بعد نحو خمسة عقود من تلك الأمسية الغنائية، مَثل مغني الراب جواد أسرادي المعروف باسم "بوز فلو" في ديسمبر 2025 أمام المحكمة الابتدائية بمدينة صفرو، جنوب مدينة فاس. حُكِمَ بوز فلو بثلاثة أشهر حبساً موقوف التنفيذ، وغرامة مالية قدرها ألفي درهم (نحو 200 دولار)، مع مصادرة الحاسوب المستعمل في إنتاج أعماله الفنية. كانت تهمته "إهانة هيئة مُنَظمَة" وموظفين عموميين في أغانٍ نشرها على امتداد ثماني سنوات. والهيئة المنظمة في المغرب هي أي مؤسسة أو إدارة أو تنظيم مهني قانوني.
كانت هذه المفارقة في تعامل السلطة المغربية مع الأغنية الاحتجاجية إحدى أبرز تجليات التعبير الفني عن التوترات الاجتماعية والسياسية وعلاقتها بالسلطة. ارتبط هذا التوجه الموسيقي في الذاكرة الجماعية بتجربة المجموعات الغنائية الشعبية، وعلى رأسها ناس الغيوان وجيل جيلالة، فوُضعت هذه المجموعات في موقع المواجهة الرمزية مع السلطة في عهد الملك الحسن الثاني.
يُرجع المهتمون بالكتابة عن علاقة الحسن الثاني بفرقة ناس الغيوان تسامحه معهم ومع سواهم من المجموعات الغنائية ذات الصوت الاحتجاجي إلى ذائقته الفنية ومعرفتِه بالتاريخ الموسيقي والفني للبلاد. وعلى صحة هذا الطرح، إلا أنّه يغفل أثر الفضاء الرقمي الذي وسَّع انتشار الغناء الاحتجاجي وأخرجه من الإذاعة الرسمية الخاضعة للسيطرة إلى وسائل جديدة يصعب احتواؤها. ويغفل أيضاً تحول مستوى الجرأة في الخطاب الاحتجاجي من الرمزية القابلة للاستيعاب، إلى المباشرة الصادمة التي يَصعب التصالح معها، مع جنوح الملك محمد السادس إلى تبني بعض إجراءات الإصلاح السياسي. لكن عهده شهد صعود موجات جديدة من الفن الاحتجاجي، لاسيما فن الراب الذي ارتبط مضمونه بالمناخ السياسي والاجتماعي للبلاد. ومع كل جيلٍ، زادت حدّة الاحتجاج حتى وصلت إلى المعارضة السياسية الصريحة.
يؤكد سعيد هبال، المدير السابق في وزارة الشباب والرياضة في عهد الحسن الثاني، في مقابلة مع موقع "الحوار المتمدن" سنة 2007، أن الملك الراحل درس الموسيقى تزامناً مع دراسته الحقوق في فرنسا. ويروي تفاصيل أحد اللقاءات التي جمعت الملك بناس الغيوان، لاحظ فيها آلة البانجو التي يعزفون عليها وقال إنها غير مضبوطة "ولا تتوفر على ربع المقام". حينذاك تبادل الحاضرون التعليقات معه حول تعديل الصوت، فصحّح لهم الملك المصطلحات الموسيقية بدقة، وشرح لهم الفرق بين الأسماء التقليدية للآلات والنسخ الحديثة منها.وتؤكِّد روايات معاصري الملك معرفته بالموسيقى ومنهم الفنان صالح الشرقي الذي قال في حوار مع موقع "دنيا الوطن" سنة 2004 إن الملك كان يعزف على آلة الأكورديون.
انعكست ميول الملك الفنية والمعرفة الموسيقية في دعم الحسن الثاني جيلاً من الفنانين المغاربة الذين حافظوا على الأغنية المغربية التقليدية والطرب العربي. فاحتضنهم ودعمهم، سواء عبر الدعوات المتكررة إلى القصر للمشاركة في المناسبات الرسمية، أو التدخل المباشر لتأمين استقرارهم المادي والمهني. ومن الأمثلة البارزة على هذا الدعم المطرب أحمد الغرباوي، الذي يروي أنه حظي بدعوة ملكية بعد تسجيل أغنيته الشهيرة "إنها ملهمتي" سنة 1963، ليصبح بعدها من المدعوين الدائمين للمناسبات الملكية. ويذكر الغرباوي في حوار منشور على جريدة "الأيام 24" سنة 2016، أنه مازح الفنان المصري عبد الحليم حافظ بخصوص المكافآت المالية التي ينالها من الملك لقاء غنائه في القصر بالقول: "إنك أتيت على كل مال الدولة المغربية". وحين علم الحسن الثاني بذلك، أوضح للغرباوي في جلسة لاحقة أنه ينفق على الفنانين العرب من ماله الخاص، لكي يتعلم منهم نظراؤهم المغاربة.
