تغيَّر هذا كله بعد بضع سنوات. ففي أبريل 2022 أعلنت السعودية وقفاً لإطلاق النار في اليمن ضمن هدنة برعاية الأمم المتحدة. ثمّ في مارس 2023، توصّلت الرياض إلى اتفاق لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران بوساطة صينية. ومع اندلاع الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ركزت المملكة جهودها الدبلوماسية على التوسّط لوقف إطلاق النار، ودعم المؤسسة العسكرية القريبة من الإسلاميين. ثمّ في أواخر سنة 2024، عندما سقط نظام بشار الأسد في سوريا، ألقت السعودية بدعمها خلف القيادة الجديدة في دمشق ذات الخلفية الجهادية.
تأتي هذه التحوّلات في وقت تتّسع فيه الفجوة بين الرياض والإمارات العربية المتحدة، أقرب حلفائها في العقد الماضي. ولا يقتصر هذا التباعد على الموقف من الحرب الإسرائيلية على غزة، بل يمتدّ ليشمل الحرب في السودان، حيث تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع في مواجهة الجيش السوداني. كذلك تدعم أبوظبي المشروعَ الانفصالي الذي يقوده المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، في مقابل دعم السعودية الحكومةَ اليمنية المعترف بها دولياً. ويمتدّ هذا التباعد أيضاً إلى مسألة الاعتراف بإقليم أرض الصومال دولةً مستقلة عن الصومال، وهو توجّه تدعمه أبوظبي وتقيم علاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع الإقليم وتتحفّظ عليه السعودية التي ما زالت تلتزم بوحدة الأراضي الصومالية.
هذا التحوّل ليس عودةً سعوديةً إلى سياسات داعمةٍ الحركاتِ الإسلامية، مثلما قد يبدو للوهلة الأولى. يعود هذا التغيّر إلى تخلّي السعودية منذ سنة 2019 عن سياستها الإقليمية الصدامية عالية الكلفة، واستبدالها بسياسة تقوم على مبدأ "صفر مشاكل". نشأت السياسة الصِدامية السابقة في أعقاب الغزو الأمريكي العراقَ سنة 2003 واستمرت حتى الهجمات التي استهدفت منشأتي نفط تابعتين شركةَ "أرامكو" في سبتمبر 2019 ما أدى إلى تعطّل مؤقّت لنصف إنتاج المملكة النفطي. إلا أن تمسّك السعودية اليوم بسياسة "صفر مشاكل" القائمة على الحياد والمصالحة، في مفارقة لافتة، يدفعها نحو حالة صدام مع محور جديد تقوده الإمارات وإسرائيل.
بدأت حكومة رئيس وزراء بريطانيا، المنتمي لحزب العمال، هارولد ويلسون تنفيذ الانسحاب بعد ضغوط سياسية من كتلة يسارية داخل الحزب لتخفيض ميزانية الدفاع، إلى جانب تفاقم أزمات اقتصادية داخلية. ففي فبراير 1966 أعلنت بريطانيا عزمها إغلاق قاعدتها العسكرية في عدن وإلغاء كل اتفاقيات الدفاع والحماية مع الكيانات السياسية السلالية التي كانت تسمى سلطنات في جنوب اليمن في سنة 1968. إلا أنّ انتفاضات اليمن الجنوبي المستمرة منذ سنة 1963 عجّلت الانسحاب إلى نوفمبر 1967، لتتأسس هناك جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية ذات التوجه الماركسي.
ومع أنّ بريطانيا حاولت طمأنة إمارات الخليج بأنها لن تنسحب منها قبل منتصف السبعينيات، إلا أنّ أزمة اقتصادية حادة ألمّت ببريطانيا نهاية سنة 1967 اضطرتها لتسريع انسحابها. فبسبب تلك الأزمة، اضطرت بريطانيا للاقتراض من صندوق النقد الدولي الذي اشترط تنفيذ خطة تقشفية لخفض الإنفاق. ولكسب تأييد العناصر اليسارية في حزبه لميزانية التقشف، كان على ويلسون تقديم تنازلات في ميزانية الدفاع. قدمت الحكومة خطتها المالية التقشفية في يناير 1968، وتضمنت الالتزام بالانسحاب من جميع المحميات البريطانية شرق قناة السويس، بما في ذلك ماليزيا وسنغافورة والإمارات الخليجية مثل البحرين وقطر وإمارات ساحل عمان، بحلول سنة 1971. لم يغيّر هذا القرارَ عرضٌ من الشيخ زايد آل نهيان، شيخ إمارة أبوظبي الغنية بالنفط آنذاك، تحمّل نفقات بقاء القوات البريطانية في الخليج، وفق ما نقلته صحيفة التايمز اللندنية في 22 يناير 1968. كذلك لم يغيّر فوز حزب المحافظين في الانتخابات البريطانية سنة 1970 هذا القرار، بل كانوا هم من نفّذه في ديسمبر 1971.
فقبل هذا الانسحاب كانت السياسة الإقليمية السعودية موجّهة نحو الغرب. إضافةً للتهديدات الآتية من مصر الناصرية وإسرائيل، كانت الحرب الأهلية في اليمن بين الملكيين والجمهوريين الشاغل الرئيس للمملكة منذ تولي الأمير فيصل بن عبدالعزيز آل سعود رئاسة الوزراء سنة 1962، ثم منصب الملك سنة 1964.
لم تكَد تهدأ هذه الجبهة حتى بدأت تهديدات جديدة للسعودية تلوح في الأفق بعد إعلان بريطانيا نيّتها الانسحاب من الخليج نهاية 1971. كان أوّل هذه التهديدات تسابق كل من إيران والعراق على بسط هيمنتهما على الخليج. ففي أبريل 1969 انسحب شاه إيران محمد رضا بهلوي من اتفاقية ترسيم حدود شط العرب الموقّعة مع العراق سنة 1937، ما فاقم التوترات بين البلدين. إذ دعمت إيرانُ الأكرادَ داخل العراق، بينما دعم العراق عرب الأحواز المتمركزين في جنوب غرب إيران. وقبيل انسحاب بريطانيا بعدة أيام أرسل شاه إيران قواته لاحتلال ثلاث جزر في مضيق هرمز، طنب الكبرى وطنب الصغرى التابعتين إمارة رأس الخيمة وأبو موسى التابعة إمارة الشارقة. وقبل ذلك أرسلت إيران قواتها لمساعدة سلطنة عُمان في قمع ثورة إقليم ظفار في جنوب البلاد ضد الحكومة السلطانية، وأصرّت أيضاً على سيادتها على البحرين. ولم يثنِ إيران عن بسط هيمنتها على البحرين سوى تسوية مع السعودية، أدت إلى تعيين الأمم المتحدة مبعوثاً لاستطلاع آراء السكان، وخلص تقريره سنة 1970 إلى أنّ غالبيتهم يريدون الاستقلال لا الوحدة مع إيران.
في موازاة التحركات الإيرانية لمحاولة ملء الفراغ الذي سيخلّفه الانسحاب البريطاني، أعادَ العراق ترتيب أوراقه الإقليمية سعياً إلى تثبيت موقعه لاعباً رئيساً في الخليج. ففي يوليو 1968 أدى انقلاب حزب البعث إلى وصول أحمد حسن البكر إلى السلطة مع نائبه صدّام حسين. وحملت القيادة الجديدة طموحاتٍ لتزعّم الدول العربية والخليج، لاسيما بعد هزيمة مصر في حرب يونيو 1967 ضد إسرائيل وانسحاب بريطانيا من الخليج. ومع تصاعد التوترات مع إيران بشأن شط العرب، قطعت بغداد علاقاتها الدبلوماسية مع طهران بعد احتلال إيران الجزرَ الثلاث. وفي أبريل 1972 وقّع العراق اتفاقية صداقة مع الاتحاد السوفييتي في محاولة لموازنة الدعم الأمريكي للشاه.
