أبعد من السرقة والاقتباس.. اليمن في قلب الموسيقى الخليجية

من الغناء الصنعاني والحضرمي إلى الصوت الكويتي واللحن السعودي، قصة جذور الأغنية الخليجية في التراث اليمني.

Share
أبعد من السرقة والاقتباس.. اليمن في قلب الموسيقى الخليجية
الغناء العربي شبكة ممتدة من التأثيرات | خدمة غيتي للصور

في أمسيةٍ من موسم الرياض سنة 2024، صعد على المسرح العازف اليمني محمد القحوم في حفلٍ موسيقيٍ استثنائي. وبدأ بعزف المقطوعة الشهيرة "عليك سموني وسمسموني"، وهي من الأهازيج القديمة التي تُؤدّى بإيقاعٍ جماعيٍ قريباً من فن الزامل المنتشر في مناطق لحج وعدن وتهامة ونجران وعسير، حيث يُنشد الرجال أبياتاً قصيرةً متبادلةً في الأعراس والمناسبات الاجتماعية مصحوبةً بالتصفيق والإنشاد الجماعي.

لم يكن تفاعل الجمهور السعودي مع الأغنية حدثاً فنياً عابراً، بل ومضةً تكشف عن رحلة تأثيرٍ خاضتها الأغنية اليمنية، من محلّيتها إلى فضاءٍ إقليميٍ واسعٍ، لتصبح "الحمض النووي" الخفيّ لبعض ما يُسمى اليوم "الأغنية الخليجية الحديثة". عبر النغمُ اليمنيُ الحدودَ ليصنع ذاكرةً موسيقيةً مشتركةً تداخلت فيها المرافئ والإذاعة المسموعة، وظلّ شاهداً على تداخل الهويات السمعية في الجزيرة العربية.

بعض فن الصوت الذي يعلو اليوم المسارحَ الخليجيةَ وُلد في الأعراس والمواسم ومجالس الراحة والسمر المسماة "المقيل". وتشير التشابهات التي يمكن رصدها إلى أن جزءاً من الأغنية الخليجية الحديثة نبتت من تفاعلاتٍ قديمةٍ تأثرت بالإيقاعات اليمنية وأثّرت فيها. ويمكن رصد تلك الجذور المشتركة بتتبّع جذورها الثقافية في الطقوس الجماعية التي شكّلت أساس الغناء والعمل والاحتفال في اليمن. مِن هذا الأصل انطلقت الأصوات عبر المرافئ اليمنية في عدن والحديدة والمكلا، إلى موانئ الخليج والهند وشرق إفريقيا، تحملها موجات التجارة والهجرة وتحوّلات العيش. ومع كل انتقالٍ تغيّر الإيقاع وتبدّلت اللهجة، لكن البنية ظلت واحدةً، نغمةً تُعيد تشكيل نفسها في كلّ ضفةٍ جديدة. وفي المسافة بين الأصل والانتشار وُلد سؤالٌ لم يهدأ قطّ: هل كان ذلك استحواذاً أم امتداداً طبيعياً لذاكرةٍ مشتركة.

بقيَت حكايات الأغاني والفنانين التي وُزّعت بين عدن والكويت والرياض والمنامة شواهد حيّةً على هذا الامتزاج، تروي عبر تنوّعها كيف ظلّت تلك النغمة الواحدة تتنفس بأسماءٍ ولهجاتٍ مختلفة. 


