الوادي لا ينسى طريقه.. الفيضانات تعيد رسم عمران مدينة القصر الكبير

علاقةٌ معقّدة بين القصر الكبير ووادي اللوكوس، حيث يتجاور الخصب والخطر، وتُعيد الفيضانات رسم حدود المدينة مع كل موسم مطير.

Share
الوادي لا ينسى طريقه.. الفيضانات تعيد رسم عمران مدينة القصر الكبير
فيضٌ يحوِّل ضفة النهر إلى ضفة قهر | خدمة غيتي للصور

لم تكن السماء تمطر حينئذٍ، إلا أن الوجوه كانت ملبدةً مثل غيمٍ ثقيل. شاع بين الناس خبرٌ بأن سد وادي المخازن قد حُمِّل من مياه الأمطار ما لا يحتمل، وأن عمليات إخلاء سكان مدينة القصر الكبير، شمال المغرب، قد بدأت لحماية الأرواح. تأبطت سيدةٌ ما خفّ من المتاع. ولولا منظرها جالسةً مع أولادها على متن زورقٍ مطاطيٍ وحذوَها عناصر الوقاية المدنية بلباسهم النظامي، لَبَدا المشهد تراثياً قديماً. إذ يشبه ما رواه ابن عذاري المراكشي في "البيان المُغرِب في أخبار الأندلس والمَغرب"، وهو يذكر السيول التي اجتاحت بعض الحواضر، وأثرها في الأسوار والحقول، في سياق حديثه عن وقائع العصر الموحدي مطلع القرن الثالث عشر وما تلاه.

​في القصر الكبير، ظلّ الماء مؤرِخاً خفياً للمدينة، يترك توقيعه على الجدران والذاكرة. استقرت الحاضرة في حوضٍ خصيبٍ، حيث ينحني وادي اللوكوس قبل أن يواصل مسيره نحو مصبّه في المحيط الأطلسي. غير أن هذا السهل قد يتحول إلى حضنٍ يكتنز رجفةً موسمية. فالمدينة التي ازدهرت بالزرع والتجارة كانت تدرك منذ نشأتها أن الماء الذي يمنحها الحياة قادرٌ، في لحظة فيضٍ، أن يجردها من مظاهر مَنَعَتِها ويحول ضفة النهر إلى ضفة قهر.

لم تكن فيضانات القصر الكبير محض حوادث طبيعيةٍ عابرة. فقد تمثّلت في تاريخها الطويل قوةً أعادت رسم حدود المدينة وعلاقتها بالمجال. من تدبيرٍ تقليديٍ قائمٍ على مهادنة الوادي وترك مجاله الطبيعي، إلى تدخلاتٍ استعماريةٍ اختزلت النهر في معطىً تقنيٍ، ثم إلى مشاريع الدولة بعد الاستقلال التي سعت إلى ترويضه بالسدود. وهنا يُكشف مسارٌ واحدٌ، وهو انتقال العلاقة مع اللوكوس من التكيف إلى وهم السيطرة. وكلّما عاد الفيضان، استعاد الماء مجراه واستدعى تاريخاً كاملاً من القرارات العمرانية والسياسات المائية التي جعلت من المدينة أقرب من خطره.


قبل أن تكون القصر الكبير مدينةً بالمعنى الإداري الحديث، كانت موقعاً عمرانياً نشأ في سهل اللوكوس، أحد أكثر مجالات شمال المغرب خصوبة. فمنذ العصر الروماني، أدرك الإنسان أن الماء شرط استقرارٍ ورخاءٍ، لكنه في الوقت نفسه مصدر خطرٍ دائم. لذلك لم تكن المدن القديمة تقام على ضفاف الأودية دون حسابٍ، بل طورت أساليب للتكيف مع مزاجها. وقد بيَّن المؤرخ سمير أيت أومغار، في دراسته "المدن وسبل مكافحة خطر الفيضانات في شمال إفريقيا خلال المرحلة الرومانية" المنشورة بمجلة هيسبريس-تامودا سنة 2019 أن الحواضر القديمة اعتمدت أنظمةً هندسيةً لتصريف المياه وبناء السدود والقنوات، سعياً لضبط العلاقة بين العمران والمجال المائي. وتكشف هذه الخبرة التاريخية أن المدينة رأت في الوادي مورداً طبيعياً وقوةً ينبغي تدبيرها. 

