كيسنجر وروبيو مثالاً.. مستشار الأمن القومي المنصب الذي يصنعه الرئيس

من كيسنجر إلى روبيو، يثبت التاريخ أن منصب مستشار الأمن القومي لم يكن قوة قائمة بحد ذاتها، بل انعكاساً لرؤية الرئيس وأسلوب إدارته.

Share
 كيسنجر وروبيو مثالاً.. مستشار الأمن القومي المنصب الذي يصنعه الرئيس
المنصب انعكاس لرؤية الرئيس | تصميم خاص بالفراتس

أظهرت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لسنة 2025 تحولاً لافتاً في مقاربة إدارة الرئيس دونالد ترامب السياسة الخارجية. إذ أعادت ترتيب الأولويات بعيداً عن لغة الشراكة والنظام الدولي التي غلّفت بها استراتيجيات سابقة تعريف المصالح الأمريكية، لصالح خطاب مباشر قائم على المنفعة الصريحة ومبدأ "أمريكا أولاً". تُرجم هذا التحول عملياً في سياسات أهمها خفض عدد موظفي وزارة الخارجية وتقليص تأشيرات الطلاب الأجانب وتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، إلى التركيز على نصف الكرة الغربي أولوية استراتيجية لردع النفوذ الروسي والصيني في أمريكا الجنوبية.

كان لماركو روبيو دورٌ رئيسٌ في هذا التحول. فبعد أشهر قليلة من تعيينه وزيراً للخارجية مع بداية ولاية ترامب الثانية، عينه ترامب بداية من مايو 2025 قائماً بأعمال مستشار الأمن القومي، ليصبح ثاني وزير خارجية يجمع بين المنصبين منذ تولى هنري كيسنجر المنصبين في سبعينيات القرن الماضي. منح هذا الوضع روبيو مساحة نفوذ واسعة، مكَّنته من وضع بصمته السياسية على السياسة الخارجية الأمريكية التي اعتيد تقاسم قرارها بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية. 

تغيرت مهام مستشار الأمن القومي منذ تشكل مجلس الأمن القومي لأول مرة في فترة الرئيس هاري ترومان في منتصف القرن العشرين. إذ صار يشارك في صناعة السياسة أحياناً، والتنسيق بين الأطراف المسؤولة عن صناعتها في أحيان أخرى. وفي جميع الأحوال، حافظ وجود مستشار للأمن القومي يعمل في البيت الأبيض، مع وجود وزير خارجية يحاسبه الكونغرس، على درجة من التوازن في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية. إلا أن جمع روبيو المنصبين للمرة الثانية في تاريخ الولايات المتحدة يخلق حالة استثنائية في صنع السياسة الخارجية الأمريكية، بسبب تركز القرار في يد واحدة. ففي هذا السياق، تتقلص أدوار الوساطة والرقابة التقليدية ويبرز الفاعل التنفيذي صانعاً السياسة لا مجرد منسق بين صنَّاعها في المؤسسات المختلفة.   


منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بنتْ الإدارات الأمريكية منظومة تنفيذية وطورتها لإدارة سياسة الأمن القومي. وسعى كل رئيس إلى تجاوز أوجه القصور التي واجهت سابقيه، وإرساء آلية لصنع القرار والتنسيق تعكس أسلوبه الشخصي في الحكم. وظل مجلس الأمن القومي في قلب هذه المنظومة الإطارَ المركزي لتنسيق السياسة الخارجية. وتعرض أيضاً لتعديلات متكررة ليتلائم مع أولويات وتوجهات كل رئيس.

تبلورت هذه الحاجة المؤسسية مع وصول هاري ترومان إلى البيت الأبيض سنة 1945. كانت تجربة الهجوم الياباني في 1941 على القاعدة الأمريكية في بيرل هاربر حاضرة في ذهنه نموذجاً لفشل التنسيق بين الأجهزة، بداية من وزارة الحرب والبحرية والخارجية ووصولاً إلى الجيش. أظهرت التجربة أن وفرة التقارير الاستخباراتية لم تمنع المفاجأة بقدر ما كشفت غياب التقييم المركزي والآلية الموحدة لاتخاذ القرار.

صدّق ترومان سنة 1947 على قانون الأمن القومي الذي نص على إعادة تنظيم شاملة لمؤسسات الأمن القومي الأمريكية، وأنشأ عدداً من الهيئات من بينها مجلس الأمن القومي. أنشئ المجلس ليكون هيئة تنسيقية دائمة داخل البيت الأبيض تقدم المشورة للرئيس عن دمج السياسات الداخلية والخارجية والعسكرية للأمن القومي. وتيسر التعاون بين الوكالات المختلفة. تَشكَّل المجلس من الرئيس ونائبه ووزير الخارجية ووزير الدفاع، بالإضافة إلى أعضاء آخرين بينهم مدير وكالة المخابرات المركزية. ولم ينص القانون ولا تعديلاته على منصب مستشار الأمن القومي.