يتسم التراث الموسيقي اليمني بالتنوع، إذ تتقاطع فيه التضاريس والثقافات من قمم صنعاء إلى سهول لحج وسواحل عدن وحضرموت. هذا التنوّع الهائل في البيئات أنتج مدارس غنائيةً متعددةً تختلف في مقاماتها وإيقاعاتها وآلاتها، مثل الغناء الصنعاني والغناء الحضرمي واللحجي. وبتتبع مسار هذا التراث المتنوع يمكن أن تتضح خريطة تنقلات الأغنية اليمنية عبر الجغرافيا والتاريخ، وكيف تحركت من الداخل اليمني باتجاه السواحل، وتنقلت ذهاباً وإياباً بين اليمن والهند وشرق إفريقيا ثم الخليج حاملةً معها ثقافةً صوتيةً متجذّرةً في التاريخ والطقوس الاجتماعية اليمنية، كما ترصد دراسة "ثيفت أوف ميلوديز أو بوروينغ ميكانيزمز" (سرقة النغمات أَمْ آليّاتٌ للاستعارة) الصادرة في 2001 للباحث جان لامبير.

يتفق لامبير مع ما وثقه محمد عبده غانم في كتابه "شعر الغناء الصنعاني" المنشور سنة 1973، وعبد الله البردوني في كتابه "رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه" المنشور سنة 1982، في أن الذاكرة الغنائية الأولى انطلقت من مجالس المقيل في صنعاء إلى عدن وتعز، قبل أن تنتقل إلى الخليج عبر التجار والمهاجرين. ويرى لامبير أنّ فنّ "الصوت" الكويتي والبحريني استعار تراكيب مقاميةً صنعانيةً وأعاد توزيعها بإيقاعاتٍ محلية. وأن الغناء الحضرمي هو "امتداد بحري" للأغنية اليمنية، إذ يقوم على فنّ "الدان"، وهو فنٌّ يرتكز على الغناء الجماعي الصوفي، يبدأ بالدندنة الحرة وينتهي بالمناجاة والوجد. وقد أدرج الدان في ديسمبر سنة 2025 على لائحة اليونسكو للتراث الإنساني غير المادي.

ترصد دراسة لامبير كذلك تأثر الحضرميين بالإيقاعات الهندية والإفريقية الساحلية، بسبب الهجرات إلى الهند وبلدان الساحل الشرقي لإفريقيا منذ القرن السادس عشر. وتذكر الدراسة أن الجاليات الحضرمية في جاكرتا وسنغافورة وزنجبار حافظت على هذا الفن الذي انتقل لاحقاً إلى الخليج. أمّا الغناء اللحجي الحديث، فظل محافظاً على إيقاعه الراقص وروحه الشعبية. ويُنسب الفضل في تطوير فن الغناء اللحجي في صورته الحديثة إلى الشاعر والمؤرخ اليمني أحمد فضل القمندان في بدايات القرن العشرين. 

ومن هذه الأنماط، يمكن تتبّع تحوّل الأغنية اليمنية تاريخياً من الصنعة الفردية المقامية إلى الأداء الجماعي ومن الطقوس المحلية إلى التداول التجاري، وانتقالها من اليمن إلى الخليج، كما يقول صلاح سلطان الحسيني في مقاله "أنواع التراث الصوتي اليمني وحضوره في الأغنية المعاصرة" المنشور في مجلة الموروث سنة 2017. 

ومثّل الغناء العدني معبراً لمرور الأغنية اليمنية إلى خارج اليمن، إذ تحولت عدن في النصف الأول من القرن العشرين إلى مركزٍ للتسجيل والتجريب.


كانت عدن مدينةً تشبه معبراً موسيقياً، إذ هي من أهم الموانئ التجارية في منتصف القرن العشرين. فتشكلت في الأحياء المفتوحة من كريتر إلى المعلا أول تجربة إنتاجٍ موسيقيٍ منظمٍ في اليمن، عبر مراكز التسجيل الخاصة وشركات الأسطوانات مثل أوديون وبيدافون، حسبما يوثق محمد مرشد ناجي في كتابه "الغناء اليمني القديم ومشاهيره" الصادر سنة 1983. بدايات الأغاني اليمنية المسجلة على الأسطوانات السمعية. وافتتحت أولى تلك الشركات مركز تسجيل في عدن سنة 1938.

