابة تمهيد الطريق أمام قبول خريجات كليات الحقوق جنباً إلى جنب مع الخريجين في بدايات سلم الوظائف القضائية. وهو ما تحقق في يناير 2022 حين أعلن مجلس الدولة لأول مرة فتح باب التقديم للنساء، وتبعته النيابة العامة بخطوة مماثلة في مارس 2023.
كانت عائشة من بين أوائل المتقدمات التي لم تخفِ حلمها القديم بالانضمام إلى مجلس الدولة، وهي التي ورثت عن عائلتها تاريخاً قضائياً عريقاً. فوالدها وعمها وعدد من أبناء العائلة ينتمون إلى السلك القضائي. غير أنها أرادت أن تفتح لنفسها الطريق بجدارتها وحدها. تقول للفِراتْس: "كنت عايزة أثبت لكل الناس إنّي أستحق أكون قاضية بمجلس الدولة". وتضيف أنها ظلت تتصدر ترتيب دفعتها منذ العام الأول في كلية الحقوق حتى تخرجها. كان حلمها أن ترى مجلس الدولة يغيّر موقفه التاريخي من تعيين النساء لتلتحق يوماً بمنصته التي طالما رأت فيها رمزاً للعدل والهيبة.
تقول عائشة: "نجحت في كل الاختبارات داخل المجلس وخارجه، واجتزت الكشف النفسي والطبي، لكن في ديسمبر 2024 فوجئنا بأن جميع المرشحين للعمل بالقضاء سيختبرون طبياً وبدنياً داخل الكلية الحربية". وتتابع: "عرفنا أن من يجتاز المرحلتين يُعرض بعد ذلك على كشف الهيئة [المقابلة الشخصية أمام ضباط الأكاديمية العسكرية وأحد المستشارين من كل جهة قضائية] التي تعتمد على المظهر والثقافة العامة، وأن زيادة الوزن كانت من أبرز أسباب الاستبعاد من التعيين في الدفعات السابقة".
تضيف عائشة: "وزني كان ستة وثمانون كيلوغراماً وطولي مئة وسبعين سنتيمتراً، وكنت مهددة بالاستبعاد، فاضطريت أتبع نظاماً غذائياً قاسياً خسرت فيه سبعة كيلوغرامات في شهر واحد"، مشيرة إلى أن الأكاديمية الوطنية تشترط ألا يزيد وزن المرشحين للعمل في مؤسسات الدولة، بمن فيهم القضاة، أكثر من عشرة كيلوغرامات فوق الوزن المثالي.
قضت عائشة ستة أشهر داخل الكلية الحربية، بين تدريبات رياضية قاسية تختبر قدرتها على التحمل، ومحاضرات مكثفة تهدف إلى "تعميق الانتماء للوطن" وترسيخ مفاهيم الانضباط والطاعة والولاء. لم تكن التجربة مجرد دورة تأهيلية عابرة، بل مرحلة إعادة تشكيل كاملة لوجدانها وسلوكها. وجدت نفسها وسط نظام صارم يراقب كل حركة ونَفَس، لا يوجد فيه إلا هوامش محدودة من الحرية، ولا يُسمح أثناءه إلا بإجازات قصيرة جداً لزيارة أهلها. تلك التجربة الشاقة كانت شرطاً أساساً للالتحاق بالمنصة القضائية.
وفي ذات الاتجاه، أصدر الرئيس السيسي في 26 أغسطس 2025 أربعة قرارات جمهورية عن عمل المرأة في القضاء بمصر. قضت هذه القرارات بتعيين دفعات جديدة في الجهات والهيئات القضائية، شملت مجلس الدولة والنيابة العامة وهيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية. وتضمنت لأول مرة في تاريخ مصر انضمام 165 فتاة من خريجات كليات الحقوق والشريعة والقانون إلى أولى الوظائف القضائية في النيابة العامة، تمهيداً لانضمامهن لمنصة القضاء المدني، بالإضافة إلى ثمانٍ وأربعين خريجة عُينَّ في أولى الوظائف القضائية بمجلس الدولة، تمهيداً لانضمامهن إلى القضاء الإداري.
رحبت المؤسسات النسوية بهذه القرارات، ورأتها خطوة تاريخية تضاف إلى رصيد الحركة النسوية. فقد وصفت مؤسسة "المرأة الجديدة" القرار بأنه "نقطة ذهبية"، بينما عدتها مؤسسة "قضايا المرأة" إنجازاً تاريخياً. غير أن الإشادة لم تخلُ من تساؤلات عن المرحلة اللاحقة، وما إذا كان التحاق النساء بأدنى درجات السلم القضائي سيمثل بداية خطوات جادة نحو المساواة مع الرجال في المناصب القضائية، أم سيظل مجرد تمثيل رمزي.
وما عدته بعض الجهات انتصاراً للمرأة، رآه آخرون إضعافاً للسلطة القضائية. يقول المحامي ناصر أمين إنه "في الوقت الذي يعالج فيه النظام الاختلالات البنيوية في نظام القضاء المصري ويتخذ خطوات جادة نحو تقليص التمييز على أساس النوع الاجتماعي في تعيين القضاة، فإنه في الوقت نفسه يدمّر استقلال القضاء على نحو غير مسبوق. فقد باتت الأجهزة الأمنية والعسكرية تتحكم في كل شيء، من اختيار القضاة وتدريبهم وتأهيلهم إلى تقييم كفاءاتهم وولائهم".
وأشار أمين إلى أن "القاضيات الجدد يبدأن مسيرتهن داخل منظومة تخضع للسيطرة الأمنية الكاملة، ما يضعهن في أزمة مزدوجة: أزمة في الاستقلال وأخرى في التأهيل المهني. وهو ما سيؤثر حتماً على صورة القضاء المصري ومستقبله".