ولم تكن التحدياتُ التي واجهت السعودية محصورة في التنافس الإيراني العراقي على الخليج، بل تشكلت تهديدات أخرى داخل جزيرة العرب، ولاسيما من جنوبها وشرقها. إذ قاد الانسحاب البريطاني من جنوب اليمن إلى فشل مشروع "اتحاد سلطنات الجنوب العربي" فقامت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ذات التوجه الماركسي التي سرعان ما قوّت علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي والصين. لم تعترف السعودية بهذه الجمهورية، واندلع بين الطرفين نزاع حدودي مسلح عُرف بحرب الوديعة في نوفمبر 1969. أما في شمال اليمن فبدا واضحاً أنّ القوى الجمهورية ستنتصر على حلفاء السعودية الملكيين. وفي 1970 أقرّت السعودية بالأمر الواقع واعترفت بالجمهورية العربية اليمنية أو اليمن الشمالي. وفي سلطنة عمان كانت ثورة ظفار مشتعلة في الجنوب، تقودها قوى ذات توجهات قومية وشيوعية مدعومة بعلاقات بقوى خارجية، ما أضاف مصدر قلق آخر على حدود المملكة. أما في الشرق فكانت كيانات جديدة تستعدّ للظهور مع اقتراب موعد الانسحاب البريطاني، من دون اتضاح ما إذا كانت ستّتحد في دولة واحدة أم تتشكل دولاً متعددة وهل ستتمكّن من الحفاظ على أنظمتها الملكية أم سيكون مصيرها مشابهاً لمصير سلطنات جنوب اليمن.
وأوّل أبعاد هذه السياسة كان إدارة الصراعات العربية والصراع العربي الإسرائيلي. ففي القمة العربية التي عُقدت في الخرطوم بعد أشهر من حرب سنة 1967 بين إسرائيل والدول العربية، توصّل الملك فيصل والرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى تسوية شملت إنهاء الحرب غير المباشرة بين بلديهما في اليمن. وتضمنت مساهمة مالية سنوية من السعودية، مع الكويت وليبيا، لمساعدة مصر في إعادة بناء قدراتها العسكرية مع رفض التسوية مع إسرائيل.
بعد وفاة عبد الناصر في سبتمبر 1970، ووصول أنور السادات إلى الرئاسة في مصر وحافظ الأسد إلى السلطة في سوريا، تشكّل ما يمكن تسميته مثلثاً سعودياً مصرياً سورياً، عوّلت عليه الرياض في إدارة السياسة العربية. وقد مثّل هذا المثلث، بشيء من التجوّز، معسكراً "محافظاً" في مواجهة مجموعة من الدول العربية ذات التوجهات "الراديكالية" مثل ليبيا معمر القذافي منذ انقلاب سبتمبر 1969، وعراق البعث منذ انقلاب يوليو 1968، وجزائر هواري بومدين بين 1965 و1978، واليمن الجنوبي ذي التوجه الماركسي منذ 1967. إذ تبنّت هذه الدول سياسات مناوئة في ما يتعلّق بالموقف من الملكيات والوحدة العربية، والعلاقة مع المعسكر الغربي وطريقة مواجهة إسرائيل.
ظلّ ميزان القوى يتأرجح بين هذا المثلث المحافظ وخصومه منذ السبعينيات وحتى الاحتلال الأمريكي العراق. ففي السبعينيات كان هذا المثلث من يحدد إلى حدّ بعيد التوجه العربي، بدءاً من حرب 6 أكتوبر 1973 التي شنتها مصر وسوريا ضد إسرائيل، مروراً بالسياسات النفطية، وصولاً للتنسيق بشأن الحرب الأهلية اللبنانية. غير أنّ توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل سنة 1978، وسقوط نظام الشاه في إيران سنة 1979، أضعفا هذا المثلث. فمن جهة نجح خصومه، بقيادة عراق صدام حسين، في تنظيم حملة مقاطعة عربية عزلت مصر، وانضمت لها السعودية فقاطعت مصر. ومن جهة أخرى انحازت سوريا إلى إيران في حربها ضد العراق بين سنتي 1980 و1988، واختارت السعودية الانحياز للعراق. إلّا أنّ غزو العراق الكويتَ سنة 1990، وبداية تفكّك الاتحاد السوفيتي — حليف العراق — مطلع التسعينيات، أتاحا لهذا المثلّث استعادة زخمه مجدداً. إذ انتهت مقاطعة مصرَ العربية، واستطاعت سوريا بسط نفوذها على لبنان. أمّا بقية الدول المصنفة "راديكالية"، فواجهت تحولات داخلية وإقليمية أضعفتها، إذ فُرضت عقوبات دولية على ليبيا، بينما غرقت الجزائر في حرب أهلية.
قبل السبعينيات تأسست العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة، التي تبلورت في سياق الحرب العالمية الثانية، على حماية استثمارات شركة "أرامكو". وكانت أرامكو آنذاك شركةً أمريكيةً مملوكةً لأربع شركات نفط كبرى هي "سوكال" (التي أصبحت لاحقاً "شيفرون") و"تكساكو" و"إكسون" و"موبيل". وكان لهذه الشركات نفوذ داخل دوائر صنع القرار في واشنطن. ترتّب على حماية هذا الاستثمار تقديم الولايات المتحدة مساعدات اقتصادية وتقنية وعسكرية وتعليمية للدولة السعودية حديثة النشأة، فضلاً عن ضمان الاعتماد على النفط السعودي في مشروع مارشال، الذي أطلقته واشنطن لإعادة إعمار دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.
بمعنى آخر لم تكن العلاقة بين البلدين قبل السبعينيات قائمة على تنسيق السياسات الخارجية لحماية مصالح إقليمية مشتركة. إذ اعتمدت الولايات المتحدة آنذاك في تنسيق سياساتها وحفظ مصالحها في الشرق الأوسط على دول غير عربية، في مقدمتها بريطانيا في الخليج وإيران الشاه وبدرجة أقل إسرائيل. أمّا السعودية، فكان اختلاف سياستها عن الولايات المتحدة حيال القضية الفلسطينية، التي دارت حولها ثلاث حروب عربية إسرائيلية في تلك الفترة في السنوات 1948 و 1956 و1967، مصدراً دائماً للتوتر بين البلدين.
بلغ هذا التوتر ذروته سنة 1973 حين ربطت السعودية، ومعها الدول العربية المصدّرة النفطَ، صادرات النفط بالصراع العربي الإسرائيلي. فبعد عشرة أيام من الهجوم الذي شنّته مصر وسوريا على إسرائيل في 6 أكتوبر 1973 لاستعادة أراضيهما المحتلة في حرب يونيو 1967، قررت الدول العربية المصدّرة النفطَ رفع سعر البرميل من 3.3 دولارات إلى 5.1 دولارات. وفي اليوم التالي أعلنت خفض الإنتاج بنسبة 5 بالمئة، على أن ترتفع هذه النسبة شهرياً إلى أن تنسحب إسرائيل إلى حدود ما قبل حرب 1967. لم تكتفِ السعودية والكويت وقطر والجزائر بهذه النسبة، بل خفّضت إنتاجها بنسبة 10 بالمئة. وبعد يومين، رداً على طلب الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون من الكونغرس تخصيص 2.2 مليار دولار لدعم إسرائيل في الحرب، أعلنت السعودية فرض حظر كامل على صادرات النفط إلى الولايات المتحدة، ولم يُرفع إلا في 18 مارس 1974.
مثلّت هذه المرحلة نهاية شكل من العلاقة بين السعودية الولايات المتحدة وولادة آخر. إذ تزامنت مع تحوّل الولايات المتحدة إلى بلد مستوردٍ النفطَ، وبدء الحكومة السعودية الاستحواذ التدريجي على ملكية شركة أرامكو من الشركات الأمريكية المالكة لها. وبدأت عملية الاستحواذ هذه نتيجة لما أظهره العقيد الليبي معمر القذافي، بعد إسقاطه الملكية سنة 1969، من قدرة على الضغط على الشركات النفطية العاملة في ليبيا لرفع أسعار النفط سنة 1970. دفعت هذه السابقة العراق إلى تأميم قطاع النفط سنة 1972، ثمّ تلته إيران لاحقاً. أمّا السعودية فبدأت تأميم أرامكو تدريجياً، 25 بالمئة في 1972، ثم 60 بالمئة في 1974، وصولاً إلى نسبة 100 بالمئة في سنة 1980.
