سبتة ومليلية والجزر المتوسطية.. توتر مكتوم بين الرباط ومدريد

ترى الرباط أن احتلال إسبانيا ثغرَيْ سبتة ومليلية والجزر المتوسطية من أكبر ملفات الاستعمار استعصاءً على التسوية شمال إفريقيا.

Share
سبتة ومليلية والجزر المتوسطية.. توتر مكتوم بين الرباط ومدريد
أكثر عُقد التاريخ بين المغرب وإسبانيا إشكالاً | خدمة غيتي للصور

بينما كان هدوء العطلة الصيفية يخيّم على ضفّتَي غرب المتوسط في أغسطس 2025، سبح صانع محتوى مغربيٌ يُدعى "بن نسناس" أربعة كيلومتراتٍ ليصل إلى الجزر الجعفرية (شافاريناس) الخاضعة للسيطرة الإسبانية شمال شرق المغرب. تجاوز الشابّ أنظمة المراقبة في المنطقة العسكرية المحظورة، ووثّق رحلته في مقطع مصوَّر انتشر على منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تتناقله الصحافة الإسبانية، مما اضطر وزارة الدفاع في مدريد إلى فتح تحقيقٍ عاجلٍ عن كيفية اختراق جزيرةٍ محصّنة.

مغامرةٌ صيفيةٌ لشابٍّ يبحث عن تحدٍّ شخصيٍ تحوّلت إلى فعلٍ رمزيٍ هزّ واحدةً من أعقد ملفات التاريخ الاستعماري في غرب المتوسط. فقد دشّن بن نسناس، ربما بلا قصد، نقاشاً عاماً في المغرب عن عمق الجروح المتروكة من الماضي. إذ تبسط إسبانيا منذ قرونٍ سيطرتها على مدنٍ فوق الأراضي المغربية هي مدينة سبتة المحتلة منذ 1415 ومليلية المحتلة منذ 1497، إضافةً إلى الجزر غرب المتوسط مثل الجعفرية وليلى. وقد شكّلت هذه الثغور مجتمعةً بؤر توترٍ دائمةً وأزماتٍ دبلوماسيةً متكررةً. إذ تطالب الرباط بفتح مفاوضاتٍ عليها، بينما تتمسك مدريد باعتبارها جزءاً من هويتها وسيادتها الوطنية وإرثها الإمبراطوري الذي لا يمكن النقاش فيه أو التنازل عنه.


منذ القرون الوسطى كان غرب المتوسط ساحةَ تنافسٍ بين دول المغرب الأقصى والممالك الإيبيرية ومنها البرتغال ومملكة قشتالة شمال غرب شبه الجزيرة الإيبيرية. وتحوّلت موانئ المتوسط المطلّة على مضيق جبل طارق إلى نقاطٍ إستراتيجيةٍ تتحكم في التجارة المتوسطية والطرق البحرية نحو المحيط الأطلسي. جعلها ذلك هدفاً للحملات الصليبية الإيبيرية، وهي جزءٌ مما سمّي "حركة الاسترداد" الأوروبية ضد الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس)، وساهمت بتراجع حكم المسلمين تدريجياً حتى نهايته كلياً بسقوط غرناطة سنة 1492.

احتل البرتغاليون ميناء سبتة ومدينتها الواقعة على مضيق جبل طارق شمال المغرب. حصل  ذلك سنة 1415 بقيادة الملك جواو الأول في إطار مشروع السيطرة على قوافل الذهب والتوابل القادمة من إفريقيا الغربية. وتحولت المدينة إلى قاعدةٍ بحريةٍ برتغاليةٍ على رغم محاولات المرينيين استعادتها، وهم سلالةٌ أمازيغيةٌ حكمت المغرب وأجزاء من الأندلس بين عامَيْ 1244 و1465. وأخفق في محاولات استعادتها كذلك أقاربهم الوطاسيّون، المنحدرون من قبيلة زناتة، الذين حكموا المغرب لثمانين عاماً من سنة 1472.

