رحلة الرئيس الصيني من المبيت في الكهوف إلى واحد من أقوى رجال العالم

خاض شِيْ جين بينغ تجربة استثنائية بعد إقصاء والده من الحزب الحاكم أوائلَ العهد الشيوعي للصين، تدرّج فيها حتّى أصبح رئيساً بصلاحيات شابهت أو تكاد صلاحيات المؤسِّس ماو نفسه

Share
رحلة الرئيس الصيني من المبيت في الكهوف إلى واحد من أقوى رجال العالم
الرئيس الصيني شي جين بينغ في افتتاح منتدى الحزام والطريق عام 2017 (تصوير مارك شيفلباين بول / خدمة غيتي للصور)

انتَزعَ الزعيمُ الصينيُّ شِيْ جين بينغ توكيلاً من النظام السياسي الصيني لبدءِ عهدٍ جديدٍ من الحُكم قَبَضَ فيه على مقاليدِ السُلطة. وخِلافاً لمبدأِ القيادة الجماعية، نجحَ شِيْ بتحجيمِ قُدرةِ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي على تعطيلِ قراراتِه، فاتحاً البابَ لتنصيبِ نفسِه إمبراطوراً جديداً للصين. قليلون هُم الذين يَعلَمون المساوَماتِ والصعوباتِ التي واجَهها شِيْ قبل تنصيبه أميناً عامّاً للحزب الشيوعي الصيني سنةَ 2012، وهي مرحلةٌ أظهَرَته قائداً للبلاد بعد أن عَمِلَ عقوداً مِن وراءِ حُجُبٍ.

وصلَ شِيْ إلى سُدّةِ الحُكمِ بالإقصاءِ التدريجي للخصوم، والإصرارِ على محارَبةِ الفساد مع نقاءِ صفحتِه الشخصيةِ، وجملةٍ من الإنجازات الداخلية والخارجية للصين. نتجَ مِن ذلك توسّعُ شعبيّتِه وتعزيزُ قدرةِ الصين على تحدّي الهيمنةِ الأمريكيةِ على النظام العالَميّ.

قَضى شِيْ داخلياً على مشكلةِ الفقر المُدقِعِ، ونَقَلَ الصينَ على مؤشّرِ التنمية البشرية من المرتبةِ مئةٍ وخمسين سنةَ 2011 إلى المرتبة خمسةٍ وسبعين في 2022. وضاعَفَ منذ تولّيهِ الحُكمَ الاقتصادَ الصينيَّ بنسبةِ 110 بالمئةِ حتى سنة 2022 كما وردَ في تقديراتِ البنك الدوليّ. أمّا خارجيّاً فارتفَع صوتُ الصين في الساحة الدولية، مدعوماً بمبادراتٍ اقتصاديةٍ عزّزَت مِن شبكاتِ علاقاتِها الدولية، وأَعطَتها مَوطِئَ قَدَمٍ في مناطقَ مختلفةٍ من العالم بالموانئِ ومشاريعِ البنى التحتية التي مَوّلَتها في مبادرةِ "الحزام والطريق".

بذلك انتزَعَ شِيْ لنفسِه مكانةً استثنائيةً في تاريخ الصين ليصبحَ أقوى زعمائها منذ عهدِ ماو تسي تونغ. بدأَت رحلةُ شِيْ هذه من أسفلِ هرمِ النظام السياسي الصيني. فوالدُه شي زونغ شون مِن قادةِ الحزب الشيوعيّ "المطهَّرين"، وهو وصفٌ أطلَقه ماو على الخصوم السياسيين الذين نفاهم من الحزب؛ مما اضطَرَّ شِيْ إلى الانتقال من العاصمة بكين إلى واحدةٍ من المدنِ الهامشيةِ في الشمال الغربي، والعملِ مع الفلاحين في الريف سنواتٍ تنفيذاً لشروطِ الحملة الثقافية التي أطلَقَها ماو، والتي استهدفَت اجتثاثَ فُلولِ البرجوازية والرأسمالية في الجسمِ الصينيّ. عاشَ شِيْ حينَها في كهفٍ بِقريةِ ليانغ جاهي في إقليم شن شي، والذي أصبحَ الآنَ مَزاراً.

باستقراءِ تاريخِ النظام السياسي الصيني وصعودِ شِيْ في مراتبِه، نجدُ أنَّ هذا الصعودَ كان نتيجةً طبيعيةً لفشلِ الحزب في تنظيمِ صناعةِ القرار بعد وفاةِ ماو. بل إنّ مبدأَ القيادة الجماعية الذي اتّبعَه الحزبُ في الصين مكّنَ شِيْ مِن إطباقِ سيطرتِه على الحزب، بعد أن عانَت البلادُ صراعَ الأقطابِ، أربابِ السُلطةِ غيرِ الرسميّةِ وراءَ الأبوابِ المغلَقة. وكان النظامُ يُضطَرُّ إلى حلِّها بالوصول إلى الإجماع بكلفةٍ وبُطْءٍ، وهذا ما استغلّه شِيْ ببراعة.


بدأَت مصاعبُ شِيْ السياسيةُ مبكّراً. فقد أُقصِي والدُه شي زونغ شون مِن دَورِه القياديّ في الحزب الشيوعي الصيني ولمّا يَبلُغ الابنُ التاسعةَ. وقد كان الأبُ من قياداتِ الحزب الشيوعيّ الصينيّ المُبَرِّزين في الحربِ الأهليّة التي اندلعت سنةَ 1927، قبلَ اتّهامِه سنةَ 1935 بضعفِ الولاءِ للحزب، والحُكْمِ عليه بالمَوْتِ. لكنَّه نَجا مِن موجةِ التطهير الأولى هذه بقرارٍ من ماو. فأُفرِجَ عنه مع بقاءِ وصمةِ ضعفِ ولائه حتى بداية الأربعينيات، عندما قرّبَ ماو التيّارَ الذي ينتمي إليه شي زونغ شون، ورأَّسَ بعضَ قادةِ هذا التيّارِ على الحزبِ في الشمال الشرقي من الصين.