اختارت هذه الشركات عدن تحديداً لكونها ميناءً مفتوحاً على المحيط الهندي، وملتقىً لتجار اليمن والهند وشرق إفريقيا. ما جعلها مركزاً تجارياً وثقافياً يسمح بتداول الموسيقى وتوزيعها إقليمياً، كما يذكر جان لامبير ورفيق العكوري في دراستهما "ذا فيرست كومِرشَل ريكوردِنغز أوف ميوزِك إن عَدَن" (أوائل التسجيلات الموسيقية التجارية في عدن) المنشورة سنة 1965. ويبين الباحثان أن الشركات الأجنبية لم تعمل بدافعٍ ثقافيٍ محلّيٍ، بل وفقاً لمنطقٍ استعماريٍ تجاريٍ هدفه توسيع السوق عبر إنتاج تسجيلاتٍ باللهجات المحلية تُباع في المستعمرات. 

شملت هذه التسجيلات ألواناً من الغناء الصنعاني والموسيقى الصوفية، وسُجِّلت فيها أصوات مطربين يمنيين بارزين مثل محمد جمعة خان وأحمد فضل القمندان ومحمد مرشد ناجي، إلى جانب تواشيح وتسجيلاتٍ دينية. وفي الخمسينيات أنشأت شركة "هيز ماسترز فويْس" (إتش إم في) استوديو تسجيلٍ في عدن، فاستمر النشاط الفني وأُعيد إصدار بعض الأسطوانات لصالح السوق الخليجية. ما جعل المدينة بوابةً لتداول الألحان اليمنية وتوزيعها عبر المرافئ نحو البحرين والكويت والسعودية، وأسهم في تعريف الخليج بالموسيقى اليمنية الحديثة.

في الخمسينيات والستينيات وسّعت إذاعة عدن قاعدة تأثير الغناء اليمني، إذ مثلت ورشةً دائمة العمل لاكتشاف الأصوات محلياً، وعزفت فيها الألحان العدنية المتأثرة بالأنغام الهندية. فمع انفتاح المدينة على البحر والتجارة والثقافات، كان الفنانون اليمنيون يتبادلون التجارب مع بحّارةٍ ومهاجرين من الهند وشرق إفريقيا والخليج. فتحولت عدن إلى مختبرٍ موسيقيٍ عربيٍ آسيويٍ، يختبر الأوزان والإيقاعات ويمزج المحلّي بالعالمي. ويشير جان لامبير في دراسته آنفة الذكر "سرقة للنغمات أم آليات للاستعارة" إلى أن عدن كانت "من أوائل مراكز التسجيل التجاري في الجزيرة العربية"، وأن الأغاني التي خرجت منها أصبحت "خريطة صوتية أثّرت في البنية التكوينية للأغنية الخليجية الحديثة".

تُظهر دراساتٌ موسيقيةٌ حديثةٌ أن هذا الازدهار لم يكن محض صدفة. وفقاً لمقال أروى عبده عثمان "الهجرة في الأغنية النسوية الشعبية اليمنية" المنشور سنة 2008 فالأغنية اليمنية تكوّنت في بيئةٍ اجتماعيةٍ مركّبةٍ. إذ عبّرت الأغنية عن ذاكرةٍ يوميةٍ تأثرت بأوضاع الهجرة والاغتراب وما يخلِّفانه من الحنين. هذا الطابع الإنساني العميق – كما تكتب أروى – جعلها قادرةً على عبور الحدود، فحين استمع إليها الجمهور الخليجي وجد فيها امتداداً عاطفياً لتجاربه الخاصة في الاغتراب والتنقل. 