شكَّل مجلس الأمن القومي في نظر بعض أعضاء الكونغرس أداة لتعزيز صنع القرار الجماعي في ظل الشكوك في خبرة ترومان في الشؤون الخارجية. وكان ترومان شديد الحساسية إزاء هذا النقد، وقلقاً من أن يحدد الكونغرس من يحق لهم تقديم المشورة له في قضايا الأمن القومي، أو أن يتحول المجلس إلى هيئة مستقلة لصنع القرار بما يقيد صلاحياته الرئاسية. فضّل ترومان الاعتماد على مستشاريه الشخصيين في البيت الأبيض. اعتُمد لفترة على كلارك كليفورد، المستشار الخاص للبيت الأبيض، في دورٍ تنسيقي شبيه بدور مستشار الأمن القومي، لكن بلا صفةٍ رسمية. وبعد كليفورد تولى عدد من مستشاري الرئيس تباعاً هذا الدور التنسيقي، لكن لم يشغل أي منهم منصباً رسمياً داخل المجلس.

في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور بين سنتي 1953 و1961، تطور نظام مجلس الأمن القومي ليصبح الأداة الرئيسة في صياغة سياسات الشؤون العسكرية والدولية والأمن الداخلي وتنفيذها. أنشأ أيزنهاور نظاماً للمراجعة المتكاملة للسياسات. تكوَّن المجلس من خمسة أعضاء: الرئيس ونائبه ووزيري الخارجية والدفاع ومدير مكتب التعبئة الدفاعية. وبحسب الموضوع المطروح للنقاش حضر وشارك في مناقشات المجلس ما يصل إلى عشرين مسؤولاً من أعضاء الحكومة والمستشارين، من بينهم وزير الخزانة ورئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير الاستخبارات المركزية. تضمنت جداول أعمال المجلس إحاطات مدير الاستخبارات المركزية دورياً عن التطورات العالمية المؤثرة على أمن الولايات المتحدة، إلى جانب مناقشة أوراق السياسات التي أعدها مجلس التخطيط. واختُتمت المناقشات برفع خلاصة التوصيات إلى الرئيس ليقرها قبل إحالتها إلى جهات التنفيذ.

ولمتابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن القومي أنشأ أيزنهاور مجلس تنسيق العمليات ليكون الذراع التنفيذي للمجلس. فكان مجلس تنسيق العمليات يشرف على تنفيذ سياسات الأمن القومي في مختلف جوانبها، ويحيل التوصيات الصادرة عن مجلس الأمن القومي لفِرق عمل متخصصة للمتابعة. ومع توسع طاقم مجلس الأمن القومي خلال سنوات أيزنهاور، ظل هذا الطاقم يؤدي وظيفة تنظيمية وتنسيقية دون تأثير مستقل على مسار العملية السياسية.

في المقابل مثّل عهد الرئيس جون كينيدي بين سنتي 1961 و1963 تحولاً في موقع مجلس الأمن القومي ودوره داخل عملية صنع السياسة الخارجية والأمن القومي. تحرك كينيدي منذ بداية ولايته لتفكيك البنية المؤسسية للمجلس، وتقليص طاقمه وتقليل عدد اجتماعاته وسحب اختصاصه في متابعة تنفيذ السياسات. وبدلاً من أن يكون المجلس إطاراً للمراجعة الشاملة والتنسيق المؤسسي، أعاد كينيدي صياغة عملية صنع القرار. وخلافاً لنظام أيزنهاور القائم على التخطيط طويل الأمد والمراجعة المنتظمة، اتجهت إدارة كينيدي إلى نموذج يقوم على إدارة الأزمات عبر لجان مؤقتة ومجموعات عمل خاصة، كثيراً ما قادها مسؤولون خارج وزارة الخارجية. 

استمر هذا التراجع في إدارة ليندون جونسون، الذي تولى الرئاسة بعد اغتيال كينيدي سنة 1963 واستمر بها حتى 1969. إذ تقلصت في هذه الفترة اجتماعات المجلس وضعفت آلياته الرسمية. وانتقل مركز الثقل في صنع القرار إلى دوائر غير رسمية ضيقة داخل البيت الأبيض. ومع نهاية إدارة جونسون فقَد المجلس وظائفه التخطيطية والتنفيذية التي اضطلع بها في عهد أيزنهاور. 