دفعت هذه التحوّلات في المشهدين النفطي والإقليمي الولايات المتحدةَ إلى إعادة النظر في سياساتها بالشرق الأوسط، وربطها للمرة الأولى بسياسات دولتين عربيتين رئيستين هما مصر والسعودية. في مصر، تمثّل هذا الربط في خروجها من المعسكر السوفييتي ومن الصراع العربي الإسرائيلي، بعد استرداد أراضيها المحتلة في سيناء سنة 1967 بتوقيع معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل التي حوّلت مصر إلى ثاني أكبر متلق المعوناتِ الأمريكية في العالم.
أما السعودية فقد تشكّلت علاقتها الجديدة مع الولايات المتحدة بمسارين متباطئين، لم يكن النفط أحدهما. ذلك أنه كان لحظر النفط وخفض إنتاجه تأثيرات غير مسبوقة في الشارع الأمريكي. إذ ظهرت طوابير طويلة أمام محطات الوقود وارتفع معدل البطالة من 4.5 بالمئة في أكتوبر 1973 إلى 5.2 بالمئة في يناير 1974. كذلك ارتفعت تكاليف المعيشة بنسبة 8.8 بالمئة، شاملة أسعار الوقود والتدفئة، إلى جانب إلغاء العديد من الرحلات الجوية. وبسبب هذه التبعات أعلن نيكسون عن مبادرة "بروجكت إندبندنس" (مشروع الاستقلال) الرامية إلى الاعتماد على العلم والمعرفة والتقنية الأمريكية لتقليل اعتماد الولايات المتحدة على النفط والوصول إلى الاكتفاء الذاتي بحلول سنة 1980. تضمنت هذه السياسة مشاريع للطاقة البديلة وترشيد استهلاك الطاقة وتشجيع استخدام وسائل نقل بديلة للسيارة.
عنى هذا المشروع أن اعتماد العلاقة السعودية الأمريكية على النفط لم يكن أولوية. أكد هذا نائب مستشار الأمن القومي حينها برنت سكوكروفت في رسالة إلى وزير الخارجية هنري كيسنجر في مارس 1974 عن شكل العلاقات الجديدة مع السعودية. إذ قال: "مصالحنا من العلاقة مع السعودية مختلفة عن مصالح الأوروبيين أو حتى عن مصالحنا قبل إعلان مبادرة بروجكت إندبندنس. فالتزامنا بهذه المبادرة يقتضي تقليل الاعتماد على النفط السعودي تدريجياً حتى نصل لمرحلة لا نستورد منهم شيئاً بحلول سنة 1980".
أمّا المساران اللذان شكّلا العلاقة الجديدة، فتمثّل الأوّل بتعزيز الروابط الاقتصادية المباشرة بين البلدين. شمل ذلك إقناع السعودية باستيراد المنتجات والخدمات الأمريكية، واستثمار فوائضها النفطية الهائلة الناتجة عن تغيّر أسعار النفط وسوقه العالمي في الولايات المتحدة. ووصف سكوكروفت في رسالته هذه، العلاقة بأنها "قائمة على المنفعة الذاتية المتبادلة". كان هذا هو الغرض من المحادثات الأولية التي عقدت في مارس 1974 بين كيسنجر والأمير فهد، نائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك، التي مهّدت لزيارة نيكسون السعودية في يوليو 1974، في أوّل زيارة لرئيس أمريكي إلى المملكة.
نجم عن هذا المسار عدة نتائج. إحداها إنشاء "اللجنة السعودية الأمريكية للتنسيق الاقتصادي" التي عرفت اختصاراً باسم "جيكور". أتاحت هذه اللجنة انتقال مئات الخبراء الأمريكيين إلى السعودية لمساعدة وزرائها وصنّاع القرار فيها في إدارة ملفات التنمية والتحديث، فضلاً عن تسهيل التعاون بين القطاع الخاص الأمريكي والحكومة السعودية. وشملت النتائج الأخرى إعادة تدوير الفوائض النفطية السعودية في الأسواق المالية الأمريكية ما ساهم في دعم استقرار الدولار، إلى جانب التوسّع المتزايد في صفقات السلاح بين البلدين منذ ذلك الوقت في منتصف السبعينيات.
أما المسار الثاني في العلاقة السعودية الأميركية الجديدة، الذي كان أبطأ بكثير من المسار الأول، فارتبط بتنسيق السياسات الإقليمية بين البلدين. فمع قلق إدارة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون الذي حكم بين 1963 إلى 1969 من فراغ القوّة الذي سيخلّفه الانسحاب البريطاني من الخليج بين سنتي 1968 و1971، إلا أنها تجنبت ملء هذا الفراغ مباشرة. خاصة مع انخراط الولايات المتحدة في حرب فيتنام ابتداء من سنة 1965، وما أثاره ذلك من معارضة شعبية وبرلمانية واسعة، إضافة إلى انشغالها بتداعيات حرب 1967 في الشرق الأوسط.
لم يغيّر ريتشارد نيكسون عند وصوله إلى رئاسة أمريكا سنة 1969 سياسة عدم الانخراط المباشر في منطقة الخليج، لكنه وضعها ضمن تصوّر جديد عن الاستخدام الأمثل لموارد دولته في سياق الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي. ومؤدّى هذا التصوّر أن تتجنب الولايات المتحدة الانخراط العسكري المباشر والمكلف في مناطق متعددة من العالم، وأن تعتمد بدلاً من ذلك على دعم قوى إقليمية تعاونها في الحفاظ على مصالحها ومواجهة النفوذ السوفييتي. ولترجمة هذا التصوّر إلى سياسات عملية، أعاد نيكسون إحياء دور منصب مستشار الأمن القومي داخل البيت الأبيض — الذي تجاهله أسلافه من الرؤساء — للتقليل من تأثير وزارة الخارجية على السياسة الخارجية ومنح دورٍ أكبر للرئاسة في اتخاذ القرارات.
اختار نيكسون هنري كيسنجر مستشاراً للأمن القومي وكلّفه بإعداد سياسة الولايات المتحدة في الانسحاب البريطاني من الخليج. وفي يوليو 1969 كلّف كيسنجر فريقاً من وزارات مختلفة إجراء دراسة عن أفضل السبل للتعامل مع المنطقة. وفي دلالة على أن هذه المنطقة لم تكن في صدارة أولويات السياسة الأمريكية، استغرق إعداد الدراسة سنة كاملة، إذ استكملت في يوليو 1970. وتولى صياغتها نائب وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط جوزيف سيسكو، الذي كانت معرفته وأعضاء فريقه بالخليج ضحلة، حسب تقييم نظرائهم البريطانيين. أوصى التقرير الذي خلص إليه الفريق، بستة خيارات للتعامل مع الخليج، أحدها أن ترث الولايات المتحدة الدور البريطاني. لكن كيسنجر استبعد هذا الخيار. وبعد مداولات قُلّصت الخيارات إلى ثلاثة، هي الاعتماد على إيران أداةً رئيسة لحفظ استقرار المنطقة، ودعم التعاون بين السعودية وإيران، وبناء علاقات دبلوماسية مع الدولة، أو الدول الجديدة التي ستستقل أو تنشأ بعد الانسحاب البريطاني، مع تصميم برامج دعم تعليمية وتقنية لها.
استمرت سياسة الاعتماد على إيران، ثم على السعودية ثانوياً، حتى اندلاع الثورة الإيرانية سنة 1979 التي دفعت الرئيس الأمريكي حينها جيمي كارتر إلى استبدالها بسياسة التدخل المباشر في الخليج. إذ عنت هذه الثورة خسارة الولايات المتحدة حليفها الإقليمي الأهم. زادَ من حدة هذه الخسارة ما رافق الثورة من أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية في طهران، واستغلال سوفييتي للظرف وغزو أفغانستان في ديسمبر 1979، فضلاً عن ارتفاع أسعار النفط وتأثر الإقتصاد الأمريكي به، ما كشف محدودية سياسة نيكسون في تقليل الاعتماد الأمريكي عليه.