وتعكس البنية الموسيقية للأغنية اليمنية تلك الطبيعة المركبة لمحتواها الشعري والعاطفي، كما يقول الموسيقار اليمني محمد الهجري المهتم بإحياء الموسيقى اليمنية التقليدية وتطويرها في لقاءٍ مع الفراتس. ويضيف الهجري أن سرّ بقاء الأغنية اليمنية وتأثيرها "يكمن في مرونتها البنيوية"، إذ يمكن تجديدها دون أن تفقد هويتها: "الأغنية اليمنية تملك القدرة على التطور لأنها لم تُحبس في قوالب ثابتة. شرط التطوير الحقيقي أن نحافظ على لهجتها ومقامها وآلة العود بوصفها الركيزة الصوتية للأغنية اليمنية. عندما نفقد هذه العناصر، نفقد روحها أيضاً". ويضيف أن بعض ما سُمّي تطويراً في العقود الأخيرة كان في الواقع تفكيكاً لهويتها الأصلية لصالح أنماطٍ تجاريةٍ غريبةٍ عنها.


سُمّي الفن العدني نسبةً إلى خليج عدن على ساحل حضرموت باليمن. والعدني فئةٌ موسيقيةٌ شعبيةٌ ذات إيقاعاتٍ راقصة. وفي كتابها "ميوزك أند تراديشنز أوف ذي أرابيان بينينسولا" (موسيقى وتقاليد شبه الجزيرة العربية) الصادر سنة 2014، تقول ليزا أوركيفيتش بأن العدني هو الفن الممهد للأغنية الخليجية كما بتنا نعرفها. ولا يزال العدني مزدهراً ويحظى بتقديرٍ خاصٍ في الكويت وشرق السعودية والرياض والحجاز. وأسهمت حركة التسجيل في عدن في نشر هذا اللون. فبحسب أوركيفيتش، تطورت صناعة التسجيل والتوزيع في عدن في منتصف القرن العشرين، حتى باتت الأسطوانة التي تسجل في عدن تصل إلى الكويت بعد أسابيع قليلة.

للكويتيين والحجازيين على وجه الخصوص تاريخٌ طويلٌ من التفاعل الموسيقي مع اليمنيين. فطالما ارتاد البحّارة الكويتيون حضرموت أثناء إبحارهم بمحاذاة الساحل اليمني، منخرطين في الثقافة المحلية. وفي عدن التقى ويلفريد ثيسجر الرحّالة البريطاني – أحد أهم من كتبوا عن الجزيرة العربية واليمن تحديداً – أول مرةٍ بالكويتيين في ثلاثينيات القرن العشرين، ومن ثم أبحر لاحقاً مع طاقمٍ كويتي. وتنقل عنه أوريكيفيتش مشهد وصول الموسيقيين الكويتيين بآلات العود في ميناء المكلا الحضرمي ليستمعوا للموسيقى اليمنية ويشاركوا موسيقاهم هناك مع المجتمع اليمني. 

في كتابه "ذا لاست نوماد" (البدوي الأخير) الصادر عن دار كولينز سنة 1965، يسجل ويلفريد ثيسجر صلة الكويتيين بموسيقى اليمن، انطلاقاً من امتلاك أُسرٍ كويتيةٍ أساطيل تجاريةً أبحرت ما بين عدن والكويت، ثم التأثر اللاحق الذي خلقته الهجرات اليمنية الواسعة بحثاً عن الرزق. وتلتقط أوركيفيتش الخيط في كتابها لتتبّع أثر الهجرة، راصدةً أن الكويت ضمّت ثاني أكبر تجمعٍ يمنيٍ في الخليج بعد السعودية عشية حرب الخليج الثانية في مطلع تسعينيات القرن الماضي. والتقت أوركيفيتش بالموسيقي الكويتي الذي اشتهر بالفن العدني، راشد الهاملي، وذكر لها تعلمه العدني من المهاجرين اليمنيين في شبابه: "انتقل يمنيون للسكن بجوار عائلتي، فرحبنا بهم بالطعام في الحي. دعوني في المقابل لسماع أغانيهم كلما رغبت في ذلك، وانتهى الأمر بتعليمي موسيقاهم". ويؤكد على هذا التأثير مقال الموسيقار اليمني صالح عبد الباقي في "يمنز إنفلونس أون غَلف سونغز" (تأثير اليمن على الأغنية الخليجية) المنشور في صحيفة "يمني تايمز" سنة 1998. 

