أما القائم الأيسر فحمل جدارية للفنان التشكيلي السلوفيني فلاديمير بيزديرتس تجسد منزلاً ريفياً تقليدياً في إقليم بريمورسكا غربي سلوفينيا على الحدود مع إيطاليا. وقد بدت اللوحة استدعاءً بصرياً للوطن الذي غادرته تلك النسوة، وتذكيراً بالقرى والمزارع التي ساهمت تحويلاتهن المالية من مصر في إنقاذها أو بنائها.
لم يكن هذا الاستدعاء للماضي مجرد لفتة تذكارية، إنما جزءاً من ذاكرة وطنية ما تزال حية في سلوفينيا حتى اليوم. ولعل ذلك ما يفسر بدءَ الرئيس السلوفيني السابق بوروت باهور زيارته الرسمية لمصر سنة 2016 من هذه المقبرة نفسها. إذ وضع إكليلاً من الزهور تكريماً لنساء عُرفن في التاريخ السلوفيني باسم "السكندريات".
قصة السكندريات تكشف مساراً معكوساً للهجرة في السياق الأوروبي. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت مصر وجهة جذب اقتصادي يقصدها الأوروبيون الباحثون عن العمل، فيما كانت مناطق واسعة من أوروبا تعاني الفقر والبطالة والأزمات الاقتصادية. ومن بين هؤلاء المهاجرين كانت آلاف الفتيات والأمهات السلوفينيات اللاتي غادرن قراهن متجهات إلى القاهرة والإسكندرية للعمل ممرضات وخادمات ومربيات ومرضعات وطاهيات لدى عائلات مصرية وأجنبية ميسورة. وقد ترك بعضهن أطفالهن في الوطن ليعتنين بأطفال آخرين في مصر، ودعمن أسرهن بالمال الذي أسهم في تحسين أوضاعهم. وهكذا تشكلت واحدة من أكثر قصص الهجرة النسائية فرادة في تاريخ البحر المتوسط، ولا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة السلوفينية وفي مقابر القاهرة والإسكندرية حتى اليوم.
من أبرز مظاهر هذا التحول ازدهار زراعة القطن المصري، ما جعل البلاد مقصداً للهجرة والاستثمار الأجنبي. ويرجع الفضل في ظهور القطن المصري طويل التيلة إلى الفرنسي لويس ألكسيس جوميل، المتوفى سنة 1823، الذي استنبط صنفاً مميزاً من القطن عُرف لاحقاً باسم "قطن جوميل". وبعد تواصله مع وكلاء والي مصر محمد علي باشا، انتقل إلى مصر سنة 1817 للمساهمة في توطين زراعته. ويُرجح أن البذور التي اعتمد عليها جاءت من نباتات كانت مزروعة في القاهرة، وربما كان أصلها من الحبشة أو السودان.
وقد تزايدت أهمية القطن المصري مع اتساع الثورة الصناعية الأوروبية وحاجة المصانع المتنامية إلى الألياف الخام. ثم شهد الطلب عليه طفرة كبيرة مع اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية بين سنتي 1861 و1865. إذ تعطلت صادرات القطن في الولايات الأمريكية الجنوبية، لتجد الأسواق العالمية، لاسيما البريطانية، في مصر بديلاً رئيساً لتأمين احتياجاتها.
في مطلع القرن العشرين، واصل القطن المصري تعزيز مكانته العالمية بفضل جهود اليوناني جان سكلاريدس الذي بدأ تجاربه سنة 1903 لينتج سلالة قطن جديدة حملت اسمه. وسرعان ما أصبح "قطن سكلاريدس" من أجود أصناف القطن المصري وأكثرها ربحية، ما عزز مكانة البلاد في الأسواق العالمية.