ولم تكن هذه الهندسة الرومانية استثناءً. إذ امتد أثرها ليطبع المنطق العمراني التقليدي لمدينة القصر الكبير، التي أظهرت أن العلاقة بين المدينة والوادي كانت دوماً علاقة تدبيرٍ محكم. إلا أن المدينة في تشكلها الوسيط والحديث عاشت مراحل مختلفةً في علاقتها بالوادي. فالعمران التقليدي تكيّف مع مزاج الوادي، وتفادى المنخفضات القريبة من المجرى. وعبّر الوعي الشعبي عن هذه الحكمة في مَثَلٍ متداوَلٍ يقول: "الماء والنار والمخزن [السُلْطة] إذا بعَّدتي عليهم يوقروك [سيتجنّبونك]".

مع التوسع الحضري في القرن العشرين، وتحول الأراضي الزراعية المجاورة إلى أحياءٍ سكنيةٍ، اقتربت مدينة القصر الكبير أكثر من الوادي التاريخي. حَبَا ماءُ وادي اللوكوس السهلَ خضرتَه ووجهَه الحسن، وجعل منه مجالاً فلاحياً مزدهراً. لكنه في مواسم الأمطار الغزيرة تجاوز مجراه، حاملاً طمياً كثيفاً ومخلفاً أضراراً جسيمة. وتُعد فيضانات شتاء سنة 1963 من أبرز اللحظات التي رسخت في الذاكرة المغربية، فقد نشرت جريدة "لوموند" في التاسع من يناير من السنة نفسها تقريراً عن فيضانات وادي اللوكوس التي اجتاحت مناطق واسعةً من الشمال المغربي ولحقت بعددٍ من المدن والقرى، منها القصر الكبير ومحيطه، مشيرةً إلى تسجيل عشرة قتلى والآلاف من الضحايا الذين أصبحوا بلا مأوى.

ولم يقتصر صدى الكارثة على المحلية. إذ أصدر بريد المغرب في 28 يناير سنة 1963 سلسلة طوابع بريديةٍ تخليداً لضحايا الفيضانات ودعماً لجهود الإغاثة، دلالةً رمزيةً على أن الكارثة تحولت لقضيةٍ وطنية. فالطابع البريدي، في رمزيته، شهادة دولةٍ على أن الماء كتب صفحةً مؤلمةً في سجل تلك السنة. ومنذئذٍ صار الفيضان، في مغربٍ حديث العهد بالاستقلال، علامةً زمنيةً في الذاكرة الاجتماعية يؤرخ بها الناس حياتهم بقولهم: "قبل فيضان ثلاثة وستين" أو "بعد فيضان ثلاثة وستين".

إن ​قراءة نشأة القصر الكبير في حضن سهل اللوكوس تُظهر أن المدينة قامت دائماً على فهم معادلة الازدهار والدمار المبنية على الاستفادة من الوادي مصدراً للخصوبة، مع محاولة ضبط خطره. إلا أن هذه المعادلة تغيرت مع التوسع العمراني، إذ تدخلت مصالح المنتخبين والإدارة في هندسة المجال الحضري، ما أعاد تشكيل حدود الوادي وحدود المدينة. وهكذا أمسى عرشها قائماً على الماء تعبيراً دقيقاً عن قدر المدينة الجغرافي والتاريخي معاً. فأصبحت مدينة القصر الكبير ابنة الماء، وتختبر وجودها كلما عاد إليها في هيئة فيضان.