أسقط السعديون، دولةَ الوطاسيين في فاس سنة 1549. وكان الاضطراب السياسي داخل دولة الوطاسيين قد أدّى إلى اختلال ميزان القوى غرب المتوسط لصالح المملكتين الإيبيريتين، إسبانيا والبرتغال. وفي محاولتهم استعادة الأراضي اصطدم السعديون مع البرتغاليين في معركة وادي المخازن سنة 1578، فهزموهم وقتلوا ملكهم سباستيان. دخلت البرتغال على إثر الهزيمة في أزمة وراثة العرش. وهو ما دفع ملك إسبانيا فيليب الثاني إلى ضم البرتغال إلى التاج الإسباني في إطار ما عُرف بالاتحاد الإيبيري سنة 1580، فأصبحت سبتة خاضعةً لإسبانيا. بعد انفصال البرتغال عن التاج الإيبيري سنة 1640 اختار مجلس مدينة سبتة البلدي البقاء تحت التاج الإسباني، وهو ما صادقت عليه معاهدة لشبونة سنة 1668.

أمّا مدينة مليلية، للشرق من سبتة، واسمها مشتقٌّ من الكلمة الأمازيغية "تُمْلِيلْتْ" ومعناه البيضاء، فاحتلها الإسبان سنة 1497 حين ضعفت الدولة الوطاسية. تقدَّم القائد الإسباني بيدرو دي إستوبينيان، بتشجيعٍ من الملوك الكاثوليك، نحو المدينة التي كانت آنذاك مركزاً تجارياً صغيراً على الواجهة المتوسطية شمال شرق المغرب، واحتلّها بلا مقاومةٍ بسبب ضعف التحصينات وتشتّت القوى المغربية. أدَّت السيطرة على مليلية إلى منح إسبانيا موطئ قدمٍ إستراتيجيٍ على الساحل الشمالي للمغرب، وساهمت لاحقاً في توسيع نفوذها نحو الداخل، خصوصاً في منطقة الريف شمال المغرب، وهي المنطقة التي تتميز بالجبال وساحل البحر المتوسط.

يقول الكاتب في الشؤون الإسبانية نبيل دريوش في كتابه "الجوار الحذر.. العلاقات المغربية–الإسبانية" الصادر سنة 2015 إنَّ "المدينة تعدّ نقطةً استراتيجيةً لحماية إسبانيا المسيحية من الخطر الإسلامي، وإمكانية عودة الإسلام، وانضاف إليها بعد سنواتٍ احتلال حجرة باديس عام 1508 [استعادها المغاربة سنة 1522، وأعاد الإسبان السيطرة عليها سنة 1564 حتى اليوم]، بهدف حماية الخط الملاحي التجاري الإسباني والحيلولة بلا استعادة مليلية".

ويضيف أن "احتلال سبتة ومليلية جاء في سياقٍ تاريخيٍ خاصٍ. فسقوط غرناطة في 1492، كان إعلاناً لولادة الدولة الإسبانية، الدولة الأمّة، التي تحكم سيطرتها على كامل شبه الجزيرة الإيبيرية عبر تحالف العرش القشتالي والكنيسة [الكاثوليكية]، لكن ذلك لم يكن يعني بالنسبة للملكة إيزابيلا وزوجها الملك فيرناندو نهاية الخطر المتجسد في أرض الإسلام القريبة، أي المغرب". واستدل دريوش بوصية الملكة إذ تُطالب فيها "بالطاعة النهائية للكنيسة الكاثوليكية والدفاع عنها [. . .] وبعدم التردد في التخطيط لتنصير إفريقيا ونشر المسيحية فيها ضماناً حقيقياً لكلّ استمرارٍ كاثوليكيٍ في جزيرة إيبيريا".

مع مطلع القرن العشرين أصبحت مليلية قاعدةً عسكريةً متقدّمةً للوجود الإسباني، ومنها انطلقت العمليات العسكرية الواسعة خلال حرب الريف التي اندلعت سنة 1921 حتى سنة 1927 بين إسبانيا (انضمت إليها لاحقاً فرنسا) وقبائل جبال الريف شمال المغرب، بقيادة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي.

لم يقتصر الوجود الإسباني على سبتة ومليلية. ففي سنة 1844، كانت المغرب قد خرجت لتوّها من معركة إيسْلي أمام فرنسا التي حاولت منع السلطان المغربي من دعم المقاومة الجزائرية واحتضانه الأمير عبد القادر، وهي المعركة التي عصفت بالبلاد بمشاكل خطيرةٍ، جعلت أبوابها مشرعةً أمام التغلغل الأوروبي على أراضيها. شجّع ضعف الدولة المغربية حينئذٍ إسبانيا على اغتنام الفرصة والتقدم نحو الجزر الجعفرية الثلاث – عيشة وإيدو وأسني – وباقي الثغور الشمالية.