أعلن كارتر في خطابه السنوي عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس في يناير 1980 أنّ الولايات المتحدة ستستخدم كل ما لديها لمنع أي قوة خارجية من بسط نفوذها على الخليج، وهو ما عُرف لاحقاً بمبدأ كارتر. وشرعت إدارته في إعداد خطة تدخّل عسكري سريع للقيام بذلك. وحتى تنجح الخطة، كانت أمريكا بحاجة لقواعد عسكرية في الخليج، وهو ما قوبل برفض جميع دول المنطقة باستثناء سلطنة عُمان التي وقّعت اتفاقية لتوفير منشآت عسكرية مع الولايات المتحدة في يونيو 1980.
أدّت الثورة الإيرانية وإعلان كارتر التدخل المباشر في الخليج إلى تعزيز تنسيق السياسات الإقليمية بين السعودية والولايات المتحدة في عهد الرئيس رونالد ريغان بين 1981 و1989. زوّد ريغان السعودية بطائرات الإنذار المبكر "أواكس" سنة 1981، بعد معركة طويلة في الكونغرس ضد مجموعات عارضت الصفقة كان معظمها مناصراً إسرائيل. وفي هذه الفترة دعمت السعودية وأمريكا العراقَ في حربه ضد إيران، ونسّقتا إمداد الأفغان بالمال والسلاح في حربهم ضد السوفييت. لكن عندما تسرّبت أنباء عن بيع أمريكا إيرانَ أسلحةً عن طريق إسرائيل سرّاً، في ما عُرف بفضيحة "إيران كونترا" سنة 1986، قررت السعودية شراء صواريخ باليستية متوسطة المدى من الصين وتنصيبها دون علم الولايات المتحدة.
كان احتلال العراق الكويتَ في أغسطس 1990 أولَ أزمة دولية كبرى بعد الحرب الباردة، فشكّل نقطة تحوّل فتحت الباب أمام الوجود العسكري الأمريكي المباشر في الخليج، ورفعت مستوى التنسيق مع السعودية. فمن غير موافقة السعودية على استضافة القوّات الأمريكية على أراضيها، لم يكن ممكناً إطلاق واشنطن عملية تحرير الكويت من قبضة العراق. ومع إخفاق مجلس التعاون الخليجي — الذي أسسته كل من السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان سنة 1981 — في ردع الغزو العراقي وحماية الكويت، تصاعدت مخاوف دول الخليج من خطورة التهديد الوجودي. فبات الخطر الحالي يفوق مخاوفها السابقة من فتح أراضيها للقواعد الأمريكية. وعلى إثر ذلك شرعت هذه الدول تباعاً في إبرام اتفاقيات تعاون دفاعي مع الولايات المتحدة. بدأت هذه الاتفاقيات مع الكويت في سبتمبر 1991، تلتها قطر في يونيو 1992، فالإمارات في يوليو 1994. أما البحرين فوقعت اتفاقيتها في 1991، قبل أن تستضيف مقر الأسطول الأمريكي الخامس في 1995.
ترجمت السعودية هذه السياسة بتغيير تحالفاتها بين إيران والعراق تبعاً لتطوّرات الأحداث. فكانت أقرب إلى إيران، الحليف الرئيس لأمريكا في الخليج، حتى سقوط الشاه سنة 1979. ثمّ ما لبثت أن نقلت دعمها إلى العراق بعد قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، فساندته في حربه الطويلة ضد إيران.
إلا أنّ احتلال العراق الكويتَ وما أعقبه من تطورات عزّزا موقع السعودية في مواجهة خصميها الإقليميين. فمن جهة، عالج الوجود العسكري الأمريكي الخلل في ميزان القوى بينها وبين كل من العراق وإيران. كذلك، أسهمت سياسة "الاحتواء المزدوج" التي اعتمدتها إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون مع الدولتين في التسعينيات، في تقوية نفوذ السعودية ضدهما. ومن جهة أخرى حسّنت السعودية علاقتها بإيران بعد أن التزمت إيرانُ الحياد إزاء أزمة احتلال الكويت.
تُرجم هذا البعد في شرق جزيرة العرب، بدعم استقلال دوله واتحادها وجمعهم ضمن مظلة أعم. وفي هذا السياق، عارضت السعودية مساعي شاه إيران لبسط نفوذه على البحرين. فمنذ سنة 1927، دأبت إيران على الادعاء بأنّ سيادتها تشمل البحرين، معتبرةً أنّ حقها السيادي فيها يعود لقرون. وفي سنة 1957، أعلنت الحكومة الإيرانية رسمياً البحرينَ محافظتها الرابعة عشرة، وخصصت لها مقاعد في البرلمان الإيراني. ومع اقتراب الانسحاب البريطاني من الخليج، جدّدت طهران هذه الادعاءات، ما وتّر علاقتها مع السعودية، لاسيما بعد أن ألغى الشاه رحلةً إلى السعودية احتجاجاً على استقبال الملك فيصل أميرَ البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة رئيسَ دولة. غير أنّ وساطات بريطانية وأمريكية ومغربية، إضافة إلى حرص الشاه على كسب السعودية إلى جانبه في مرحلة ما بعد الانسحاب البريطاني، ورغبته في تجنّب ما كان يسميه "القوميون العرب المزعجون" في البحرين، دفعه في نهاية المطاف إلى تغيير موقفه والقبول بإحالة المسألة إلى الأمم المتحدة وإجراء استفتاء دولي في البحرين.
دفعت السعودية في البداية باتجاه قيام اتحاد يضمّ الإمارات التسع التي كانت خاضعة للحماية البريطانية، وهي أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة ورأس الخيمة، إضافة إلى قطر والبحرين، في دولة فيدرالية واحدة. تأسس هذا التوجه على اعتبارات عدة. فمن جهة خشي الملك فيصل تكرار تجربة اتحاد سلطنات الجنوب العربي الذي انهار عقب الانسحاب البريطاني وأفضى إلى قيام دولة شيوعية. ومن جهة أخرى حرص على كون قطر والبحرين جزءاً من الدولة الاتحادية للحدّ من نفوذ أبوظبي التي كان بينها وبين السعودية خلاف حدودي قديم على واحات البريمي. غير أنّ التطورات سارت في اتجاه مختلف. ففي النصف الثاني من سنة 1971 استقلّت كل من البحرين وقطر، بينما اتحدت ست إمارات بقيادة دبي وأبوظبي في ديسمبر 1971 لتشكّل الإمارات العربية المتحدة، ثمّ انضمت إليها إمارة رأس الخيمة في فبراير 1972. لم تعترف السعودية بالدولة الجديدة فور قيامها، بسبب استمرار الخلاف الحدودي مع أبوظبي، الذي انتهى باتفاقية سنة 1974، أعقبها اعتراف الملك فيصل بالإمارات.
وبعد سقوط الشاه في إيران وما تبعه من حرب مع العراق، اشتركت دول الخليج الست سنة 1981 في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربي. نجح المجلس في تحييد أعضائه قدر الإمكان من تبعات الحرب العراقية الإيرانية، إلا أن عجزه عن ردع الغزو العراقي الكويت أضعف نفوذ السعودية على أعضائه ودفع الدول الخليجية الأخرى إلى ترتيبات أمنية وعسكرية أحادية مع الولايات المتحدة. أتاحت هذه الترتيبات هوامش لهذه الدول لرسم سياساتها الخارجية مستقلّةً. وفي بعض الأحيان تصادمت هذه السياسات مع الموقف السعودي. ففي أعقاب انقلاب القصر الأبيض في قطر سنة 1995، تبنّى الأمير حمد بن خليفة آل ثاني مساراً للدولة يقوم على بناء قوّة ناعمة كبرى إقليمياً ودولياً بقناة "الجزيرة"، إلى جانب نسج شبكة علاقات واسعة تمكّن قطر من دور الوسيط لحل الخلافات والنزاعات الإقليمية والدولية.