وإلى جانب القطن، ساهم نظام الامتيازات الأجنبية في جذب رؤوس الأموال ورواد الأعمال الأجانب. وكان هذا النظام، يهدف في الأصل إلى تشجيع التجار الأوروبيين على الإقامة والعمل داخل أراضي الإمبراطورية العثمانية بمنحهم إعفاءات ضريبية وحصانات قانونية. ومع تزايد النفوذ الأوروبي وضعف الدولة العثمانية، تحولت هذه الامتيازات تدريجياً إلى أداة للهيمنة الاقتصادية، فصارت القنصليات الأجنبية تمنح أو تبيع وثائق الحماية القنصلية لبعض الأثرياء المحليين.
شملت هذه الحماية إعفاءات من الضرائب المحلية المستحدثة، وحصانة للمنازل والممتلكات من التفتيش أو المصادرة إلا بحضور ممثل للدولة الأجنبية. شملت كذلك حق اللجوء إلى المحاكم المختلطة، التي أنشئت سنة 1875 لفض النزاعات المدنية والتجارية وأطرافها غالباً من جنسيات مختلفة. وكانت تلك المحاكم في أغلب الأحيان تميل إلى حماية المصالح الأجنبية. أفضى ذلك، إلى جانب سائر الامتيازات القانونية والقنصلية، إلى توفير بيئة آمنة لرؤوس الأموال الأجنبية وتشجيع المستثمرين على توجيه أنشطتهم نحو مصر.
تجازوت جاذبية مصر للأجانب الامتيازات القانونية، لتمتد أيضاً لمشروعات البنية التحتية الكبرى التي أعادت رسم موقعها في التجارة الدولية. وكان الأكثر تأثيراً بين هذه المشروعات قناة السويس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد كان حفر القناة أحد أعظم الإنجازات الهندسية في عصره، وحوّل مصر إلى نقطة ارتكاز في حركة التجارة العالمية. وعندما أُلغي نظام السخرة في أعمال الحفر سنة 1864، فقدت شركة القناة إمكانية الاعتماد القسري على الفلاحين المصريين الذين شكّلوا الغالبية الكاسحة من عمال المشروع. فاضطرت الشركة إلى استقدام أعداد كبيرة من العمال الأجانب، خاصةً من اليونان وإيطاليا وكرواتيا. ولم يقتصر الأمر على العمال المؤقتين، بل استقر كثير منهم مع أسرهم وشكلوا نواة لجاليات أجنبية جديدة داخل البلاد.
ومع افتتاح القناة سنة 1869، استمرت الحاجة إلى المهندسين والفنيين والعمال المتخصصين لإدارة الملاحة وأعمال الصيانة والتوسعة، علاوةً على تنامي حضور التجار وأصحاب الحرَف. وهو ما عزز تحول مدن القناة، لا سيما بورسعيد والإسماعيلية والسويس، إلى مراكز اقتصادية مزدهرة تحوي جنسيات مختلفة.
وبالتوازي أدى التدفق المستمر للبحارة والمسافرين إلى نشوء اقتصاد خدمي واسع النطاق قائم على التجارة والضيافة والترفيه وتوريد المؤن، ما وفر فرصاً جذبت مزيداً من المهاجرين. وتعززت هذه العوامل مع النهضة العمرانية التي شهدتها مصر في عهد الخديوي إسماعيل، وما رافقها من توسع في البنية التحتية، شمل شبكات المياه والصرف الصحي والسكك الحديدية والبريد والاتصالات.
إلى جانب ذلك، ساهم مناخ الانفتاح الديني والثقافي في تعزيز جاذبية البلاد للأجانب. وبحلول أواخر القرن التاسع عشر أصبحت القاهرة والإسكندرية من المراكز الاقتصادية المهمة في شرق البحر المتوسط، واستقطبتا أعداداً كبيرة من المستثمرين والتجار الأوروبيين، الذين أسسوا مجتمعاً متعدد الجنسيات والثقافات.
مع تشكل هذا المجتمع المتنوع، زادت الحاجة إلى مختلف أشكال العمالة الأجنبية، بما في ذلك العمالة المنزلية الأوروبية الماهرة التي خدمت أنماط الحياة المترفة الصاعدة. فقدِم إلى مصر وافدون من مناطق لم تكن حاضرة من قبل في الهجرات السابقة إليها. من بين تلك المناطق الأقاليم السلوفينية الواقعة آنذاك ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية، التي تفككت لاحقاً إلى النمسا والمجر.
