الإعدام تعزيراً.. من الأصول المملوكية إلى القوانين العربية المعاصرة

يعود لجوء الدول العربية المعاصرة المتزايد لأحكام الإعدام التعزيرية في جذوره لممارسة مؤسسية من الحقبة المملوكية انتقلت إلينا من الإصلاح القانوني العثماني.

Share
الإعدام تعزيراً.. من الأصول المملوكية إلى القوانين العربية المعاصرة
القتل التعزيزي مسلَّمةً قانونيةً لا تُراجَع | تصميم خاص بالفراتس

في 14 يونيو 2025 نفذت وزارة الداخلية السعودية حكم "القتل تعزيراً" بالمواطن تركي بن عبد الله الجاسر، وفق ما قضت به محكمةٌ سعوديةٌ نظرت في اتهامه بجرائم منها الإرهاب والخيانة العظمى. انتقدت منظماتٌ حقوقيةٌ وصحفيةٌ الحكمَ، قائلةً بأن الجاسر لم يكن إرهابياً ولا جاسوساً، بل صحفياً اشتُبه في إدارته حساباً ينتقد السياسات الحكومية على منصة إكس، ما أثار شكوكاً في دوافع حكم المحكمة وخلفيات هذا الحكم القانونية والفقهية.

لم يكن تركي الجاسر الوحيدَ الذي أعدمته السعودية في سنة 2025. فقد نفذت وزارة الداخلية في تلك السنة وحدها 356 عقوبة إعدامٍ، وهو أكبر عددٍ من الإعدامات يُنفَّذ في سنةٍ واحدةٍ منذ تأسيس المملكة. لا تندرج الغالبية العظمى من هذه الإعدامات تحت بند الحدود أو القصاص، بل تُكيَّف قانوناً تحت القتل التعزيري. والجرائم التي يُعاقب مرتكبها بالقتل التعزيري ليست محصورةً بالجرائم السياسية من قبيل الخيانة العظمى، بل تشمل أيضاً جرائم جنائيةً مثل الاتْجار في المخدرات.

يعدّ "التعزير بالقتل" مسألةً حساسةً في الفقه الجنائي الإسلامي وتطبيقاته الحديثة. فخلافاً للقصاص والحدود التي تستند إلى نصوصٍ صريحةٍ وضوابط صارمةٍ، لا يقوم التعزير على نصوصٍ صريحة. بل يُمنح القاضي أو السلطة التنفيذية صلاحيةً تقديريةً مفتوحةً في إنزال عقوبة القتل متى رأتها مناسبةً لجرائم لم يُنَصّ على حدٍّ فيها أو قصاص. يفتح مبدأُ التقدير المفتوح البابَ لأن تتحوّل العقوبة التعزيرية من أداةٍ إصلاحيةٍ إلى وسيلة ردعٍ مفرطٍ أو تصفيةٍ سياسية.

اشتهر القول بالقتل تعزيراً في مذهب الإمام مالك أولاً. إلا أن مأسسة تطبيقه لم تترسخ إلا في العصر المملوكي أداةً لضبط "البدعة" و"الفتنة". انتقلت هذه التركة المملوكية إلى القوانين العربية الحديثة من التجربة العثمانية، وتحديداً في مجلة الأحكام العدلية، أول محاولةٍ لتقنين الأحكام الجنائية في تاريخ الإسلام.


لم يكن التعزير ضمن القسمة الأصل لأحكام العقوبات في الفقه. وتزامن صعوده مع تحولاتٍ في بنية الحكم السياسي جعلت السلطة الفعلية بيد جهاتٍ لا تحظى بشرعية البيعة ولا شرعية الانتساب للبيت الهاشمي. استغرقت أحكام الجنايات في الفقه الإسلامي عدة قرونٍ حتى استقرت على القسمة الثلاثية المتعارف عليها حالياً: حدود وقصاص وتعزير. فالحدود هي العقوبات المنصوص عليها في القرآن والسنة، التي لا يجيز الفقهاء تعديلها أو تغييرها. على سبيل المثال، عقوبة القذف، أي اتهام الأشخاص بارتكاب الفاحشة، هي الجلد استناداً إلى آية "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً". وعقوبة السرقة هي القطع استناداً لآية "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا". والقصاص هو التصريح بمعاقبة المعتدي بمثل ما اعتدى به. وأحكام الشرع تجيزه مع سعةٍ تسمح بالعفو والتعويض المادي.

أما التعزير فهو عقوبةٌ تقديريةٌ يحكم بها القاضي أو الحاكم بحسب طبيعة الجريمة وظروفها. ويدخل تحت هذا التصنيف كلّ محرّمٍ لم ينصّ الشارع على عقوبةٍ له. وجذر (ع ز ر) في اللغة يشمل معناه الأضداد. فينصّ جمال الدين ابن منظور، المتوفى سنة 1311، في معجمه  "لسان العرب" على أن تعزير الشخص قد يعني تأديبه وردعه وقد يعني نصرته وتوقيره. وهذا المعنى الثاني هو السائد في القرآن كما في آية: "لِتُؤمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ"، أي لتُعظّموه وتنصروه وتهابوه. لكن المعنى الأول هو الذي ساد في الفقه وصار اسماً للعقوبات التقديرية. وأُدخل تحت هذا الصنف طيفٌ واسعٌ من العقوبات، تبدأ بالتوبيخ وتنتهي عند بعض المذاهب بالقتل.

يتضح من هذا التقسيم وجود مساحةٍ أوسع لتقدير القاضي أو الحاكم في أحكام التعزير مما هو في أحكام الحدود والقصاص. فالحدود لا مجال للاجتهاد ولا للشفاعة فيها. والقصاص العقوبة فيه بالمثل. بالمقابل، يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه في باب التعزير، ما يمنح الدولة أو القاضي مساحة تقديرية قد تُستخدم للتأديب، أو في بعض الحالات، للردع السياسي أو الاجتماعي، وهو ما يجعل "التعزير" أداة خطرة بقدر ما هي مرنة. 

