الأندلس في الوعي الإسباني المعاصر.. تاريخ مُهمَّش وصراع هويّة

تربط الرواية التاريخية الإسبانية نشأة الدولة الحديثة بسقوط حكم العرب في غرناطة وهيمنة الدولة المسيحية، في مقابل تهميش طويل لحقبة الأندلس.

Share
الأندلس في الوعي الإسباني المعاصر.. تاريخ مُهمَّش وصراع هويّة
تُقاس إسبانية الفرد بمسافته من الإسلام | تصميم خاص بالفراتس

شهدت إسبانيا في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين صعوداً متسارعاً للتيار اليميني والمحافظين الجدد، الذي يعتمد خطاباً معادياً للهجرة والتعدد الثقافي. ويستند هذا التيار إلى رواية تاريخية تُعرّف إسبانيا أمةً مسيحيةً، وتصوِّر غير المسيحيين عناصر دخيلة على تكوينها الوطني. 

تعود أصول هذا الخطاب إلى نهايات القرن الخامس عشر، حين طمست الكنسية إرث حقبة الأندلس ضمن مشروعٍ يهدف إلى بناء دولة مسيحية. وامتداداً لهذا الخطاب، يصوِّر الخطاب السياسي والإعلامي اليوم الحقبة الأندلسية لحظةً شاذة في التاريخ الإسباني، واحتلالاً عربياً عطّل تطور إسبانيا وأبعدها عن جذورها الأوروبية. ويعتبر استعادة غرناطة وطرد المسلمين واليهود لحظةً تأسيسية للوطن، لا نهايةً لتجربة تاريخية مركّبة. 

يقابل هذا تصورٌ آخر، يسعى لإعادة تعريف إسبانيا بلداً ذا تعدد وثراء ديني وعرقي. يستند هذا التصور إلى رؤية تاريخية مغايرة، بدأ تشكلها في القرن التاسع عشر على يد تيار المستعربين النقديين. إذ أعاد النقديون كتابة تاريخ إسبانيا خارج القوالب القومية الضيقة، وسعوا من داخل الجامعات والأرشيفات إلى تفكيك الرواية الرسمية واستعادة الأندلس جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الإسباني، لا استثناءً عابراً فيه. ومع جِدَّة مساعي هؤلاء المستعربين، فإن محدودية انتشار أطروحاتهم خارج الأوساط الأكاديمية أسهمت في استمرار تهميش تاريخ الأندلس الممتد نحو ثمانية قرون، وهو ما وفّر أرضيةً خصبةً لصعود الخطاب اليميني.


عرفت شبه جزيرة إيبيريا (دولتا إسبانيا والبرتغال حالياً) الإسلامَ للمرة الأولى في مطلع القرن الثامن الميلادي. كانت البلاد حينئذ تحت حكم ممالك متعددة، أهمها مملكة القوط الغربيين المسيحية التي سيطرت على أغلب أراضي شبه الجزيرة من القرن السادس. ومع استتباب حكم الأمويين في الشام في نهايات القرن السابع، اتجهت الجيوش الأموية غرباً إلى الشمال الإفريقي حتى وصلت المغرب الأقصى واستقر فيه الحكم لموسى بن نصير. بعدها قاد طارق بن زياد والي طنجة جيشاً إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث اصطدم بجيش القوط في معركة وادي لكة سنة 711، فهزمهم طارقٌ في ثمانية أيام.

فتح هذا النصر العسكري باب مرحلة تاريخية جديدة في شبه الجزيرة عُرفت بالأندلس. بدأ حكمُ العربِ الأندلسَ باضطرابات سياسية استمرت عقوداً، حتى أسس الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل دولة أموية مستقلة بالأندلس سنة 756. نجح الأمير في تجاوز العصبية القبلية، فقويت الدولة حتى بلغت أوجها في القرن العاشر، قبل أن تدخل في طور التراجع والأفول. 

ومع تراجع الدولة ظهرت الزعامات المتعددة في مرحلة تاريخية سميت مرحلة ملوك الطوائف. في هذه الفترة تعمق الانقسام السياسي، وضعفت الجبهة الإسلامية في الجنوب، مقابل صعود المسيحية في الشمال. استمر الوجود الإسلامي في الأندلس على يد دولة المرابطين في القرن الحادي عشر، ثم دولة الموحدين في القرنين الثاني والثالث عشر. على أنَّ تراجعَ هاتين الدولتين أدى لتراجع الوجود الإسلامي في البلاد، وسرّع وتيرة "الاسترداد المسيحي"، حتى استسلم أبو عبد الله محمد الثاني، آخر حكام غرناطة المسلمين، لملوك قشتالة وأرغون سنة 1492، فانتهى الحكم العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية.