يرصد صالح في مقاله بدء تأثر موسيقيّي اليمن بالسينما المصرية والهندية التي ظهرت في اليمن قبل انتصاف القرن الماضي بقليل، وكيف أسهمت في تطوير الإيقاعات اليمنية وإدخال مزيدٍ من الآلات إلى الغناء اليمني التقليدي. وأدّت اليمن بعدئذٍ دور الوسيط بصناعة الأسطوانات في نشر أنماطٍ جديدةٍ من الموسيقى والغناء في دول الخليج العربي. "فأصبحت الأغنية اليمنية بكل أشكالها الإبداعية هي الرائدة في ذلك العصر الذهبي في اليمن والخليج معاً". وقد تأثر بعض فناني الخليج بهذا التنوع الموسيقي.

وعلى كونه من المصادر المهمة عن أثر فنون الخليج العربي إلا أن أوركيفيتش لم تلتفت في كتابها لتوثيق الموسيقى اليمنية، بل أشارت لها عرضاً. ويتسق هذا مع ما واجهته موسيقى اليمن من غياب التوثيق حتى داخل اليمن مما جعل الجذور اليمنية للموسيقى الخليجية تغيب عن الأذهان. يقول الموسيقار اليمني فؤاد الشرجبي مؤسس البيت اليمني للموسيقى في حديثه مع الفراتس: "مع هجرة الموسيقى من اليمن للخليج، وجدت تقديراً أسهم في تبنيها وإعادة إنتاجها مما جعلها مربوطةً بصورةٍ خاصةٍ بالخليج". ويتفق معه الموسيقار اليمني محمد الهجري المهتم بإحياء الموسيقى اليمنية التقليدية وتطويرها، إذ يقول للفراتس إن الانتقال الموسيقي من اليمن لسائر دول الخليج هو في جوهره تلاقحٌ فنيٌّ، إلا أن التاريخ لم يكتب ولم يوثق تاريخ هذه الأغنية من الجانب اليمني. ويوثق لامبير جان أن الباحثين التفتوا متأخراً – حتى ثمانينيات القرن العشرين – إلى العلاقات التاريخية بين موسيقى اليمن وموسيقى الخليج. وأن هذه الكتابات، بحكم تجزّؤها الشديد، لم تفضِ حتى الآن إلى تركيبٍ شاملٍ، خصوصاً من الناحية التاريخية. 


وصلت الموسيقى الحضرمية إلى الكويت. استقر بعضها كما هو، وأُدخلت تعديلاتٌ على قليلٍ من قوالبها. وتعدّ الإيقاعات العدنية المفضلة في الخليج "الشحري"، وهو قالب موسيقى أشبه بموسيقى "الرُمبا" اللاتينية. واشتهرت كذلك موسيقى "الشرح أو النقازي" وهنالك أيضاً "الخيالي" "والعوادي" والهندي" كما تكتب أوركيفيتش. ووثقت أوركيفيتش أيضاً أن الجيلين الثاني والثالث من الموسيقيين الكويتيين أتقنوا قواعد هذا الفن مثلما أتقنوا الفن العدني. فإذا سمعهم اليمني شعر أنه يسمع موسيقى من وطنه. وبرع في هذا الإطار موسيقيون كويتيون منهم فهد الحدّاد وعبد العزيز الضويحي وسلمان العماري.

في مقال "تأثير اليمن على الأغاني الخليجية"، يوضح صالح عبد الباقي أن سوق الأسطوانات في عدن كان المنفذ الأوسع لدخول الأغنية اليمنية إلى الخليج، إذ كانت تسجيلات شركاتٍ مثل كراون ريكوردز وبارلوفون عدن تُباع في أسواق المنامة والدمام منذ الأربعينيات. 