تبنّت كتب الفقه المعتمدة في المذاهب الإسلامية السنّية الأربعة، الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، تبويباً متشابهاً لموضوعاتها. فكتاب "المقنع في فقه الإمام أحمد"، الذي ألّفه العالم الحنبلي موفق الدين ابن قدامة المقدسي نهاية القرن السادس الهجري وصار أحد المتون المعتمدة في المذهب، يتبنى ترتيباً تجده في أغلب المتون المماثلة في المذاهب الأخرى. يبدأ بأحكام الطهارة ثم العبادات، ثم ينتقل لموضوعاتٍ أخرى مثل الجهاد والبيوع والفرائض.

استغرق التبويب للتعزير في كتب الفقه عدّة قرون. إذ لم يبوُّب له الإمام مالك بن أنس في "الموطأ"، الذي يعدّ من أوائل كتب الفقه المبوّبة والشاملة. فالعقوبات فيه مقسمةٌ إلى كتابٍ للحدود وبضعة أبوابٍ تتناول القصاص. الأمر نفسه في كتاب "الأمّ" للإمام الشافعي، الذي قسّم العقوبات إلى كتاب الحدود وكتاب الجرح العمد الذي تناول فيه القصاص. 

تحوّل التعزير إلى بابٍ معتبرٍ من أبواب العقوبات في متون فقه المذاهب الأربعة في وقتٍ متزامنٍ في أواخر القرن الخامس الهجري وبدايات القرن السادس. ولعل أوّل من أفرد للتعزير باباً مستقلاً في المذهب المالكي هو أبو الحسن اللخمي، المتوفى في صفاقس سنة 1085، في كتابه "التبصرة". أما في مذهب أبي حنيفة فكان محمد بن أحمد السرخسي، المتوفى في أوزغند (بقرغيزستان حالياً) سنة 1097، في كتابه "المبسوط". وأدخل أبو إسحاق الشيرازي، المتوفى في بغداد سنة 1084، باب التعزير في المذهب الشافعي في كتابه "المهذب". أما في مذهب أحمد، فكان أول من سلك هذا المسلك أبو الخطاب الكلوذاني، المتوفى سنة 1116 في بغداد، في كتابه "الهداية". 

تزامن تبويب التعزير والاهتمام به مع صعود دولة السلاجقة وتحوّل الدولة العباسية إلى خلافةٍ رمزيةٍ، أي وضع سلطة الحكم الفعلية خارج مؤسسة الخلافة وداخل سلطة أمرٍ واقعٍ في يد سلاطين ليسوا أصحاب بيعةٍ ولا من البيت الهاشمي. لذا يمكن ربط صعود التعزير بصعود أنظمةٍ من نوعٍ خاصٍ تستند شرعيتها على القوة وتحتاج إلى سلطةٍ تقديريةٍ واسعةٍ لترسيخ سلطتها.


لئن استغرق التعزير عدة قرونٍ حتى يكون باباً معترفاً به في مدونات الفقه، فإن التعزير بالقتل ظلّ قولاً فقهياً متنازعاً عليه حتى حدود القرن الثامن الهجري.

لم يخصص مالك باباً مستقلاً للتعزير في موطئه، إلا أن اعتماد منظومته الفقهية على المصالح المرسلة جعلت مذهبه أول من أجاز عقوبة التعزير بالقتل. ولشرح المقصود بالمصالح المرسلة، ثمّة قصةٌ ذكرها ابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 1064، في كتابه "المحلى بالآثار". يقول "أُتِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ - وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ وَمِنْ صَالِحِ قُضَاتِهَا - بِرَجُلٍ خَبِيثٍ مَعْرُوفٍ بِاتِّبَاعِ الصِّبْيَانِ قَدْ لَصِقَ بِغُلَامٍ فِي ازْدِحَامِ النَّاسِ حَتَّى أَفْضَى، فَبَعَثَ بِهِ هِشَامٌ إلَى مَالِكٍ، وَقَالَ: أَتَرَى أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: وَكَانَ هِشَامٌ شَدِيداً فِي الْحُدُودِ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْقَتْلُ فَلَا، وَلَكِنْ أرى أَنْ تعاقبهُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً، فَقَالَ: كَمْ؟ قَالَ: ذَلِكَ إلَيْك، فَأَمَرَ بِهِ هِشَامٌ فَجُلِدَ أَرْبَعُ مِائَةٍ سَوْطٍ، وَأَبْقَاهُ فِي السِّجْنِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ مَاتَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِمَالِكٍ، فَمَا اسْتَنْكَرَ، وَلَا رَأَى أَنَّهُ أَخْطَأَ". بناءً على مثل هذه الآثار، استنبط فقهاء المالكية ومنهم عبد السلام سحنون، المتوفى سنة 854، وغيره من أئمة المذهب أن للقاضي أو الإمام إلحاق العقوبة التقديرية التي يراها هو مناسبةً للسياق، وهذا أفضى إلى اعتماد مذهب مالكٍ المصالحَ المرسلةَ دليلاً شرعياً لتحديد العقوبات. 