تشكل على أنقاض دولة الأندلس مشروع سياسي وديني قادته الملكية الكاثوليكية بتحالفٍ مع الكنيسة. لم تكن الدولة المؤسَسة دولة وطنية حديثة، بل كياناً عرّف الانتماء على أساس العقيدة الدينية. في السنوات اللاحقة أنشأت السلطة الجديدة محاكم التفتيش، وأطلقت حملات التنصير القسري، وأحرقت الكتب والمخطوطات العربية. وبالتوازي مع ذلك، طُرد اليهود السفارديم – نسبةً لسفارد وتعني إسبانيا بالعبرية – من البلاد فور سقوط حكم المسلمين سنة 1492، بينما بدأ طرد الموريسكيين، أي المسلمين الذين ظلوا في الأندلس، سنة 1609. وبحسب المؤرخ البريطاني هنري كامن في كتابه سبانيش أنكويزيشن: هيستوريكال ريفيجن (محاكم التفتيش الإسبانية: مراجعة تاريخية) الصادر سنة 1965، أصدرت محاكم التفتيش ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف حكماً بالإعدام على امتداد ثلاثة قرون، إلى جانب عشرات الآلاف من أحكام السجن والمصادرة والنفي، وهو ما خلق مناخاً دائماً من الخوف والرقابة الاجتماعية. وأُجبر ما بين مئة ألف إلى مئتي ألف يهودي على مغادرة إسبانيا نهاية القرن الخامس عشر، وطُرد لاحقاً حوالي ثلاثمئة ألف موريسكي، أي قرابة 4 بالمئة من مجموع السكان آنذاك، مع نسب أعلى بكثير في مناطق مثل فالنسيا وأرغون.

وعلى هذا المسار الإقصائي، ظل الأثر الأندلسي حاضراً في العمارة واللغة وأنماط العيش. يمكن رصد هذا الأثر عمرانياً في بقاء بعض المعالم الرئيسة، مثل المسجد الأموي بقرطبة الذي حُول إلى كاتدرائية، وقصر الحمراء بغرناطة، ومئذنة الخيرالدا بإشبيلية التي تحولت برجاً في كاتدرائية المدينة بعد سقوط الأندلس. ويمكن رصد الأثر الأندلسي في آلاف المفردات العربية التي لا تزال جزءاً من اللغة الإسبانية. شكّل هذا الوجود أساساً لما يسمى "عقدة الأندلس" التي تستعصي على الإزالة، وترفض بعض التيارات السياسية والدينية الإسبانية التصالح معها.  


في القرن التاسع عشر تشكّلت الهوية الوطنية الإسبانية الحديثة في سياق التحولات الكبرى التي عرفتها أوروبا مع صعود القوميات والدولة الحديثة. في هذه المرحلة لم تعد إسبانيا تُعرَّف مملكة كاثوليكية فحسب، بل أمّةً ذات تاريخ موحَّد ورواية مشتركة بنيت عبر اللغة والتاريخ والتعليم والمؤسسات. تحوّل الماضي، بما فيه الحقبة الأندلسية، إلى مادة مركزية في كتابة التاريخ الوطني، لا تسلسلاً محايداً للأحداث، بل أداة لإنتاج هوية جامعة تُبرز الاستمرارية وتُقصي ما يُنظر إليه نشازاً أو تهديداً لهذا التصور.

يُقصد بالتاريخ المسيحي في الخطاب المعاصر معنيان. أولهما الوجود المسيحي السابق دخولَ الإسلام. وثانيهما الدولة المسيحية التي تشكّلت بعد سقوط الأندلس في سياق بناء هوية وطنية إقصائية. غير أن التيار اليميني اليوم في إسبانيا لا يستند فعلياً إلى هذين المعنيين بالتساوي، بل يجعل من الرواية الثانية مرجعَه الأساس، ويحوّل سقوط الأندلس إلى لحظة التأسيس الحقيقية للأمة مع استدعاء رمزي للمسيحية السابقة للإسلام لتكريس وهم الاستمرارية.

يَظهر هذا التوجه في كتابات المؤرخين والفلاسفة الإسبان في بدايات القرن العشرين. مثلاً، يُعد كتاب إسبانا أنبرتيبرادا (إسبانيا المفككة)، الصادر سنة 1921 للفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت، من النصوص المؤسسة للفكر القومي الإسباني في القرن العشرين. يؤرخ أورتيغا لبداية إسبانيا الحديثة بتوحيد الممالك المسيحية وسقوط غرناطة. في المقابل، وفي سلسلة  هيستوريا دي إيسبانا (تاريخ إسبانيا) التي بدأ نشرها سنة 1935، أسس رامون مينينديث بيدال روايته على إسبانيا الرومانية ثم إسبانيا مروراً بالعصور الوسطى، وحكم القوط الغربيين إلى الاسترداد المسيحي وانتهاء حكم المسلمين في الأندلس وصعود حكم الكنيسة الكاثوليكية. وعلى اختلاف منطلق الكاتبين إلا أنهما يختزلان فترة الأندلس في احتلال إسلامي انتهى بسقوط غرناطة. وهذا هو التصور الذي يتمدد في طرح اليمين الإسباني المعاصر في خطاباته وتوجهاته السياسية.


