لم يبزغ الخطابي من رحم المقاومة في مناطق الريف الأمازيغية قائداً عسكرياً فحسب، بل مفكراً سياسياً أيضاً حمل مشروعاً تحررياً عابراً الحدودَ. أسّس بمشروعه جمهوريةً مستقلةً في شمال إفريقيا، وطرح رؤيةً وحدويةً للمغرب الكبير متجاوزاً منطق القبيلة إلى أفق الأمّة المغاربية.
لم تكن جمهورية الريف التي أعلنها الخطابي سنة 1921 مجردَ ردّ فعلٍ عسكريٍ على الاستعمار، بل تجسيداً لرؤيةٍ سياسيةٍ متقدمةٍ في بناء الدولة الحديثة. دولةٌ بمؤسساتٍ مدنيةٍ وتنظيمٍ إداري، ودولةٌ مؤطرةٌ بمبادئ السيادة والكرامة الوطنية. شكلت هذه الجمهورية تحدّياً مزدوجاً، للمستعمِر الذي رأى فيها تهديداً مباشراً لنفوذه، وللنخب المركزية ممثلةً في المخزن (قوى الحكم التي تدير المغرب) التي خشيت من رمزية الخطابي منافساً محتملاً في مشروع بناء الدولة بعد الاستقلال. فتحوّلت جمهورية الريف ذات المكون الأمازيغي الواضح إلى نقطةٍ محوريةٍ في الجدل في جمهورية الخطابي، بين من يراها نواةً وطنيةً مبكرةً، ومن يعدّها انشقاقاً عن وحدة الدولة المغربية.
بعد انقضاء الاستعمار، ومِن قَبله مشروع دولة الخطابي، امتدّ الجدل في إنجازات الخطابي الفكرية والعسكرية إلى الحاضر. إذ لا يزال الزعيم المغربي يُستحضر في النقاشات السياسية والاجتماعية رمزاً متنازعاً عليه. ففي حين يُحتفى به في منطقة الريف في المغرب بطلاً قومياً وملهماً للكرامة، تتردد الدولة المغربية في إدماجه الكامل ضمن سجلّ الأبطال الوطنيين. فالدولة تخشى إعادة فتح ملفّات الهوية الأمازيغية الريفية وقضايا السلطة والتمثيل. وبين التمجيد الشعبي والتعتيم الرسمي يبرز إرث الخطابي مقاوماً وملهماً في القرن العشرين. فقد زاوج الخطابي بين المنهجية العسكرية والمشروع الفكري، وأصبح مرجعاً لحركات التحرر التي انتشرت في أواسط القرن الماضي. إذ استخدمت بعض الحركات منهجه في حرب العصابات وتبنَّت خطابه السياسي في منهج الاستقلال وبناء دولة لا تخضع لسلطة المستعمر. وتكرَّس حضوره كذلك ضمن منظومة الفكر التحرري رمزاً للحرية المرتبطة بالسيادة.
جمع الخطابي بين المعرفة الشرعية والتكوين العصري، ليصوغ مشروعاً تحررياً لشمال أفريقيا. ويتجلى مشروع الخطابي في إدراكه منذ وقت مبكرٍ أن المقاومة لا يمكن أن تقوم على الانفعال والغضب وحدهما، بل تحتاج إلى وعيٍ سياسيٍ وتنظيمٍ محكم. لذلك عمل على توحيد القبائل الريفية تحت راية الكرامة والسيادة متجاوزاً الانقسامات التقليدية التي غذّاها الاستعمار، ومؤكداً على أن أقوى سلاحٍ للدفاع عن الوطن هو سلاح الوحدة بين القادة وعامة الناس.
وجاءت معركة أنوال سنة 1921 لتجسد هذا الوعي الجديد، إذ تمكَّن الخطابي وقواته من التوحد والالتحام وإلحاق هزيمةٍ قاسيةٍ بالجيش الإسباني. فقتل المغاربة أكثر من ثلاثة عشر ألف عسكريٍ، بينهم جنرالاتٌ وقياداتٌ بارزة في الجيش الإسباني. ولم يكن هذا الانتصار مجرد إنجازٍ عسكريٍ، بل اقترن بالإعلان عن ميلاد مشروعٍ سياسيٍ متكاملٍ تجسّد في قيام جمهورية الريف في الفاتح من فبراير 1923، التي عُدّت أول تجربةٍ لدولةٍ وطنيةٍ مستقلةٍ في شمال إفريقيا.