هذا المسار لم يستمر طويلاً. ففي عهد ريتشارد نيكسون، أُعيد بناء المجلس أداةً مركزية لإدارة السياسة الخارجية من داخل البيت الأبيض. وظهر دور مستشار الأمن القومي وطاقمه، وأصبح المنصب محور جمع الخيارات السياسية وتحليلها وطرحها على الرئيس.

لا يخضع منصب مستشار الأمن القومي لنص تشريعي أو لرقابة الكونغرس، إذ يستمد نفوذه من ثقة الرئيس وقربه المؤسسي من البيت الأبيض. وفي المقابل، ليست لمستشار الأمن القومي ميزانية مستقلة ولا سلطة تنفيذية مباشرة على الوزارات والهيئات التي ينسق بينها، ولا صلاحية إصدار أوامر ملزمة قانوناً بصورة مستقلة. وبحكم عمله من داخل البيت الأبيض، يتمتع مستشار الأمن القومي بإمكانية وصول يومية ومباشرة إلى الرئيس، وهو ما يمنحه تأثيراً يتجاوز في كثير من الأحيان تأثير وزراء في الحكومة، يتعين عليهم المرور بإجراءات رسمية وجدولة مسبقة لعقد اجتماعات مع الرئيس.


تعاقب على منصب مستشار الأمن القومي نحو ثلاثين شخصاً منذ الخمسينيات، كان سابعهم هنري كيسنجر الذي يُعد محطة مفصلية في تاريخ المنصب. إذ أعاد تعريفه من دور إداري محدود إلى موقع استشاري ذي نفوذ واسع في صنع القرار. هذا التحول لم يبدأ مع كيسنجر بل مهد له الرئيس جون كينيدي حين فكك الآلية الإدارية الصارمة التي وضعها الرئيس أيزنهاور، ووسع صلاحيات مستشاره للأمن القومي ماكجورج بوندي، ليصبح فاعلاً محورياً في صنع السياسة الخارجية.

تولى كيسنجر منصب مستشار الأمن القومي بين سنتي 1969 و1975 بتكليف من الرئيس ريتشارد نيكسون. وأعاد هيكلة جهاز المجلس بما يخدم أهدافه وأهداف الرئيس، ووسع طاقمه وسيطر على جداول أعماله، وأدار شبكة واسعة من اللجان ومجموعات العمل التي سبقت قرارات الرئيس وقدمت له خيارات محددة. وبفضل العلاقة الوثيقة والثقة الكاملة التي منحه إياها نيكسون، أصبح كيسنجر القناة الرئيسة لإدارة المفاوضات والعلاقات مع القوى الكبرى، متجاوزاً وزارة الخارجية ووزيرها. في 1970 مثلاً سعى نيكسون للتقارب مع الصين. وبدلاً من اللجوء للقنوات الدبلوماسية المعتادة، استخدم قنوات سرية للتواصل مع باكستان ورومانيا وفرنسا. وكلف نيكسون كيسنجر بإدارة هذه القنوات، وصولاً إلى ترتيب رحلته السرية إلى بكين في يوليو 1971. في تلك الزيارة أدار كيسنجر المفاوضات وقدم تعهدات سياسية مهدت للتقارب الأمريكي الصيني.

أدار كيسنجر أيضاً ملف فيتنام من داخل البيت الأبيض، بداية من 1969 حين ساهم في توسيع نطاق الحرب سراً عبر الإشراف على قصف كمبوديا المجاورة فيتنام، لأنها ملاذٌ آمنٌ للمتمردين الفيتناميين. وأسفر القصف عن مقتل نحو مئة وخمسين ألف مدني. وبعد سنة واحدة شارك كيسنجر الرئيس نيكسون في قرار غزو كمبوديا براً. وتبنى مع نيكسون خطة تصعيد القصف الأمريكي لإجبار فيتنام على التفاوض، وصولاً إلى توقيع اتفاق باريس سنة 1973 الذي التزمت بموجبه الولايات المتحدة بوقف القصف وسحب قواتها العسكرية من فيتنام. ومع التهميش المستمر لدور وزارة الخارجية استقال الوزير ويليام روجرز ليتولى كيسنجر المنصب بجانب وظيفة مستشار الأمن القومي بين 1973 و1975.