مَطلِعَ الخمسينيات جاءت موجةُ التطهير الثانية، واستَهدفَت قائدَ تيّار شي زونغ شون إثرَ خلافاتٍ بينَه وبين قيادة الحزب المركزية. توسّعَت هذه الموجةُ لكن لَم تَطَلْ شي زونغ شون نفسَه، بل إنّه ترقّى في مراتبِ الحزب. حينَها وُلِدَ شِيْ جين بينغ عامَ 1953.

شهدَ والدُ شِيْ موجةَ تطهيرٍ ثالثةً قبل بلوغِ ابنِه العاشرةَ، فقد كان ممّن عَدّتْهم قيادةُ الحزب بزعامةِ ماو خطراً يمينياً على الحزب الشيوعي والاشتراكية في الصين. لذا نُفُوا إلى الأرياف وضُيِّقَ على عائلاتهم. كان ذلك التطهيرَ الأخيرَ في عهدِ ماو. وظلَّ شِيْ زونغ شون يعانيه حتى بدايةِ عهدِ دينغ شياو بينغ، خليفةِ ماو. ولكنّه قبلَها وطّدَ علاقاتٍ سياسيةً قويةً مع نُخَبٍ في الحزب والدولة والجيش، أَكثرُها من التيارات التي حَكمَت الصينَ بعدَ نهايةِ عهدِ ماو.

ومع إقصاءِ والدِه، لَم يَسخطْ شِيْ على الحزب الشيوعي والنظام السياسي في بلده، بل سَعى إلى أن يصبحَ جزءاً من هذا النظام، وقدّمَ طلباتِ انضمامٍ إلى الحزب في الشمال الغربي بعيداً عن بكين والمدن المركزية. رُفِضَت طلباتُ شِيْ مِراراً لتاريخ والدِه، كما تَذكرُ إليزابيث إيكونومي، الباحثةُ الأمريكيةُ المتخصّصةُ بشؤون الصين. قَبِلَ الحزبُ انضمامَ شِيْ إليه سنةَ 1974، ليصبحَ من مُنتسِبيه الصغارِ في الشمال الغربيّ. ثمّ قرّرَ بعدَ قَبولِه بعامٍ العودةَ إلى بكين طالباً وعاملاً وفلّاحاً وجندياً، مع استمرار تعلُّمِه من الفلّاحين والناسِ البسَطاءِ، وهي آليّةٌ تأديبيةٌ يفرضُها الحزبُ لتحقيقِ تواضعِ الكوادر، لا سيّما المجموعات المُشتبَه بإظهارها صفاتٍ معاديةً للثورة في عصرِ ماو. لَم يُعِقْ ذلك شِيْ المصمِّمَ على إظهار ولائه المطلقِ للحزب.

تفانَى شِيْ بعد التحاقِه بالحزب في إثباتِ جدارته في الهيئة الحزبية التي كان يَتبعُ لها وإثباتِ اختلافه عن والدِه المُعادي للثورةِ والحزبِ كما يصفُه الحزبُ، فحرصَ على تأدية المهامّ الموكَلةِ إليه، مثل تنفيذِ أيِّ أمرٍ يُطلَبُ منه أو رفعِ التقاريرِ للأعلى منه، وتعلُّمِ النظريةِ الماركسية اللينينية. وحرصَ على إثبات ولائِه المطلَقِ للحزب لإقناع الأعلى رتبةً بقُدراتِه، ممّا قد يؤدّي إلى توكيلِه بمَهامَّ أعلى ثمّ ترشيحِه ليُنتخَب قائداً للوِحدة القاعِدِية التي يعملُ بها.

كان شِيْ في أدنى مستويات الحزب مثلَ ملايين الكوادرِ الصغار. فالوحداتُ القاعديةُ منتشرةٌ في كلّ ركنٍ من أركان الحياة في الصين. وعددُ هذه الوحدات اليومَ 4.36 مليون وحدةٍ قاعديةٍ، تضمُّ في صفوفِها نحوَ مئةِ مليون كادرٍ من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني. تنتخبُ كلُّ وحدةٍ مَن يمثِّلُها في هيئةٍ أعلى منها وهي "الكونغرس" الذي يضمّ ألفين وثلاثمئة عضو. يَنتخبُ الكونغرسُ أعضاءَ اللجنة المركزية للحزب المؤلَّفةِ من مئتين وخمسةِ أعضاء. تُرشِّحُ اللجنةُ المركزيةُ أربعةً وعشرين عضواً في المكتب السياسي بينهم سبعةُ أعضاءَ دائمِين. يرأسُ هذا الهرمَ الكبيرَ والمتشعّبَ رئيسُ البلاد. وداخلَ هذه النظامِ يُفرَضُ على مَن هُم في الأسفل تنفيذُ أوامرِ الأعلى، ورفعُ التقارير دوريّاً لفرضِ رقابةٍ ذاتيةٍ، لا سيّما مع وجودِ رقابةٍ غيرِ ذاتيةٍ من هيئاتٍ ترفعُ تقاريرَ الالتزام الحزبيّ للكوادر.

انقلبَت حظوظُ شِيْ السياسيةُ بعدَ وفاةِ ماو تسي تونغ سنة 1976، ونجاحِ دينغ شياو بينغ بالإطاحة بخليفةِ ماو المتوقَّعِ هُوَا جُوفيجنج، وتولّي زعامةِ الصين الشيوعيةِ سنةَ 1978. كان دينغ من القادة المطهَّرين ومثّلَ صعودُه زعيماً للبلاد فرصةً لبعض القادة المطهَّرين الآخَرين للعودة إلى الحياة السياسية، مثلَ والدِ شِيْ الذي أصبحَ مُحافِظَ مقاطعةِ غوانغدونغ. عملَ فيها على خططٍ لتحويل المقاطعة، لا سيّما مدينة شينزن، إلى منطقةٍ اقتصاديةٍ يساهمُ نموُّها في التصدير، وتجذبُ رأسَ المالِ الأجنبيّ. انتهت مسيرتُه السياسيةُ في الوظيفة نفسِها متقاعداً مطلعَ التسعينيات، بعد خلافاتٍ مع الرئيس دينغ شياو بينغ لتحفّظاته على فضِّ مظاهرات الطلاب نهايةَ الثمانينيات، المشهورةِ بِاسم الميدانِ الواقعةِ فيه وهو تيانانمن، وخلافاتٍ مع التيّار المتشدد في الحزب.