تميزت الجمهورية التي صاغها مشروع الخطابي بمؤسساتها الإدارية ومجلسها التشريعي ونظامها المالي، في حين كانت تلك النظم غريبةً على مناطق المغرب العربي خارج سلطة الاستعمار. وكانت جمهورية الريف بذلك أول محاولةٍ تنجح في إقامة كيانٍ سياسيٍ مستقلٍ شمال إفريقيا، في حين كان المغرب مقسماً بين الحماية الفرنسية والإسبانية، والجزائر وتونس خاضعتين مؤسساتياً وإدارياً للاستعمار الفرنسي.
في كتابه "سيرة محمد عبد الكريم الخطابي بطل الريف ورئيس جمهوريتها" الصادر سنة 1924، ينسب رشيد الصالح ملحس إلى الخطابي قول "نحن قادرون مثل الأوروبيين على حكم أنفسنا، ونحن نتفوق على الإسبان في الكفاءة والقوة [. . .] اليوم، نعمل على تنظيم جمهوريةٍ صغيرةٍ، وأنا على وشك إرسال وفود إلى فرنسا وإنجلترا وأمريكا للاعتراف باستقلالنا كجمهورية".
لكن المشروع التحرري الذي قاده الخطابي واجه تحالفاً استعمارياً شرساً، إذ اجتمعت فرنسا وإسبانيا على استهداف دولته بكل الوسائل، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيماوية في واحدةٍ من أبشع الجرائم الاستعمارية في القرن العشرين. وقد صمدت قوات الريف أعواماً، لكن مع اشتداد الحملة الاستعمارية وجد الخطابي نفسه في مواجهة معركةٍ غير متكافئةٍ، إذ أصبح استمرار القتال ينذر بفناء رجاله والقبائل التي وقفت إلى جانبه. في تلك اللحظة الحرجة، اتخذ قراراً بالغ المرارة الاستسلام سنة 1926، تلاه سقوط جمهورية الريف.
كان استسلام الخطابي لحظةً قاسيةً لكنها لم تُنهِ نضاله، بل فتحت فصلاً جديداً من مسيرته في المنفى. حيث واصل الدفاع عن قضايا التحرر في المغرب والعالم العربي مؤكداً أن المقاومة ليست مجرد معركةٍ بالسلاح، بل مشروعاً فكرياً وسياسياً ممتداً.
أسّس الخطابي سنة 1948 لجنة تحرير المغرب العربي التي جمعت ممثلين عن الحركات الوطنية في المغرب والجزائر وتونس. وأكّد أن قضايا التحرر في هذه البلدان مترابطة في نسيجٍ واحد معبّراً عن رؤيته في ميثاق اللجنة الذي شدّد على وحدة المصير المغاربي وضرورة التنسيق بين الحركات الثورية وتوحيد الجهود نحو استقلالٍ شامل.
ومن أبرز ملامح فكر الخطابي السياسي إيمانه العميق بتكامل مكونات المغرب الكبير ثقافياً. إذ رفض الثنائية المفتعَلة بين الأمازيغية والعروبة، وعدّهما ركيزتين أصيلتين في بناء الهوية الوطنية. في خطابه لم تكن الأمازيغية تهديداً للوحدة، بل عنصراً تأسيسياً في مشروع الدولة الحديثة إلى جانب مرجعية الإسلام الروحية والأخلاقية. ورأى أيضاً أن تجاوز القبلية والانقسام، اللذَيْن غذّاهما الاستعمار، لا يتمّ إلا ببناء وعيٍ وطنيٍ جامعٍ يعيد الاعتبار للهوية الأصيلة دون إقصاءٍ أو تهميشٍ. ورأى أن من يسعى إلى خلق الشقاق أو إحداث الفرقة خائنٌ ومجرمٌ بحقّ الوطن، لصالح المستفيد وهو المستعمر.
وبهذا مثّل الخطابي نموذج المفكر الذي يدمج النظرية مع التطبيق، إذ لم يكتفِ بصياغة الأفكار، بل سعى إلى تجسيدها في مؤسساتٍ وتنظيماتٍ سياسية. فخطاباته وبياناته، خصوصاً تلك التي صدرت عن لجنة تحرير المغرب العربي، تظهر وعياً عميقاً بأهمية بناء الدولة على أسس العدالة والكرامة، لا على إرث الهيمنة والاستعمار.