ثم تفاقمت الأزمة مع اجتياح حشرة الفيلوكسيرا الطفيلية سنة 1963 مزارعَ العنب، ما أدى إلى تدمير المحاصيل، مصدر الرزق الأساس في المنطقة، ودفع العديد من الأسر نحو الديون والمجاعة. وقد أدى انهيار زراعة العنب إلى تأثر أنشطة مرتبطة بها مثل تربية دودة القز وصناعة الحرير، التي كانت تعتمد عليها النساء في العمل والإنتاج. وفي الوقت نفسه، ساهم إحلال الآلات والتصنيع الناتجان عن الثورة الصناعية في تقويض الحرف التقليدية، ما رفع معدلات البطالة وفاقم الفقر.
واستمر التدهور في العقود التالية، ليتعمّق أكثر مع اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 وما خلّفته من دمار واسع في المساكن والبنية التحتية. ثم زادت حدة الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي مع صعود الفاشية ووقوع الإقليم السلوفيني تحت الحكم الإيطالي في فترة ما بعد الحرب.
وفي ظل هذا التراكم من الأزمات عبر عقود، تشكلت ظاهرة هجرة النساء السلوفينيات إلى مصر. وقد امتدت لنحو قرن تقريباً من سنة 1860 إلى 1960، وفقاً لما نقله موقع الألكسندرِنكِه، عن أعمال الكاتب والروائي السلوفيني ماريان تومشيتش.
وبحسب المعلومات التي وثقها الموقع، الذي دُشّن سنة 2005 عن جمعية الحفاظ على التراث الثقافي للنساء السلوفينيات اللواتي هاجرن إلى مصر، تصاعدت هذه الهجرة النسائية من منطقة غوريشكا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. اتسقت هذه الهجرات مع تنامي الوجود الأوروبي في مصر، خصوصاً في الإسكندرية والقاهرة فترة حفر قناة السويس وما تلا افتتاحها سنة 1869. وقد عملت المهاجرات في المنازل الأوروبية بوظائف متعددة شملت الطبخ والخدمة المنزلية وتربية الأطفال والتمريض والتعليم المنزلي والخياطة.
مع الوقت، بنت المربيات السلوفينيات سمعة طيبة في الأوساط الثرية. ووفقاً لشهادة أحد الذين تربوا على يد مربية سلوفينية، إِليس دُوأيك، في فيلم وثائقي أخرجه السلوفيني ميتود بيفيك عنوانه "ألكسندرينكه" (السكندريات) سنة 2011، شاع في الطبقات العليا أن المربية الإنجليزية تُفضَّل للتربية الصارمة، بينما تُختار المربية السلوفينية لما عُرف عنها من حنان ودفء في التعامل مع الأطفال.
تزامن هذا الوضع المهني مع تصاعد صورة مصر في القرى السلوفينية أرضاً للفرص، ما شجع الفتيات والنساء على عبور المتوسط بحثاً عن عمل يساعد في إنقاذ أسرهن المثقلة بالديون. ولتصبح هذه الهجرة عنصراً أساساً في اقتصاد منطقة غوريشكا لعقود طويلة وتعيد تشكيل دور المرأة داخل المجتمع.
وقد وصفت الكاتبة السلوفينية دارينكا كوزينتس هذا النمط من الهجرة بأنه مشروع عائلي جماعي. ففي حديث صحفي لصحيفة "نوفي غلاس" (الصوت الجديد) في يناير 2022، قالت إن الفتيات سافرن إلى مصر للعمل وإرسال الأموال إلى أسرهن تمهيداً للعودة. وإن ما حققنه من دخل أسهم في تحسين أوضاع أسرهن داخل سلوفينيا. تضيف أن الانتقال من القرى السلوفينية إلى بيئات الطبقة الثرية في الإسكندرية شكّل صدمة ثقافية، لكنه أتاح أيضاً فرصاً مهنية واجتماعية واسعة، إذ عملن مربيات ومرضعات وخادمات منزليات.