تعرّف المصالح المرسلة آليةً اجتهاديةً تعتمد ما يراه العقل السليم مناسباً لتحقيق مقاصد الشرع دون أن يشهد له دليلٌ خاصٌّ بالاعتبار أو الإلغاء. صاغ هذا المعنى بصورته الأوضح الفقيهُ المالكي أبو إسحاق الشاطبي، المتوفى سنة 1388، حين عرّف المصالح المرسلة في كتابه "الاعتصام" بأنها "اعتبار المناسب الذي لا يشهد له أصلٌ معيَّن". فهذا المناسب ليس منصوصاً عليه بعينه، وليس مقيساً عليه من أصلٍ محددٍ، بل تتلقاه العقول بالقبول لمناسبته مقاصد الشريعة العامة. ويلفت الشاطبي النظر إلى مقاربة هذا المنطق لما يطلق عليه البدع المستحسنة "أي الممارسات القائمة على مصلحةٍ دينيةٍ عامةٍ دون نصٍّ خاص". وهو تنبيهٌ مبكرٌ إلى اتساع هذا الباب وخطورته معاً. 

واعتماد التعزير على المصالح المرسلة عند المالكية فتح الباب للقول بالتعزير بالقتل. فمع عدم سماح مالك مبدئياً لهشام بقتل المتهم، استنتج أتباعه من عدم استنكارِه موتَه تحت التعذيب حقَّ القاضي في معاقبة المتهم بالتعزير دون النظر لما يمكن أن يفضي إليه هذا العقاب. فإذا كان "المناسب الذي لا يشهد له أصلٌ معيَّن" مقبولاً لصيانة الضرورات الخمس التي يراها الشاطبي المقاصد العليا للشريعة (أي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، فإن العقوبة يمكن أن تصل إلى أقصى درجاتها. وهكذا غدت المصالح المرسلة سنداً نظرياً لإلحاق القتل بالتعزير في بعض الصور، لا لأنه حدٌّ منصوصٌ عليه ولا لأنه قصاصٌ مقدَّرٌ بل لأنه عُدَّ أمضى في الردع وصيانة الجماعة. 

بهذا انتقل الحكم بالقتل من دائرة النص المحدد إلى دائرة الاجتهاد المقاصدي، فأصبح ممكناً تحويله إلى عقوبةٍ سياسيةٍ أو متى قُدِّر أن المصلحة العامة لا تتحقق إلا به. وهذا يكشف عن أثر مرونة المصالح عند اقترانها بسلطةٍ تقديريةٍ غير منضبطةٍ إلى توسيع مدى التعزير.

خالف فقهاءُ المذاهب الأخرى المالكيةَ انطلاقاً من مسألتين رئيستين. الأولى أن التعزير لا يجوز في المال والنفس. كان الفقيه الشافعي أبو المعالي الجويني، المتوفى سنة 1085، من أبرز الذين تبنّوا هذا القول. واستند في منع أخذ المال تعزيراً إلى عدم وجود أصلٍ له في القرآن والسنة. وردّ على من أباح هذا النوع من العقاب بقوله في كتابه "الغياثي": "لَيْسَ يَسُوغُ لَنَا أَنْ نَسْتَحْدِثَ وُجُوهًا فِي اسْتِصْلَاحِ الْعِبَادِ، وَجَلْبِ أَسْبَابِ الرَّشَادِ، لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ هَذَا يَجُرُّ خَرْماً عَظِيماً، وَخَطْباً هَائِلًا جَسِيماً". 

أما المسألة الثانية فتنبع من تمسّك فقهاء الشافعية بعدم جواز التعزير بما يزيد عن حدّ جلد شارب الخمر. واستندوا في هذا على حديث "مَن بَلَغَ حَدّاً في غير حَدٍّ فَهُو مِن المُعتَدِين". ونبع احترامهم عقوبة الحدود من قيامها على بيّناتٍ معيّنةٍ في غاية الدقة، في حين أن التعزير لا يعتمد على بيّنةٍ منصوصٍ عليها فقهياً. فللقاضي تعزيرُ مَن به شبهةٌ لا ترتقي لبيّنة. لذا، تخوّف فقهاء الشافعية ومنهم الجويني من كون تعزير القاضي تعسفياً، ما جعل تقييده ضرورياً.

وهذا التخوّف من انعدام الضبط الإجرائي الذي تتسم به باقي الأحكام الفقهية جعل فقهاء المذاهب الأخرى يتحرجون من إطلاق يد القاضي في التعزير، وجعل الحكّام يتوسعون فيه. ذلك أن التعزير لا يُضبط بشهود وبيّنات كالحدود، ما جعله أكثر شيوعاً في المحاكم الشرعية عبر التاريخ. لذلك نجد أن أكثر من اعترض على القتل تعزيراً يعترض على الإجراءات أو عدم وجودها ولا يعترض على الاعدام في ذاته. فيسقط في التعزير إلزام القاضي بالبيّنة القائمة في الحدود ورضا العاقلة كما في القصاص. 

يكشف الجويني الأغراض السياسية من التعزير بالقتل، ويفنّد من يدّعي أن التعزير دون القتل غير رادع. فيقول في "الغياثي": "وَالَّذِي يُبْدِيهِ أَصْحَابُ السِّيَاسَاتِ أَنَّ التَّعْزِيرَ الْمَحْطُوطَ عَنِ الْحَدِّ لَا يُزَعُ وَلَا يُدْفَعُ، وَغَايَتُهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى مَوَاقِفِ الشَّرِيعَةِ، وَيَتَعَدَّوْهَا لِيَتَوَصَّلُوا بِزَعْمِهِمْ إِلَى أَغْرَاضٍ رَأَوْهَا فِي الْإِيَالَة". ثم يذهب إلى الاستناد لتفسيرٍ ظاهريٍ عقوبةَ التعزير قائلاً: "وَإِنَّمَا يَنْسَلُّ عَنْ ضَبْطِ الشَّرْعِ مَنْ لَمْ يُحِطْ بِمَحَاسِنِهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى خَفَايَاهُ وَمَكَامِنِهِ، فَلَا يَسْبِقُ إِلَى مَكْرُمَةٍ سَابِقٌ إِلَّا وَلَوْ بَحَثَ عَنِ الشَّرِيعَةِ، لَأَلْفَاهَا أَوْ خَيْرًا مِنْهَا فِي وَضْعِ الشَّرْع".