أما الإمارات فقد بطّأت طبيعتُها الفيدرالية تشكّل مسارها المستقل، لكنّ ملامح هذا المسار بدأت تتشكل منذ التسعينيات. فمن جهة أسهم تعيين الأمير محمد بن زايد رئيساً لأركان القوات المسلحة سنة 1993 في إطلاق مسارها البطيء للاستثمار في القوة الصلبة، وبناء القدرات العسكرية للدفع بسياسات خارجية خاصة بها. ومن جهة أخرى دفع افتقار دبي للثروات النفطية إلى ترسيخ نموذج اقتصادي قائم على استقطاب رؤوس الأموال والسياحة والتجارة.
أما في جنوب جزيرة العرب، فسعت السعودية إلى تكريس نفوذها بمسارات متعددة، أبرزها تعميق التبعية الاقتصادية للجمهوريتين اليمنيتين والحيلولة دون توحّدهما والقضاء على الحركات اليسارية في ظفار وجنوب اليمن. فبسبب ضخامة المشاريع التنموية التي اضطلعت بها السعودية بعد الطفرة النفطية في السبعينيات، تزايد عدد العاملين اليمنيين في السعودية من مئتين وأربعين ألفاً سنة 1970 إلى مليون ومئتي ألف سنة 1986. وبحلول سنة 1989، قدّرت الحكومة السعودية أن اليمنيين الشماليين يشكّلون 16.2 في المئة من إجمالي القوة العاملة. جعل ذلك من تحويلات المغتربين اليمنيين أحد أبرز مصادر الدخل للجمهوريتين اليمنيتين، إذ قدّر حجمها إلى اليمن الشمالي في مطلع الثمانينات بنحو مليار دولار، وهو مبلغ يعادل إيرادات حكومته آنذاك. وإلى جانب هذه التحويلات، قدّمت السعودية دعماً مالياً رسمياً عبر قنوات حكومية لليمنيين. فضلاً عن مخصصات غير رسمية وُجّهت إلى زعماء قبائل وشخصيات سياسية نافذة داخل اليمن.
أما مسار رفض الوحدة بين اليمنين ومحاربة الحركات اليسارية في عُمان وجنوب جزيرة العرب، فالتزمت السعودية فيه سياسة صدامية في البداية. ففي أوائل السبعينيات، سلّحت المملكة ودعمت مجموعات جنوبية معارضة ودفعتها لشن هجمات على اليمن الجنوبي انطلاقاً من الأراضي الشمالية، الأمر الذي قاد لصدام عسكري بين الجمهوريتين. قاد هذا الصدام لنتيجة غير متوقعة، إذ تدخّلت الجامعة العربية في المصالحة بين اليمنيين ونجحت في توقيع اتفاق الوحدة في القاهرة سنة 1972. ردّت السعودية بتحريك حلفائها داخل اليمن الشمالي، ما أدى لاستقالة رئيس الوزراء حينها محسن العيني، وبعدها بسبعة أشهر مُنحت السلطة للعسكر بقيادة إبراهيم الحمدي.
استبدلت السعودية سياستها الصدامية تجاه اليمن الجنوبي بعد اغتيال الملك فيصل في 25 مارس 1975، ونجاح السلطان قابوس في قمع ثورة ظفار أواخر 1975، بسياسة الاستتباع الاقتصادي، على غرار ما اعتمدته مع اليمن الشمالي. ففي مارس 1976، اعترفت الحكومة السعودية بحكومة اليمن الجنوبي وبدأت بتقديم الدعم المادي لها وأنهت دعم معارضيها، ورفعت الحظر عن تحويلات العاملين الجنوبيين في السعودية.
وقبل احتلال العراق الكويتَ بشهرين، أعلنت الجمهوريتان اليمنيتان اندماجهما في دولة واحدة برئاسة علي عبدالله صالح. ولمّا امتنع صالح عن إدانة الغزو العراقي، ردّت السعودية بإلغاء حالة الإعفاء من التأشيرات التي كان يتمتع بها اليمنيون منذ سنة 1934، ورحلّت قرابة ثمانمائة ألف يمني دفعة واحدة. كلّفت هذه الخطوة اليمن قرابة 1.5 مليار دولار، ورفعت مستوى البطالة إلى 25 بالمئة. وقتها كان اليمن عضواً في مجلس الأمن ورفض التصويت على القرار 678 الذي منح الولايات المتحدة الإطار القانوني لإخراج العراق من الكويت بالقوّة. ردّت الولايات المتحدة بإيقاف مساعدتها السنوية لليمن، التي كانت تقدّر بسبعين مليون دولار.
جعلت هذه التطورات مصدر الدخل الرئيس للحكومة الجديدة هو النفط الذي اكتُشف في مناطق الجنوب وصار تحت سيطرة صالح ومن معه. قاد ذلك، إلى جانب سوء إدارة اندماج الأجهزة الإدارية التابعة الحكومتين السابقتين، إلى تصاعد التوترات بين الشمال والجنوب، ما دفع الجنوبيين إلى الإصرار على إجراء انتخابات. وأجريت بالفعل في أبريل 1993 وحاز حزب علي عبدالله صالح "المؤتمر الشعبي العام" على 41 بالمئة من الأصوات، تبعته حركة الإصلاح الإسلامية بحصولها على 21 بالمئة، ثم الحزب اليمني الاشتراكي بحصوله على 19 بالمئة.
لم تفلح الانتخابات برأب الصدع، وتدريجياً اتجهت البلاد نحو حرب أهلية بعد إعلان قادة الحزب الإشتراكي خروجهم عن الوحدة. ومع أن الحرب لم تدم أكثر من سبعين يوماً، وخرج علي عبدالله صالح منها منتصراً، إلا أنها وضعت اليمن على مسار طويل من التآكل والضعف.
لم تكد هذه السياسة الإقليمية السعودية تستقر وتجني ثمارها في التسعينيات، حتى واجهت السعودية بعد سنة 2003 تحدّياً أكبر دفعها إلى إعادة النظر في مرتكزاتها الأساس وتغيير مسارها بعمق.
كان سبب هذا التحوّل الأمريكي أنّ هجمات تنظيم القاعدة في 11 سبتمبر 2001 مكنّت مجموعة من المحافظين الجدد من تولي إدارة الرد الأمريكي، الذي عُرف لاحقاً بـاسم "الحرب العالمية على الإرهاب". وانطلق مبدأ هذه المجموعة، وإن بشيء من الاختزال، من إمكانية استخدام القوة العسكرية الأمريكية لنشر الحرية وتعزيز الديمقراطية بما يخدم المصالح الأمريكية. وكان نظام صدام حسين محط تركيز هذه المجموعة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، لأنه الحالة المثالية لإثبات صحة أفكارها. ولهذا، ما إن تعرّضت أمريكا لهجمات 11 سبتمبر حتى صار الباب مشرعاً أمام هؤلاء لتطبيق نظرياتهم.
شكّل هذا التحوّل بداية تباعد بطيء لكنه متصاعد بين تصوّرات صنّاع القرار في كل من السعودية والولايات المتحدة عن الطريقة الأمثل للحفاظ على مصالحهما المشتركة. واتسعت هذه الفجوة بعد سوء إدارة الولايات المتحدة مرحلةَ ما بعد صدام حسين في العراق. كذلك، فاقمت الحرب من حدّة الاستياء العام السعودي من وجود القوات الأمريكية على أراضي المملكة، ما دفع الولايات المتحدة إلى نقل قاعدتها العسكرية من الرياض إلى منطقة العديد في قطر.
إضافة إلى تعقيد العلاقة الأمريكية السعودية، حوّلت الحرب العراقَ من قوة إقليمية كانت السعودية توازِن بها إيران، إلى ساحة لجولة جديدة من التنافس الحاد بين السعودية وإيران. وكانت إيران في البداية قلقة من أن الولايات المتحدة أصبحت جارتها الجديدة في كل من أفغانستان والعراق، فشهدت تلك الفترة مساعٍ محدودة للتوصل إلى تفاهم بين الطرفين، لكنها لم تتكلل بالنجاح.