كانت فيضانات القصر الكبير أكثر من أحداثٍ طبيعيةٍ، إذ برزت قوةً خفيةً تعيد ترتيب المجال. فمع كل فيضانٍ أعادت المدينة التفكير في مواقع السكن ومواد البناء وحدود الأحياء. وقد طوّر سكان القصر الكبير عبر الزمن أساليب للتعايش مع فيضانات وادي اللوكوس، إلا أن هذه العلاقة التقليدية مع النهر تغيرت جذرياً في الحقبة الاستعمارية. ففي ظل الحماية الإسبانية التي خضع لها الإقليم بين سنتي 1912 و1956، عُدّ اللوكوس عنصراً طبيعياً في حياة السهل، كما تحول إلى معضلةٍ إداريةٍ وموضوعٍ علميٍ شغل المهندسين العسكريين والباحثين الميدانيين التابعين المستعمِرَ.

ويُظهر تتبّع الوثائق الإدارية المرتبطة بشمال المغرب في حقبة الحماية الإسبانية أن نهر اللوكوس تحوّل إلى عنصرٍ تنظيميٍ داخل البنية الترابية للإدارة الاستعمارية نفسها. فقد صدر في 15 ديسمبر 1935 مرسومٌ إداريٌ لتنظيم منطقة الحماية الإسبانية بالمغرب، نُشر في الجريدة الرسمية للحماية الإسبانية في الشهر نفسه، ونصّ على تقسيم المجال الخاضع للسلطة الاستعمارية إلى خمس مناطق كبرى. المنطقة الغربية ومنطقة جبالة ومنطقة غمارة ومنطقة الريف والمنطقة الشرقية. وأُسند هذا التنظيم إلى جهازٍ إداريٍ يتبع مندوبية الشؤون الأهلية، ويشرف عليه مسؤولٌ يحمل صفة المتدخل الجهوي. في السجل المؤسسي المحفوظ ضمن الأرشيف العام للإدارة الإسبانية ملفٌ عنوانه "التدخل الترابي لمنطقة اللوكوس" يُظهر أن هذا المجال عُومل داخل التنظيم وحدةً إداريةً قائمةً بذاتها، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي بين مدينتي العرائش والقصر الكبير وإلى أهميته الزراعية والمائية داخل سهل اللوكوس.

ويبين المؤرخ الإسباني المتخصص في تاريخ الحماية الإسبانية بالمغرب، خوسيه لويس فيلانوفا فاليرو، في دراسته "لوس إنتيربينطوريس ديل بروطيكطورادو إسبانيول إن مارويكوس (1912-1956) كومو أخينطيس خيوبوليتيكوس" (المتدخلون في الحماية الإسبانية بالمغرب (1912–1956) فاعلين جيوسياسيين) المنشورة سنة 2005 أن جهاز المتدخلين كان إدارياً تقنياً ضليعاً بإنتاج المعرفة السياسية والجغرافية عن القبائل والمجالات المحلية. وجمعت التقارير التي رفعها المسؤولون المعطيات الإحصائية والاقتصادية من جهةٍ، وملاحظات تنظيم المجال والسكان من جهةٍ أخرى، بما يسمح للإدارة الاستعمارية بإحكام الإحاطة بالمجال وضبط موارده.

وفي الاتجاه نفسه يوضح الباحث في التاريخ المعاصر وليد موحن، في دراسته "إسبانيا واستغلال الموارد الطبيعية في شمال المغرب [. . .]" المنشورة سنة 2020 أن منطقة اللوكوس شكّلت نموذجاً واضحاً لهذا النمط من المعرفة الإدارية بتدبير الموارد، وأن الإدارة الإسبانية عملت على جمع معطياتٍ دقيقةٍ عن إمكانات المنطقة الزراعية والمائية. هذه المعطيات كانت جزءاً من مشروعٍ أوسع يرمي إلى إدماج سهل اللوكوس في الاقتصاد الزراعي الذي سعت الإدارة الاستعمارية إلى تطويره في الشمال المغربي.