راودَت فكرة السيطرة على الجزر الجعفرية إسبانيا منذ احتلالها مدينة مليلية، قبل أن تتراجع أهميتها قروناً طويلة. إلّا أنها عادت إلى الواجهة سنة 1830 بالتزامن مع الحملة الفرنسية المكثفة شمال إفريقيا. حينها أعادت الحكومة الإسبانية تقييم موقع الجزر، فأمرَت البحرية بتشديد المراقبة ودراسة إمكانية احتلالها نهائياً وتحصينها.

يقول المؤرِّخ المغربي المتخصص في تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، مصطفى المرون، في تقديمه لترجمة كتاب للإسباني كارلوس إيسكمبري إينوخو: "لاسْ إِيسْلاس شافاريناسْ، ذِيسْذِي 1848 هاسْتا فينال ذيل سْيِيغْلو 21" (الجزر الجعفرية من 1848 إلى بداية القرن الواحد والعشرين) إن "مجلس الحكومة الإسبانية قرّر، في اجتماعه بتاريخ 26 يونيو 1847، الشروع في احتلال الجزر الجعفرية وإقامة حاميةٍ عسكريةٍ فيها لضمان الملاحة الحرة على الساحل الإفريقي".

يضيف المرون أن الأسطول الإسباني غادر ميناء مالقة في الرابع من يناير 1848 برئاسة الجنرال سيرانو، وحلَّ بمليلية في اليوم نفسه، واحتلّ الجزر الجعفرية في السادس من يناير 1848. وبعد نزوله على أرض الجزيرة صاح القائد في جنوده معلناً: "لقد دخلت جزر كبدانة [الجزر الجعفرية] تحت طاعة جلالة الملكة إيزابيلا الثانية". وأطلق على كلّ جزيرةٍ من الجزر الثلاث إسماً إسبانياً هو: جزيرة إيزابيلا الثانية وجزيرة الملك وجزيرة مجلس الشيوخ. وتسمية "كبدانة" ظهرت في خرائط بحريةٍ إسبانيةٍ قديمةٍ، خصوصاً في الخريطة الكاتلانية لسنة 1375 التي وضعها تاستو وبوشون، وكانت حينها تُسمّى بأرخبيل كبدانة. ومنذ سنة 1602 بدأ ينتشر اسم شافاريناس في إسبانيا.

في الجانب المقابل، نُسجت رواياتٌ تاريخيةٌ عن أصل التسمية لإثبات أحقية المغرب في الصخور المتوسطية الثلاث. يقول المرون إن "الجزر الجعفرية كانت ملاذاً للقراصنة يلجؤون لها كلّما ساءت الأحوال الجوية، أو لإنزال الغنائم، أو للتموين، لهذا نُعتت بِاسم جزر الشفّارين أو إشَفّارَنْ باللغة الأمازيغية، أي اللصوص، وهي الصفة التي كانت تُطلق على القراصنة، ومنها اتخذت الاسم الإسباني شافّاريناس". وكذلك يشير تحول التسمية من الأمازيغية إلى الإسبانية إلى ارتباط الجزر ثقافياً وجغرافياً بمجالٍ أمازيغيٍ يتمثل في قبيلة كبدانة شرق المغرب. ناهيك عن أن الجزر لها تاريخ استيطانٍ بشريٍ سابقٍ الوجودَ الإسباني، وفقاً لورقةٍ بحثيةٍ بعنوان "إِيسْلاسْ شافَاريناسْ: هِيسْتورْيا هُومانا" (جزر شافاريناس: التاريخ البشري) صدرت سنة 2004.

وبصرف النظر عن الحق التاريخي من عدمه، فبسيطرتها على الثغور تضمن إسبانيا وجوداً في مناطق مغربية جديدة وبذلك تشرعن احتلالَها القديمَ سبتةَ ومليلية. لذلك تجرّأت إسبانيا سنة 1859 وحاولت توسيع احتلال مدينة سبتة ببناء قلعةٍ حربيةٍ على حدود المدينة بلا إخبار الدولة المغربية، فهدم أهل قبيلة أنجرة البناء الجديد. وكانت هذه ذريعة إسبانيا لإعلان الحرب في 22 أكتوبر 1859، تحت قيادة ليوبولدو أودونيل، وهي الواقعة المعروفة بحرب تطوان.