فهم الملكُ قوةَ الموسيقى ودورها في التعبيرِ عن الولاءِ للوطنِ والمؤسسة الملكية، ولهذا حاول تكريس مفهوم "الأغنية الوطنية". وغدت الموسيقى في عهدِه جزءاً من الخطاب السياسي، فكانت الأغاني الوطنية تذاع تحت إشرافه، ما منحها شرعية خاصة وجعَلها صوت الدولة الرسمي. وهو ما أكده محمد همام في كتابه بقوله إنّ الأغاني التي كانت تنال استحسان الملك "تُسجَّل رفقة الجوقة الملكية"، بينما تُسجّل الأخرى "الأقل استحساناً مع الجوقة الوطنية". ويضيفُ أنّ فناني الأغنية الوطنية نالوا "الحظوة المادية والمعنوية في شكل هِبات عينية أو قطع أراضِ [. . .] بل جرى تشغيل مجموعة من المطربين والملحنين والموسيقيين في الإذاعةِ الوطنية".
تزامن صعودِ الأغنية الوطنية في السبعينيات مع موجة غنائية بديلة ذات طابعٍ احتجاجي، تقودها فرقتا ناس الغيوان وجيل جيلالة. فرضتْ الفرقتان نفسيهما على الساحة الفنية المغربية، وذاع صيتهما بسبب أغانيهم التي وجد فيها مغاربة كثيرون صدى لما بداخلهم. إذ كانت الفرقتان تستثمران "المشترك اللغوي الثقافي عند المغاربة"، كما يقول همام، ولاسيما التراث الشفوي الشعبي واللغة اليومية المتداولة. فجاءت أغانيهم قريبة من وجدان الطبقاتِ الشعبية، وعبّرت كلماتها عن الواقع الاجتماعي والسياسي المأزوم حينذاك، لاسيما مع تزايد التوترات السياسية بين المعارضة والسلطات. ومع أنّ الذاكرة الجمعيّة المغربية يسودها تصوّرٌ أنّ علاقة الحسن الثاني بهذه المجموعات، لاسيما ناس الغيوان، كانت علاقة عداءٍ وقمعٍ ممنهَجيْن، إلا أنّ هذه الصورة على رسوخها ليس دقيقة.
تُظهر الروايات القريبة من التجربة نفسها أن علاقة الحسن الثاني بالأغنية الاحتجاجية كانت أكثر تركيباً مما يُتداول، ولم تُبنَ على القمع والمنع بقدر ما بُنيت على الدفاع والرعاية والتمييز الواضح بين الاحتجاج الفني والمعارضة السياسية. وذلك حسب ما رواه لي الكاتب حسن نجمي، الذي قدّم لكتاب "كلام الغيوان" المنشور سنة 2002 لعمر السيد، أحد أعضاء ناس الغيوان. وأكده عمر السيد نفسه في مقابلته مع "تيلي ماروك" سنة 2024 بالقول إن "العلاقة بالملك كانت ودية وحميمية، ولم تتخللها تلك الممارسات القمعية المروية شفهياً"، وأن المجموعة "لقيت تشجيعاً كبيراً منه".
أدرك الملك مبكراً خطورةَ انضمامِ أصواتِ ناس الغيوان إلى المعارضة، فكان يشيرُ إليهم بضرورةِ الحذر. إذ يروي السيد في نفس المقابلة أنّ الحسن الثاني خاطبهم ذات مرة بالقول: "غنّوا اللي بغيتوا، غير ما ياكلوش الثومة بفمكم"، بمعنى: "غنّوا ما شئتم، لكن لا تدعوا أحداً يستغلكم سياسياً".