استمر القول بالتعزير بالقتل في الأدبيات المالكية في القرون التالية. فالقاضي عبد الوهاب المالكي، المتوفى سنة 1031، عدّ الردعَ حدَّ التعزيرِ الوحيدَ، لأن "أحوال الناس مختلفة بحسب اختلافهم في العتوِّ والعرامة [أي الشدّة أو القسوة] والإقدام على الأمور المنكرة". ويوصل هذا المنطقُ عبدَ الوهاب لمراحل خطرةٍ من الانصياع للحاكم، فلا يرى ضمان الحاكم من قتل تعزيراً بالخطأ. ذلك أنه قاس التعزير على الحد مع الاختلاف في البيّنة بين الاثنين. يقول "فدليلنا أن إليه [أي الحاكم] أمره [أي المتّهم] من طريق الولاية، فإذا تَلِفَ به لَم يضمنه كما لو أقام حدّاً على إنسانٍ فمات". 

ساق فقهاءُ المالكية عدّة تسويغاتٍ لتوسيع سلطة الحاكم التقديرية، ومن ذلك تشبيه دوره بالأب. فيقول أبو الوليد الباجي، المتوفى سنة 1091، في شرحه كسر النرد في موطأ مالك أن التعزير إتلافٌ محقٌّ للمال لأنه من باب التأديب "كَمَا يُؤَدِّبُ الرَّجُلُ وَلَدَهُ وَيَمْنَعُهُ لِذَلِكَ مِنْ مَسَاوِي الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ السَّيِّئَة". أما الآخر فهو ربطها باجتهاد الإمام لا بهواه، وحصر الحالات التي يجوز التعزير بالقتل فيها بقضايا محددة. 

هذا ما ذكره الفقيه المالكي إبراهيم ابن فرحون المتوفى سنة 1397، أحد أبرز القضاة والمصنفين في أواخر العصر المملوكي، في كتابه "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام"، وهو دليلٌ فقهيٌ عمليٌ ومرجعيٌ في فقه القضاء المالكي. يشرح ابن فرحون سلطة الإمام الواسعة في باب التعزير، فيقول: "وهو تخييرٌ متعلقٌ باجتهاد الإمام، ومصروفٌ إلى نظره ومشورة الفقهاء بما يراه للمصلحة والذبّ للفساد، وليس ذلك على هوى الإمام ولكن على الاجتهاد. وإذا ثبت أنه على الاجتهاد، فللإمام أن يقتل المحارب وإن لم يقتل ولا أخذ مالاً من أحد". وقد نصّ ابن فرحون أيضاً على بعض الأمثلة التطبيقية لذلك، مثل الجاسوس والداعية إلى البدعة، إذ قال: "فإذا قلنا: إنه يجوز للحاكم أن يجاوز الحدود في التعزير، فهل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل أم لا؟ فيه خلاف. وعندنا يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا كان يتجسس بالعدو، وإليه ذهب بعض الحنابلة. وأما الداعيةُ إلى البدعةِ المفرقُ لجماعة المسلمين فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل".

انتقل القول بالتعزير بالقتل إلى المذاهب الأخرى ابتداءً من القرن الخامس الهجري. نُقل هذا القول عن الفقيه الحنبلي أبو الوفاء بن ابن عقيل المتوفى سنة 1119. ولكن ابن تيمية، أحد أبرز أعلام المذهب الحنبلي في الحقبة المملوكية، قال به مستنداً إلى المقاصد الشرعية. ففي كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية"، دعم الاتجاهَ المالكيَّ وعدّ تعزير بعض المخالفين العقائديين بالقتل حمايةً لوحدة الأمة من التصدع والفتنة. واستند في هذا للحاجة للتعزير لمنع الفساد في الأرض. نلحظ هنا استناد التعزير قتلاً إلى المصلحة العامة لا الزجر الفردي ولا النصوص الخاصة. 

أما في مذهب أبي حنيفة فأول من وجدتُه يصرّح بالتعزير قتلاً (أو ما يُعرف في المذهب بالقتل سياسةً) هو ابن مودود الموصلي المتوفى سنة 1284 في بغداد. يسوّغ الموصلي في كتابه "الاختيار لتعليل المختار" القولَ بجواز التعزير بالاستناد إلى اختلاف الصحابة على بعض العقوبات التي أنزلها بعضهم على بعض، مثل تراجع عمر في خلافته عن النفي بعد أن "نفى رجلاً فلحق بالروم". ويضيف أن النفي لو كان حدّاً لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ، فَدَلَّ أَنَّهُ كَانَ سِيَاسَةً وَتَعْزِيراً". ثم بعد ذلك يصرّح بجواز القتل سياسةً، قائلاً في عدم وجوب القصاص في الخنق والغرق: "فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ سِيَاسَةً لِأَنَّهُ سَعَى فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ".