تقول  المؤرخة بهيجة سيمو إن القوات الإسبانية حاصرت مدينة تطوان شمال المغرب وأرغمت السلطان محمد بن عبد الرحمن العلوي على الاندحار. ثم أقامت معسكراً جديداً بالقرب من المدينة، التي لم يعد أمامها سوى الاستسلام لشروط أودونيل وفتح أبوابها للإسبان بلا مقاومة.

لم تتوقف الأمور عند هذا الحدّ، فقد استأنف المغاربة الحرب بهجماتٍ عنيفةٍ على الجدار الدفاعي الإسباني جنوب تطوان في مارس 1860، وردَّ الإسبان بهجومٍ مضادٍ في نفس الشهر. تسببت هذه المعركة في خسائر فادحةٍ للطرفين، جعلت الإسبان يخشون الحرب الطويلة وغير مضمونة النتائج في الداخل، بل وأجبرتهم على التخلي عن هدف ضمّ تطوان.

تقول سيمو: "على الرغم من كون المغاربة فرضوا على الإسبان الجلاء عن تطوان التي احتلوها بالفعل حتى الثاني من ماي [مايو] 1862، فقد خضعوا لشروطٍ قاسيةٍ بموجب معاهدة وادي الراس في 26 أبريل 1860 التي نصّت على أداء مئة مليون بسيطة غرامةً نقديةً، وتوسيع حدود سبتة والتنازل عن شريطٍ أرضيٍ في الجنوب بمنطقة سيدي إيفني".

ظل هذا الخلاف المغربي الإسباني الممتد قروناً حول سبتة ومليلية ومن بعدها الجزر الجعفرية علامةً فارقةً في علاقة البلدين. وكان هذا الاحتلال سبباً لتبلور نقاشات قانونية وسياسية بعد استقلال المغرب، تشتد يوماً وتخفت يوماً آخَر، وسعت من خلالها الرباط لإثبات حقّها التاريخي في هذه الأراضي. هذا مقابل تعنتٍ إسبانيٍ مرتبطٍ لحدٍّ كبيرٍ بهاجس البلاد الهوياتيّ الذي عزّز تمسّك مدريد بتلك المناطق باعتبارها جزءاً من الإرث التاريخي للدولة.


تأسس الخطاب السياسي للدولة المغربية الحديثة بعد الاستقلال سنة 1956 على المطالبة باسترجاع سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً من معركة استكمال الوحدة الترابية، وفقاً للمؤرخ المغربي ميمون أزيزا في كتابه "إسبانيا والريف.. مقاربات في تاريخ مشترك" الصادر سنة 2025. يقول أزيزا إنه بعد استقلال المغرب "طُرحت قضية رسم الحدود المغربية بشكلٍ رسميٍ، فتواجُد قوىً مستعمِرةٍ مختلفةٍ على أرض المغرب جعل تجربته للحصول على الاستقلال مخالفةً لجيرانه الجزائريين والتونسيين، وجعل مسلسل استقلاله متقطّعاً. ففي الوقت الذي منحت فيه فرنسا الاستقلال للمغرب سنة 1956، بقيت إسبانيا تحتفظ ببعض المناطق المغربية".

رغم طرح المغرب المطالب الأولى لاسترجاع أراضيه أمام اللجنة الرابعة للأمم المتحدة انطلاقاً من سنة 1958، لم يُطالب بترسيم سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما حتى ديسمبر سنة 1960. حينها أدرج المندوب المغربي امْحمد بوستة هذه الأراضي من بين المطالب المغربية خلال الجلسات الخاصة بالإعلان عن منح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة. وأكد المغرب أن ثغري سبتة ومليلية تُمثّل آخر جيوب الاستعمار في القارة الإفريقية، وهو ما يستدعي إخضاعها لمبدأ تصفية الاستعمار الوارد في الإعلان رقم 1514 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1960. 

وإن بقي هذا الموقف حاضراً في بيانات الحكومات المتعاقبة حتى اليوم، إلّا أن راهنيّته تراجعت مع صعود ملف الحكم الذاتي في قضية الصحراء إلى صدارة أولويات الدبلوماسية المغربية. ففي ديسمبر سنة 2008 خلال القمة المغربية الإسبانية بمدريد لم يفتح الجانب المغربي ملف الثغور. ويُعلّل دريوش ذلك بقوله إن الرباط "مقتنعةٌ بأن ملفّ سبتة ومليلية ليس ذا طبيعةٍ راهنيةٍ بسبب أولوية الصحراء ورغبتها في الخروج من المأزق، وهو ما تدركه مدريد جيداً".