انفتحَت الصينُ اقتصادياً على العالم في عهد دينغ وخفَّ التشدّدُ الشيوعيُّ السابقُ، وبدأَت إرهاصاتُ "معجزة النموّ الصيني" بعلاقاتٍ تجاريةٍ واستثماريةٍ أجنبيةٍ خارجيةٍ، وبتحويلِ الصين إلى مركزٍ تنتقلُ إليه التقنياتُ المتطوّرةُ والصناعاتُ. 

أتاحت هذه التطوراتُ لشِيْ أن يصبحَ واحداً من "أمراء" الحزب بالجمعِ بين تفانيه في الولاء للحزب واستثمارِ علاقات والده الشخصية. وللعلاقات الشخصية أهميةٌ كبرى في السياسة الصينية، فكلُّ السياسيين الصينيين يدينون بالولاء لشخصٍ ما في مرتبةٍ أعلى لقاءَ خدماتٍ يقدّمُها لهم، بينما يَجمعون حولهم الأتباعَ بالطريقة نفسها. هذه العلاقاتُ وقوّتُها واستغلالُها عواملُ حسمٍ للصعود السياسي في الصين. ولذلك فإن من وُلِدوا مَحظيِّين بهذه العلاقات يُسمَّون "الأمراء".

حاولَ شِيْ أن يصعدَ سياسيّاً بجدارته وولائه للحزب غيرَ مستعينٍ بعلاقاتِ والده. فتوجّه سنة 1982 إلى الشمال الغربي القصيِّ عن السلطة ومركزِها محاولاً الترقِّيَ من المراتب الدنيا. لكن لَم يُحالِفْه الحظُّ، لأنّ هيئات الحزب المحلّيّة في المقاطعة التي قصَدَها كانت متحيّزةً ضدَّ الموظّفين الوافدين. ثم انتقل سنة 1985 إلى مكانٍ جديدٍ أقربَ لوالده وعلاقاته السياسية لتسهيلِ المهمّةِ عليه.

انتهى المطافُ بـشِيْ في منطقة فوجيان، إحدى أثرى مقاطعاتِ الصين، على السواحل الشرقية المحاذية لتايوان. هناك أصبحَ تحت عين صديقٍ لوالده كان أميناً عامّاً للحزب هناك، ممّا ضَمِن له اكتسابَ الخبراتِ الإداريةَ والاستفادةَ من التسهيلاتِ التي يقدّمها أمينُ الحزب له.

قضى شِيْ خمسةَ عشرَ عاماً من حياته في فوجيان، فكانت موطئَ قدمِه الأَوّلَ في مراتب السلطة العليا بالصين عند تعيينه حاكماً لها سنة 2000. كان ذلك بعدَ عقدٍ من دخول الصين مرحلةً مفصليةً واستثنائيةً في تاريخها سنة 1989 يومَ وقعَ الزلزالُ السياسيُ أو ما يُسمَّى "أحداث ميدان تيانانمن" التي أعادت تشكيلَ بنيةَ النظام السياسي الصيني وآليّةَ حُكمِ الحزب الشيوعي للبلاد، والباقيةُ آثارُها حتى هذه اللحظة.


سياسةُ الانفتاح الجديدةُ واجهَت عقبةً كبرى تمثّلَت في انتفاضة الطلاب سنة 1989، حينما انفجر الوضعُ بوفاةِ هوْ ياوبانغ، الذي أطاح به مناوِئوه قبلَها بعامين، وكان من المُنادِين بالإصلاحات في الحزب، لتتحوّلَ جنازتُه إلى مظاهَرةٍ مطالِبةٍ بالإصلاحات، قبل الانتقال إلى ساحةِ تيانانمن بمئاتِ الآلاف. 

بقيَ في الحزب الشيوعي قوىً عارضَت مسارَ الانفتاح والإصلاحات، ورامَت منعَها أو كبحَ جماحِها. بينما سعى الإصلاحيون إلى تعميقِ هذه الإصلاحات، وتحقيقِ الانفتاح. شدَّت مظاهراتُ الطلاب أزرَ التيار الإصلاحي في الحزب، لكنْ زادَ حجمُها واتّسعَت رقعتُها، ودَخَلَتها فئاتٌ كثيرةٌ احتلّت ميدانَ تيانانمين. هذا التطوّرُ هدّدَ وجودَ الحزبِ بزعزعةِ سلطتِه المطلقةِ والسماحِ لمَن هُم خارجه بفرضِ الأمورِ عليه، بالاحتجاج والآليات الديمقراطية التقليدية، وهذا قد لا يكون في مصلحةِ كثيرٍ من الإصلاحيين.

كانت هذه الاحتجاجاتُ أوّلَ اختبارٍ حقيقيٍّ لصلابةِ الحكم في الصين بعد الانفتاح. وأصبح سؤالُ آليّةِ التعامل مع الاحتجاجات أكثرَ إلحاحاً على الحزب والدولة. وتعمّقَ الانقسامُ بين الطرفين. لكنّ تهديدَ المظاهرات لوجود النظام رجّحَ كفّةَ قمعِ الاحتجاجات، وتخفيفَ حدّةِ الإصلاحات، وأضعفَ موقفَ الإصلاحيين. 

بعد العصر الماويّ كانت الخلافاتُ تُحَلُّ بالقيادة الجماعية، التي تعني ضرورةَ التوصّلِ إلى إجماعٍ داخلَ القيادة على آليةِ التعامل مع الأزمة. ولأن مثل هذا الإجماع متعذِّرٌ كان لا بدّ من طريقةٍ أخرى لحلّ الأمور. جاء الحلُّ من خارج السلطات ذات المناصب الرسمية، كما يذكرُ سيباستيان هيلمان مؤلفُ كتاب "النظام السياسي الصيني".