تحوّل التعزير بالقتل من قولٍ مذهبيٍ إلى عمل مُمَأسَس في دولة المماليك. ففي هذه الدولة، لم يكن القضاء تحت سلطة مذهبٍ فقهيٍ واحدٍ، بل نُظّم على أساس التعدد المذهبي، وهي سابقةٌ تاريخية. ذلك أن الدولة في زمن الظاهر بيبرس اعتمدت نظاماً رباعيّاً للقضاء خصّص لكلّ مذهبٍ من المذاهب السنّية الأربعة قاضياً مستقلاً له ولايته وهيكله ومجاله في الحكم. لم يكن هذا التعدد ترفاً فقهياً أو ناجماً عن تسامحٍ ديني. إذ يذهب شيرمان جاكسون في بحثه "ذا بريماسي أوف دومستك بوليتكس [. . .]" (أولوية السياسة المحلية: ابن بنت الأعز وتأسيس أربعة مناصب لقاضي القضاة في مصر المملوكية) المنشور سنة 1995، إلى أن التعدد كان استجابةً عمليةً لطبيعة الإدارة المملوكية التي واجهت مسائل جديدةً مثل حاجة المرأة للزواج بدون وليٍّ، وأمورٍ اقتصاديةٍ مثل صحة عقود بيع أهل الذمة الخمورَ، وأمورٍ إجرائيةٍ مثل معايير اعتماد الشهود العدول. أتاح التنظيم الجديد الذي اعتمد أقوال مذاهب متعددةٍ للدولة الاستفادة من الآراء الفقهية المتعددة، ووزّع السلطة القضائية على أكثر من مركزٍ مما منع احتكارها من جهةٍ واحدة. مع ذلك، ظل القاضي الشافعي يحتل المقام الأعلى لأنه "قاضي القضاة" في كثيرٍ من الأحيان، مع أن القضاة الثلاثة الآخرين حافظوا على استقلالهم النسبي، وصدرت فيهم تقاليد أو مراسيم تعيينٍ واضحةٌ ومحددة.

تساعد هذه التقاليد على فهم ارتكاز التعزير بالقتل على فقه الإمام مالك. وقد فصل العلاقةَ بين التقليد والقتل تعزيراً كتاب "التعريف بالمصطلح الشريف" لشهاب الدين ابن فضل الله العمري، المتوفى سنة 1349. ولد ابن فضل الله في غرّة القرن الثامن الهجري في مدينة دمشق في بيتٍ عريقٍ في العلم والإدارة. وتشرّب في دمشق الأدب وفنون الكتابة، ثم انتقل إلى مصر حيث انخرط في بلاط الدولة المملوكية موظّفاً في خدمة الدولة. 

وكتاب "التعريف" موسوعةٌ جغرافيةٌ إداريةٌ تسرد صفات البلدان وأنساب الملوك وتعرض أنظمة الحكم والعمران. وفيه قدّم العمري ما شهده من النظام الإداري المملوكي في ذروة مجده، إذ كان مشاركاً في صياغة لغته الرسمية. أحد نصوص تقليد القاضي المالكي في الكتاب يظهر رؤية الدولة المملوكية وظيفةَ القاضي وما تنتظره منه، ودمجها مقتضيات السياسة ومكانة المذهب المالكي في ترتيب السلطة الدينية والقضائية. إذ يصف التقليدُ القاضيَ المالكيَّ بأن مذهبه "له السيف المصلت على من كفر، والمذهب بدم من طل دمه وحصل به الظفر. ومن عدا قدره الوضيع، وتعرض إلى أنبياء الله بالقول الشنيع، فإنه إنما يقتل بسيفه المجرد، ويراق دمه تعزيراً بقوله الذي به تفرد".

بناءً على هذا التقليد وما وثّقه المؤرخون، أحيلت أغلب قضايا الإعدام التعزيري للقاضي المالكي. ففي دراسته "ليغال دايفرسيتي إن ذي إيج أوف تقليد" (التنوع القانوني في عهد التقليد) المنشورة سنة 2003 أظهر أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في حقبة العصور الوسطى يوسف رابوبور أن أكثر من 80 في المئة من الإعدامات المذكورة في كتب التاريخ من عصر دولة المماليك صدرت من قضاةٍ مالكية. 

يعود انتشار التعزير بالقتل في عصر المماليك إلى صعود تياراتٍ فكريةٍ متنوعةٍ زعزعت سلطة الدولة المملوكية. عرفت الدولة المملوكية، لاسيما بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، ازدهاراً واسعاً في ميادين العلوم والمعرفة. وتميزت بتطور الدراسات الدينية والطب والرياضيات والفلسفة والتاريخ إلى جانب حركةٍ تدوينيةٍ واسعةٍ في التفسير والحديث والفقه. أسهم هذا الحراك الفكري في تنويع المواقف العقائدية وتوسيع هامش التعبير المعرفي، لاسيما في القاهرة ودمشق. فلم يكن هذا الازدهار يُرضي دائماً سلطة المماليك التي كانت واعيةً بأن الحقل الديني والمعرفي ميدانٌ سياسيٌ بامتياز. وكما أشار إرنست شتراوس في دراسته "لا انكيزيسيون دان لوتا ماملوك" (محاكم التفتيش في الدولة المملوكية)، فقد استخدمت السلطة القضائية مفاهيم مثل التعزير والردة لتثبيت سلطتها، وردع أيّ انشقاقٍ سياسيٍ أو دينيٍ قد يهدّد وحدة صف المسلمين كما تتصوره تلك السلطة.

وضمن هذا السياق، أدّى قول المالكية بالقتل التعزيري دوراً محورياً. فقد مالت السلطة إلى إحالة قضايا "الزندقة" و"الهرطقة" إلى قضاته. ويؤكد شتراوس أن السلطنة المملوكية لجأت إلى هذا لضبط المجال العام تحت غطاءٍ شرعيٍ، حيث يُحوَّل الخلاف المعرفي أو الجدال العقدي إلى جرمٍ تعزيريٍ يعاقِب عليه القاضي بالحبس أو الجلد أو حتى الإعدام بدون الحاجة لفتح باب الاستتابة أو مساءلة الجاني. وفي الحالات التي وثّقها شتراوس، لم يقتصر الإعدام على مَن تجرّأ على نقد القرآن أو الرسول، بل طال فلاسفةً كانوا يُدرّسون "علوم الأوائل"، ومفكرين اتُّهِموا بمصاحبة يهودٍ أو نصارى أو قراءة كتبٍ "مشبوهة". وطالت العقوبات تاركي الصلاة أو المبالغين في نقد المذاهب السنّية الأخرى، أو من نُسبت إليهم "بدع" صوفية.