بالتوازي، تنظر الرباط للجزر الجعفرية بالمنظار ذاته، باعتبارها أراضٍ مغربيةً تحتلّها إسبانيا، وينطبق عليها المنطق ذاته الذي ينصّ على ضرورة استرجاعها في إطار إنهاء ما بقي من آثار الاستعمار في القارة الإفريقية. ويرتكز جزءٌ من السردية المغربية، بالإضافة لسردية الوجود البشري السابق للاحتلال الإسباني في الجزر، على الضعف القانوني للموقف الإسباني. فالجزر الجعفرية غير مذكورةٍ في الدستور الإسباني أو قوانين الحكم الذاتي لمليلية، مما يضعف موقف إسبانيا في الدفاع عن سيادتها عليها. يضاف لذلك البعد الجغرافي المتمثل بقرب الجزر الكبير من الساحل المغربي، نحو أربعة كيلومتراتٍ فقط، وحقيقة أن هذه المناطق تُدار عملياً باعتبارها مناطق عسكريةً تابعةً لوزارة الدفاع الإسبانية. وهو ما يفنّد ادّعاء إسبانيا بالوضع الإداري الطبيعي، ويؤكد الطابع العسكري الاستعماري للسيطرة الإسبانية عليها.

لكن هذه المطالب المغربية اصطدمت منذ البداية بتصوّرٍ إسبانيٍ يرى في الملف مسألة سيادةٍ وهويةٍ لا قضية استعمارٍ، جاعلاً من سيطرة مدريد على سبتة ومليلية والجزر المتوسطية واحداً من أكبر الملفات استعصاءً على التسوية شمال إفريقيا. 


يؤكد المؤرخ ميمون أزيزا في كتابه "إسبانيا والريف[. . .]" أن إسبانيا نفت رسمياً منذ استقلال المغرب أن يكون بينها وبين المغرب أيّ نزاعٍ ترابيّ. وتجاهلت الحكومات الإسبانية المتتالية المطالب المغربية بسبتة ومليلية والجزر التابعة لهما. وتتداخل في الموقف الإسباني اعتباراتٌ قانونيةٌ وسياسيةٌ، إلى جانب هاجسٍ هويّاتيٍ يرى في هذه الثغور امتداداً لرمزيةٍ تاريخيةٍ لا ترغب الدولة في التفريط فيها.

هذا الموقف الإسباني تُرجم عملياً وتشريعياً في أعقاب اعتماد الدستور الإسباني سنة 1978، الذي أرسى نظاماً من المناطق ذات الحكم الذاتي، نظاماً لا مركزياً منح مجموعةً من الأقاليم صلاحياتٍ تشريعيةً وتنفيذيةً واسعةً، لكنه لم يذكر مدينتَيْ سبتة ومليلية بالاسم في التقسيم الإقليمي. بدلاً من ذلك، استندت إسبانيا إلى الفصل 144 من الدستور لتمرير التشريعات اللاحقة التي تحسم الوضع الداخلي للمدينتين.

وأصدر البرلمان في 13 مارس 1995 قانونين تنظيميَّين لنظام الحكم الذاتي في سبتة ومليلية، وهما اللذان منحا كل من الثغرين صفة المدينة ذاتية الحكم إذ يؤكدان أن "المدينتين جزءاً لا يتجزأ من الأمّة الإسبانية وضمن وحدتها التي لا تنفصم، وتتمتعان بالاستقلال الذاتي لإدارة مصالحهما". هذا التأكيد التشريعي تجاوز البعد القانوني ليحمل أيضاً دلالةً رمزيةً تعزّز تصوّر المدينتين داخل المخيال الإسباني جزءاً من هويةٍ وطنيةٍ ممتدةٍ تاريخياً.