لم تنشأ هذه الفرص من فراغ، فبحسب ما رصده المؤرخ بمركز الأبحاث التابع للأكاديمية السلوفينية للعلوم والفنون أليكسي كالتس في دراسته الصادرة سنة 2012 بعنوان "ألكسندرينكي – ألكسندريان وومن [. . .]" (النساء الإسكندريات: ظاهرة بارزة للهجرة النسائية من سلوفينيا إلى مصر), لم يكن العمل في مصر سوى امتداد لمسار طويل من الخدمة المنزلية في الريف السلوفيني. وهو الفضاء الذي كانت الفتيات يلتحقن به عادة بين سن الخامسة عشرة والعشرين، ويعملن لدى العائلات الأثرى في القرى أو المدن لفترات مؤقتة تتيح لهن الادخار واكتساب الخبرة، أو تمتد أحياناً لتصبح عملاً دائماً لمن لم تتزوج. وهو نمط كان شائعاً في منطقة غوريشكا في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وارتبط غالباً بالانتقال من القرية إلى أماكن أخرى داخل البلاد أو خارجها.
ومن العمل في منازل الطبقات الوسطى والثرية، انفتح الطريق أمام انتقال تدريجي نحو مصر، حين أحضرت عائلاتٌ أوروبيةٌ عاملاتٍ معها إلى الإسكندرية والقاهرة، ما أطلق موجة هجرة نسائية متتابعة. وقد ساهمت شبكات القرابة والمعارف في تعزيز هذه الظاهرة، إذ كانت العاملات الموجودات في مصر يساعدن في جلب شقيقاتهن وصديقاتهن. وشكلت الأجور المرتفعة، التي كانت تفوق نظيرتها في سلوفينيا بأربعة أضعاف على الأقل، عامل جذب إضافي. ثم تراجعت الأجور لاحقاً بعد الحرب العالمية الأولى بفعل تغيرات سوق القطن ومنافسة الخادمات المصريات واليونانيات.
وعلى ما فيها من جاذبية اقتصادية، حملت هذه الهجرة في طياتها تكلفة اجتماعية ثقيلة، تمثلت في تفكك الروابط الأسرية وصعوبة العودة النهائية. وكانت تجربة المرضعات هي الأقسى، إذ اضطُررن إلى ترك أطفالهن حديثي الولادة لفترات طويلة مقابل رعاية أطفال آخرين في مصر، مع كونها الوظيفة الأعلى أجراً. وقد ترك هذا النمط من الحياة أثراً نفسياً عميقاً على الأمهات والأطفال على حد سواء.
مع ذلك، ووفقاً لدراسة كالتس، اكتسبت السلوفينيات سمعة مهنية قوية في مصر، وعمل عدد منهن في مناصب بارزة داخل بيوت النخبة. من بينها ميلينا فاجانيل، المربية الخاصة لبطرس بطرس غالي، الأمين العام السادس للأمم المتحدة. وكذلك خدمت بعضهن في الدوائر الملكية، ومن بينهن وصيفات الملكة فريدة الزوجة الأولى للملك فاروق.
على الجانب الآخر من المتوسط في سلوفينيا، فإن هذه المكانة المهنية لم تمنع استمرار الجدل على الظاهرة، إذ تراوحت النظرة إلى المهاجرات بين التقدير لما قدمنه لأسرهن والانتقاد الأخلاقي لبعض جوانب الهجرة النسائية. وبحسب كالتس، لم تحظ هذه الظاهرة بإجماع داخل المجتمع السلوفيني. إذ اعتبرها بعض المعارضين وصمة قومية، خاصة مع تداول أخبار متفرقة عن استغلال بعض المهاجرات في البغاء أو وقوعهن في زيجات تعيسة. وقد تجاوزت التحفظات الجوانب الأخلاقية لتشمل ما خلفته الهجرة من آثار إنسانية وعاطفية عميقة. إذ أدى غياب الأمهات لفترات طويلة إلى إضعاف الروابط الأسرية وخلق صعوبات في إعادة اندماج النساء في حياتهن العائلية عند العودة.