وأخذت تجربة تجذّر الموسيقى اليمنية في السعودية طابعاً مؤسسياً واضحاً. فمع تأسيس الإذاعة والتلفزيون الرسميين في الرياض وجدّة سنة 1965، برزت الحاجة إلى أغنيةٍ تعبّر عن الانتماء المحلي وتُنافس الموجةَ المصرية. حينئذٍ أعاد بعض الفنانين إحياء ألحانٍ يمنيةٍ، بعضها صنعانيٌ وبعضها حضرميٌ بعد توزيعها بأسلوبٍ عصري.

وثق هذا أحمد الزبيدي في "تحولات الأغنية الخليجية من اليمن إلى الحجاز" المنشورة في مجلة الدراسات الخليجية والعربية 2018. وكتب أن أغنية "يا مستجيب الداعي" التي أدّاها مداح وعبده "هي في أصلها موشحٌ صنعانيٌ موثّقٌ منذ القرن الثامن عشر"، لكنها لُحّنت في الخليج بإيقاعٍ ثلاثيٍ مستمدٍ من الدان الحضرمي. ويطرح مثالاً آخر هو أغنية "قال المعنّى سمعت الطير يترنم" التي قدّمها محمد عبده بتوزيعٍ غنائي حديثٍ، في حين أنها "كانت تُؤدى في المجالس الصنعانية منذ قرنٍ على الأقل [. . .] إنها ترجمة صوتية لروح صنعاء نفسها"، بحسب الزبيدي.

التوزيعات والرؤى الجديدة التي أدّى بها الفنانون السعوديون والكويتيون الأغاني اليمنية استندت كذلك إلى تشابكٍ لغويٍ وموسيقي. والموسيقي جعل الفصل بين "الخليجي" و"اليمني" شبه مستحيلٍ، إذ إنّ الاثنين في الأصل امتدادٌ لتجربةٍ فنيةٍ واحدة. ويستشهد الباحث محمد الجاغوب في مقاله "جذور الأغنية اليمنية في أعماق الخليج" المنشور سنة 2008 بأن انتقال الألحان لم يكن خفياً، بل موثَّقاً في سجلات شركات الأسطوانات العدنية التي صدّرت إنتاجها إلى أسواق المنامة والدمام منذ الأربعينيات، مؤكداً أن "الفرق بين السرقة والاقتباس ليس في الفعل، بل في التوثيق".

هذه المرحلة، الممتدة من السبعينيات إلى التسعينيات، يمكن تسميتها "مرحلة التملّك الفني"، إذ أصبحت الألحان اليمنية جزءاً من الهوية السمعية الخليجية، لكنها فُصلت تدريجياً عن ذاكرتها الأصلية. ومع ذلك لا يمكن إنكار أن هذا "التمثّل الخليجي للأغنية اليمنية" كان سبباً في بقائها حيّةً وانتشارها العالمي عبر أسماءٍ خليجيةٍ كبرى. كذلك يقول الشرجبي في ختام حديثه: "لولا تبنّي الخليج للأغنية اليمنية، لما وصلت إلى العالمية". هكذا يصبح تأثير اليمن في الموسيقى الخليجية أعمق من الجدل حول السرقة أو الاقتباس، فهو علاقةٌ تفاعليةٌ معقّدةٌ بين الذاكرة والهوية، وبين الأصل والنسخة، وبين التاريخ والاعتراف.


تتميز الأغاني في الكويت بتكويناتها الإيقاعية المذهلة. وفيها كثيرٌ من الشربكة، أي التصفيق المتداخل. ويولي توزيع لحنها أهميةً كبيرةً لعازف الإيقاع. بينما انصب الاهتمام في اليمن على كلمات الأغنية التي ينبغي أن تُسمع بوضوحٍ، ولذا فهي أبطأ إيقاعاً، ونجمها عادةً يكون المغنّي لا عازف الإيقاع. وتختلف الكويت عن دول الخليج الأخرى التي نهلت من منبع الموسيقى اليمنية لأن الموسيقيين طوّروا أو استوعبوا أنواعاً كثيرةً من الموسيقى، والعدني ليس استثناءً كما جاء في دراسة أوركيفيتش.