يقول أستاذ تاريخ الإسلام المعاصر في جامعة مدريد المستقلة، برنابي لوبيز غارسيا، في حديثه مع الفِراتس إن "التحليلات الإسبانية بشأن المطالبة المغربية بسيادتها على سبتة ومليلية ليست مجرّد قضيةٍ خارجيةٍ، بل موضوع نقاشٍ وطنيٍ وجدالٍ دائمٍ خرج من منطقة المحضور". مضيفاً أن "التفكير في التخلي عن سبتة ومليلية كان حاضراً منذ القرن الثامن عشر عندما صرّح الملك كارلوس الثالث بعد ستة وعشرين عاماً من حصار سبتة بضرورة التخلي عنهما بسبب غياب جدواهما، مروراً بالجنرال بْريمو ذِي ريفيرا الذي دعا سنة 1917 إلى التخلي عن المدينتين مقابل استعادة جبل طارق، معتبراً أن إفريقيا ليست جزءاً من إسبانيا".

وامتد هذا الرأي بين العديد من الإسبان حتى حدود الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت سنة 1936. إذ كان العديد من السياسيين والمفكرين في إسبانيا، بحسب لوبيز غارسيا، "يدعمون علناً فكرة التخلي عن المدينتين، لكن سيختفي هذا النقاش في عهد الجنرال فرانكو الذي فرض صمتاً على المثقفين المناهضين للنظام".

مقابل هذا الطرح، يظل الرافضون لدعوات التنازل للمغرب، خصوصاً في أوساط اليمين، تياراً لا يستهان به في الفضاء الإسباني. يعلق لوبيز غارسيا بأن "قطاعات من اليمين الإسباني ترى أن تزايد السكان الأمازيغ المسلمين داخل سبتة ومليلية لا يغيّر من الوضع القانوني لها، وأن المدينتين لا تُقاسان بجبل طارق ولا تُختزل قيمتهما في الجغرافيا وحدها". ويمتزج في هذا الطرح خطابٌ سياديٌ متشددٌ بآخَر هويّاتيٍّ يرفض تصور المدينتين تراباً غير متجانسٍ، ويرى فيهما جزءاً من الإرث الإمبراطوري الإسباني.

ولعل تدخلات حزب فوكس اليميني المحافظ في البرلمان الإسباني لا تخرج عن هذا النطاق، إذ يعبّر في كثير من المناسبات عن تشبثه بمواقف رافضةٍ التنازلَ عن سبتة ومليلية والجزر المتوسطية، واعتبار الدفاع عنها أولويةً إستراتيجيةً، خصوصاً في أوقات توتّرٍ سياسيٍ داخليٍ أو إقليمي. وقد قدّم الحزب مبادرةً في يونيو 2025، وافق عليها مجلس النواب الإسباني في لجنة الدفاع، تحثّ الحكومة على الدفاع الحازم عن إسبانيَّةِ سبتة ومليلية والجزر المتوسطية، وتعدّها كلّها "أراضٍ تاريخيةً تحت السيادة الإسبانية، وأن تطلعات المغرب تفتقر إلى أيّ أساسٍ قانوني".

وإلى جانب فوكس الذي يعبّر دائماً عن قلقه من مطالبة المغرب بالثغور المحتلة، يبرز موقف الحزب الشعبي كذلك الذي ما فتئ يبدي مخاوفه بشأن إعادة تفعيل المطالب المغربية بتحرير سبتة ومليلية. لذلك قدمت المجموعة البرلمانية للحزب في مجلس الشيوخ الإسباني مذكرةً في أغسطس 2025 تطالب حكومة بيدرو سانشيز بوضع خطةٍ أمنيةٍ شاملةٍ للمدينتين.

وبنظرةٍ للوراء، يرى المحامي والمؤرخ الإسباني، أنخيل بيريز غونزاليس، في مقالةٍ بعنوان "سِيتا إِي مِيلِيَا إينْ إِيلْمارْكو ذي لاسْ رِيلاثْيُونيسْ هِيسْبانو–مارُّوكي" (سبتة ومليلية في إطار العلاقات الإسبانية–المغربية) المنشورة في مايو 2004، أن "الواقع بسيط: سبتة ومليلية جزءٌ مدمجٌ من دولةٍ حديثةٍ وديمقراطيةٍ وغربيةٍ اسمها إسبانيا، وتاريخ المتوسط المعقّد أفضى إلى هذا الوضع". ويضيف بأن الموقف الإسباني تأسّس على أنه لا وجود لنزاعٍ يمكن الشروع في التفاوض بشأنه، ولا وجود لحتميةٍ تاريخيةٍ تُلزم بتغيير الوضع، ولا وجود لأيّ تشابهٍ قانونيٍ مع قضية جبل طارق".