اجتمعَ مؤسِّسو الدولةِ مِن متقاعدي الثورة الصينية، مع أنهم لا يَشغَلون مناصبَ رسميةً، وصوَّتوا على منحِ الحزبِ الشرعيةَ لسحقِ الاحتجاجات. فأُعلِنَت الأحكامُ العُرفيةُ في البلاد، وأُطيحَ بالأمين العام للحزب تشاو زيانغ الذي رفضَ هذا الخيارَ وفُرِضَت عليه الإقامةُ الجبريةُ حتى تُوفِّيَ في حبسِه المنزليِّ سنةَ 2005 بعد أن مُحِيَ ذِكرُه.

مثّلَ هذا التصويتُ بدايةَ مرحلةٍ ازدهرَت فيها السلطةُ الموازيةُ غيرُ الرسميةِ للتأثير في القرار أو حسمِه. ومع تنامي هذه السلطاتِ غيرِ الرسمية لَم يَنْتَهِ الانفتاحُ كلُّه بل زادَ على المستوى الاقتصادي، ممّا وَلّدَ تزاوجاً بين السلطة السياسية والمكاسب الاقتصادية التي مَكّنَ الفسادُ والانفتاحُ معاً من تحقيقِها.

ومنذ ذلك الحين اختطَّ الحزبُ الشيوعيُّ طريقاً جديدةً، تجمعُ الانفتاحَ الاقتصاديَ والمبادئَ الجديدةَ للحزب بعد عصرِ ماو كالقيادة الجماعية، مع ضرورةِ تقديمِ مصالحِ الحزب. وبذلك سُمِحَ بالاختلاف في قيادة الحزب مع الحفاظِ على مبدأِ القيادة الجماعية، وأن تبقى الخلافاتُ خلفَ الأبواب الموصَدة، درءاً لتسرّبِ الخلاف السياسي من أروقةِ السلطة إلى الشارع والناس. ومع ضرورةِ الاستمرار بالانفتاح والإصلاح مقارنةً بعصرِ ماو، فالأهمُّ هو الإبقاءُ على النظامِ والحُكمِ الحديديِّ للحزب الشيوعي. 


لا تتوفرُ معلوماتٌ كثيرةٌ عن حياةِ شِيْ قبلَ صعودِه إلى سُلطةِ البلاد، وذلك لطبيعةِ شِيْ البعيدةِ عن الأضواء، ولأنه سيطرَ على آلةِ الدعاية الصينية منذ وصوله إلى السلطة. مَكنَّه ذلك من التحكّم بما تعرفُه العامّةُ عنه. بَيْدَ أننا نعرفُ مثلاً أنه تزوّجَ سنة 1987 المغنّيةَ الصينيةَ الشهيرةَ بينغ ليوان، وأنه ظلَّ في منطقة فوجيان خمسَ عشرةَ سنةً حتى أَصبحَ حاكماً لها سنة 2000، ثمّ انتقلَ إلى منطقة تشيجيانغ سنة 2002، ليكونَ مسؤولَ الحزب فيها، وهي رتبةٌ أعلى من رتبةِ الحاكم، وبقيَ فيها حتى سنة 2007. عُيِّنَ بعدها مسؤولاً للحزب في شنغهاي إثرَ فضيحةِ فسادٍ فيها، ولَمَعَ اسمُه لاختياره لحلِّ مشكلاتِ شنغهاي، والتعاملِ مع ملفاتِ الفسادِ فيها.

ومع شُحِّ المعلومات عنه، إلّا أن المراحلَ اللاحقةَ من حياةِ شِيْ تُنبِئُنا أنه تعلَّم كثيراً في السنوات السابقة. فبقاؤه بعيداً عن الأضواء، ودَورُه الإداريُ المهنيُ الموالي للحزب قلباً وقالباً، لَم يَمنعْ نجاحَه في عقدِ علاقاتٍ مع شخصياتٍ مهمّةٍ أعلى منه وأدنى لبدءِ تأسيس تياره الشخصي الذي يَحكمُ الصينَ اليومَ. فمثلاً يذكرُ هيلمان أن لشِيْ معارفَ من الرتبِ العالية في الجيش مُذْ كان مراهقاً، لعلاقات والده وعمله مساعداً لأحدهم. ثم إنه أسَّس تياراً تابعاً له في فوجيان، من بينهم اليومَ وزيرُ الأمن القوميّ وانغ شياوهونغ الذي كان ضابطاً في شرطة فوجيان سابقاً.

ساعدَ شِيْ على تحقيق ذلك طبيعةُ تقسيمِ السلطة في الصين بين الحكمِ المركزي في بكين والحكمِ المحلي في المقاطعات والمدن والقرى. يوضّحُ هيلمان أن الحكومة المركزية في بكين صاحبةُ السلطة العليا بلا مُنازِعٍ، وآراءُ المسؤولين فيها مقدَّمةٌ على غيرهم عند نشوبِ خلافٍ أو وجودِ ضرورةٍ للتدخّل في الشؤون المحلية. لكنَّ الأصلَ تَمَتُّعُ السلطاتِ المحلية باستقلاليةٍ كبيرةٍ تَسمحُ للمسؤولين فيها بتأسيس تياراتٍ خاصّةٍ بهم كما فعلَ شِيْ في فوجيان.

وصلَ شِيْ إلى سُدّةِ الحكمِ بأمرين يتحكمّان في العمل السياسي في الصين: "المركزية الديمقراطية" و"نظام الكادر الحزبي". يُكمِّلُ أحدُهما الآخَرَ، فتَسمحُ المركزيةُ الديمقراطيةُ بانتخاباتٍ فرعيةٍ للوحدات الحزبية الصغيرة، يُحكِمُ المركزُ فيها قبضتَه على نتائج الانتخابات العامّة سَلفاً، ويُتيحُ نظامُ الكادر الحزبي رقابةً صارمةً للحزب على كوادره لضمان التزامهم بالخطّ العامّ للحزب. ولثِقَلِ المركزِ الحزبي الكبير فإن نتيجةَ الانتخابات تُحدَّدُ سلفاً بناءً على رغباتِ المركز والعلاقات الشخصية قبل الانتخابات، وهو ما استفاد منه شِيْ في مسيرته.