انتشرت أغنية "ما معاكم خبر زين" للمغني الكويتي خالد الملا مؤخراً على تطبيق تيك توك. وهي مستمدةٌ من قصيدةٍ يمنيةٍ للشاعر عبدالله مقادح بعنوان "شي معك لي أخبار قلّي"، ولحنها من أغنيةٍ عدنيةٍ راقصةٍ للفنان أحمد فضل القمندان من عدن سنة 1960. جملها اللحنية من مقام البيات وقفزة ربع الصوت اليمنية المميزة. وأضافت النسخة الخليجية مؤثراتٍ إلكترونيةً وأصوات نسائية مساندة تردد الأغنية، لكنها حافظت على الهيكل الأساس.

وتشكل أغنية "بين أدور راحتك" التي انتشرت سنة 2009 مثالاً حديثاً يبرز التجديد المعاصر للتراث اليمني في الخليج. فأدّاها مغنّيها حمود السمة بأسلوبٍ يمنيٍ أصيلٍ على مقام البيات مع إيقاع الدان الراقص، مستمداً من التراث الصنعاني التقليدي. وأعيد أداؤها على أنها "شيلات" خليجيةٌ شعبيةٌ بأصوات فنانين سعوديين مثل فلاح المسردي وعبد العزيز الشهراني، وكلاهما سجّلها سنة 2017، إذ تتطابق الجملة الرئيسة "بين أدور راحتك وأنت بتدور غثايا" بنسبةٍ عاليةٍ مع النسخة اليمنية، مع إضافة إيقاعاتٍ خليجيةٍ سريعة.


سنة 2025 اكتظ مسرح مركز جابر الأحمد الثقافي في الكويت بالجمهور مصوّبين نظرهم تجاه عصا محمد القحوم الذي جاء بمعية الفرقة الموسيقية معطياً الإشارة بعزف أغنية "صبّوحة"، الأغنية الحضرمية الراسخة في وجدان أجيالٍ متعاقبةٍ سمعوها وشاهدوها قديماً بأداء فرقة التلفزيون الكويتية، وإن اختلفوا في معرفة مفرداتها ومعانيها.

على حضور هذا النقاش الواسع عن مصدر الألحان وجذور الأغنية في الجزيرة العربية والخليج، فإنّ ثمة موقفاً مغيَّباً في أغلب الروايات الموسيقية، يتمثّل في غياب تأريخٍ دقيقٍ لبدايات الموسيقى في المنطقة، أي لما قبل تشكّل التصنيفات الوطنية والحدود السياسية الحديثة. فالنقاش ينشغل غالباً بسؤال "مَن أَخَذَ مِمَّن" أكثر من انشغاله بتتبّع البيئة التاريخية التي أنتجت هذا التداخل الصوتي منذ القرن التاسع عشر.

وكما يتساءل أحمد الواصل في كتابه "سحارة الخليج" المنشور سنة 2016: "كيف نضع مقدمةً لتاريخ الغناء في الخليج والجزيرة العربية [. . .] بما يُبسط مناخه وملامحه في منتصف القرن التاسع عشر؟" وهو تساؤلٌ يكشف أن الإشكال لم يكن في غياب الإجابة، بل في غياب الاهتمام بالسرد والتوثيق.

إنّ تاريخ الغناء في الخليج والجزيرة العربية، كما تشير شواهد اليمن وعدن والحجاز ونجد، لم يكن سلسلةً من الاقتباسات المتبادلة، بل منظومة تطوّرٍ طبيعيٍ داخل فضاءٍ واحدٍ من الوجدان والذاكرة. ومن ثم تصبح الحاجة اليوم ليست فقط إلى إعادة الاعتراف بالمصادر الأولى، بل إلى إعادة كتابة تاريخ المنطقة الموسيقي من منظورٍ عابرٍ الحدودَ السياسية. منظور يقرأ الغناء العربي شبكةً ممتدةً من التأثيرات، لا مجرّد موروثٍ محلّيٍ منسيّ.

اشترك في نشرتنا البريدية