على هذه العلاقة التي تبدو أبوية، مُنِعت أغاني ناس الغيوان وجيل جيلالة ولم تُعرض في الإذاعة في بعض الفترات.
يفرّق الكاتب حسن بحراوي، الباحث في المسرح والتراث الشعبي، في حواري معه بين المنع بقرارٍ من الملك أو السلطات الرسمية والمنع الناتج عن موقف الموسيقي أحمد البيضاوي المتوفى سنة 1989، الذي ترأس قسم الموسيقى في الإذاعة الوطنية، من الأغنية الشعبية. يقول بحراوي إنّ البيضاوي اعترضَ على بثِّ أغاني ناس الغيوان وجيل جيلالة نتاج تصوراتٍ نخبوية حول ما يعدّه فناً لائقاً بالبثِ الإذاعي، وسواه من الغناء الشعبي "المنتمي للشارع والخارج عن المعايير السائدة" كما رآها.
غير أن هذا الموقف لم يستمر طويلاً، بسببِ تدخّلِ الملكِ شخصياً. يقول بحراوي إن "الذي حمل البيضاوي على تغيير موقفه، بل وجعله يأمر ببث أغاني الغيوان، هو الملك الحسن الثاني نفسه". فالملك، كما يرى بحراوي، لم يكن متلقياً عابراً أغانيَ ناس الغيوان، وإنما "كان يتابعها منذ بدايتها، ويبعث سراً ببعض أفراد عائلته ومحيطه القريب لحضور سهراتها ومدِّهِ بانطباعاتهم حولها".
أعطى الملكُ أوامره بتعميم غنائهم في وسائل الإعلام والحفلات الرسمية والسهرات، وأصبح من المعتاد استقبالهم في قصره والاستماع إليهم، دون النظر إلى طبيعة أغانيهم. إذ حدّثني نجمي عن لقاءٍ استفسر فيه الحسنُ الثاني من أحمدَ البيضاوي عن سبب غياب مجموعتَي ناس الغيوان وجيل جيلالة عن شاشة التلفزيون المغربي، فكان جواب البيضاوي أن "هذه المجموعات لا تغني الأغاني الوطنية". عندها ردّ عليه الملك قائلاً: "واش عمري قلت لكم يغنّيو عليّا؟ (هل طلبتُ منكم يوماً أن يغنوا عني؟) هؤلاء يغنّون عن هموم الناس، أريد أن أراهم في التلفزيون".
على ذلك توضحُ القصص السابقة احتكارَ الدولة المجالَ العام ووسائل الاتصال. لكن هذا الاحتكار تراجع تدريجياً مع دخول المغرب مرحلة "العهد الجديد" تحت حكم محمد السادس ابتداءً من سنة 1999. إذ أحدثت سنة 2002 الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) التي تُعنى بتقنين الاتصال السمعي البصري وضبطه. وفي 10 سبتمبر 2002 صدر مرسومٌ ملكيٌ يضع حداً لاحتكار الدولة في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني، وفتح الباب أمام إمكانية إحداث إذاعات وقنوات خاصة.
التحول الأكبر جاء مع انفجار وسائل التواصل الاجتماعي. وبهذا لم تعد الدولة أمام بوابات إعلامية يمكن ضبطها حتى وإن كانت خاصة، فكل من يملك هاتفاً ذكياً أصبح يقدر على إنتاج محتوى وبثّه، والوصول إلى ملايين المتابعين دون الحاجة إلى موافقة أي جهة رسمية. تزامن هذا مع تطور فن الراب على يد المغاربة المهاجرين في أوروبا الذين نقلوا ثقافة الراب إلى المغرب، فكان من روّاده الفنان شمس الدين.
بدأَ الفنان شمس الدين (محمد بن بوشتى) مشواره في باريس سنة 1986 بأداء الراب بالعربية، ثم برز ثنائي "دوبل آ" في مدينة سلا سنة 1996، مستخدميْن الدارجة المغربية ومزج الإيقاعات الأمريكية باللمسة المحلية ليُخرِج أول مجموعة غنائية لراب مغربي بعنوان "واقع". هذا المزيج الجديد ساهم في تقديم صوت شبابي معاصر لجمهور لم يعتد على مثل هذا اللون الغنائي. نجح الثنائي في الظهور على شاشة التلفزيون لأول مرة سنة 1997، ما مهد الطريق للراب ليصبح جزءاً من المشهد الفني المغربي، حتى وإن ظل في البداية هامشياً.