لذلك يرى بيريز غونزاليس أن "الموقف الإسباني الثابت بخصوص سيادة المدينتين سليمٌ ويتماشى مع الدستور وباقي القوانين". ويؤكد أن التحليل الإستراتيجي في إسبانيا، المتأثر بسنواتٍ طويلةٍ من ضعف النفوذ الدولي "أَنتج خوفاً من التورّط في ملفاتٍ شائكةٍ، ومنها سبتة ومليلية. والخشية من عدم تفهّم الحلفاء تدفع بعض الأصوات إلى المطالبة بتنازلاتٍ، كالتفاوض على المدينتين أو التخلي عن الجزر والصخور الصغيرة، وهو ما يمسّ بالمصالح والقانون الإسباني. ولذلك فهو غير مقبول".

هذا الموقف الإسباني المتشدد ضمن أسئلة السيادة والهوية تُرجم عملياً في تعامل مدريد مع الصخور المترامية قبالة الشواطئ المغربية، حتى لو اضطرها الأمر الدخول في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الرباط. وهو ما كاد يحصل سنة 2002.


قررت الرباط صيف 2002 وضع بضعة عسكريين مغاربةٍ في جزيرةٍ صخريةٍ صغيرةٍ تدعى جزيرة "ثُورَة" أو "ليلى"، ويسميها الإسبان "بيريخيل". كانت الرواية الرسمية التي قدّمها المغرب هي حمايته شواطئه من تجارة المخدرات بحكم أن الجزيرة تشكل منطلقاً لهؤلاء صوب شبه الجزيرة الإيبيرية. 

وبما أن النظام السياسي الإسباني بعد الانتقال الديمقراطي بَنَى جزءاً مهماً من سرديته على حماية الوحدة الترابية، وصون ما تبقى من مجالات السيادة التاريخية، بما فيها الثغور المتوسطية، رأت الطبقة السياسية والإعلام الإسبانيان في وضع جنودٍ مغاربةٍ على جزيرةٍ صغيرةٍ غير مأهولةٍ خطوةً رمزيةً تستهدف الهوية الإسبانية. وفي القلب من هذا اختبار قدرة الدولة على الدفاع عن آخر نقاط حضورها في الضفة الجنوبية، أكثر مما رأت فيها مجرد إجراءٍ أمنيٍ مغربيٍ مرتبطٍ بمحاربة التهريب.

يقول نبيل دريوش بأن الخطوة المغربية في جزيرة ليلى ستظهر لاحقاً أنها الأزمة الأكثر جديةً بين الرباط ومدريد منذ تنظيم الملك الراحل الحسن الثاني المسيرة الخضراء خريف سنة 1975، والتي استرجع من خلالها المغرب منطقة الصحراء الغربية التي كانت تحتلها إسبانيا.

وينقل درويش عن المؤرخة الإسبانية ماريا روسا دي مادرياغا توصّلها إلى "خلاصة أنه ليس هناك أيّة وثيقةٍ تاريخيةٍ إسبانيةٍ تؤكد سيادة مدريد على جزيرة ليلى، بل حتى المؤرخون المتعصبون للوطنية الإسبانية الذين كانوا في خدمة نظام فرانكو لم يدرجوا الجزيرة ضمن السيادة الإسبانية، وبالتالي فبعد استقلال المغرب فالجزيرة تحوّلت مباشرةً إلى السيادة المغربية". ويضيف أن رأي ماريا روسا أثار نقاشاً واسعاً على وسائل الإعلام، وهو ما ردّت عليه وزيرة الخارجية الإسبانية آنا بلاثيو بالقول إن "الصخرة إسبانية وأنهم يبحثون في وزارة الخارجية عن الوثائق التاريخية التي تؤكد هذا الأمر". لكن تلك الوثائق لم يُعثر عليها أبداً.

الاتحاد الأوروبي وقف إلى جانب إسبانيا في النزاع. وقد دعت بروكسل في 14 يوليو الرباط إلى الانسحاب الفوري من الجزيرة، بعدما روّج الإسبان داخل الأروقة الأوروبية بأن تحرّك المغرب يمثل خطوةً أولى للسيطرة على مدينة سبتة. بعد ثلاثة أيامٍ تدخلت إسبانيا عسكرياً تحت ستارٍ جويٍ وبحريٍ كثيفٍ، وتمكنت من السيطرة على الجزيرة. وعلى إثرها عقد الملك محمد السادس مجلساً وزارياً استثنائياً، أصدر بياناً شديد اللهجة يعتبر فيه أن لجوء مدريد للقوة "ليس له ما يُبرّره ويتنافى مع قواعد العلاقات الدولية، وأن ما قامت به إسبانيا يُعدّ مساوياً لإعلان حرب".