غير أنّ إيران، بدءاً من سنة 2005، تبنّت سياسة هجومية واسعة النطاق. ويعود هذا التحوّل في جزء منه إلى إدراكها أنّ ليس لدى الولايات المتحدة خطة واضحة لمرحلة ما بعد صدام، وفي جزءٍ آخر إلى انتخاب المحافظ محمود أحمدي نجاد رئيساً للبلاد. نجحت إيران في ترسيخ نفوذها في العراق، وقدّمت الدعم لبعض الفصائل التي قاتلت الولايات المتحدة هناك. وتحوّلت علاقتها مع سوريا من شراكة، كما كانت في عهد حافظ الأسد، إلى علاقة أقرب إلى الهيمنة بعد بضع سنوات من تولي بشار الأسد الرئاسة سنة 2000. وفي لبنان، تغير النفوذ السعودي السوري في شكله وآلياته عقب اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري سنة 2005، وما تلاه من إخراج القوات السورية من البلاد. وفي ظلّ إعادة ترتيب موازين القوى، ملأ الفراغَ السياسي والأمني تدريجياً حليفُ إيران "حزب الله" الذي عزّز حضوره داخل مؤسسات الدولة وخارجها. وفي فلسطين، أدى إصرار إدارة بوش على إجراء انتخابات سنة 2006 إلى نتيجة غير متوقعة، وهي فوز كاسح لحركة حماس، حليف إيران الآخر هناك.
أما هيمنة السعودية في شبه جزيرة العرب، فأسهمت حرب العراق في تقليصها. فمن جهة، تحوّلت قطر لاعباً إقليمياً مؤثراً بسياسات خارجية وأولويات لا تتطابق بالضرورة مع السعودية. بل حلّت مكان السعودية دولةً مضيفةً مركزَ العمليات الجوية المشتركة للقوات الأمريكية. وأتاحت لقطر تغطية قناة "الجزيرة" المكثفة لكل من حرب العراق والانتفاضة الفلسطينية الثانية بين 2000 و 2005 الهيمنةَ على المشهد الإعلامي العربي. كذلك استفادت قطر من بناء شبكة علاقات واسعة من الفاعلين في المنطقة للاضطلاع بدورٍ محوريٍ في الوساطة في عدد من نزاعات المنطقة. ففي أعقاب الاشتباكات بين الفرقاء اللبنانيين في مايو 2008 على خلفية قرار الحكومة اللبنانية مصادرة شبكة اتصالات حزب الله، قادت قطر جهود الوساطة التي أفضت إلى اتفاق الدوحة الذي أنهى الاقتتال، وأنتج تسوية سياسية عالجت قضايا عالقة عدة منها انتخاب رئيس الجمهورية. وبعد الهجوم الإسرائيلي على غزة في ديسمبر 2008، دعت قطر إلى عقد قمة عربية طارئة في يناير 2009. وعندما رفضت السعودية ومصر المشاركة، مضت قطر في عقد قمة مستقلة ودعت إليها كلاً من إيران وتركيا.
أما في اليمن، فأدى تدهور الدولة منذ منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة إلى بروز تحديات داخلية عدة فاقمت من تآكل الترتيبات السعودية الهادفة لاحتواء الساحة اليمنية. أحد أبرز هذه التحديات سيطرة جماعة الحوثي الزيدية على محافظة صعدة شمال البلاد، وخوضها ست جولات من القتال ضد نظام علي عبدالله صالح بين سنتي 2004 و2010. وفي موازاة ذلك تشكّلت منذ سنة 2007 حركة انفصالية جنوبية تحت مسمى "الحراك الجنوبي". وأُعلن في يناير 2009 عن تأسيس تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" واتخاذ اليمن مقراً له. تزامن صعود هذه التحديات مع تآكل شبكات الولاء التي دعمتها السعودية داخل اليمن، وتحديداً بعد وفاة الزعيم القبلي النافذ عبدالله الأحمر سنة 2007، وتدهور صحة ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز المسؤول عن هذا الملف حتى وفاته سنة 2011.
تكشفّت ملامح السياسة السعودية الصدامية في ثلاث مراحل. ففي المرحلة الأولى، الممتدة من 2007 إلى 2011، انحصرت ساحات التنافس الإقليمي في العراق وفلسطين ولبنان واليمن. في لبنان، دعمت السعودية قوى الرابع عشر من آذار المناهضة حزبَ الله في انتخابات يونيو 2009 النيابية، وفاز هذا التحالف بالأغلبية البرلمانية. غير أنّ قوى الثامن من آذار، بزعامة حزب الله، تمكّنت في يناير 2011 من إسقاط حكومة سعد الحريري باستقالة وزرائها وحلفائها منها، ما مهّد الطريق لتشكيل حكومة جديدة يهيمن عليها الحزب.
وفي العراق دعمت السعودية ائتلاف "العراقية" بزعامة إياد علاوي في الانتخابات البرلمانية في مارس 2010. وحل الائتلاف في المرتبة الأولى. غير أنّ المحكمة الاتحادية العليا أعادت تفسير المادة المتعلقة بالكتلة الأكبر التي تشكّل الحكومة، بما أتاح للكتلتين اللتين حصدتا المركز الثاني والثالث بالاندماج بعد الانتخابات وتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى بقاء المالكي في رئاسة الوزراء.
أما في فلسطين فحاول الملك عبدالله في فبراير 2007 إضعاف علاقات إيران بحركة حماس عبر رعاية "اتفاق مكة" للمصالحة بين حركتي حماس وفتح، إلا أنّ الاتفاق لم يصمد طويلاً وانهار بعد سيطرة حماس على قطاع غزة في يونيو من نفس السنة. وفي اليمن تدخّلت السعودية عسكرياً تدخلاً محدوداً إلى جانب قوات علي عبدالله صالح في الجولة السادسة من القتال مع الحوثيين بين 2009 و2010، إلا أن هذا التدخل لم يحقق سوى نتائج محدودة.
ازدادت السياسة السعودية في المرحلة الثانية، الممتدة من 2011 إلى 2015، حزماً وصداميةً بفعل الآثار الإقليمية لثورات الربيع العربي. فهذه الثورات وسّعت ساحات التنافس الإقليمي لتشمل سوريا ومصر وليبيا والبحرين. كذلك، أفرزت محوراً إقليمياً جديداً يضمّ تركيا وقطر وحلفاءهما من الحركات السياسية، على رأسها جماعة الإخوان المسلمين. تنافسَ هذا المحور على النفوذ الإقليمي مع كل من المحور السعودي والمحور الإيراني. أما الأثر الثالث، فتمثّل في اتساع الفجوة بين الولايات المتحدة وأولويات السعودية وسياساتها الإقليمية بسبب طريقة تعامل إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع الثورات العربية وسعيه لعقد اتفاق نووي مع إيران. فمع أنّ سياسة أوباما الخارجية لم تكن امتداداً لنهج المحافظين الجدد في عهد جورج بوش الابن، إلا أنها كانت في جانب منها ردّ فعل على حروبهم ومنتَجاً لها في آن. فقد وعد أوباما، منذ حملته الانتخابية سنة 2008، بتقليص تدخلات أمريكا الخارجية، لكن هذا التوجه بدا أقل التزاماً بمصالح حلفاء واشنطن الإقليميين. وتجلى ذلك بوضوح في دعوة أوباما الرئيسَ المصري حسني مبارك للتنحي عن الحكم في ظل اشتداد المظاهرات في فبراير 2011، وكذلك في إصراره على المضي قدماً في مسار التسوية الدبلوماسية بشأن البرنامج النووي الإيراني، والذي تُوّج بتوقيع اتفاق يوليو 2015.