تشكّل الخطاب الذي يستند إليه اليمين الإسباني المعاصر مع تشكّل الدولة الحديثة بعد تراجع إسبانيا الكاثوليكية في القرن التاسع عشر. وفتح هذا التحول الباب أمام إنتاج رواية وطنية موحدة ومتماسكة تُعرّف الإسبان بتاريخهم، ما أتاح إعادة ترتيب الماضي عبر اختيار بعض الأحداث وإبرازها مقابل تهميش أحداث أخرى أو تشويهها خدمةً لمشروع سياسي جديد متمثل في الدولة الليبرالية الجديدة.

وتعاملت الرواية الوطنية لإسبانيا الحديثة لتأسيس التاريخ مع الحقبة الأندلسية قطيعةً تاريخية لمسار مسيحي متصل. واختُزلت الأندلس في الخطاب القومي المحافظ في كونها احتلالاً عربياً إسلامياً عطّل تطور إسبانيا وأبعدها عن جذورها الأوروبية. وبهذا لم تُدمَج الأندلس تجربةً تاريخيةً ضمن الرواية الوطنية، بل تحولت تدريجياً إلى مرحلة شاذة وعبء رمزي على الهوية الوطنية، في مقابل تمجيد لحظة سقوط غرناطة لأنها تصحيحٌ للتاريخ واستعادةٌ للأصل.

وساهمت مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية في ترسيخ الخطاب الإقصائي الذي يتبنّاه اليمين الإسباني. وفي مقدّمة هذه العوامل أزمة بناء هوية وطنية جامعة داخل مجتمع مركّب تاريخياً تشكّل عبر تفاعل ديانات وثقافات متعددة. أيضاً منحت التحوّلات السياسية أثناء حكم فرانسيسكو فرانكو في القرن العشرين شرعيةً مؤسسيةً لخطابٍ أقصى الهويات المتنافسة وفرض تصوراً أحادياً للانتماء الوطني. ومع عودة قضايا الهجرة والتعدد الثقافي إلى الواجهة في القرن الحادي والعشرين، وجد اليمين في هذا الإرث خطاباً جاهزاً لتأطير الحاضر، عبر استدعاء ماضٍ مبسّطٍ يقدّم إسبانيا أمّةً مسيحيةً خالصةً، ويقصي كل ما يُنظر إليه بوصفه تهديداً لهذا التصور.

وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عرفت إسبانيا عودة قوية لخطابات اليمين المتطرف، لاسيما مع تأسيس حزب "فوكس" سنة 2013. يرتكز الحزب على تمجيد التاريخ المسيحي في القرون الوسطى والدفاع عن إسبانيا التقليدية مثلما تشكّلت في حروب الاسترداد. ويوازي ذلك تبنٍّ صريح لخطاب معادٍ الإسلامَ والمسلمين، يقوم على تصوير الدين والثقافة الإسبانيين مهدَّدين بغزوٍ إسلامي عبر الهجرة. ويرى اليمين الإسباني التعايش الأندلسي أسطورة يسارية. ويعتبر أي حديث عن الأندلس تهديداً للوحدة الوطنية. 

تتجلّى هذه الرواية في خطابات سانتياغو أباسكال، رئيس حزب فوكس. إذ ينطلق فيها من تصور إسبانيا أمةً مسيحيةً، ويقدّم حروب الاسترداد لحظة تأسيس إسبانيا الحقيقية ونموذجاً تاريخياً يُستعاد في مواجهة ما يصفه بالتهديدات المعاصرة، وفي مقدمتها الهجرة والإسلام السياسي. ومع عدم ذكر الوثائق التأسيسية للحزب الإسلام صراحة، فأنها تدعو إلى مواجهة أي تهديد للثقافة المسيحية لإسبانيا. وترتكز البرامج الانتخابية للحزب على تشديد سياسات الهجرة، ولا سيما تلك القادمة من شمال إفريقيا والدول ذات الأغلبية المسلمة، في ربط مباشر بين قضايا الهوية والتاريخ من جهة والهجرة والأمن من جهة أخرى. 