انتشر الراب تدريجياً في المدن الكبرى في أواخرِ التسعينيات، لاسيما عبر مهرجان "البولفار" الذي أقيمت دورته الأولى بمدينة الدار البيضاء سنة 1999. وأصبح الراب حاضراً في الإعلام الرسمي والمهرجانات التي ترعاها الدولة نفسها أو من مؤسسات اقتصادية مقرَّبة من السلطة، ما أسهم في تقبله شعبياً ومنحه صبغة من الاعتراف المؤسسي.
ازداد فنّ الراب انتشاراً بعدما أصدر "دون بيغ" مجموعة "مغاربة تال موت" الغنائية سنة 2006، وتناول فيها قضايا اجتماعية وسياسية حساسة. وعُدَّت هذه المجموعة الغنائية لحظةَ انعطاف في تاريخ الراب الاحتجاجي بالمغرب، إذ أسهمت في توسيع دائرة انتشاره بين فئة الشباب بسببِ مستوى الجرأة غير المسبوق الذي طبعه. فقدّم دون بيغ في أغنية "بلادي بلاد" تشخيصاً نقدياً لواقع المغرب، يجمع بين حبّ الوطن ورفض تلميعه، وذلك بنبرة مباشرة تنتقد الفساد وغياب العدالة وإهدار حقوق الناس بينما يفلت المتنفذون من المحاسبة. وكثّف دون بيغ هذا المعنى بإشارات للسلطة التشريعية، وللمشهدِ العام الذي تغيب فيه الثقة في مؤسسات الدولة. وعلى هذه اللغة الاحتجاجية، كرَّمه الملك بوسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط سنة 2013.
يكمنُ تفسير هذا في أنّ السلطة لم ترفض فنّ الراب جملةً وتفصيلاً، بل حاولت احتواءه ثقافياً وسياسياً، كما يوضح محمد شقير الأستاذ المختص في الشؤون الأمنية والسياسية بالمغرب في مقالته "أغاني الراب بالمغرب.. الاحتجاج الاجتماعي والاحتواء السياسي"، المنشورة سنة 2019. يشير شقير إلى أن السلطة استوعبتْ بعض فناني الراب في الفضاءات الرسمية التي تدعمها مثل مهرجان "البولفار" والإعلام المرئي والمسموع، فباتت هذه المنابر تعرض بعض أغاني الراب وتروّج لها جزءاً من المشهد الثقافي، وتستثمرها السلطة "لتلميع صورتها بالخارج من خلال نقل شكل من أشكال الانفتاح والاستقرار السياسي في محيط إقليمي ودولي يمور بحركات التشدد الفكري والمذهبي والسياسي، وكذا لتصريف بعض مظاهر الاحتقان والتمرد التي يختزنها الآلاف من الشباب". ويتركز ذاك الدعم غالباً على المواد الفنية التي لا تلامس العمق السياسي للنظام أو تسائل بنيته، ولا تتعرض للمؤسسات العليا أو تتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة كالمؤسسة الملكية والمؤسسات الأمنية.
مع ذلك لم يتوقف بعض الفنانين عن نقد تلك المؤسسات أو رموزها، بما في ذلك الانتقادات التي وجّهها بعض الفنانين في كلمات أغانيهم إلى الطبقة السياسية أو حتى المؤسسة الملكية. يضيف شقير أنه "في خضم تداعيات الربيع العربي والمسيرات الشعبية لحركة 20 فبراير (حركة احتجاجية مغربية في أوج ثورات الربيع العربي)، ظهر رعيل جديد من الرابورات (فناني الراب) الشباب الذين استغلوا وسائل التواصل الاجتماعي لنشر أغانيهم الساخطة والمنتقدة للوضع السياسي والاجتماعي السائد". وُوْجِهَتْ أغانيهم بتداعيات قانونية جسيمة وصلت حد الاعتقال والمحاكمة، وهو ما يمكِّننا من فهم حدود ما تسمح به السلطة من مساحة تعبير ضمن الساحة الفنية.