يكشف هذا المشهد أن الإعدام في الدولة المملوكية لم يكن إجراءً عشوائياً، بل آليةً سلطويةً تعتمد على تحالفٍ وثيقٍ بين الفقه والقضاء والسياسة. وكان فقه التعزير، كما بلوره المالكية، هو الغطاء الذي يُتيح للدولة التدخل العنيف في تفاصيل المعتقد والمذهب والسلوك.


ثمة أمثلة تكشف عن كيفية تنفيذ أحكام الإعدام في الدولة المملوكية. هذه القصص لا تضيء جوانب الإجراء القضائي فحسب، بل تكشف أيضاً التوترات بين السلطة والنخب الثقافية وبين الفقه ومظاهر الافتراق عنه.

وقعت القصة الأولى في القاهرة. وهي قصة إعدام أحمد بن الثقفي بعد محاكمته أمام القاضي المالكي زين الدين بن مخلوف. وقد اتُهِمَ اتهاماتٍ منها السخرية من الآيات القرآنية والتلاعب بمعاني النصوص وإباحة إتيان الذكر والخمر، وذلك في مجالس ضمّت، بحسب الرواة، شخصياتٍ من الخلفية العسكرية المملوكية ومن العامة. كان ابن الثقفي مع ذلك معروفاً بعلمه وذا مظهرٍ يوحي بالوقار. وحين مرّ بجانب دار الحديث الكاملية في طريقه للمحاكمة نادى أحدَ كبار القضاة الشافعية في عصره وهو القاضي تقي الدين ابن دقيق العيد، قائلاً: "ما تعرف منّي؟" فأجابه ابن دقيق العيد: "أعرف منك الفضيلة، ولكن حكمك إلى القاضي زين الدين". وعلى هذا، أمر القاضي المالكي بإعدامه، فنُفذ الحكم. 

أما القصة الثانية فشهدها في دمشق أبو الفداء ابن كثير، المتوفى سنة 1373، ورواها في كتابه "البداية والنهاية". عُقد مجلسٌ قضائيٌ كبيرٌ في دار العدل حضره القضاة الأربعة وعددٌ من الوجهاء والعلماء. مَثَلَ أمام المجلس رجلٌ يُدعى عثمان الدكّاكي يُنسب إلى بعض الطرق الصوفية واتُهِمَ اتهاماتٍ منها الاستهزاء بالأنبياء والارتباط بجماعاتٍ "منحرفة" مثل "الباجريقية" و"الاتحادية". وحين أساء الأدب في مجلس الحكم مع أحد القضاة الحنابلة، صرّح بعض فقهاء المالكية بتكفيره مباشرة. حاول المتهم الطعن في عدالة بعض الشهود، فأعيد إلى السجن مكبلاً بأصفادٍ حديدية. ولما أُحضر مجدداً إلى مجلس الحكم بعد عدّة أسابيع في جلسةٍ ثانيةٍ حضرها كبار الأمراء والقضاة، سُئل عن اعتراضاته على الشهود، فعجز عن تقديم أيّ ردٍّ معتبَرٍ، فتقرر أعدامه. طُلب من القاضي المالكي النطق بالحكم. فحكم بوجوب قتل الدكّاكي حتى لو تاب، لأن التوبة لا ترفع عنه صفة الكفر بسبب انتشار أقواله وخطورتها على العامة. ونُفذ الحكم على الفور.


تأثرت القوانين العربية المعاصرة بتطبيقات التعزير بالقتل التي سادت في الحقبة المملوكية بالتجربة العثمانية. اختلفت الدولة العثمانية عن غيرها من الدول التي حكمت البلاد العربية في تبنيها مذهباً فقهياً رسمياً، هو مذهب أبي حنيفة. ومع هذا الاختلاف، فإنها اعتمدت في بنائها على كثيرٍ من التقاليد المملوكية.

كان الفقيه الحنفي زين الدين ابن نجيم حلقة وصلٍ مهمةً بين التقاليد المملوكية والمنظومة القانونية للدولة العثمانية. ولد ابن نجيم في مصر سنة 1517 بعد بداية الحكم العثماني فيها ببضعة أشهر. تولى التدريس في مدرسة صرغتمش الناصري في القاهرة. ومع عدم تولّيه أيّ منصبٍ إداريٍ في الدولة العثمانية إلا أنه أثّر في قضاتها وتشريعاتها بتدريسه وكتاباته. وأهمّ هذه الكتابات "الأشباه والنظائر" و"الفتاوى الزينية"، والرسائل التي صنّفت بعد وفاته وسُمّيت "الرسائل الزينية في مذهب الحنفية". وفيها أقرّ التعزير بالقتل. انتشرت أقواله الفقهية في أرجاء الدولة العثمانية ومن ثمّ إلى القوانين الجنائية العربية المعاصرة. وضع ابن نجيم قواعد مهمةً للقتل سياسةً، منها اقتصار الحكم به على السلطان دون القاضي. ونظّر لمفهوم السياسة العادلة والسياسة الظالمة، أي أنه يمكن تقييم عقوبات السلطان حسب معايير شرعيةٍ حتى لو لم تلتزم بالحدود والقصاص.