ودعا الخطابي إلى تحرير الإنسان قبل الأرض معتبراً أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من تفكيك البُنى الذهنية التي رسّخها الاستعمار في النفوس من دونيةٍ وخضوعٍ وتبعيةٍ. فعدّ "عدم الإحساس بالمسؤولية" سبباً في الفشل، لأن كلّ واحدٍ ينتظر أن يبدأ غيره. وبذلك أصبح فكر الخطابي السياسي اليوم من اللبنات المؤسِّسة للفكر التحرري الإفريقي، إذ يتقاطع مع أطروحات قادةٍ مثل كوامي نكروما وأميلكار كابرال في الدعوة إلى بناء دولٍ مستقلةٍ ذات سيادةٍ ثقافيةٍ وسياسية.
تميّزت إستراتيجية الخطابي بمرونتها وذكائها، إذ اعتمد على حرب العصابات مستفيداً من تضاريس منطقة الريف الوعرة غطاءً طبيعياً، مع إيلاء أهميةٍ خاصةٍ للانضباط والتدريب العسكري. وجعل ذلك من جيشه قوةً ضاربةً على محدودية الإمكانيات. استخدمتْ تلك الخططَ العسكرية ومنهجها لاحقاً حركاتُ تحرّرٍ مسلحةٌ في مناطق خاضعة للاستعمار ضدّ مستعمِريها وضدّ ممثلي المستعمِرين من الحكام المتحالفين معهم، وخصوصاً في أمريكا الجنوبية.
ومن التحركات العسكرية التي استنّها الخطابي وصارت نهجاً لحركات التحرر المسلحة اعتمادُه على الكمائن المباغتة ضدّ القوات الإسبانية مستفيداً من معرفة المقاتلين الدقيقة بمسالك الجبال والوديان، ما أربك الجيوش النظامية الثقيلة. ولجأ إلى تقطيع خطوط الإمداد والاتصال، فكان يهاجم القوافل العسكرية ويعطل وصول المؤن والذخيرة. ومنع وصول مياه منبع "عين تماضت" إلى الحاميات العسكرية في معركة أنوال ما أدّى إلى إنهاك الجنود الإسبان وخيولهم رغم التفوق العددي والتقني. وإلى جانب ذلك، أولى الخطابي أهميةً كبيرةً للتدريب والانضباط، وأنشأ معسكراتٍ لتأهيل المقاتلين على استخدام الأسلحة الحديثة التي غَنِمَها من المعارك وحوّلها إلى قوّةٍ فعّالةٍ بفضل التنظيم الصارم.
في دراسته "تونتيث سينتشريز إنسرجنت وورفير إن ذا سبانيش بروتيكتوريت أوف موراكو" (حرب التمرد في المحمية الإسبانية في المغرب خلال القرن العشرين) الصادرة سنة 2019، يصف بيكيت وايت، زميل كلية الدراسات الاقتصادية في إسبانيا، الأساليبَ التي استنّها عبد الكريم الخطابي في حربه ضدّ الاحتلال التي وضعت لبناتٍ أولى لحروب العصابات الحديثة.
استند بيكيت في تحليله على الوثائق الإسبانية التي وثّقت معركة أنوال التي مات فيها ثلاثة عشر ألفاً من الجنود الإسبان على يدّ قوّةٍ صغيرةٍ بقيادة الخطابي، وتدعوها الأدبيات الإسبانية "فاجعة أنوال". ويعدّها الباحث "حجر الزاوية الذي قامت عليه حروب العصابات في القرن العشرين".
ينقل بيكيت عن المؤرخ الأمريكي شانون فليمنغ قوله "كلّ ما احتاجه الخطابي كي يكسب حربه هو أن يكسب ثقة القبائل التي تعيش خلف خطوط المواجهة، ومن خلالهم استطاع ترتيب قطع الإمدادات، ومن ثمّ مهاجمة الوحدات المعزولة حتى اضطر الإسبان للانسحاب". لم تكن خطط الخطابي تعتمد فقط على حفر الخنادق لعزل الحاميات والكتائب الإسبانية، إذ تشهد دراسة بيكيت أنّ كسب ثقة المجتمعات المحلية وضمان إيمانها بالهدف لا يقلّ أهميةً في حروب التحرير عن التحركات العسكرية المحضة.