يرى المستشار الوزاري السابق في وزارة الخارجية الأمريكية دانيال سيروير، أن القرب الدائم من الرئيس يشكل أداة نفوذ حاسمة تمنح مستشار الأمن القومي وزناً سياسياً يفوق في أحيان كثيرة وزن وزير الخارجية. ويوضح سيروير في حديثه مع الفراتس، أن مجلس الأمن القومي يتبع البيت الأبيض مباشرة والرئيس هو المرجعية العليا له. وهو ما يجعل المجلس يتولى غالباً صياغة السياسات في القضايا الكبرى، بينما تتولى وزارة الخارجية مهمة التنفيذ. ويصف سيروير وزارة الخارجية بأنها كانت مؤسسة ضعيفة نسبياً بميزانية محدودة، دون اتصال مباشر بالبيت الأبيض. ويرى أن الجمع الذي قام به كيسنجر بين منصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية منح وزارة الخارجية قدراً من الفائدة، إذ أصبحت أقرب إلى مركز صنع القرار داخل البيت الأبيض.

في المقابل يرى المؤرخ وأستاذ السياسة الخارجية في جامعة نيوهامبشير كيرك دورسي أن كيسنجر حول منصب مستشار الأمن القومي من مجرد موقع تنسيقي بين الوزارات إلى دور تفاوضي لصنع السياسات. وأشار دورسي في حديثه مع الفراتس إلى أن كيسنجر أعاد هيكلة مجلس الأمن القومي مستنداً على ثقة مطلقة من الرئيس. فنيكسون نظرَ إلى وزارة الخارجية مؤسسة تهيمن عليها نخب كان في صدام دائم معها، ولذلك فضَّل أن يتولى كيسنجر زمام القيادة. ووفقاً لدورسي، قوَّض كيسنجر دور وزارة الخارجية ووزيرها ويليام روجرز، لتمرّ قنوات صنع القرار عبره شخصياً.


يختلف دور مستشار الأمن القومي باختلاف أسلوب الرئيس في إدارة السياسة الخارجية. تصوغ رؤية الرئيس لمؤسسات الدولة وحدود نفوذها موقع المستشار ودوره. في المقابل يستطيع مستشار الأمن القومي تشكيل رؤية الرئيس نفسها واتجاهات صنع القرار.

يشير زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، إلى أن ميل الرئيس إلى إدارة السياسة الخارجية من داخل البيت الأبيض، بدلاً من تركها لوزارة الخارجية ينعكس مباشرة على وزن مجلس الأمن القومي ودور مستشاره. وقال بريجنسكي في مناقشات نظمها مركز "وودرو ويلسون" ومعهد "بيكر" في جامعة رايس سنة 2001، إن الرئيس الذي يدخل البيت الأبيض عازماً على صنع السياسة الخارجية بنفسه يومياً، يخلق دوراً مختلفاً لمستشار الأمن القومي مقارنة برئيس يركز على الشؤون الداخلية ويميل إلى تفويض السياسة الخارجية لمساعديه. 

وعلى غرار النموذجين الرئاسيين، ظهر نموذجان بين مستشاري الأمن القومي يمثلان نهجين مختلفين لهذا المنصب. يعد كيسنجر رائداً لنهج  دور مستشار الأمن القومي في صياغة السياسة الخارجية نفسها. ويعكس نفوذ المستشار في هذا النموذج عدم ثقة الرئيس في القنوات الإدارية التقليدية ورغبته في تخطي الوزارات لأسباب السرعة أو السرية أو الخلافات السياسية. أما النموذج الثاني فهو الوسيط النزيه، ويُطلق عليه أحياناً نموذج سكوكروفت نسبة إلى مستشار الأمن القومي للرئيسين جيرالد فورد وجورج بوش الأب برنت سكوكروفت. جاء فورد بسكوكروفت خلفاً لكيسنجر مع تنامي الاستياء الشعبي والبرلماني من تنامي سلطة كيسنجر في إدارة السياسة الخارجية. كان سكوكروفت الوسيط الذي يدير النقاش بين المؤسسات والوكالات المختلفة في القضايا المعقدة دون الدفع بسياسة معينة أو توجهات شخصية، مع ضمان وصول كل الآراء والمعلومات للرئيس كاملة وبتوازن، ثم الإشراف على تنفيذ ما يُتفق عليه. 

ويلفت أستاذ القانون وسياسة الأمن القومي في كلية موريتز للقانون في جامعة أوهايو داكوتا رودسيل، إلى خطورة أن يبدأ المستشار من موقع الدفاع عن سياسة بعينها. وأوضح أن الرئيس يصبح أقل إطلاعاً إذا بدأ المستشار الدفع بتحيزاته، لأن المعلومات المتدفقة إلى البيت الأبيض قد تُحجب أو يُنتقى منها ما يتوافق مع آراء مستشار الأمن القومي أو غيره من الشخصيات القوية.