تكشف الوثائق الهندسية التي أعدها مهندسو الأشغال العمومية في حقبة الحماية الإسبانية أن فيضانات اللوكوس كانت عنصراً حاضراً في الحسابات التقنية للمشاريع الاستعمارية. ففي مقاله "إل بويْنطي دي ألفونسو تريثي سوبري إل ريو لوكوس، إن لاراتشي" (جسر ألفونسو الثالث عشر فوق نهر اللوكوس في العرائش) المنشور سنة 1929 في مجلة الأشغال العمومية الإسبانية، يوضح المهندس خوسيه غارسيا أوغسطين أن تصميم الجسر استلزم دراسةً دقيقةً لسلوك النهر، مشيراً إلى أن اللوكوس تميّز بفيضاناتٍ قويةٍ وسريعة الارتفاع، وهو ما فرض اعتماد حلولٍ خاصةٍ في تصميم الأساسات وفي اختيار موقع المنشأة.

وعند قراءة هذه الدراسات في ضوء التقارير الإدارية والهندسية الصادرة عن مصالح الأشغال العمومية بالحماية الإسبانية، يتضح أن المعرفة التي أنتجتها الإدارة عن اللوكوس مركّبةً تجمع بين الوصف التقني للمجال وبين الملاحظات العرقية الخاصة بالقبائل والسكان. إلا أن البعد التقني احتل موقعاً مركزياً في هذه الوثائق، إذ ركزت التقارير على قياس منسوب المياه ورصد سرعة الجريان وتقدير إمكانات الريّ. وهي معطياتٌ ضروريةٌ لإدارةٍ استعماريةٍ تسعى إلى تنظيم المجال واستغلال موارده. أما الآثار الاجتماعية للفيضانات على القرى الواقعة على ضفتي الوادي فكانت غالباً ما تُذكر في صيغةٍ مقتضبةٍ داخل هذه التقارير، عناصرَ ثانويةً مقارنةً بالمعطيات المائية والهندسية التي كانت تشكل جوهر الوثيقة الإدارية.


وإذا كانت الفيضانات قد دفعت سكان القصر الكبير عبر التاريخ إلى التكيف مع خطر الماء، فإن الدولة المغربية بعد الاستقلال حاولت مواجهة هذا الخطر بأدواتٍ مختلفةٍ مثل السدود الكبرى وشبكات القنوات ومشاريع الحماية من الفيضانات. ولم تكن فيضانات سنة 1963 حدثاً طبيعياً عابراً، إذ كانت لحظةً مفصليةً في علاقة الدولة المغربية بوادي اللوكوس. فقد كشفت الكارثة عن حدود البنيات المائية التي ورثها المغرب من حقبة الاستعمار وعجزها عن احتواء فيضانات السهل. ومنذئذٍ بدأت الدولة تنظر إلى اللوكوس تحدياً وطنياً يستدعي تدخلاتٍ هندسيةً واسعةً، لتبدأ مرحلة جديدة من مشاريع السدود وتهيئة المجاري المائية.

واتجهت الدولة المغربية إلى بناء السدود الكبرى للتحكم في مياه الأودية وتخفيض خطر الفيضانات. وكان سدّ وادي المخازن الذي شُيّد صيف سنة 1979 قرب القصر الكبير، أبرز هذه المشاريع في حوض اللوكوس. فقد جاء الملك الحسن الثاني، ومعه وزراء خارجية الدول الإسلامية والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي وعدد من ممثلي الصحافة الدولية، إلى نواحي مدينة القصر الكبير لتدشين سد وادي المخازن. وكان الملك حينئذٍ مطوقاً بأزمةٍ هيكليةٍ حادةٍ، مدفوعةً بتكاليف النزاع في الصحراء والجفاف والتقلبات العالمية في أسعار المواد الأولية. 