ومع ترسخ الوجود السلوفيني في مصر، لم تقتصر تجربة الهجرة على العمل الفردي، إنما أخذت طابعاً تنظيمياً تدريجياً وفّر له البعد الديني والاجتماعي إطاراً داعماً منذ أواخر القرن التاسع عشر.
واكتسب ملجأ القديس فرانسيسكو دوراً أكثر اتساعاً بعد وصول راهبات "مدرسة المسيح الملك" من سلوفينيا سنة 1908، إذ تولَّين إدارته وتطوير خدماته. فإلى جانب الإيواء، عمل الملجأ وسيطاً للتوظيف يربط المهاجرات بأصحاب العمل، ووفّر لهن التدريب على الأعمال المنزلية وآداب السلوك المطلوبة للعمل في البيوت الثرية. وتابعت الراهباتُ أوضاع العاملات وكن يتحققن من سمعة الأسر التي يعملن لديها، بل أنهن احتفظن بسجل للعائلات سيئة السمعة تجنباً لإرسال الفتيات إليها.
هذه الجهود لم تقتصر على الإسكندرية، بل امتدت إلى القاهرة، حيث تأسست سنة 1908 جمعية القديسين كيرلس وميثوديوس. يضاف للجمعية مؤسساتٌ تعليمية وثقافية شملت مدرسة وروضة أطفال ومكتبة باللغة السلوفينية. وقد أسهمت هذه المؤسسات في بناء شبكة اجتماعية متكاملة وفرت للمهاجرات الدعم والرعاية والحماية، وعززت الروابط بين أفراد الجالية السلوفينية.
اجتماعياً، أتاحت هذه الشبكة للمربيات والعاملات فرص اللقاء المنتظم في المناسبات الدينية والاجتماعية. وكن يحضرن القداس باللغة السلوفينية، ويشاركن في الأنشطة الثقافية والمسرحية للهواة، ويتبادلن أخبار الوطن ويقدمن العون لبعضهن. وساعدت هذه الروابط، إلى جانب الدعم المؤسسي، على استمرار الهجرة النسائية عبر أجيال متعاقبة، إذ كانت العاملات يستقدمن قريباتهن أو جاراتهن للعمل في المنازل نفسها أو في منازل مجاورة.
في هذا السياق، تشير كوزينتس في مقالتها إلى أن رحلة العمل تبدأ منذ لحظة السفر. إذ شكلت السفن فضاءً أولياً لبناء شبكات تضامن بين الفتيات، بينما تساهم الراهباتُ في تنظيم العمل وتقديم الدعم وحل الأزمات عند الوصول.
لا توجد إحصاءات رسمية عن أعداد العاملات السلوفينيات في مصر. ومع ذلك، يقدر كالتس عددهن بنحو خمسة آلاف امرأة مطلع القرن العشرين، يصل إلى نحو ستة آلاف قبيل الحرب العالمية الأولى. ومن ناحية التوزيع الجغرافي داخل مصر، كان نحو نصفهن يقمن في الإسكندرية، وربعهن في القاهرة، فيما توزعت البقية على مدن مصرية أخرى.
استمرت الهجرة في الفترة الواقعة بين الحربين العالميتين، لكن الظروف التي ازدهرت في ظلها هجرة السكندريات إلى مصر بدأت بالتراجع تدريجياً بعد الحرب العالمية الثانية. إذ حدثت تحولات سياسية واقتصادية في سلوفينيا، إلى جانب بعض التغيرات التي طرأت على سياسات مصر مع الأجانب.