تكشف قضية "إيران كونترا" في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، عن الخطر الذي أشار إليه رودسيل في حديثه مع الفراتس. في 1983 تولى روبرت مكفارلين منصب مستشار الأمن القومي. وبعد سنتين باع إيران أسلحةً مقابل إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين لدى حزب الله في لبنان. على عكس السياسة الأمريكية المعلنة حينها بعدم دفع فدية للرهائن، وفي تناقض مع تصنيف الولايات المتحدة إيران "راعيةً للإرهاب الدولي"، وفي انتهاك أيضاً للتوجيهات والقانون الصادر عن الكونغرس. وحولت الإدارة عائدات مبيعات الأسلحة إلى "الكونترا" وهي القوات المتمردة ضد النظام الشيوعي في نيكاراغوا. وبعد انكشاف الأمر، اعترف مكفارلين بحجب معلومات عن الكونغرس. وأثارت القضية دعوات لإخضاع المنصب لرقابة أكبر، واقترح تعديل قانون الأمن القومي لاشتراط موافقة مجلس الشيوخ على تعيين مستشار الأمن القومي. ونوقشت مقترحات لإخضاع المنصب لموافقة مجلس الشيوخ لكنها لم تُعتمد.

شكل ريغان لجنة مستقلة في 1986 برئاسة السيناتور السابق جون تاور للتحقيق وتقييم تصرفات مجلس الأمن القومي وحدود صلاحياته. وضمت اللجنة سكوكروفت، الذي نسب له الفضل لاحقاً في الحفاظ على صفة مستشار الأمن القومي أداة امتياز للرئيس بعيداً عن الرقابة. أعاد سكوكروفت تعريف المنصب بأنه وسيط نزيه، يدير عملية عادلة وشفافة وشاملة لعرض القضايا على الرئيس وتقديم المشورة له سراً، مما ساهم في حماية المنصب من إعادة هيكلته أو إخضاعه لموافقة مجلس الشيوخ. 

يبرر أستاذ الدراسات الأمنية بجامعة الدفاع الوطني التابعة للبنتاغون والمسؤول السابق بحلف شمال الأطلسي (الناتو) ووزارة الدفاع ديفيد دي روش، عدم تمرير هذه المقترحات بأن مستشار الأمن القومي في الأساس منصب ثقة، ولا يمكن أن يخضع لمصادقة الشيوخ حتى وإن أصبح نافذاً في السياسات. وقال دي روش في حديثه مع الفراتس إن مسؤولية صنع السياسة تقع على عاتق الرئيس. ويرى روش أنه من حق الرئيس أن يختار فريقه الخاص، ويكون لديه شخص يثق به يتلقى منه نصيحة صادقة دون خوف من إمكانية إجبار الكونغرس إياه في شهادة علنية على إفشاء ما قاله الرئيس. لكن أستاذ القانون وسياسة الأمن القومي داكوتا رودسيل يختلف مع دي روش في ضرورة تعديل القانون وإخضاع المستشار لمجلس الشيوخ، خاصة بعدما أصبح دوره محورياً في السياسة الخارجية. قال رودسيل للفراتس إن منصب مستشار الأمن القومي أكثر تأثيراً من مئات المناصب الأخرى التي تخضع لمصادقة مجلس الشيوخ.

في المقابل يرى نائب مستشار الأمن القومي للاتصال الاستراتيجي في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، مارك فايفل، أن النقاش أوسع من اختزاله في ثنائية صارمة بين مصطلحي الوسيط النزيه وصانع السياسات. قال فايفل في حديثه مع الفراتس إن كل مستشار أمن قومي يجمع درجات متفاوتة من الوصفين تبعاً للسياق والظروف المحيطة. انضم فايفل  إلى مجلس الأمن القومي في 2007 بعد حربي العراق وأفغانستان، معتبراً أن دوره حينها كان إدارة الفوضى أكثر من صناعة القرارات الأصلية. وأشار فايفل إلى أن من يعمل في السياسة الخارجية لعقود لا يمكنه الادعاء بأنه بلا موقف في القضايا المطروحة، حتى لو تبنى ظاهرياً ما يطلق عليه نموذج الوسيط النزيه فتظل لديه آراء وانحيازات تشكل مقاربته. ويستدل فايفِل على ذلك بحالة مستشار الأمن القومي في إدارة دونالد ترامب الأولى جون بولتون قائلاً: "بولتون يعلن تأييده لنموذج الوسيط النزيه، لكنه كان عملياً أكثر تشدداً في ملفات عديدة من السياسة الخارجية". ويؤكد فايفل أنه مع فريق عمل قوي وممكن يستطيع مستشار الأمن القومي جمع أفضل البدائل والخيارات، وتقديمها للرئيس لتمكينه من اتخاذ القرار الأمثل خاصة فيما يتعلق بظروف الحرب أو اتفاقيات السلام.