دخلت السعودية في هذه المرحلة في تحالف وثيق مع الإمارات العربية المتحدة، التي كانت تتجه نحو سياسة خارجية أكثر صدامية ومعاداة لحركات الإسلام السياسي. فبعد وفاة الشيخ زايد آل نهيان في نوفمبر 2004، تولى ابنه الشيخ خليفة بن زايد رئاسة الدولة وإمارة أبوظبي، فيما تولى شقيقه محمد بن زايد ولاية عهد أبوظبي. ومنذ ذلك الحين واصل محمد بن زايد مسيرته، التي أطلقها فعلياً في التسعينيات، في تركيز السلطة في يده ولاسيما في المجالين العسكري والأمني. ومع اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، وتعرّض إمارة دبي لأزمة ديون حادة، أنقذتها أبوظبي بحزمة بلغت قيمتها عشرة مليارات دولار، ما كرّس هيمنة أبوظبي على الحكومة الاتحادية. ومع وصول الحركات الإسلامية المدعومة من قطر وتركيا للسلطة في أكثر من بلد عربي بعد 2011، جعلت الإمارات من مواجهة هذه الحركات هدفاً رئيساً لها، وبنهج أكثر صدامية من السياسة السعودية.
كانت ردة فعل السعودية على ثورات الربيع العربي مرتبطة بحفظ نفوذها أكثر من كونها قائمة على معاداة الإسلاميين مقارنةً بالسياسة الإماراتية. فبعض تحركاتها كانت ضد صعود نفوذ الإسلاميين، وبعضها كان متغاضياً عنه. ففي نطاق شبه الجزيرة العربية، تدخلت عسكرياً في البحرين في مارس 2011 دعماً للحكومة البحرينية في مواجهة الاحتجاجات ضدها. ورعت حواراً في اليمن في نوفمبر 2011 قضى بانتقال سلمي للسلطة من الرئيس علي عبدالله صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي مقابل منح النظام القديم حصانة كاملة ما أتاح دوراً أكبر للإسلاميين هناك.
أما خارج شبه الجزيرة العربية، فكانت السياسة السعودية حازمة لكن أقلّ تدخلاً. فدعمت الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، وقدمت دعماً سياسياً ومالياً للسلطة الجديدة في القاهرة. وفي سوريا، ساندت منذ 2012 عدداً من فصائل المعارضة السورية في مواجهة نظام بشار الأسد، من دون تدخّل عسكري مباشر. كذلك، أيّدت قرار مجلس الأمن رقم 1973 الصادر في مارس 2011، الذي شكّل الأساس لتدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً في ليبيا.
وشهدت المرحلة الثالثة بين 2015 و2019 ذروة النزعة الصدامية في السياسة السعودية، إذ انطوت على مواجهات مباشرة مع كل من المحورين الإيراني والتركي القطري. وتزامن هذا التحوّل مع وفاة الملك عبدالله في يناير 2015 وتولي الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم، ثمّ الصعود المتسارع للأمير محمد بن سلمان الذي نجح في تركيز السلطة بيده. ففي مارس 2015، قادت السعودية تحالفاً عسكرياً عربياً في اليمن تحت اسم "عاصفة الحزم"، رداً على انقلاب الحوثيين في صنعاء في سبتمبر 2014 وتقدمهم في محاور أخرى من اليمن. وفي يناير 2016، قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، عقب الهجوم على سفارتها في طهران على خلفية إعدام الشيعي السعودي نمر النمر. وفي يونيو 2017 أعلنت السعودية، إلى جانب الإمارات ومصر والبحرين، قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر متهمةً إياها بالتحالف مع إيران ودعم جماعات إسلامية. أما في 2018، ولاسيما بعد حادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في أكتوبر من ذلك العام، فقد تصاعد التوتر مع تركيا وأُطلقت حملة مقاطعة اقتصادية ضدها وُصفت بأنها "شعبية" لكنها حظيت بدعم حكومي غير مباشر.
ومع انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في نوفمبر 2016، توسمت السعودية أنّ سياسته في المنطقة ستكون أكثر توافقاً مع مصالحها مقارنة بإدارة باراك أوباما. وعزز هذا التفاؤل انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه مع إيران. وفي حين أُعيد لإيران، في عهد إدارة أوباما، مبلغ 1.7 مليار دولار، أطلق ترامب حملة عقوبات اقتصادية مشددة على طهران تحت شعار سياسة "الضغط الأقصى".
لم يخلُ النهج السعودي الصدامي من كلفة، وسرعان ما برزت تطورات مهّدت لإعادة النظر في مسار المواجهة المفتوحة.
كانت هذه الهجمات نقطة تحوّل جوهرية لكونها متقدمة تقنياً ودقيقة وذات تكلفة منخفضة مقارنة بالضرر الذي أحدثته. ففي نحو الساعة الثالثة والنصف من فجر الرابع عشر من سبتمبر، قبل تسعة أيام من اليوم الوطني السعودي، أُطلقت نحو ثماني عشرة طائرة مسيّرة وعدداً من الصواريخ الموجهة باتجاه أكبر منشأة لتكرير النفط في العالم في منطقة بقيق شرق المملكة، وكذلك إلى حقل خريص ومنشأته. عطّلت الهجمات نصف إنتاج النفط السعودي، ونحو 5 في المئة من الإنتاج العالمي لفترة وجيزة، وتسببت في ارتفاع أسعار النفط بنسبة 14 بالمئة، وهو أعلى ارتفاع ليوم واحد منذ سنة 2010. وبعد أربعة أيام أعلن المتحدث العسكري السعودي العقيد تركي المالكي وقوف إيران وراء الهجمات التي أكد إطلاقها من الشمال من دون تحديد موقع بعينه.
جاءت هذه الهجمات في سياق تصاعد التوترات الإيرانية الأميركية وجزءاً من سلسلة مواجهات رداً على حملة "الضغط الأقصى" التي انتهجها ترامب. ففي 15 أبريل 2019، التقى مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بوفد إسرائيلي ترأسه رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات. وفي الاجتماع، قدم الإسرائيليون معلومات تشير إلى تخطيط إيران شنَ هجمات ضد مصالح الولايات المتحدة في الخليج. وبعد عدة أسابيع، في 5 مايو 2019، أعلن جون بولتون نشر الولايات المتحدة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لنكولن" مع مجموعة قاذفات في منطقة الخليج. وبرر هذا الإجراء بأنه "لإرسال رسالة واضحة لا لبس فيها إلى النظام الإيراني، مفادها بأنّ أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو مصالح حلفائنا سيُواجَه بقوة لا هوادة فيها".
إلا أنّ ذلك كله لم يمنع إيران من إطلاق حملة تصعيد تدريجي ضد المصالح الأمريكية في المنطقة. ففي 12 مايو 2019، هوجمت أربع سفن قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي، منها ناقلتا نفط سعوديتان. وفي الشهر التالي، وتحديداً في 20 يونيو 2019، أسقطت إيران طائرة أمريكية مسيّرة قالت إنها دخلت مجال إيران الجوي، وهو ما نفته الولايات المتحدة قائلة إنّ الطائرة كانت في المجال الجوي الدولي فوق مضيق هرمز.
كشفت الهجمات على منشآت السعودية النفطية حقيقتين جوهريتين أدّتا إلى تحوّل في السياسة الإقليمية السعودية. الأولى عدم امتلاك السعودية منظومة دفاعية تحميها أمام مثل هذا النوع من الهجمات. إذ قُدّرت تكلفة كل طائرة مسيّرة استُخدمت في الهجمات بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألف دولار، في حين لم تستطع منظومات الدفاع السعودية المتقدمة والباهظة التكلفة رصد جل الهجمات أو اعتراضها، إذ تمكنت من صد ما نسبته أقل من 10 من الهجمات.
أما الحقيقة الثانية فتمثّلت في انعدام ردّة الفعل الأمريكية. ففي الأيام الأولى التي أعقبت الهجوم، توقّع كثير من المعلّقين والمحللين رداً عسكرياً أمريكياً ضد إيران. فعلى سبيل المثال، قدّم فريدريك كاغان، الباحث المقيم في معهد أميركان إنتربرايز، مرافعة لصالح ضرب إيران على أساسين: أولهما أنّ تقاعس الولايات المتحدة سيؤدي إلى إبعاد السعودية عنها، وثانيهما أنّ عدم الرد سيشجّع إيران على شنّ مزيد من الهجمات.