قُنّنت هذه المفاهيم في مرحلة "التنظيمات" العثمانية أواخر القرن التاسع عشر. كانت تلك حقبة من تاريخ الدولة العثمانية امتازت بالعديد من الإصلاحات. دشّن التنظيمات فرمان الكلخانة سنة 1839 الذي أنهى الإقطاع وساوى بين جميع سكان الدولة العثمانية وانتهى بنهاية المرحلة الدستورية العثمانية الأولى التي جعلت الخليفة العثماني حاكماً دستورياً غير مطلق. وانتهت حقبة التنظيمات بتعليق السلطان عبد الحميد الثاني المجلس العمومي أي البرلمان العثماني سنة 1878. في هذه المرحلة، قُنّن النظام القانوني العثماني، فصدر القانون الجنائي العثماني (قانون الجزاء الهمايوني) سنة 1840 ونُقح سنة 1858. وصدرت مجلة الأحكام العدلية بالأحكام المدنية بين سنتي 1869 و1876. اعتمد القانونيون العثمانيون على التوفيق بين القانون المدني الأوروبي والفقه الحنفي الذي أسّس له فقهاء على رأسهم ابن نجيم وعُدّ من أولى محاولات صياغة قواعد الفقه الإسلامي على شكل موادّ قانونيةٍ حديثة. 

أدّى قانون الجزاء الهمايوني وظيفتين رئيستين في ترسيخ القول بالقتل تعزيراً. أحدها تبديله بكثيرٍ من الحدود عقوباتٍ تعزيريةً، أو كما تُسمى في مذهب أبي حنيفة، القتل سياسةً. مثلاً، تنص المادة 173 من القانون على أنه: "من كان مستمراً على فعل الجنايات والشرور وعذّب آخَر أو آذاه بقسوةٍ فاحشةٍ توصلاً الى ارتكاب جنايةٍ جسيمةٍ وثبت أن له سابقةً في ذلك قُضي عليه سياسةً بجزاء القاتل". وتنص المادة 55 على إعدام "من قصد سوءاً بحياة الحضرة الشاهانية أو شرع في إجراء قصده هذا"، وكذلك "كل من حرض بالواسطة او بالذات تبعة الدولة العلية وسكان الممالك المحروسة ليحملهم على العصيان بالسلاح على الحضرة السلطانية أو على الحكومة العثمانية". وأخيراً تقول المادة 56 أن "كل من جَرُؤ على تسليح أهل الممالك المحروسة بعضهم على بعض وحضّهم وأغراهم على الاقتتال أو أقدم في بعض الأماكن على الغصب والغارة وتخريب البلدة وقتل النفوس وخرج أمر فساده إلى الفعل التام أو بدأ بإجرائه يعاقب بالإعدام".

قاد تعميم قانون الجزاء الهمايوني على الأراضي العربية التي حكمتها الدولة العثمانية إلى توطيد مكانة القتل التعزيري باستناده على شرعيتين. أحدهما شرعيةٌ دينيةٌ بسبب صدور القانون من دار الخلافة. أما الثانية فشرعيةٌ نهضويةٌ لأن القتل التعزيري أصبح مرتبطاً بالحراك الإصلاحي.


تظهر آثار هذه التركة المملوكية العثمانية في القوانين العربية. في السعودية، نُصّ في "نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية" على عقوبة الإعدام لمن ثبت عليه شرعاً تهريب المخدرات أو ترويجها. استند هذا النص إلى فتوى صادرةٍ عن هيئة كبار العلماء سنة 1987 سوّغت القتل بمصلحة الأمة في مكافحة مثل هذه الجرائم. أما الترويج للمخدرات أول مرةٍ فيوجب تعزيراً دون القتل ولكن "إن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شرّه عن المجتمع ولو كان بالقتل، لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين وممن تأصل الإجرام في نفوسهم". نرى هنا كيف أن المصلحة مستخدمةٌ لتوسيع سلطة الدولة وقدرتها على القتل حتى في جرائم غير عنيفةٍ تحت ذريعة كفّ الأذى. 

وفي السودان، ورث النظام القضائي قانون العقوبات لسنة 1991 الذي وضعه نظام الإنقاذ ضمن مشروع "الأسلمة القانونية". جعل القانون جرائم الخيانة والتخابر ضمن الجرائم التي يجوز فيها القتل تعزيراً في امتدادٍ مباشرٍ للمشروع الذي بدأه جعفر نميري في قوانين سبتمبر 1983. اعترض المفكر الإسلامي عبد الله أحمد النعيم تلميذ الأستاذ محمود محمد طه على استخدام الأسلمة ذريعةً لقتل المرتد، زاعماً أن الردّة دربٌ من دروب الخيانة العظمى وأن حكمها يختلف جذرياً عن حرية العقيدة المتفق عليها دولياً اليوم. ويُفهم من قياسه الردّة على الخيانة العظمى قبوله بعقوبة الإعدام للخيانة.

وفي مصر، اتسع نطاق التجريم والإعدام سنة 2015 بعد إقرار التعديلات المعروفة بقوانين مكافحة الإرهاب. أدخلت هذه التعديلات جرائم من نوع "التخابر" و"الإضرار بالمصلحة القومية" و"الإرهاب" ضمن مواد قانون العقوبات المعاقَب عليها بالإعدام. ومع صدور هذا القانون واستخدامه لإعدام المئات، إلا أنه لم يصدر عن الأزهر موقفٌ صريحٌ في تأييده أو رفضه، الأمر الذي يُظهر الحرج الفقهي من توسّع الدولة في القتل.

تزيد حالة المغرب تأكيد هذا الأثر المملوكي العثماني على انتشار أحكام القتل تعزيراً في القوانين المعاصرة. فلم تخضع المغرب لحكم أيٍّ من الدولتين (المملوكية والعثمانية). ولعلّ انعدام هذا الإرث هو ما أتاح لها المرونة لأنْ تُوقِف العمل بأحكام الإعدام منذ سنة 1993، وأن تصوّت على قرار الأمم المتحدة لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام.