عُرِفَ شِيْ زمنَ حُكمِه في مقاطعة فوجيان بنزاهته وبُعْدِه عن الفساد والرشوة. ولم يسجَّلْ عليه ارتباطٌ مباشرُ بأيّ ملفِّ فسادٍ فيها، لكنه تضرّرَ مِن فضحِ ملفِّ فسادٍ في المقاطَعة، بعد القبض على شبكةِ فسادٍ كبيرةٍ عُرِفَت بِاسمِ "مجموعة يوانهوا"، وتَحمَّلَ شِيْ مسؤوليةَ ذلك لافتضاحِ أمرِ الشبكة في عهده. استُدعِيَ شِيْ إلى بكين للتحقيق معه في الواقعة. ومع تأكُّدِ قادةِ الحزب من نظافةِ يدِهِ لَم يتغاضوا عن احتمالِ تورُّطِه لتقصيرِه في مراقَبةِ الأمورِ في المقاطعة، وباتَ ضرورياً أن يبدأَ شِيْ حملاتٍ على الفساد في فوجيان – ولاحقاً في كلّ موقعٍ تولّى مسؤوليتَه – مخافةَ تكرارِ هذه الحادثة. ولَفَتَ شِيْ بهذه الحملاتِ أنظارَ بكين وقيادةَ الحزب العُليا إليه، واستغلَّ استدعاءَه للتحقيق في إظهار إمكاناتِه للقيادةِ العُليا.

أصبحَ سِجِلُّ شِيْ الحافلُ في فوجيان وحملاتُه على الفساد رافعةَ صعودِه السياسيِ في الصين. ففي سنة 2002 أصبحَ سكرتيرَ الحزب في مقاطعة تشيجيانغ، وهو منصبٌ أعلى من منصبِ الحاكم. وانتُخِب لعضوية اللجنة المركزية عضواً طبيعياً في السنة نفسِها. استكملَ شِيْ مسيرةَ محارَبةِ الفساد في تشيجيانغ، وصار ذلك علامةً فارقةً في سجلِّه المقترنِ بنظافة اليد والولاء الكبير والاهتمام بتلبية توجّهات المركز.

قطفَ شِيْ ثمارَ شدّتِه على الفساد سنةَ 2007 عندما انكشفَت فضيحةُ فسادٍ في شانغهاي، وهي من أكبر المدنِ الصينية ومراكزِها المالية المهمّة. 

حصلَ ذلك في عهد الرئيسِ هوْ جينتاو، السابقِ لشِيْ، المُعَاني من تدخّلاتِ مَن سَبَقَه في الحُكم، الرئيسِ الصينيِ الأسبقِ جيانغ زيمين. جاءت فضيحةُ الفساد على طبقٍ من فضّةٍ لجينتاو، فالمسؤولُ عن الفضيحة مِن رجالِ تيّارِ زيمين.

اختارت القيادةُ شِيْ لتولّي زمامِ الأمور في شانغهاي، وهو الذي تَعاملَ سابقاً مع ملفّاتِ فسادٍ أُخرى. وثَبَتَ عند القيادة الصينية أنه غيرُ متورّطٍ في قضايا الفساد. وثَبتَت كفاءتُه وصرامتُه في التعامل معها، وكان هذا ما يحتاج إليه جينتاو لضربِ صورةِ زيمين وتيارِه، وتحجيمِ أثرِه فيه. 

لكنّ شِيْ قرّرَ أن يُبقيَ خطَّ تواصلٍ سرّيٍ مع زيمين، فلَم يعزِلْ زيمين عن قضيةِ الفساد المتعلّقة برجلٍ من تيّاره. وحصلَ شِيْ على رصيدٍ عند أحدِ قادةِ الصين السابقين المتمتّعين بسلطةٍ غيرِ رسميةٍ، للاستفادة منها مستقبلاً.

فإذا كان الرئيسُ السابقُ يمثّلُ مشكلةً للرئيسِ الحالي، فإنّ شِيْ المتربّصَ بصبرٍ تَرَقِّيَهُ لأعلى قمّةِ الهرمِ يحتاجُ إلى أوراقٍ تسمح له بتحجيمِ هوْ جينتاو، وخيرُ ما يحجّمُه إفشالُ مساعيه في إضعاف زيمين. كان لشِيْ ما أراد، فلَم يستطِع جينتاو حسمَ الصراع مع زيمين. ثمّ اضطُرَّ جينتاو إلى مساومةِ زيمين على اختيار خليفته. وسيكون للمعروف الذي أسداهُ شِيْ إلى زيمين أثرٌ كبيرٌ في ترجيحِ اسمِه لخلافة قيادة الحزب. 

عملُ شِيْ في شانغهاي كان في وقتٍ مناسبٍ جدّاً. فبعد أشهُرٍ قليلةٍ كان على قيادة الحزب اختيارُ الأعضاء الجُدد في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، أعلى هيئةٍ قياديةٍ في الحزب الشيوعي وفي الصين، وأعضاؤها هُم القيادةُ العُليا المتحكّمون بالقرارات كلّها في البلاد. وكان شِيْ خياراً جيداً من ناحية الإنجاز والحملات ضدّ الفساد، ناهيك عن أنه بدا ضعيفاً مقارنةً بغيره من المرشحين. فقيادةُ الحزب تفضِّلُ الكُفءَ الأضعفَ لسهولةِ التحكّمِ به مقارنةً بغيره، فضلاً عن رصيد الإنجازات التي يمكن تحقيقُها بمهاراتٍ إداريةٍ وعلاقاتٍ قويةٍ، وهو انطباعٌ استطاع شِيْ أن ينقلَه عن نفسِه بتفانيه وبُعدِه عن الأضواء وإخفاءِ مناوراته وهدوئها.