هذا ما توضحه أيضاً الصحفية المغربية آسية العمراني في مقالتها "هوية متمردة.. كيف تعكس أغاني طوطو تحولات الشباب المغربي"، المنشور في مجلة الفراتس سنة 2025، عندما تُصنِّف أغاني الراب إلى صنفين. الأول مقبول ومُرحّبٌ به وحظي بتكريم من أعلى سلطة في البلاد، في إشارة منها إلى مجموعة "آش كاين" التي وشّحها الملك محمد السادس بوسام الاستحقاق من درجة ضابط.
الصنفُ الثاني وصفَته آسية بالصنفِ "المغضوب عليه"، وهو الصنف الذي تميز بجرأة لغوية ومباشَرة خطابية، إذ كانت كلمات أغانيه تسمّي الأشياء بأسمائها وتنتقد مؤسسات بعينها وتخاطب السلطة بلغة صدامية.
طبيعة خطاب هذا الصنف تجعل من الصعب أن تتصالح الدولة معه أو أن تعيد تأطيره داخل المشهد الفني، ما عرّض فنانيه للاعتقال ومنهم "بوز فلو"، الذي ذكرتُ قصته في مقدّمة المطولة. هذا يعني أنّ هناك درجاتٍ من الاحتجاجِ الذي يمكنُ للدولةِ التسامح معه عندما تضمن سيطرتها على قنوات انتشاره ووصوله للناس. وربما كانت تلك الظروف في عهد الملك الحسن الثاني مما ضمن تسامحه مع ناس الغيوان وجيل جيلالة، أو حتى تكريم فنانين مثل دون بيغ في عهدِ محمد السادس.
عبّر ناس الغيوان عن القهر بلغة مجازية تعتمد على التلميح بدل التصريح، بشكل لا يبدو معه وصف أغانيهم بأنها احتجاجية محل إجماع. في حديث للفراتس، يخلصُ الباحث في التراث الشعبي حسن بحراوي إلى أنّ وصف ظاهرة ناس الغيوان بأنها فن احتجاجي "يعد نوعاً من المبالغة التعبيرية". مضيفاً أن "الاستماع إلى أحاديث أعضاء ناس الغيوان وجيل جيلالة يتأكد معه هذا الشعور بغياب الحس الاحتجاجي على نحو شامل تقريباً". وهنا يشير بحراوي إلى أن وعيَ أعضاء المجموعتين "كان على درجة من البساطة والارتخاء لا حد لهما".
على العكس منهم، أعاد دون بيغ في مجموعته الغنائية "مغاربة تال الموت" توظيف نفس المقطع داخل خطابٍ أجرأ، معلناً الانتقال من الشكوى إلى الاتهام السياسي المباشر. لكن حتى صوت دون بيغ لم يكن احتجاجياً كفايةً ليدخل في صدامٍ مع السلطة.
عَرف فنّ الراب بروز أصواتٍ أجرأ تخلّت عن لغة التلميح والإشارة، لينتهي بها المطاف في السجن، وترجح مؤسسات حقوقية دولية أن بعضهم اعتقل لآرائه السياسية على ذمة قضايا أخرى. ومن الأمثلة البارزة على ذلك معاذ بلغوات المعروف باسمِ "الحاقد". اعتقِل بلغوات ثلاث مرات، الأولى قضى فيها أربعة أشهر حبساً بتهمة الضربِ والجرح، والثانية امتدت عاماً كاملاً بتهمة "الإساءة إلى المؤسسات"، أما الثالثة فقد كانت بتهمة "المضاربة في تذاكر مباراة كرة قدم جمعت بين الرجاء البيضاوي ضد المغرب التطواني سنة 2014، والسكر العلني والمشاجرة مع رجال الشرطة". هذا الأمر دعا منظمة "هيومن رايتس ووتش" التي تعنى بحقوق الإنسان أن تطالب مراراً بإطلاق سراحه، معبرة خلال اعتقاله الثالث عن مخاوفها من أن "تكون المحاكم المغربية قد أدانته مرة أخرى بسبب رسالته السياسية". وفي النهاية لم يجد "الحاقد" حلاً إلا أن يهاجر إلى بلجيكا ويطلب اللجوء السياسي سنة 2016.