في تفكيك هذا الخطاب، يقول الباحث في تاريخ الأندلس بجامعة قادش محمد المودن للفراتس إن "القراءة التقليدية لتاريخ الأندلس لا تبقى حبيسة الماضي، بل تُستخدم اليوم بوصفها مخزوناً رمزياً يغذّي خطاب اليمين المتطرف. فعندما يُقدَّم التاريخ على أنه معركة طويلة لتحرير إسبانيا من الغزو الإسلامي، يصبح من السهل إسقاط هذه السردية على الحاضر، وتحويل المسلمين المعاصرين إلى امتداد رمزي للموريسكيين المطرودين سنة 1609، وتصوير الهجرة، ولا سيما القادمة من المغرب، باعتبارها غزواً جديداً يستدعي الدفاع والمقاومة".

ويُسهم هذا التأويل السائد لتاريخ الأندلس في تهيئة الأرضية الفكرية لانتشار الخطاب اليميني المتطرف. يقول محمد ظهيري، أستاذ جامعي بقسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة لا كومبلوتنسي بمدريد في حديثه مع الفراتْس إن "تاريخ إسبانيا غير محسوم تجاه حقبة الأندلس، ما يجعل ذاكرتها الجماعية قابلة للتوظيف. فلا هي اعترفت بالأندلس جزءاً مؤسِّساً من تاريخها الوطني، ولا واجهت إرث الإقصاء الذي بدأ بمحاكم التفتيش واستمر في الدولة الحديثة. وأفرز هذا التشويش ذاكرةً جماعيةً سمحت بإعادة تسويق الرواية القديمة التي تعتبر الأندلس تهديداً، وترى في التعدد ضعفاً للدولة، وفي الإسلام خطراً حضارياً".

ويضيف ظهيري أن الخطاب المدرسي والإعلامي، على التقدم الأكاديمي، لا يزال يميل إلى اختزال ثمانية قرون في غزوٍ وصراعٍ ديني، وتمجيد حقبة الاسترداد لحظةَ تأسيس الأمة الإسبانية. وتُستحضر هذه الرواية سياسياً بسهولة لتغذية خطاب رافضٍ الهجرةَ ومعادٍ الإسلامَ، ومتمركز حول فكرة الدفاع عن الهوية الإسبانية.

ويؤكد ظهيري أن "اليمين المتطرف الإسباني لم يخترع خطابه من فراغ، بل يكرر مفردات لاهوتية وسياسية تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو ما يفسر توظيف رمزية الاسترداد في الخطاب السياسي المعاصر".

ويعزّز هذا التوجه غياب خطاب رسمي بديل واضح. إذ لم تُقدّم الدولة الإسبانية، رغم دستورها الديمقراطي، روايةً تعتبر الأندلس إرثاً وطنياً مشتركاً، أو تُقرّ بأن التعدد الديني كان قاعدة تاريخية لا استثناء. وتركَ هذا الصمت المؤسسي المجال مفتوحاً أمام اليمين المتطرف لملئه بخطابٍ مبسّط وعدائي، حوّل تاريخ الأندلس إلى فزاعة حضارية، وربط الاعتراف به بالتنازل الثقافي، والتعدد بالخطر لا بالثراء.

ويذكر محمد المودن أن "حقبة الاسترداد تحوّلت من حدث تاريخي إلى أداة سياسية تُستخدم لتبرير الخوف من الإسلام والمسلمين، وتقديم الهوية الكاثوليكية بوصفها جوهراً ثابتاً يجب حمايته. ويستغل حزب فوكس هذه الذاكرة علناً عبر شعارات تُقارب بين تحرير الأندلس وسياساته المناهضة للهجرة، ما ينتج خطاباً قومياً عدائياً يعيد إنتاج الإسلاموفوبيا باعتبارها دفاعاً شرعياً عن الوطن".


أمام الاستخدام السياسي للماضي أصبح تاريخ الأندلس ساحة صراعٍ على الذاكرة عوض أن يبقى مجالاً للبحث الأكاديمي المحايد. ومن هنا يبرز دور الاستعراب الإسباني، الحقلَ المعرفي الذي اشتغل على تفكيك الروايات القومية عن الأندلس، وكشف الطابع الموجَّه لقراءةٍ حوّلت التاريخ إلى أداة إقصاء.

وتمثل الاستعراب الإسباني في بداياته في القرن التاسع عشر في مقاربتين متعارضتين. الأولى نقدية، ترى في الحضارة الأندلسية جزءاً من التاريخ الإسباني وإحدى مكونات الهوية الإسبانية في شموليتها. في المقابل، اعتبرت المقاربة الثانية الوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية احتلالاً أبعد إسبانيا عن أصولها الأوروبية وأسهم في تقهقرها مقارنة بمحيطها الأوروبي. 