بقيَ أمامَ شِيْ أن يثبتَ جدارتَه داخل اللجنة الدائمة للحزب، ليَظهرَ رجلاً ذا كفاءةٍ وضعيفاً في الوقت نفسِه ليُطَمْئِنَ تياراتِ الحزبِ المختلفةَ على مصالحِها، ويضمنَ للسلطة غير الرسمية استمرارَ أثرِها حتى مع خروج شخصياتها من المناصب الرسمية، كجيانغ زيمين الذي خرجَ من السلطة منذ سنة 2002 ثم هوْ جينتاو الذي خرجَ من السلطة سنةَ 2012. واللَعِبُ على التوازنات بين هذين التيارين كان أمراً مهماً جداً لتحقيق هدفه.

عشيّةَ اختيار شِيْ قيادةَ البلاد حصلَ صراعٌ خفيٌّ على السلطة في الصين بقيَت تفاصيلُه وراءَ الأبواب المغلَقة. ومن الواضح أن قيادةَ الحزب تواصلَت مع شِيْ مرشّحاً أمثلَ لا بديلَ له. وهنا كشَّر شِيْ عن أنيابه أوّلَ مرّةٍ، لعِلمِه بأزمةِ الخلافة في الحزب وأنه لا بديلَ له.

اشترطَ شِيْ أن يتولّى قيادةَ اللجنةِ المسؤولة عن الجيش في الحزب، والمُهمّةِ جدّاً لإحكام السيطرة على السلطة وتركيزها، وليَحظى بسلطةٍ أكبرَ من سلطة قائدَي الجيلَين السابقَين. والمفارقةُ هي أن مَطالبَ شِيْ المؤدّيةَ إلى سيطرته على السلطة تحقّقَت بمبدأ القيادة الجماعية الهادفِ أصلاً إلى منعِ مثلِ هذا الأمر.

إبّانَ عهدِ هوْ جينتاو كان الحزبُ يعاني صعوباتٍ في اتّخاذ القرارات. فمبدأُ القيادةِ الجماعيةِ وضرورةِ التوصّلِ إلى اتفاقٍ بالإجماع داخلَ اللجنة الدائمة يعني مفاوضاتٍ طويلةً بين تياراتٍ غيرِ متّفقة. بل إن بو شيلاي، أحدَ أعضاءِ المكتب السياسي وأبرزَ منافسِي شِيْ، كان متّهَماً مع عضوِ اللجنة الدائمة جو يونغكانغ بالتعطيل المتعمّد للقرارات داخل المكتب السياسي. وكانت آليةُ اتخاذِ القرار في الحزب حينها تسمح ببروزِ مثلِ هذه المشكلات. وأدّى ضعفُ شخصيةِ هوْ جينتاو واستشراءُ الفساد المتولّد من توازناتِ القوى الصعبةِ إلى تفاقمِ المشكلة.

وصلَت الصينُ إلى مفترقِ طرقٍ لا يتحمّلُ وجودَ هذه التعطيلات، عَمْداً كانت أَمْ عن غيرِ عَمْد. وصار مبدأُ القيادة الجماعية عبئاً على الحزب، لا سيّما في الحالات المستوجبة قراراتٍ مستعجلة. لذا كان تركيزُ السلطة في يدِ شِيْ حلّاً لتلك المعضِلاتِ المُستشرِيةِ في الجيل السابق.


اتّبَعَ شِيْ مبدأَ "تسخين القِدرِ دون غَلْيِ الماء" فهو لَم يتورّعْ عن إشعال النار، بَيْدَ أنه يَحُولُ دونَ الغليانِ ما أَمكنَ؛ فكلّما أَحَسَّ بدُنُوِّ الانفجار أضافَ الماءَ الباردَ. استطاع شِيْ بدايةً ضمانَ موقعِه قائداً للبلاد، وانتزَعَ موافقةَ قيادة الحزب لحلِّ أزمةِ الحكم في الصين لأنه قائدٌ مختلفٌ عن الجيل السابق. الأزمةُ التي طالما كانت مخفيّةً وراءَ الأبواب المغلقة لا يمكن معرفةُ شيءٍ عنها إلا من تسريباتٍ شحيحةٍ، أو بتحليلِ أحداثٍ استثنائية. فإذا كان مبدأُ الحُكمِ الجماعيِ والقانونُ غيرُ المعلَنِ بكتمانِ خلافاتِ الحزبِ قد وَطَّدا استقرارَ النظامِ السياسيِ، فهُما قد سَمَحا بعرقلة اتّخاذ القرارات. 

ثمّةَ أعداءٌ آخَرون لشِيْ، مِن بينهم جو يونغكانغ، عضوُ اللجنةِ الدائمةِ السابقُ ومسؤولُ الأمنِ القوميِ السابقُ الذي أَنهى شِيْ مسيرتَه يومَ تولّى قيادةَ الحزب. كان يونغكانغ يأملُ تحصينَ منصبِه مِن تحركاتِ شِيْ، فليس من السهلِ القضاءُ على عضوٍ سابقٍ في اللجنة الدائمة بكلِّ ما يترتّبُ على ذلك من علاقاتٍ وسلطةٍ غيرِ رسمية. ومن أعضاء اللجنة الدائمة المحسوبين على الزعيمَين السابقَين هناك لي كيتشيانغ، الرجلُ الثاني في اللجنة بعد شِيْ، وهو محسوبٌ على هوْ جينتاو، وجانغ ديجيانغ ويو جينغشنغ، وهُما محسوبان على تيار زيمين.

لذلك اقتضَت الإطاحةُ برجلٍ مثل جو يونغكانغ طَلَبَ موافقةِ زيمين حتى لا تبدوَ محاولةً للهجوم على المسؤولين السابقين ومصالحهم، ممّا قد يعني استعمالَ نُفوذهم لإضعاف شِيْ. ومع موافقةِ زيمين سارَ كلُّ شيءٍ على ما يُرامُ، وحُوكِمَ جو يونغكانغ سنة 2015 مع مسؤولين آخَرين اتُّهِموا بالتخطيط للهيمنة على الحزب وتكديس الثروات، وتلقّوا أحكاماً شديدةً من بينها الحكمُ على جو يونغكانغ بالسَجن مَدى الحياةِ.