يرى الإعلامي والكاتب المتخصص في الشؤون الإسبانية، حسين مجدوبي، في كتابه "المغرب في الفكر الإسباني" الصادر سنة 2023 أن "ما يفسر التصرف العنيف والمبالغ فيه لإسبانيا إبان الأزمة، كون رئيس الحكومة اليمينية آنذاك، خوسي ماريا أثنار، كان يؤمن بأن التساهل في جزيرة ليلى الصغيرة، الواقعة على بعد مئة مترٍ من الساحل المغربي في مضيق جبل طارق، سيشجع المغرب على اقتحام سبتة ومليلية مستقبلاً".

وفعلياً، شكلت أزمة جزيرة ليلى جرحاً في العلاقات بين ضفّتَيْ مضيق جبل طارق. وجدّد الملك محمد السادس في خطاب العرش يوم 30 يوليو 2002، التأكيد على "رفض ما قامت به الحكومة الإسبانية، من اعتداءٍ عسكريٍ على جزيرة ليلى التي تؤكد الحقائق التاريخية والجغرافية والمستندات القانونية، أنها ظلت دوماً جزءاً من التراب الوطني، تابعاً لسيادة المملكة المغربية".

بل إن الملك أبرز في خطابه أن "المغرب لم يفتأ منذ استقلاله، يطالب إسبانيا بإنهاء احتلالها لسبتة ومليلية والجزر المجاورة المغتصبة في شمال المملكة [ويشمل ذلك الجزر الجعفرية]". وقد أشار إلى أن المغرب اقترح على إسبانيا إنشاء خليةٍ مشتركةٍ مغربيةٍ إسبانيةٍ للتفكير والتأمل لإيجاد حلٍّ لمشاكل هذه المناطق المحتلة، بلا أيّ ردٍّ من لَدُنْ الطرف الإسباني لتسوية وضع "الثغور المغتصبة".

ويلفت الباحث في الشؤون الإسبانية، حسين مجدوبي، في حديثه للفراتس إلى أنه "إذا كان ملف الصحراء لا يعدّ ثنائياً بين البلدين بحكم إشراف الأمم المتحدة عليه على دور إسبانيا بصفتها قوةً استعماريةً سابقةً، يبقى ملف سبتة ومليلية والثغور المتوسطية ملفاً ثنائياً بين الرباط ومدريد ويلقي بظلاله على العلاقات منذ قرون. وعملياً، فقد تسبب ملف المدينتين في نزاعاتٍ وحربٍ إبان مراحل تاريخيةٍ مختلفةٍ، وهو مرشحٌ للتسبب في مزيدٍ من النزاعات مستقبلا".


تظلّ مدينتا سبتة ومليلية والجزر المتوسطية الجعفرية إحدى أكثر عُقد التاريخ بين المغرب وإسبانيا إشكالاً. فهذه الثغور، التي رسّخ الاحتلال وجوده فيها منذ قرونٍ، لم تعد مجرد بقايا استعماريةٍ معلّقةٍ، بل تحوّلت في المخيال الإسباني إلى رموزٍ للسيادة وهوياتٍ سياسيةٍ راسخةٍ، وفي الوعي المغربي إلى جرحٍ مفتوحٍ من زمن التقسيمات الإمبريالية. وهي اليوم الحالة الأوروبية الوحيدة التي يُثار حولها نزاعٌ سياديٌ مع بلدٍ من خارج المنظومة الأوروبية، والموطئ الوحيد لدولة أوروبية في القارة الإفريقية. ولهذا ظلّت عبر الزمن تبدو وكأنها "أبراج مراقبة" متقابلةٌ عند بوابة المتوسط: كلٌّ يقرأ فيها تاريخه وامتداده وحدود ما يراه حقاً لا يقبل التفريط. وبين هاجس الهوية في مدريد ومطلب استكمال الوحدة الترابية في الرباط، يستمر هذا الملف معلّقاً، مرآةً لتاريخٍ طويلٍ لم يكتمل حسمه بعد.

اشترك في نشرتنا البريدية