في السياق ذاته، قدم غريغوري تريفرتون رئيس مجلس الاستخبارات القومي الأسبق، قراءة أكثر تركيباً للدور. عمل تريفرتون مع ثلاثة من مستشاري الأمن القومي في إدارات مختلفة، زبيغنيو بريجنسكي في فترة رئاسة جيمي كارتر وصامويل بيرجر في عهد بيل كلينتون وسوزان رايس في إدارة باراك أوباما. يرى تريفرتون أنه حتى برنت سكوكروفت الذي يُعد المرجع الأساس لنموذج الوسيط النزيه، عبَّر عن آرائه بهدوء. ويشير تريفرتون في حديثه مع الفراتس إلى أن المنصب إلى جانب قربه المباشر من الرئيس لا يخضع للاستدعاء أمام الكونغرس، وهو ما يجعل الحياد الكامل أمراً بالغ الصعوبة. 

يتفق تريفرتون في أن المسألة أعقد من ثنائية جامدة: "إذا أديتَ دور الوسيط النزيه بإتقان، ستتاح لك فرص لتكون مدافعاً عن السياسات"، معتبراً أن هذا النهج يتبعه معظم مستشاري الأمن القومي. ووفق تقييمه، كان بريجنسكي في إدارة كارتر أقرب إلى نموذج المدافع عن السياسات، وإن ظل تنافسه مع وزير الخارجية حينها سايروس فانس تنافساً بناءً. أما بيرجر في إدارة كلينتون، فيراه أقرب إلى نموذج الوسيط النزيه مع نفوذ من وراء الكواليس دون حضور علني. وبشأن سوزان رايس في عهد أوباما، يصفها بأنها شخصية قوية لكنها في المجمل تميل إلى نموذج الوسيط. ليخلص إلى أن مستشار الأمن القومي يلعب دائماً دور الوسيط ودور المدافع عن السياسات معاً والعامل الحاسم لدوره ليس النموذج الذي يتبعه بقدر ما هو جودة الأشخاص وجودة التعاون داخل الإدارة، واحترام العمل والإجراءات المؤسسية.

يقوم نظام مجلس الأمن القومي على هرمية مؤسسية تنتقل فيها القضايا من المستوى الفني إلى مستوى صنع القرار. تبدأ العملية بمجموعات عمل متخصصة تُعرف بلجان تنسيق السياسات. تتولى تلك اللجان دراسة الخيارات وتحليل المعطيات اليومية. وتحال مقترحات لجان التنسيق إلى لجنة النواب التي تضم نواب الوزراء ومساعديهم، لمراجعة البدائل المطروحة وتسوية الخلافات بين الوزارات والوكالات المختلفة. أما القضايا الكبرى أو الخلافية فترفع إلى لجنة الرؤساء التي تضم الوزراء المعنيين ورؤساء الوكالات المختلفة، تمهيداً لاتخاذ القرار أو رفع الأمر إلى الرئيس.

وعن التطبيق الفعلي على أرض الواقع يقول المسؤول السابق بحلف شمال الأطلسي ديفيد دي روش، إن  لجنة الرؤساء نادراً ما تتخذ قرارات فعلية وغالباً ما تكون اجتماعاتها شكلية. ويرى روش أنه من تلك الهيكلية من المفترض أن يكون الدور الرئيس لمستشار الأمن القومي تقديمَ المشورة للرئيس، إلا أن الواقع العملي مختلف. يخصص المستشار ما بين 2 إلى 3 بالمئة فقط من وقته للمشورة المباشرة، مقابل نحو 5 في المئة لتعميم توجيهات الرئيس ومتابعة تنفيذها، بينما يستهلك التنسيق بين الوكالات أكثر من 90 بالمئة من وقته. ويضيف روش أن العبء الأكبر يتمثل في إدارة تضارب المصالح بين المؤسسات المختلفة، فإذا قرر الرئيس التحرك في ملف ما تنشغل وزارة الخزانة بالعقوبات ووزارة الطاقة بتوازنات النفط، وهنا تكمن الوظيفة الأساس للمستشار في فهم أولويات كل جهة وجمعها في موقف مشترك يُرفع إلى الرئيس.

يشير روش إلى أن هذا الدور تبدل في ظل إدارة ترامب الثانية، التي تميل إلى الشك في البطء الإداري وتفضيل الولاء على المشورة، معتبراً أن نقاشات التنسيق بين الوكالات حول الخيارات المطروحة على الرئيس باتت محدودة. ووفقاً لتقديره، تراجع دور مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب الثانية ماركو روبيو من كونه مزيجاً بين الوسيط النزيه وصانع السياسات، ليصبح أقرب إلى تنفيذ مباشر لرؤية الرئيس وتعميمها على الوكالات.