في هذه الحملات الشرسة على الفساد سقطَ أحدُ المساعدين الشخصيين للرئيس السابق هوْ جينتاو، ممّا أضعفَ موقفَه في الحزب. وبذلك أطاحَ شِيْ بعدُوَّين سابقَين وتيارَيهما في الحزب والدولة، وأضعفَ موقفَ الرئيس السابق هوْ جينتاو وتيارَه بتحالفِه مع الرئيس السابق جيانغ زيمين، مستعيناً بسيفِ مكافحة الفساد المسلَّطِ على رقاب خصومه، والذي لم يكن ليستطيع استخدامَه لولا تحالفُه الأَوّلُ مع زيمين.

بدأ شِيْ سنةَ 2016 بعدَ إضعاف هوْ جينتاو بتوجيه الضربات لتيار زيمين، فأخرجَ أحدَ المحسوبين على زيمين من اللجنة الدائمة، واستبدَل به أحدَ حلفاءِ هوْ جينتاو، موجِّهاً بذلك ضربةً لتيارِ زيمين، مع الحفاظ على ضعفِ تيارِ سلفِه هوْ جينتاو المرتبط اسمُه بعددٍ من الفاسدين المُحَاكمين. زادت هذه الحملاتُ رصيدَ شِيْ في الحزب وشعبيَّته في البلاد، فهو بذلك أوفى بوعدِه باستئصال "نمور الفساد" ولم يقتصر الأمرُ على الموظفين الصغار.

انتهى الأمرُ بشِيْ أخيراً سنة 2022 بإقصاء كلّ المحسوبين على التيارات المغايرةِ له من اللجنة الدائمة، في وضعٍ لم يَسبقْ له مثيلٌ منذ أيامِ ماو. ولكن هذا لا يعني انتهاءَ تأثيرِ تياراتٍ أُخرى محتفظةٍ بقوىً رسميةٍ وغيرِ رسميةٍ خارج اللجنة الدائمة، ولا يعني أيضاً استحالةَ نشوبِ صراعِ قوىً بين أتباع شِيْ داخل اللجنة.

ومع تركّزِ السلطة بيدِ شِيْ إلا أن النظام السياسي في الصين أكثرُ تعقيداً من أنْ يحكمَه شمولياً رجلٌ واحد. وشراءُ الولاءات لا يكون بالتخويف وحدَه، إنما يحتاج أيضاً إلى تنازلاتٍ وامتيازاتٍ، ممّا يعني تقويةَ أطرافٍ قد تختلفُ لاحقاً مع شِيْ. ومِن تلك الأطرافِ المكتبُ السياسيُ الأوسعُ من اللجنةِ الدائمةِ، واللجنةُ المركزيةُ والكونغرسُ الحزبيُ والوطنيُ، وعمالقةُ الاقتصاد الصينيّ والجيشُ والشرطة. ومع أن شِيْ لا يواجِهُ اليومَ تحدّياً عسيراً إلا أن توقُّعَ ما يطويه المستقبلُ صعبٌ، لا سيّما إذا تُوفِّيَ شِيْ أو قرّرَ ألّا يستمرَّ في الحُكم بعد انتهاء المدّةِ الحالية. فانتهاءُ حكمِ شِيْ أيّاً كان قد يُفجّرُ صراعَ قوىً لم يَسبقْ له مثيلٌ في الصين لاختلال موازين القوى التي كانت سائدة.


قَدّمَ شِيْ برنامجين مهمَّين. أحدُهما برنامجُ مكافحة الفقر المدقِع، وهو قصيرُ الأمدِ ويمكن ملاحظةُ نتائجِه سريعاً. والآخَرُ مشروعٌ عالميٌّ طَموحٌ يتعدَّى حدودَ الصين إلى قارّات العالَم قاطبةً، وهو مبادرةُ "الحزام والطريق". 

أمّا برنامجُ مكافحةِ الفقرِ الذي بدأَ في 2015 فقد كان مشروعاً طموحاً لرفعِ مستوى معيشةِ الفقراءِ بمعدّلِ دخلٍ يوميٍّ يزيدُ على دولارَين. ونجحَ المشروعُ في إخراج ثمانيةٍ وتسعين مليوناً من دائرةِ الفقرِ المدقِع. ولتطبيقِ البرنامج كُلِّفَ ثمانمئةِ ألفِ عضوٍ من الحزب بتحديد المستفيدين. وشارَكَ مليونان غيرُهم في مراجعةِ البيانات. ووُزِّعَ ثلاثةُ ملايين عضوٍ على مئتين وخمسين ألفَ فريقٍ للعمل ميدانياً لتحسين ظروفِ الفقراء بإصلاح المنازل وتعبيد الطُرُق وتحسين الصحّة والتعليم. استثمَرَت الحكومةُ بقيادة شِيْ بسخاءٍ في هذا البرنامج، مؤكِّدةً تحسينَ حياةِ الفقراءِ بالاعتماد على أنفسِهم وبمساعدةِ الحزب.

يمكننا أن نرى التشابهَ بين حياة شِيْ وتعلُّمَه من الفقراء والعمّال والفلاحين في حياته المبكّرة اضطراراً، وبين فكرةِ البرنامجِ الذي بدأَته إدارتُه، المُجبِرِ الكوادِرَ على فعلِ الأمرِ نفسِه. فهؤلاء الكوادرُ غادَروا منازلَهم للعيش في مناطقَ بعضُها لَم يَصِلْها العالَمُ الحديث. فبعضُ القُرى لَم تكُن تَصِلُ إليها طُرُقٌ. وفي أماكنَ أُخرى لم يكن هناك منازلُ يسكنُها الناسُ، بل كهوفٌ أو قممُ جبالٍ لا يُمكن الوصولُ إليها بوسائلِ النقلِ الحديثة. وقد وافت المنيّةُ ألفاً وثمانمئةٍ من كوادرِ الحزب وهُم يعملون على إنجاز المشروع. لكن من المبكّرِ إطلاقُ حكمٍ نهائيٍ على هذا الإنجاز في عهدِ شِيْ، على الأقلِّ ريثما تظهرُ بياناتٌ حديثةٌ عن وضعِ عدمِ المساواة الحالية.