وعلى تنوع التهم الموجهة للحاقد، يسود الاعتقاد في المغرب أنّ الدوافع الحقيقة لاعتقاله تتمثل في نشره لأغنية بعنوان "كلاب الدولة"، المنشورة سنة 2011، التي تنتقد الشرطة. بل إنّ بلغوات نفسه خرجَ في حوارٍ له مع برنامج "في فلك الممنوع" لقناةِ "فرانس 24" سنة 2016، بتصريحِ إنّ "الملك ليس مقدساً بالنسبةِ إليه"، ثم وضح أن عنوان أغنيته "كلاب الدولة" قدح في الكلب الذي شبهه بالشرطةِ المغربية.
من هذا المنطلق يمكنُ فهم محاكمة "بوز فلو" لتخطيه الخطوطِ الحمراء، أي ممارسته احتجاجاً لا يمكن التسامح معه. نقلَ الصحفي المغربي عادل أيت واعزيز أطوار محاكمة بوز فلو في مقال بصحيفة "هوامش" عنوانه "'رُفعت الجَلسة'.. تفاصيل محاكمة 'بوز' بين حرية الفن وعمق الفلسفة"، نشر في يناير 2026. يتضح من قراءة التفاصيل أن المحاكمة كانت عن مقاطع من أعماله الفنية عُدت تجاوزات قانونية، ذلك أن النيابة العامة استندت إلى مقاطع من أغانيه المختلفة، بينها أغاني "ماريونيت"، التي أصدرها تضامناً مع احتجاجات "جيل زد" في أكتوبر 2025، و"كاميغاز"، الصادرة سنة 2024. واعتبرت النيابة أن بعض ألفاظِ أغاني بوز فلو تمس بكرامة الموظفين العموميين وشرفهم، حتى ولو لم تُذكر أسماء بعينها، وأن هذا المساس يتطلب متابعة قانونية. فمثلاً في أغنية "كاج" أي (القفص) الصادرة سنة 2023، نجدُه ينتقد عمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان ورئيسته أمينة بوعياش التي تنفي وجود معتقلين سياسيين في المغرب. واستندَت النيابة إلى مقاطع اعتبرتها تحريضية، مثل المقطع الذي يقول: "عطيني بريكة نحرق بلادي واللي فيه، عندي شكارة عامرة بلي سيفي ونيبر، عطيونا سلاح شعب كامل غايتاحد، كلشي غادي يموت ها وجهي لا عاش شي واحد". ويعني "أعطني ولاعةً لأحرق بلادي ومن فيها، لديّ حقيبة ممتلئة بالسير الذاتية ومواد مخدّرة، أعطونا سلاحاً فالشعب كلّه سيتّحد، الجميع سيموت ولن ينجو أحد". وهو المقطع الذي فهمتهُ السلطة دعوةً للعنف.
هذه المقاطع التي كانت أساس ملاحقة بوز فلو، حوّلت أطوار المحاكمة إلى صِدام بين حرية التعبير الفني وحدود المساءلة القانونية في المغرب. بالعودةِ إلى أطوار المحاكمة كما نقلها أيت واعزيز، نجد أن التعبير الفني من وجهة نظر النيابة العامة لا يعفي صاحبه من المسؤولية الاجتماعية والقانونية، خصوصاً حين يشير إلى موظفين أو مؤسسات عامة. واستندت النيابة في تفسيرها إلى مواد الدستور المغربي، لاسيما الفصل 28 الذي ينظم حرية الفكر والتعبير ضمن إطار يحمي حقوق الآخرين، معتبرةً أن الحرية مرتبطة بالمسؤولية، ولا تُمارس بمعزل عن القانون أو الأعراف الاجتماعية.
توضحُ محاكمة بوز فلو، والحاقد من قبلِه، أنّ تعامل الدولة المغربية مع الأغنية الاحتجاجية بين عهد الحسن الثاني وعهد محمد السادس لا يدل بالضرورةِ على تراجع الحريات، ولا على تقدم فيها. بل يدل الأمر على تحول في طبيعة خطاب الفن الاحتجاجي وارتفاع منسوب جرأته، في وقتٍ فقدت فيه السلطة احتكارها الفضاء الإعلامي مع ظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. قلّص هذا قدرتها على التأطير المُحكم للخطاب الاحتجاجي، كما كانت تفعل في عهد الحسن الثاني عبر السيطرة على التلفزيون والإذاعة، أو حتى في بداياتِ عهد محمد السادس.