وقد امتد أثر الثورة إلى بعض الأسر المصرية الثرية التي كانت تشكل مصدراً مهماً لتوظيف العاملات المنزليات. إذ تراجعت قدرتها على الإنفاق نتيجة التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد. ويشير جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين" الصادر سنة 1998 إلى أن سياسات التأميم والمصادرة أضعفت الإمكانات المالية لكثير من أسر النخبة، ما جعل الاحتفاظ بالعمالة المنزلية أمراً صعباً.
أمام هذه التحولات، اتخذت السلوفينيات مسارات مختلفة. فعاد بعضهن إلى وطنهن، وفضلت أخريات مرافقة الأسر التي عملن عندها إلى بلدان هجرتها الجديدة. في المقابل، اختارت مجموعة منهن البقاء في مصر حتى نهاية حياتهن، ودُفن عدد منهن في الإسكندرية والقاهرة.
لم يكن قرار البقاء في مصر وليد الصدفة. فبحسب كالتس في دراسته، وكذلك شهادات المشاركات في فيلم "السكندريات"، وسّعت سنواتُ الغيابِ الطويلةُ المسافةَ العاطفيةَ بين كثير من المهاجرات وأسرهن في سلوفينيا. فقد غادرت بعض النساء أبناءهن وهم رضَّع، ثم أمضينَ سنوات طويلة في العمل من أجل سداد الديون أو بناء المنازل وتأمين مستقبل أسرهن. وعندما فكّرن في العودة بعد عقد أو عقدين، وجدن أن أبناءهن أصبحوا بالغين لا يعرفون عن أمهاتهم إلا الصور القديمة والحوالات المالية التي كانت تصل من مصر. وفي حالات كثيرة شعرت العائدات بأنهن غريبات داخل بيوتهن، وأن الروابط الأسرية التي غادرن من أجل الحفاظ عليها قد تبدلت أثناء سنوات الغياب.
أسهم اختلاف أسلوب الحياة في تعميق هذا الشعور بالاغتراب. فبعد سنوات قضتها كثير من السكندريات في بيوت الطبقات الثرية والمدن الكبرى في مصر، بدا التأقلم مجدداً مع الحياة الريفية في سلوفينيا أمراً بالغ الصعوبة. ولهذا فضلت بعضهن البقاء في مصر، البلد الذي أمضين فيه معظم سنوات عمرهن وشكل جزءاً أساساً من هويتهن وتجربتهن الإنسانية.
ولخصت الراهبة فرانكا مارتيلانتس، مؤسِّسَة ملجأ الفتيات في القاهرة، مأساة تلك النسوة بحسب ما أوردته الكاتبة دوريتسا ماكوتس في كتاب "لس ألكسندرين" (السكندريات) الصادر سنة 1993، بعبارات مؤثرة. إذ قالت: "لا تعلمون كم من الدموع ذُرفت هنا في أيام الأحد، رأينا معاناة الأمهات الشابات اللواتي، من أجل إنقاذ منازلهن المثقلة بالديون في أغلب الأحيان قدمن حليبهن وأجسادهن السليمة لطفل غريب. وعندما كنَّ يلدن للمرة الثانية أو الثالثة، كنَّ يعدن دائماً إلى مصر، حيث كانت مهنة المرضعات هي المهنة الأعلى أجراً المتاحة للنساء".
وبحسب ما قالته الراهبة يوستينا، من ملجأ القديس فرانسيسكو في الإسكندرية إلى الفراتس "آخر امرأة من السكندريات توفيت سنة 2024. ولم تكن تقيم في الملجأ، بل كانت تسكن في شقة مستأجرة بشارع فؤاد في الإسكندرية".
ومع انحسار الظاهرة اجتماعياً، انتقل حضورها تدريجياً من تجربة العيش إلى فضاء الذاكرة والتمثيل الثقافي. فسُلِّط الضوء على تجربة السلوفينيات الإنسانية ومعاناتهن الممتدة بين سلوفينيا ومصر. وقد زادت المبادرات العلمية والمؤسساتية المعنية بهذا الإرث، لاسيما في العقدين التاليين للألفية.