بعد أكثر من خمسين عاماً على تجربة كيسنجر في الجمع بين منصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، أعاد ماركو روبيو في 2025 هذا النموذج مرة أخرى. على عكس كيسنجر الذي بدأ مستشاراً للأمن القومي وأُضيفت الخارجية إليه، تولى روبيو الخارجية وأُضيف إليه منصب مستشار الأمن القومي.

تختلف ملابسات جمع روبيو المنصبَين عن كيسنجر. إذ اختير روبيو للعمل مستشاراً مؤقتاً للأمن القومي بعد إقالة مايك والتز من المنصب على خلفية استخدامه تطبيق المراسلة "سيغنال" في مناقشة عمليات عسكرية حساسة. وبحسب صحيفة "واشنطن بوست" جاء قرار عزل والتز نتيجة غضب ترامب من تنسيقه الوثيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتبنيه طرحاً يدفع نحو توجيه ضربة عسكرية لإيران بما يتجاوز توجهات ترامب حينها. واختير روبيو الذي خاض السباق الرئاسي سنة 2016 منافساً لترامب للمنصب، بعد إثبات قدرته على التوافق مع سياسة الرئيس، وتبني رؤية "أمريكا أولاً".

بدأ روبيو مسيرته السياسية سنة 1999 حين انتخب لعضوية مجلس النواب بفلوريدا. وبعد أربع سنوات ترشح لمنصب رئيس المجلس وحسم السباق عبر صفقة سياسية دعم فيها توحيد رواتب المعلمين على مستوى الولاية. وفي فترة رئاسته المجلس قدم نفسه سياسياً محافظاً بخطاب أخلاقي واجتماعي، وحظي بدعم من حاكم الولاية آنذاك جيب بوش. وفي 2009 أعلن روبيو ترشحه لمجلس الشيوخ الأمريكي، وهو في السابعة والثلاثين من عمره. تبنّى روبيو حينها خطاباً يمينياً متشدداً ركز على خفض الضرائب وإلغاء برنامج "أوباما كير"، لينجح في الفوز بترشيح الحزب الجمهوري ثم بالمقعد في 2010.

داخل مجلس الشيوخ، تركز اهتمام روبيو على قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية. انضم إلى لجنة العلاقات الخارجية ولجنة الاستخبارات، وبرز صوتاً جمهورياً مدافعاً عن الدور الأمريكي العالمي ومعاداة روسيا والصين. وفي 2014 ألقى خطاباً بارزاً دعا فيه إلى رد حازم على الغزو الروسي شبهَ جزيرة القرم، مؤكداً أن حماية النظام الدولي تتطلب قيادة أمريكية واضحة. ساهم روبيو أيضاً في مشروع إصلاح نظام الهجرة. ومع تصاعد ضغط الجناح اليميني داخل الحزب الجمهوري، وبدء تبلور طموحاته الرئاسية تراجع عن دعمه المشروعَ وأعلن في 2016 ترشحه لرئاسة الولايات المتحدة. دخل روبيو في مواجهة مباشرة مع دونالد ترامب في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. وعلى عكس حضوره الإعلامي القوي خسر السباق بما في ذلك ولايته فلوريدا باستثناء مقاطعة ميامي، واضطر إلى الانسحاب من المنافسة، وعاد للترشح لمقعده في مجلس الشيوخ ونجح في الاحتفاظ به.

دخل روبيو في صدام مباشر مع ترامب في انتخابات 2016. وصف روبيو ترامب بأنه محتال يقود أكبر خدعة في التاريخ السياسي الأمريكي، وسخر من مظهره بعد أن أطلق عليه ترامب لقب ماركو الصغير. ومع عودة روبيو إلى مجلس الشيوخ وخسارة ترامب انتخابات 2020 ورفضه الإقرار بالنتيجة، صوت روبيو في البداية لصالح التصديق على فوز جو بايدن، مؤكداً أن الديمقراطية تقوم على ثقة الناس في الانتخابات، ليعود لاحقاً ويشكك في نزاهة العملية الانتخابية ويكرر مزاعم ترامب وأنصاره عن تزوير الانتخابات.

وفي بداية عمله وزيراً للخارجية في إدارة ترامب الثانية، تبنى روبيو ابن العائلة الكوبية المهاجرة توجهات ترامب المتشددة عن الهجرة وأمن الحدود. إلى جانب تغييرات واسعة داخل وزارة الخارجية تماشياً مع توجه "أمريكا أولاً". شملت هذه التغييرات تقليص أعداد الموظفين وإعادة هيكلة بعض المكاتب وإغلاق البعض الآخر، وخفض التأشيرات الممنوحة للطلاب الأجانب وتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. عزز ذلك ثقة ترامب به، وقال قبل تعيينه قائماً بأعمال مستشار الأمن القومي: "عندما أواجه مشكلة، أتصل بماركو [روبيو]، وهو من يحلها". 