عمل المستعربون النقديون على إعادة الاعتبار للأندلس مرحلةً مُؤسسةً في تكوّن إسبانيا. وأبرزوا تشكّل مفاهيم الدولة والدين فيها. إذ أقيمت أثناء حكم المسلمين مناظرات بين علماء مسلمين ورجال دين يهود ومسيحيين. وطُورت منظومة الري وأُدخلت محاصيل جديدة مثل الأرز وقصب السكر والحمضيات. وتُرجمت العلوم اليونانية من طب وفلك ورياضيات وغيرها إلى العربية بمشاركة اليهود والمسيحيين. أما اللغة فأصبحت العربية هي الجامعة في الأندلس لجميع الديانات. هذه الثقافة تشكلت في سياق أندلسي متوسطي متعدد الديانات، تفاعل فيه الإسلام مع اليهودية والمسيحية وانصهرت في إطار حضاري واحد هو الحضارة الأندلسية.

وانصبّ عمل التيار النقدي للمستعربين على مراجعة الأساطير الإسبانية التي تحوّلت إلى مسلّمات مطلقة. واهتم مؤرخون إسبان في عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته بالتراث العربي الإسلامي بإسبانيا مثل أمريكو كاسترو وكلاوديو سانشيز ألبورنوز، ما فتح نقاشاً عن الهوية الإسبانية. بعدها ظهرت أسماء أخرى مثل أليخاندرو غارثيا سان خوان وإميليو غونزاليث فرّين اللذين يؤكدان أن المسلمين واليهود ليسوا دخلاء، بل فاعلين تاريخيين أسهموا في تشكيل المجتمع الإسباني.

وقال أمريكو كاسترو في كتابه "لا ريفيثيون دي لا ميموريا: الإسلام إن إسبانا" (مراجعة الذاكرة: الإسلام في إسبانيا) الصادر سنة 1948 إن إسبانيا الحديثة هي نتاج تعايش الطوائف الثلاث في العصور الوسطى، المسيحيين والمسلمين واليهود. ودعا إلى إدراج الأندلسيين المسلمين واليهود السفارديم ضمن الرواية الوطنية الإسبانية، خلافاً للرأي الرسمي الذي تجاهلهم. في المقابل تبنّى سانشيز ألبورنوز أطروحة مغايرة في كتابه "دي لا أندالوسيا إسلاميك إلا دي هوي" (من الأندلس الإسلامية إلى أندلس اليوم) الصادر سنة 1983. ورأى ألبورنوز أن جوهر الهوية الإسبانية تشكّل خارج التجربة الأندلسية، وهو ما أفضى إلى جدل فكري حاد أثّر في أجيالٍ من المؤرخين وأنتج تيارين متناقضين في تفسير التاريخ الإسباني.

في عهد الجنرال فرانسيسكو فرانكو، الذي حكم إسبانيا منتصف القرن العشرين، اصطدمت جهود المستعربين بترسيخ أطروحة مركزية في المخيال الإيبيري مفادها أن إسبانيا تأسست ضد الإسلام، ووحدتها الوطنية تحققت بسقوط غرناطة وطرد اليهود ثم الموريسكيين. ساهم المستعربون النقديون في تفكيك هذا التفسير الإقصائي ومقاومته على مدى عقود، على أن أصواتهم ظلت خافتة ومُحاصَرة داخل فضاء أكاديمي وسياسي مُغلَق.

يقول محمد ظاهيري للفراتس إن "المستعربين الإسبان النقديين لعبوا دوراً حاسماً في تفكيك السردية الرسمية التي فرضتها الكنيسة والدولة الإسبانية منذ القرن السادس عشر، والتي قدّمت تاريخ إسبانيا بوصفه تاريخاً مسيحياً خالصاً متصلاً بلا انقطاع بروما والقوط الغربيين، ومُنكراً أو مُشوِّها لقرون الوجود الإسلامي واليهودي".

وفسّر الظاهيريُ دورَ المستعربين الإسبان من التيار النقدي في أربع نقاط. أولها تبلور تحالف بين الكنيسة والدولة منذ حقبة الاسترداد يقوم على ثلاث مسلّمات، اعتبار حقبة الأندلس احتلالاً أجنبياً، والمسلمين واليهود عنصراً طارئاً يجب محوه، والترويج للهوية الإسبانية المسيحية القوطية الخالصة. هنا جاء دور المستعربين النقديين ليقول إن هذا تفسير لاهوتي سياسي للتاريخ.