أمّا البرنامجُ الثاني فهو مبادرةُ "الحزام والطريق"، أحدُ أضخمِ المشروعات عالمياً بتكلفةٍ متوقَّعةٍ تتراوحُ من تريليون إلى ثمانية تريليونات دولار، وقد تكونُ أضخمَ ستَّ مرّاتٍ من خطّةِ مارشال التي دَعمَت فيها أمريكا إعادةَ إعمارِ البلدان الأوروبية عقبَ الحرب العالمية الثانية. هذه المبادرةُ الطموحةُ تشملُ إنشاءاتٍ ضخمةً ومتنوعةً في العالم، مثلَ الطُرُقِ والجُسورِ والموانئِ وسككِ القطاراتِ، ومشاريعَ تقنيةٍ، لتعزيزِ مكانةِ الصين مركزاً اقتصادياً عالمياً.

بهذه المبادرةِ تستهدفُ الصينُ نقلَ التأثيرِ والأموالِ إلى دولٍ أُخرى، بالبناءِ والتطويرِ ونُفوذِها المكتسَبِ من الديونِ الممنوحةِ لتنفيذ هذه المشاريع. ومِن أبرزِ الأمثلةِ على التعاون في هذه المبادرةِ الشراكةُ الإستراتيجيةُ مع باكستان. تستهدفُ تلك الشراكةُ تطويرَ أحدِ موانئِ باكستان الجنوبيةِ ليصبحَ نقطةً تجاريةً محوريةً بين الصين والعالم، وربطَ شمالِ باكستان بجنوبِها بخطوطِ سككٍ حديديةٍ لتسهيلِ مرورِ البضائع الصينية، ممّا يعزّزُ نفوذَ الصينِ الاقتصاديَ والتنمويَ في المنطقة.

وتَستهدِفُ المبادرةُ تحقيقَ "التداول المزدوج" بتعزيزِ الاستهلاك المحلّي وزيادةِ الدخل للمواطنين الصينيين، ممّا يقلِّلُ الاعتمادَ على التجارة الخارجية ويحفّزُ النموَّ الاقتصاديَ المحلّيَ والتصدير. هذا النهجُ يرمي إلى مواجهةِ تباطؤِ النموِّ الاقتصاديِ المدفوعِ بالتصدير وبناءِ اقتصادٍ أكثرَ استدامة. ومع أن المبادرةَ تحملُ إمكانياتٍ هائلةً لتغييرِ مركزِ الثِقَلِ الاقتصاديِ العالمي، إلا أن نجاحَها يظلُّ معلَّقاً بتجاوز التحدّيات السياسية والاقتصادية الكبيرةِ، بما في ذلك منافسةُ الطُرُق التجارية البديلة، مثلَ الطريق الذي يَربطُ بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. هذه الجهودُ جميعُها تعكسُ رؤيةَ شِيْ لتعزيز مكانة الصين عالمياً، في محاولةٍ لإعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدمُ مصالحَ الصين، مع السؤال عن قُدرةِ النظامِ السُلطويِ على تحقيق هذه الطموحاتِ العالمية.


لَم تكُن صدْفةً أن يَتسنّمْ شِيْ قمّةَ هرمِ القيادة الصينية بالسيادةِ المطلقةِ التي لم تَشهَدها البلادُ منذ عهدِ ماو. فقد كان ذلك نتيجةً لسلسلةٍ من الإجراءات الإستراتيجية والقرارات الحاسمة التي اتّخذَها سنواتٍ، وللعملِ بهدوءٍ ورَويّةٍ مِن خلفِ الستار. فمِن البداية سعى شِيْ إلى تعزيزِ مكانته في الحزب الشيوعي الصيني وعلى الساحة الدولية.

تجلّت مقدرةُ شِيْ على الحُكم في توجّهاتِه الإصلاحيةِ الشاملةِ جوانبَ من الاقتصاد والسياسة الخارجية، ممّا أدّى إلى تحسينِ صورةِ الصين وزيادةِ نفوذِها عالمياً. ومع ذلك أثارت إستراتيجيتُه في إحكامِ قبضتِه على السُلطةِ كثيراً من المخاوفِ والجدلِ في الصين والعالم؛ ذلك أنّ تعزيزَ سيطرةِ شِيْ على السلطة يُنبِئُ عن رؤيةٍ طويلةِ الأمدِ للحكم. لكنه يثيرُ أيضاً تساؤلاتٍ عن مستقبلِ الحكم في الصين والتوازن الداخلي في الحزب الشيوعي، فضلاً عن قُدرةِ شِيْ نفسه على الحفاظ على التوازنات الداخلية والحلفاءِ مدّةً طويلةً وأثرِ ذلك على مكانة الصين في العالم.

ويبرزُ في سياسة الصين الخارجية استعمالُ القوّة الناعمة والصلبة لتعزيز مصالح الصين. فمبادراتٌ مثلَ "الحزام والطريق" تُذلِّلُ مساعيَ الصين لبناءِ شبكةٍ من النُفوذ الاقتصادي تمتدُّ إلى قارّاتٍ متعدّدة. جَعلَت هذه الإستراتيجيةُ والمواقفُ الجريئةُ في القضايا الإقليمية من الصينِ لاعباً لا يمكنُ تجاهلُه في السياسة العالمية.

ومع ذلك، فثمّةَ تحدّياتٌ داخليةٌ وخارجيةٌ تواجِهُ الصينَ، كالقضايا السكانية والبيئية والتوتّرات التجارية والسياسية مع دولٍ أُخرى. وتعاملُ شِيْ مع هذه التحدّيات سيَحسمُ إلى حدٍّ كبيرٍ مستقبلَ الصين قوةً عالميةً وموقعَها في النظام الدولي. وفي نهاية المطاف، فالرجلُ قائدُ الصين إلى إنجازاتٍ محليةٍ ودوليةٍ لا يمكن إغفالُها، في وقتٍ فَرَضَ فيه نمطاً من الانفراد بالسلطة قد يحدُّ من مرونةِ الصين وقدرتِها على التكيّفِ لمواجهةِ التحدّياتِ المستقبلية. 

اشترك في نشرتنا البريدية