لكن ترامب اختار عدم الرد. فبعد ستة أيام من الهجمات، قال للإعلام: "أسهل شيء بالنسبة لي هو أن أقول: انطلقوا يا شباب. اضربوهم، وسيكون ذلك يوماً سيئاً جداً لإيران". ثمّ برّر عدم توجيه ضربة لإيران بأن "ما يُظهر القوة فعلاً هو إظهار قدر من ضبط النفس". وبدلاً من استهداف إيران، اختار ترامب تعزيز الدفاعات السعودية. ففي 28 سبتمبر 2019، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية إرسال مئتي جندي وبطارية صواريخ باتريوت، وأربعة أنظمة رادار أرضية إلى السعودية. وبعد أسبوعين، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن إرسال ثلاثة آلاف جندي إضافي، فضلًا عن "سربين من المقاتلات، وجناح جوي استكشافي، وبطاريتي باتريوت، ونظام الدفاع الصاروخي (ثاد) إلى السعودية". لكن عندما هبطت أسعار النفط إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل نتيجة شنّ السعودية حرب أسعار نفطية في مارس 2020 للضغط على كلٍّ من روسيا ومنتجي النفط الصخري الأمريكي، تصاعدت الضغوط في واشنطن على ترامب للتحرّك. وفعلاً، في مايو 2020، استدعت الولايات المتحدة ثلاثمائة جندي من السعودية وسحبت بطاريتين كانتا تحميان منشآت نفطية هناك.
وانتهجت السعودية المقاربة نفسها مع إيران. ففي مقابلة مع قناة روتانا الخليجية في أبريل 2021، استخدم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لغةً جديدةً مع الجمهورية الإسلامية، قائلاً إنّ "إيران دولة جارة والمملكة تطمح لأن تكون لديها علاقة جيدة معها". تُرجم هذا التوجّه في عقد السعودية جولات تفاوضية عدة مع إيران، وكُرّر في مقابلة مع مجلة "ذا أتلانتيك" في مارس 2022، قال فيها ولي العهد السعودي إنّ الإيرانيين "جيران. جيران إلى الأبد. لا يمكننا التخلص منهم، ولا يمكنهم التخلص منا. لذلك من الأفضل للطرفين أن نعمل على حلّ خلافاتنا وأن نبحث عن سبل للتعايش". وبعد سنة، في مارس 2023، أعلن البلدان من العاصمة الصينية بكين استئناف علاقاتهما.
ويعود صمود نهج "صفر مشاكل" واستمراره مع تعدّد النزاعات في السنوات الأخيرة، إلى إيقافه جميعَ هجمات إيران وحلفائها على السعودية.
وفي الصراعات الدولية فضّلت السعودية بدل الانحياز إلى أي طرف في الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022، تبنّي موقف حيادي ودور الوسيط. واعتمدت السعودية المقاربة نفسها في النزاعات الإقليمية. فعندما اندلعت الحرب في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، سعت المملكة لتسهيل جهود الوساطة وتقليل التدخّل المباشر. وعندما شنّت إسرائيل حربها على غزة عقب الهجوم الذي نفذته حماس في 7 أكتوبر 2023، قادت السعودية مبادرة دبلوماسية لوقف إطلاق النار وتحالفاً دولياً لتطبيق حلّ الدولتين، مع التعبير عن قلقها إزاء الهجمات الإسرائيلية على اليمن، بل وإدانتها الهجمات الإسرائيلية ضد إيران.
تجلّى الانقسام السعودي الإماراتي بوضوح في خضّم التطورات الإقليمية المتسارعة بعد السابع من أكتوبر 2023، وتحديداً مع تقهقر المحور الإيراني وتعاظم النزعة الصدامية الإسرائيلية في المنطقة. ففي يوليو 2024، شنّت إسرائيل أول هجوم لها في جزيرة العرب مستهدفةً مواقع تابعة الحوثيين. وفي سبتمبر 2024 نفّذت هجمات "البيجر" ضد مقاتلي حزب الله، ثم اغتالت قيادته العسكرية من الصف الأول قبل أن تغتال أمينه العام حسن نصر الله في 27 سبتمبر. وفي الشهر التالي شنّت عملية برية في جنوب لبنان، وبحلول نهاية نوفمبر وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار، بشرط إبعاد حزب الله من منطقة جنوب نهر الليطاني المتاخمة الحدود وإخلائها من السلاح. وبعد يوم واحد من إبرام هذا الاتفاق، استغلت فصائل المعارضة السورية في إدلب بشمال غرب سوريا الظرف الإقليمي، وشنّت هجوماً ضد نظام الأسد. ومع أن الهدف الأولي كان محصوراً بالسيطرة على حلب، فوجئت الفصائل بسرعة انهيار قوات النظام لتسقط المحافظات واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى دخول دمشق في 8 ديسمبر 2024. وبعد ستة أشهر على هذا الحدث، شنّت إسرائيل هجوماً على إيران استمر اثني عشرَ يوماً، وانتهى بتوجيه أمريكا ضربات إلى منشآت نووية إيرانية. وبعد هذه الحرب بثلاثة أشهر، شنّت إسرائيل أول غارة لها في تاريخها على دولة خليجية عندما قصفت مقراً فيه أعضاء من حماس في الدوحة.
قرّبت هذه التطورات الإمارات، المصرّة على استمرار نهجها الصدامي، من إسرائيل وأبعدتها عن السعودية. ومن ثمّ فالسؤال لم يعد ما إذا كانت لغة السعودية وسياستها قد تغيّرت، لأن هذا التحوّل بات واقعاً. بل صار السؤال عما إذا كان هذا المحور الإماراتي الإسرائيلي سيسمح للسعودية بمواصلة تحصين نفسها والاستمرار في سياسة "صفر مشاكل". ففي ديسمبر 2025، اتخذ هذا المحور خطوتين دفعتا السعودية إلى تبنّي مواقف حازمة. في مطلع الشهر، سيطر "المجلس الانتقالي الجنوبي" على مساحات واسعة من جنوب اليمن. وفي 26 ديسمبر، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بإقليم "أرض الصومال" دولةً مستقلة. انطوى الحدثان على دعم حركات انفصالية في مناطق قريبة من الحدود السعودية.
جاء ردّ السعودية محسوباً لكنه سريعاً. استهدفت المملكة شحنة أسلحة إماراتية موجهة للقوات الانفصالية، ثم منحت الإمارات مهلة أربع وعشرين ساعة لمغادرة اليمن. وعندما أعلنت الإمارات انسحابها، عقدت السعودية مؤتمراً لجنوب اليمن أعلن فيه وفد "المجلس الانتقالي الجنوبي" حلّ التنظيم ذاتياً. وبدعم سعودي، تمكّنت قوات الحكومة اليمنية من استعادة معظم الأراضي من سيطرة المجلس الانتقالي. أمّا الصومال، فجاء الرد السعودي في معظمه رمزياً واقتصر على حشد الدول الإسلامية الكبرى لإدانة الخطوة الإسرائيلية بالاعتراف بأرض الصومال وتوقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون العسكري بين الرياض ومقديشو. ومع اختلاف طبيعة الرد بين اليمن والصومال، أظهرت هذه التحركات عدم تنازل السعودية عن حماية مصالحها الإقليمية والحفاظ على موقعها في محيطها المباشر، وإن كان نهجها الدبلوماسي أكثر حضوراً.
وعليه، سيكون التحدّي أمام السعودية للاستمرار في نهجها الجديد هو بناء منظومة إقليمية تستطيع الوقوف أمام الأحلاف الصدامية والتوسعية دون أن تتحول هذه المنظومة إلى حلف مضاد مثلها. وبناء مثل هذه المنظومة يستلزم تطوير أساليب دبلوماسية جديدة تتيح لها استيعاب التعددية والتنوع في السياسية داخل المنطقة مع الحفاظ على نفوذها لكن دون الانجرار إلى صراعات مفتوحة أو العودة إلى السياسة الصدامية.