أولى روبيو اهتماماً خاصاً بأمريكا اللاتينية منذ دخوله الحياة السياسية. وربط الأمن القومي الأمريكي مباشرة باستقرار نصف الكرة الغربي. ومع نفوذه في الجمع بين منصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية، يرى المستشار الوزاري السابق في وزارة الخارجية الأمريكية دانيال سيروير أن بصمة روبيو تجلت بوضوح في استراتيجية الأمن القومي لسنة 2025، من تركيزها على تكريس النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي. يشير سيروير إلى أن روبيو ليس له حضور يُذكر في ملفات كبرى أخرى قائلاً: "أوكرانيا وغزة تُدار من قبل صهر ترامب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف مبعوثه للشرق الأوسط. لا يلعب روبيو دوراً في أي قضايا أخرى، لا شيء في تايوان ولا شيء في الرسوم الجمركية". يختصر سيرويو دور روبيو في أنه "وزير خارجية أمريكا اللاتينية فقط".

وعلى عكس كيسنجر، يبرر روبيو سياسات الإدارة أكثر مما يشارك في صنعها. ويرى رئيس مجلس الاستخبارات القومي السابق غريغوري تريفيرتون أن المنصب دخل مرحلة جديدة بعد روبيو، فلم يعد لمجلس الأمن القومي مسار مؤسسي واضح، مع قرارات تتخذ ارتجالياً وفق رغبة الرئيس اللحظية. من تجربة تريفيرتون في إدارة أوباما كان هناك هيكل ثابت مكون من لجنتين أساس، لجنة المبادئ ولجنة النواب. وكانت لجنة النواب تجتمع شبه يومي وأحياناً مرتين في اليوم، وتستقبل سيلاً مستمراً من الأوراق والطلبات الرسمية التي تُناقش وتُرفع ضمن مسار منظم. والآن بحسب وصف تريفيرتون لا يبدو أن هذا الهيكل قائم أو فعال "لا يوجد طاقم لمجلس الأمن القومي. لا يبدو أن هناك تدفقاً معتاداً للأوراق، بل يبدو الأمر كما لو أن الناس يجتمعون في منتجع ترامب في فلوريدا ويتخذون القرارات بشكل ارتجالي". واعتبر تريفيرتون غياب هذه العملية لا يؤثر فقط على الشكل الإداري، بل يضعف دور الاستخبارات أيضاً، لأنها صممت لتخدم عملية صنع السياسات، فإذا لم يكن هناك مسار محدد تصنع فيه السياسات يصبح من الصعب عليها أن تؤدي دورها بفعالية.

يمكن ربط حالة روبيو بنمط ظهر مبكراً في علاقة ترامب بمستشاريه للأمن القومي. ففي الولاية الأولى لترامب كان مستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر منزعجاً من تجاوز الإجراءات التقليدية لمجلس الأمن القومي، في وقت كان فيه وزير الدفاع جيم ماتيس ووزير الخارجية ريكس تيلرسون يعملان خارج المجلس لا من خلاله. وبحسب أستاذ القانون وسياسة الأمن القومي داكوتا رودسيل، صدم ماكماستر بميول ترامب وتأثره بمديح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فحاول ماكماستر معالجة ذلك بتثقيف ترامب وزيادة رصيده المعرفي في الشؤون الدولية، إلا أن هذه المحاولة فشلت وانتهت بإقالته. ومنذ ذلك الحين أحاط ترامب نفسه بشخصيات توافقه الرأي. 


من كيسنجر إلى روبيو، يثبت التاريخ أن منصب مستشار الأمن القومي لم يكن قوة قائمة بحد ذاتها، بل انعكاساً لرؤية الرئيس وأسلوب إدارته. وبين نموذج صانع السياسات الذي يمثله كيسنجر ونموذج الوسيط النزيه الذي ارتبط بسكوكروفت، كانت هناك دائماً آلية عمل قائمة على تدفق المعلومات والإجراءات المؤسسية. بينما اليوم، وفي حين يجمع روبيو بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي، تتراجع الآلية التقليدية للمؤسسة لصالح تعميم الرؤية الرئاسية، في تحول أوسع في صنع السياسة الخارجية الأمريكية التي أصبحت تتمحور في شخصية الرئيس.

اشترك في نشرتنا البريدية