وفي الخطاب الذي ألقاه بهذه المناسبة، قدّم الملك المشروع جزءاً من سياسةٍ مائيةٍ واسعةٍ جعلت من الملك في الخطاب الرسمي باني السدود. وهي السياسة التي راهنت عليها الدولة للحد من أخطار الفيضانات وتأمين الموارد المائية. قال الحسن الثاني: "إن سد وادي المخازن سيسقي أربعين ألف هكتار بكيفيةٍ مستمرةٍ، وسيخلق النماء والثراء في المنطقة، ليس للفلاحين فقط بل أيضاً للصناعة التي ستحول المنتوجات الفلاحية، مما سيخلق مناخاً جديداً للسقي والتنمية في هذه الناحية". إلا أن الرهان لم يكن تنموياً فقط، بل كان أيضاً جزءاً من سياسة الدولة للحد من خطر الفيضانات التي طالما هددت سهل اللوكوس ومدنَه، وعلى رأسها القصر الكبير. 

قدّم الحسن الثاني السدَّ مشروعاً اقتصادياً، كما استدعى شرعية المكان التاريخية. فالموقع نفسه شهد معركة وادي المخازن في أغسطس سنة 1578، التي انتصر فيها المغاربة على الجيش البرتغالي. وفي خطابه، الذي ألقاه أمام ضيوف المؤتمر العاشر لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي، ربط الملك بين ذاكرة المعركة ومشروع السد قائلاً: "إن تدشين سد وادي المخازن له معنىً تاريخيٌ خاصٌّ، فهنا وقف المغاربة سداً منيعاً في وجه الطغيان، واستشهدوا في سبيل دينهم لإغاثة إخوانهم، واليوم نحتفل بفتح هذا السد الذي سيكون، إن شاء الله، فتحاً جديداً للغنى والتنمية في هذه الناحية".

جاء خطاب الملكِ المتفائل في سياقٍ صعبٍ، إذ شهدت نهاية السبعينيات سنوات جفافٍ متتاليةً فرضت على الدولة البحث عن حلولٍ مائيةٍ دائمة. ​وفي هذا الإطار مثّل حوض اللوكوس قلب الرهان الفلاحي على تطوير الريّ ضمن برنامج مليون هكتار مسقي. وبفضل مشاريع السدود وشبكات السقي، تحول الحوض حقاً إلى الزراعات الصناعية والتصديرية مثل الشمندر وقصب السكر والفواكه الحمراء، وأنشأت الدولة المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي للوكوس.

إلا أن التحول الفلاحي الذي عرفه سهل اللوكوس لم يخلُ من آثارٍ اجتماعيةٍ عميقة. فقد أدّى إدخال الآلات إلى الفلاحة، وصعود الاستغلاليات الزراعية الكبرى إلى تراجع دور صغار الفلاحين، وتحول عددٍ منهم إلى يدٍ عاملةٍ زراعيةٍ رخيصة. ومع تقلص فرص العيش في القرى، ارتفعت وتيرة الهجرة نحو مدينة القصر الكبير. وشكلت الطبقات القروية الأجيرة والمهاجرة من قبائل الخلوط والطليق أحزمةً من البنايات الهشة في السهول الفيضية، التي كانت تاريخياً مجالاً طبيعياً لتدفق مياه اللوكوس. ومن ثمّ اتسع وعاء المدينة العقاري أفقياً وعشوائياً، حيث نبتت أحياءٌ في مناطق تعدّ مساراتٍ طبيعيةً للفيضان، ومنها حي المنكوبين الذي تبلغ مساحته 78,400 متراً مربعاً.

إلا أن حي المنكوبين ظل محلّ نزاعٍ طويلٍ بين المجلس البلدي وإدارة الأملاك المخزنية في ملكية الأرض. ويُصر السكان على أن بيوت الحي ملك آبائهم من ضحايا فيضان 1963، مستندين إلى ما كتبه المؤرخ عبد السلام بوخلفة، رئيس البلدية السابق الذي جاء في مؤلفه "الطريق لمعرفة القصر الكبير": ​"عرفت مدينة القصر الكبير فيضاناتٍ مهولةً أهلكت الحرث والنسل، وخلفت أكثر من أربعمئة عائلةٍ بلا مأوى. وفي سنة 1967 وضع المغفور له الحسن الثاني يده البيضاء على مرسومٍ ملكيٍ يقضي بمنح قروضٍ وتعويض الخسائر، وأمر ببناء 471 داراً للمنكوبين".