النقطة الثانية إثبات المستعربين في أوائل القرن التاسع عشر، تزامناً مع تطور المنهج التاريخي الحديث، أن الأندلس لم تكن هامشاً طارئاً، بل مرحلةً مؤسسةً في تشكّل إسبانيا التاريخي. وعملوا على إبراز أن مفاهيم الدولة والمدينة والزراعة والعلوم واللغة والفكر تشكّلت داخل سياق أندلسي متوسطي تعددي، تفاعلت فيه الديانات والثقافات المختلفة. وبناءً على ذلك، دحض مستعربو القرن التاسع عشر فكرة الدخيل، وأثبتوا كون المسلمين واليهود فاعلين تاريخيين داخليين أسهموا في صناعة المجتمع الإسباني.

ثالثًا أكّد المستعربون النقديون تبني الدولة الإسبانية الحديثة منطق الإقصاء، الذي ورثته وواصلت إنتاجه عبر مناهج التعليم والخطاب الرسمي. وكشف هؤلاء المستعربون أن تهميش الأندلس لم يكن نتيجة جهلٍ تاريخي. بل كان خياراً موجّهاً واعياً بدأ منذ سقوط غرناطة، وقام على حذف المصادر العربية والعبرية من التعليم وحرق المخطوطات وإنشاء محاكم التفتيش واختزال الأندلس في رواية صراع ديني بدل التعامل معها تجربةً حضاريةً مركبةً ومتعددة الأبعاد.

ولم يكتفِ المستعربون في القرن التاسع عشر بالدفاع عن الأندلس، بل كان لهم دور رابع بإعادة طرح سؤال من يملك حق تعريف تاريخ إسبانيا. ويقول الظاهيري إن "التاريخ الذي كشفوه هو تاريخ تعددي دينياً وثقافياً، متوسطي وأوروبي في آن واحد، تشكّل بتفاعل بين المسلمين واليهود والمسيحيين". وبهذا المعنى لم يكن دور المستعربين والمثقفين النقديين مجرد تصحيحٍ جزئي للرواية السائدة، بل مثّل تحوّلاً معرفياً يسعى إلى نسف الأسس الإقصائية التي بُنيت عليها الهوية الإسبانية الحديثة.

يرى محمد المودن أن "الدور الجوهري الذي يضطلع به المستعربون والمثقفون النقديون الرافضون للقراءة الرسمية لتاريخ إسبانيا يتمثل في إعادة فتح ملف الذاكرة الوطنية من زاوية تُعيد المسلمين واليهود إلى مكانهم الطبيعي داخل التجربة التاريخية الإسبانية، لا بوصفهم هوامش أو زوائد، بل أطرافاً مؤسسةً أسهمت في بناء لغة البلاد وفنونها وعلومها ومدنها وصورها المتخيلة عن ذاتها".

ويشير المودن إلى أن هذا التيار لا يشكّل كتلةً متجانسة، فبينما يكتفي بعض مفكريه بتصحيح نسب الحضور الإسلامي واليهودي داخل الرواية الوطنية، تذهب أصوات أخرى إلى إعادة تعريف مفهوم إسبانيا ذاته فضاءً تاريخياً متداخل الهويات. و"يقع بعض المدافعين عن الأندلس في خطابٍ مثالي يحوّلها إلى فردوس مفقود، ما يجعل النقد ذاته مهدداً بالتحول إلى أيديولوجيا مضادّة". وهو ما يحتاج، حسب المودن، إلى قراءة متوازنة تُنصف الماضي بلا تمجيد أو قطيعة وتفسح مكاناً عادلاً للأندلس داخل الهوية الإسبانية.

في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، سعت أبحاث المستعربين إلى انتقاد الرواية القومية الإسبانية التقليدية التي صاغتها دولة ما بعد الاسترداد، ورسّختها لاحقاً القومية المحافظة ثم نظام فرانكو. وذلك عبر تفكيك الإقصاء شبه التام لإرث الأندلس من التاريخ الرسمي. تقول الدكتورة ماريا روسا أمور ديل أولمو، الأستاذة في جامعة أنطونيو نيبريخا بمدريد، في حديثها مع الفراتس، إن "هذه الأبحاث فسحت المجال أمام رواية أكثر ثراءً وتوافقاً مع الأدلة التاريخية. غير أن تأثير المستعربين في التعليم ظل محدوداً، إذ لا يزال هناك تباين واضح بين التقدّم الأكاديمي والمعرفة الشعبية، وتبقى كثير من اكتشافات هذا التيار محصورة داخل المجال الجامعي. وفي المقابل، ما تزال أجزاء واسعة من المخيلة الجماعية تُشكَّل بفعل التفسيرات التقليدية والخطابات القديمة التي دحضها النقد التاريخي الحديث".