وسنة 2010 تأسست "جمعية الحفاظ على التراث الثقافي للسكندريات" في برفاتشينا غربي سلوفينيا برئاسة الباحثة والكاتبة دارينكا كوزينتس، التي كرست جانباً من أعمالها لتوثيق حياة السكندريات وأصدرت عدة أعمال عنهن. ومن أعمالها كتابان، الأول، "برافيلي سو ييم ألكساندرينكه" (كانوا يسمونهن السكندريات) سنة 2008 وكان موجهاً للقراء الشباب بهدف تعريفهم بتاريخ هجرة السلوفينيات إلى مصر. والثاني، كتاب "ليه غوريتسيا" (نساء غوريتسيا) سنة 2016 ويروي قصص تسع نساء من السكندريات.
وتهدف الجمعية إلى حفظ هذا التراث وإحيائه، وقد زارت رئيسةُ الجمعيةِ مصرَ سنة 2008. وتفقدت ملجأ راهبات القديس فرانسيسكو في الإسكندرية، واطلعت على سجلات الوفيات، وزارت المقبرة السلوفينية.
انطلاقاً من هذا المسار، توسعت أنشطة الجمعية لاحقاً لتشمل إدارة متحف السكندريات في برفاتشينا، الذي يستقطب الزوار ويقدم عروضاً مسرحية توثق التجربة التاريخية للهجرة النسائية. وتسعى الجمعية إلى تسجيل هذا التراث ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي. وبالتوازي، تُحفظ مقتنيات وذكريات السكندريات، كالحوالات البريدية والصور الشخصية والخطابات وبعض المتعلقات الشخصية في عدد من المؤسسات. من هذه المؤسسات المتحف الإقليمي في نوفا غوريتسكا، وجمعية الحفاظ على التراث الثقافي للمرأة السكندرية في برفاتشينا، ومتحف الشعوب السلوفيني في العاصمة ليوبليانا.
رافق هذا الحضور المؤسسي اتساعٌ في أشكال التمثيل الثقافي والفني للظاهرة، تجلّى في أعمال سينمائية ومبادرات تذكارية أعادت إحياء الذاكرة الجمعية للسكندريات. من أهمها فيلم "السكندريات"، الذي ناقش من جهة العلاقة العاطفية التي ربطت المربيات السلوفينيات بالأطفال في مصر، ومن جهة أخرى مشاعر الغضب والاغتراب لدى بعض الأبناء في سلوفينيا من الأمهات اللاتي غبن لفترات طويلة.
وقد سبق إصدار الفيلم بعام، تحديداً في مارس 2010، رحلة نفذتها جمعية الحفاظ على التراث إلى مصر شملت احتفالاً في مقابر اللاتين. وهناك أُزيح الستار عن لوحات تذكارية وجدارية فنية تخليداً لذكرى السكندريات. وعرضت في الحفل عروض موسيقية وقدمت الزهور السلوفينية. ولاحقاً سنة 2017، أُعيد بناء كنيسة المقابر ونُقلت اللوحات التذكارية إلى المقبرة التابعة للسفارة السلوفينية.
صورة: اللوحة التذكارية التي وضعت في ملجأ الإسكندرية - تصوير ميشيل حنا
ومع ما حظيت به السلوفينيات من رد اعتبار وتكريم في بلدانهن، فإن معاناتهن لم تُطوَ كاملةً. فبحسب ما قاله المستشار الاقتصادي والثقافي في السفارة السلوفينية تادي بوينتس للفراتس، فإن المقبرة السلوفينية في مدافن اللاتين بالقاهرة موقعٌ رمزي تذكاري وليس موقع دفن أصلي، إذ دُفن العديد من السكندريات في الأصل في مقابر كاثوليكية مختلفة داخل مصر. وهو ما أكده للفراتس أيضاً مسؤول العلاقات العامة في الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية نديم قنواتي، مشيراً إلى أن المقبرة التي دُفن فيها عدد من السكندريات في الإسكندرية هُدمت في أوائل التسعينيات.