منذ تدشين سد وادي المخازن سنة 1979، ساد اعتقادٌ لدى السكان وصناع القرار بأن اللوكوس قد رُوِّض. وقد خلق هذا الإحساس بالأمان مبرراً لتوسيع العمران نحو السهول الفيضية، مع إهمال صيانة قنوات الصرف الطبيعية. وهكذا نبتت عماراتٌ وتجزئاتٌ وأحياءٌ جديدةٌ مثل الضحى والشروق والسعادة، ظناً من السكان أن الفيضان أصبح نسياً من الماضي.

إلا أن الماء ظل يذكّر المدينة بهشاشة هذا اليقين. وتشير دراساتٌ اجتماعيةٌ إلى أن كثيراً من الأسر المتضررة هي أسرٌ مهاجرةٌ مرّتين: مرةً من قراها هرباً من التهميش، ومرةً من بيوتها نحو مراكز الإيواء أو مدن العرائش وأصيلة وطنجة هرباً من الغرق. وقد حوّل هذا التشريد المزدوج بعض الأحياء الواقعة في مناطق الفيض إلى ما يشبه الفخاخ الاجتماعية، بعدما فقدت العقارات فيها جزءاً كبيراً من قيمتها السوقية واتسعت الفوارق بينها وبين باقي المدينة.

ومع ذلك، لا يترك الفيضان وراءه الخراب وحده، بل يترك أيضاً أثراً في ذاكرة المدينة ولغتها اليومية. وفي نهاية المطاف، تعود الحياة إلى القصر الكبير. وصف الصحافي نزار الفراوي ملامح هذا التعافي قائلاً: "في فرحٍ صغيرٍ لطفلٍ بقميص [اللاعب] حكيمي يحتفل بهدفٍ في ملعب الحيّ، في دخائن مشواةٍ شعبيةٍ تسدّ جوع العابرين، في صيحات سائقي سيارات الأجرة، في جميع الاتجاهات، وفي النكايات الساخرة التي يتبادلها رباعي فريق البارتشي، وفي بهجةٍ معلنةٍ تخونها الدموع لأسرةٍ تعود إلى بيتها بينما يستقبلها الجيران".


نشأت مدينة القصر الكبير، مثل كثيرٍ من حواضر الأودية، على ما يشبه تعاقداً خفياً بين الإنسان والماء. أدرك سكان سهل اللوكوس، بالتجربة الطويلة، أن النهر أكثر من محض موردٍ، فهو قوةٌ ينبغي مهادنتها. فتركوا للوادي مجاله حين يفيض، وبنوا عمرانهم في المواضع الآمنة، وسعوا إلى تطويع مياهه بما يخدم الزرع دون أن ينازعوه حقه في الامتداد الموسمي. 

إلا أن هذا التوازن الدقيق بدأ يختلّ مع التحولات الحديثة في تدبير المجال. فقد أوحى التقدم التقني، وبناء السدود بإمكانية إخضاع النهر نهائياً. وعلى هذا الوهم توسّع العمران وشُيّدت أحياء بكاملها في مناطق عرفتها الذاكرة المحلية مجالاً للفيضان. وهكذا لم يُنقض العهد مع الوادي بقرارٍ معلَنٍ، بل تآكل بصمتٍ تحت ضغط الحاجة إلى السكن ومغريات التوسع الحضري. لذلك، كلما جاء عامٌ مطيرٌ وارتفع منسوب اللوكوس، مثل ما حدث في شتاء 2026، طفا على الماء تاريخٌ طويلٌ من التوتر بين ساكن القصر الكبير وواديه.

اشترك في نشرتنا البريدية