وأبرزت دراسات حديثة استناد التفسير التقليدي لتاريخ إسبانيا لتحيزات دينية. ومن الأمثلة البارزة على هذه التحيزات المستعرب خوسيه أ. مارابال، الذي جادل في كتابه "الكونسيبتو دي إسبانا أين لا إداد ميديا" (مفهوم إسبانيا في القرون الوسطى) الصادر سنة 1954 بأن العرب كانوا يفتقرون إلى مفهوم إسبانيا واعتبروه مجرد مفهوم جغرافي، بينما اعتبره المسيحيون أشبه بمهمة إلهية. وبالتالي قُدم الفتح الإسلامي لسنة 711، حسب مارابال، على أنه حادث عطَّل مؤقتاً عملية طبيعية مفترضة للتوحيد الوطني. إذ استند هذا الرأي، القائم على فرضية أن إسبانيا تساوي الكاثوليكية، إلى استبعاد الأندلس من التاريخ الإسباني الحقيقي.

في الجهة المقابلة يُحذر باحثون إسبان مثل إميليو غونزاليث فرّين، مؤلف الكتاب الشهير "عندما كنا عرباً" والأستاذ بجامعة إشبيلية من أن "مفهوم الاسترداد" ليس حقيقة تاريخية ثابتة، بل بناء موجّه حديث نسبياً ارتبط بصعود القومية الإسبانية في القرن التاسع عشر. ويحتاج إلى تحليل تاريخي دقيق لتفادي ترسيخ الصور النمطية الإقصائية. غير أن هذه الاجتهادات لم تنعكس بعد كاملةً في الكتب المدرسية، إذ لا تزال أفكاراً محصورة إلى حد كبير داخل النقاشات الأكاديمية في بعض الجامعات بشبه الجزيرة الإيبيرية.


شوَّش استمرار التأويل الإقصائي لتاريخ الأندلس فهم الإسبان اليوم تاريخَهم، وأسهم في إضعاف تصورهم قيمَ التعايش والتسامح مع الآخر المسلم. تميل المناهج التاريخية السائدة اليوم في إسبانيا إلى تمجيد حروب الاسترداد، وتقديم سنة 1492 سنةَ الانتصار المطلق، في مقابل تصوير الحقبة الإسلامية عصراً مظلماً تحررت منه إسبانيا.

ويُقلل هذا المنظور من شأن إسهامات الأندلس في تشكيل إسبانيا الحديثة في المفردات، والمعارف المنقولة مثل الرياضيات والطب والفلسفة الأرسطية وأنظمة الري والمحاصيل المُستحدثة أو في التخطيط العمراني وفن المدجن الذي لا يزال قائماً في العديد من المدن. وعندما لا تُدمج هذه الإنجازات في الوعي التاريخي الشعبي، ينظر إليها الإسبان على أنها غريبة أو تُنسب فقط إلى العالم العربي وليس إلى إرث بلادهم. في المقابل سعى المستعربون النقديون إلى تعزيز فهم أكثر توازناً باستحضار ماضٍ من الهالة الفكرية الذي أثر في عصر النهضة الأوروبية بفضل الأندلس، فغياب هذه الرسالة في التعليم العام بإسبانيا يشبه فجوة قائمة في تقدير هذا التراث.

ووفق منظور محمد ظهيري، فحين تُقصى ثمانية قرون من تاريخ إسبانيا يفقد الإسبان القدرة على فهم كيفية تشكل لغتهم وثقافتهم وحضارتهم، وتبدو إسبانيا كأنها خرجت فجأة من العصور الوسطى المسيحية إلى الحداثة. والنتيجة هي هوية تاريخية غير مكتملة، ومليئة بالفراغات والتناقضات. والأخطر من هذا أن ذلك يحول التاريخ إلى أسطورة قومية. فبدلاً من قراءة التاريخ مساراً إنسانياً مركباً، يُقدَّم للإسبان مثل تاريخ بطوليٍ صافٍ، وصراع بين الخير والشر. ويقدَّم الإسبان أمةً ضحيةً دائمةً للغزاة. هذا النمط يعطل التفكير النقدي ويمنع المجتمع من مصالحة ذاكرته.

وفق ظهيري ينفي إقصاء البعد المتوسطي الإسلامي واليهودي معاً، أي القطيعة مع البعد المتوسطي والأوروبي الحقيقي، ما يحصر إسبانيا في إطار قومي ضيق، بينما الواقع أن إسبانيا كانت تاريخياً جسراً حضارياً لا هامشاً.