عند مقارنة ممارسة الدولة المملوكية أحكام القتل التعزيري بالممارسة العربية المعاصرة، نجد تشابهاتٍ وفروقاً متنوعةً وكذلك مفارقةً مهمة. في واقعة إعدام أحمد بن الثقفي في القاهرة بتهمة السخرية من الآيات، أو إعدام عثمان الدكّاكي في دمشق بسبب أقواله الصوفية المشبوهة، استُخدم فقه التعزير لتبرير قتل أشخاصٍ وُصِفوا بالمفسدين في الأرض أو مروّجين للبدعة. لم يكن الهدف الشرعي إنفاذ نصٍّ قطعيٍّ، بل حفظ الجماعة واستقرار السلطنة وفق اجتهاد القاضي المالكي الذي استند إلى مبدأ "المصلحة العامة" لا إلى نصٍّ شرعيٍّ بعينه. وأحيلت هذه القضايا إلى القاضي المالكي على وجه الخصوص، لما يُعرف به مذهبه من سعةٍ في باب التعزير، ولانفتاحه، بحسب فقهائه، على خيار القتل عندما تُهدَّد وحدة الأمة أو تُخدش حرمة الشريعة علناً.

تتكرر هذه الملامح في السياقات المعاصرة، وإن اختلفت اللغة وتغيرت المصطلحات. فبينما كانت البدعة والزندقة تهمتا الأمس، أصبحت "الخيانة العظمى" و"الإرهاب" و"الإضرار بالمصلحة القومية" أدوات اليوم في هندسة الخطر الشرعي. ومثلما أُعدم الدكّاكي لأنه "خادشٌ لقدسية النبيّ" و"مخالف لجماعة المسلمين"، أُعدم عددٌ كبيرٌ من المعاصرين لإضرارهم بأمن الدولة. وكما عُدّ كلام الدكّاكي تجاوزاً يستحق القتل ولو تاب، نُفّذت الأحكام في معارضين سياسيين معاصرين رغم تشكيك جهاتٍ مستقلةٍ في عدالتها أو خطورة ما اقترفوه.

ما يجمع بين السياقين هو تفعيل السلطة آلية القتل التعزيري خياراً مفتوحاً لا يقيّده حدٌّ قرآنيٌّ أو قصاصٌ مشروعٌ، بل يُسوَّغ بمعايير تقديرية. فمقولاتٌ مثل "درء الفتنة" و"حماية النظام العام" و"صيانة وحدة الصف" تظهر في فتاوى فقهاء المالكية في عصر المماليك وتظهر في بيانات وزارات العدل أو الفتاوى الرسمية اليوم. بل إن بعض النصوص المعاصرة في السعودية ومصر تتبنى نصاً مصطلحاتٍ من قبيل "الإفساد في الأرض" أو "التأصيل الإجرامي" لتوصيف جرائم غير عنيفةٍ مثل الترويج للمخدرات أو انتقاد الدولة بالطريقة نفسها التي وصف فيها ابن فرحون في "تبصرة الحكام" حال الداعية إلى البدعة.

لكن ثمّة فارقاً مهماً بين السياق المملوكي والمعاصر في الهامش الفقهي للنقاش. ففي العصر المملوكي برزت نقاشاتٌ موسعةٌ عن شرعية القتل التعزيري، وخالف جمهورُ الشافعيةِ والحنابلةِ المالكيةَ فيها فارضين على فقهاء المالكية تبرير موقفهم. أما اليوم، تتسم الساحة الفقهية العربية الحديثة بغيابٍ شبه تامٍّ للجدل العامّ المؤسسي في هذه الأحكام، لاسيما بعد أن استقرت المرجعية الدينية الرسمية في يد الدولة وصار خروج صوتٍ معتبَرٍ من داخل المؤسسات، يناقش حدود السلطة في الإعدام أو يحاجج بالمقاصد الشرعية ضد فتاوى القتل السياسي أو المصلحي، حدثاً نادراً. ما كان في الأمس محلّ خلافٍ أصوليٍ، أصبح اليوم مسلَّمةً قانونيةً لا تُراجَع أو، في أحسن الأحوال، تُمرّر دون صوتٍ معارضٍ علنيّ.

وإضافةً لهذه التشابهات والفروقات، ثمة مفارقةٌ مثيرةٌ تكشفها قصة تطوّر القتل تعزيراً حول مسألة المصلحة. فكثيرٌ من المنظرين المعاصرين عدّوا المصلحة بوابةً رئيسةً لتجديد الشريعة وإصلاحها. مثلاً، يقطع المفسر التونسي الطاهر بن عاشور بضرورة اعتماد المصلحة "والاستناد إليها" لتجديد التشريع. إلا أن قصة تطوّر القتل تعزيراً استندت جوهرياً إلى المصلحة. أي إن البوابة التي دخل منها الفقهاء والأمراء لتسويغ قتل غيرهم ارتبطت بتقديرٍ خاصٍ للمصلحة العامة. فبِاسم حماية الدين من الزندقة والبدعة، قتل المماليك خصومهم من العلماء والدعاة. وبِاسم حماية المجتمع ومكافحة الإرهاب، تقتل العديد من الحكومات العربية خصومها السياسيين.

لكن دخول القتل التعزيري من هذه البوابة لا يلغي أنها نفسها لا تزال واسعةً وتسمح بإعادة النظر في آليات العقوبة. وهذا يعني إمكانية تأسيس قوانين جنائيةٍ إسلاميةٍ أكثر إنسانيةً وعدالةً بالاعتماد على أسسٍ تماثل تلك التي اعتمدت عليها القوانين الحالية دون الحاجة إلى تفكيك "حدود الله" التي يُظنّ أنها لا تقبل الاجتهاد.

اشترك في نشرتنا البريدية