ويساهم فهم الواقع التاريخي المعقَّد في تعزيز التسامح. إذ يُفكك النزعات الجوهرية التي تقوم عليها كراهية الأجانب. تقول ماريا روسا أمور ديل ألمو للفراتس إنه "من خلال إخفاء قرون من التعايش بجوانبه الإيجابية والسلبية أو تصويرها بصورة سلبية، يُحرم المجتمع الإسباني من مرجعيات تاريخية للتعددية. وإذا ما رسّخ الوعي الجمعي فكرة أن المسلمين ليسوا إسباناً، بل مستوطنون غير شرعيين[. . .] يجب طردهم، يصبح من الصعب ترسيخ فكرة أن إسبانيا لطالما كانت متنوعة وأن الاختلاف جزء لا يتجزأ من كيانها". 

وحسب ماريا روسا أمور ديل ألمو، كان الشعار الوطني الكاثوليكي القديم يوحي بأن الإسبان الحقيقيين كاثوليك، ما يُصنّف أي شخص من دين آخر في مرتبة أدنى أو ينفي عنه هويته الإسبانية. ولا تزال هذه البقايا الموجهة واضحة حتى اليوم. على سبيل المثال، تشكك الأوساط المحافظة في هوية المواطنين المسلمين سواء كانوا مهاجرين أو معتنقين جدد للإسلام.

يجهل الناس استمرار التعايش النسبي والتعاون الثقافي فترات طويلة في العصور الوسطى. على سبيل المثال، ضمت مدرسة طليطلة للمترجمين علماء من الديانات الثلاث. وعُين وزراء يهود في البلاطات الإسلامية. تجاهل هذه الفصول يزيد الميل لافتراض أن التعصب والفصل كانا القاعدة الحتمية. وهذا قد يؤدي إلى تبرير المواقف العدائية أو المريبة تجاه المسلمين اليوم، مما يُديم الأحكام المسبقة.

يقول محمد المودن إن "الأبحاث التاريخية تُظهر أن التعايش الأندلسي لم يكن أسطورة وردية ولا حالة قمع مطلق، بل تجربة مركبة، عرفت توترات وصراعات، لكنها أيضاً أنتجت تفاعلات ثقافية واقتصادية وعلمية لا تزال جزءاً من الحياة الإسبانية المعاصرة. إن الاعتراف بهذا التعقيد، بدلاً من حذفه أو تمجيده، هو ما يسمح ببناء قيم تسامح حقيقية، لا كمنّة من الأغلبية، بل كفهم أعمق لهويةٍ تشكلت من امتزاج لا من نقاء".

ووفق نفس المنطق التحليلي يخلص ظهيري إلى أن الديمقراطية الإسبانية ضمنت حقوقاً قانونية للمسلمين، لكن الوعي الجماعي لم يهضم وجودهم بعد. النتيجة تسامح في النصوص، وتحفّظ في الذاكرة والوجدان. لذا نلاحظ في إسبانيا أنه بدلاً من أن يكون التنوع مصدر غنى، يُحوَّل وجود المسلم إلى امتحان للهوية الوطنية، وتُقاس إسبانية الفرد بمسافته من الإسلام. ولعل تأثير هذا التأويل يتمثل في تشويه الذاكرة التاريخية للإسبان وإضعاف الثقة في التعدد وتحويل التاريخ إلى أداة خوف بدل فهم وعرقلة بناء ثقافة تعايش حقيقي مع المسلم.


على ضفاف الأندلس، جنوب إسبانيا، تتمايل عمارة قصور غرناطة وقرى إشبيلية ومدارس إشبيلية وقرطبة وطريفة، جغرافيا صامدة لقرون تحفظ تاريخاً لم تفلح رواية الكنيسة الكاثوليكية في محوه. إذ لم تفلح كل جهود الكنيسة رغم ما كرّسته منذ سقوط غرناطة من إنكارٍ لثمانية قرونٍ كاملة من ماضي شبه الجزيرة الإيبيرية. إنه تاريخ حكم فيه المسلمون وتركوا بصماتهم في الأدب والفن والعمارة، وفي الفلسفة والعلوم والطب، فصار الأثر الأندلسي جزءاً من نسيج المكان واللغة والذاكرة، مهما حاولت الروايات الإقصائية تحويله إلى فصلٍ دخيل أو حادثة عابرة.

يبقى السؤال، هل يكفي جهد المستعربين النقديين لإعادة وصل الأندلس بإسبانيا اليوم. لقد نجح هؤلاء في تفكيك كثير من المسلّمات داخل الحقل الأكاديمي، لكن أثرهم يتعثر حين يصطدم بفجوةٍ بين الجامعة والمدرسة والإعلام. أما في المجال السياسي تُستدعى الأندلس غالباً رمزاً تعبوياً موسمياً، لا موضوعَ معرفة ومراجعة، فتتحول إلى مادة انتخابية أكثر منها ذاكرة مشتركة قابلة للفهم. 

اشترك في نشرتنا البريدية