تضمنت تحركات الخطابي أيضاً حفرَ مغارات في سفوح الجبال لإخفاء المدافع واستخدامها ليلاً، والاعتماد على بنادق البارود عديم الدخان لتفادي كشف مواقع الرماة. وطوّر مع رفاقه من المقاتلين أساليب مواجهة العربات المدرَّعة عبر استهداف فتحات الرؤية، وإلقاء القنابل اليدوية محلية الصنع داخله.
انتقلت خبرات الخطابي إلى خارج الريف عبر شهادات الجنود الألمان في الفيلق الأجنبي الفرنسي، ومذكرات ضباطٍ شاركوا في الحرب. إضافةً إلى المدرب الإسباني ألبرتو بايو الذي ساهم في نقل أسلوب الخطابي في الحروب إلى كوبا، إذ كان يقاتل ضد الخطابي في حرب الريف ثم درّب في المكسيك مقاتلي كاسترو، ومن بينهم تشي جيفارا. وبفضل هذه القنوات استُخدمت أساليب الخطابي لاحقاً في الثورة السورية الكبرى سنة 1925، وفي حرب التحرير الجزائرية.
وأثبتت منهجية الخطابي في المعارك فعاليتها خصوصاً في معركة أنوال سالفة الذكر. أما الخنادق المزدوجة فشكّلت أسلوباً مبتكراً لإفشال محاولات الاختراق الفرنسية والإسبانية بعدما انضمت فرنسا إلى إسبانيا في المرحلة الأخيرة من الحرب. وأدّى استخدام أسلوب الضرب والهروب في شتاء 1923 و1924 إلى تثبيت القوات الفرنسية في مواقع دفاعيةٍ منهكة. وشكّل تدمير الدبابات سنة 1922 مثالاً على قدرة مقاتلي الريف على تعويض نقص العتاد بالابتكار.
غير أن إرث الخطابي في هذه المرحلة لا يُختزل في البندقية وحدها، بل يتجلى في قدرته على تحويل المقاومة إلى مشروعٍ سياسيٍ متكاملٍ يزاوج بين التحرر العسكري والبناء المؤسساتي. فالقوة العسكرية كانت وسيلةً لحماية الفكرة، أما الفكرة فتسعى إلى العدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية.
لكن كثيراً من الدراسات التي اهتمت بمشروع الخطابي أو تأريخ سيرته تجاهلت هذا البعد الفكري. فاكتفت بتأريخ المعارك دون الغوص في فلسفة التحرر التي تبنّاها الخطابي، التي تُعدّ اليوم من اللبنات الأساس في الفكر السياسي الإفريقي المناهضِ الاستعمارَ. وتجاوزت الدراسات أن الخطابي أكّد بأن مشروعه لم يكن مجرّد تمرّدٍ مسلّحٍ، بل رؤيةً سياسيةً تسعى إلى بناء دولةٍ عادلةٍ تستمد روحها من تراث الأمّة وتطلعاتها للتحرر.
تجلّى هذا الدور الإفريقي في دعم الخطابي الثورةَ الجزائريةَ التي مثّلت امتداداً طبيعياً لمشروعه التحرري. فقد وفّر لها غطاءً سياسياً ودعماً لوجستياً، وساهم في تأطير خطابها ضمن رؤيةٍ مغاربيةٍ موحدة. فقد أدرك أن استقلال الجزائر لا ينفصل عن استقلال المغرب وتونس، وأن مواجهة الاستعمار الفرنسي والإسباني لا تُمكن إلا بمشروعٍ تحرريٍ متكامل.
وشدّد الخطابي على ضرورة الوحدة بين القادة والحركات المغاربية، وحثّهم على الاتحاد. واعتبر أن "هذه هي الطريقة الوحيدة" التي تقود إلى تحقيق الأهداف. هذا الموقف جعل الخطابي في صلب المعادلة الثورية، وإنْ كان في المنفى. وأكسبه احترامَ قادة الثورة الجزائرية الذين عدُّوه مرشداً روحياً وسياسياً. ومع أن البندقية غابت عنه بعد نفيه إلى القاهرة، إلا أن الفكرة لم تغِب، بل ازدادت رسوخاً وانتشاراً، لتتحول إلى مصدر إلهامٍ لحركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
علاقة الخطابي بالرئيس المصري جمال عبد الناصر كفلت ألا يتوقف تأثيره عند حدود المغرب الكبير وإفريقيا جنوب الصحراء. فقد وجد كلٌّ من عبد الناصر والخطابي في الآخَر حليفاً إستراتيجياً في دعم حركات التحرر، خصوصاً في إفريقيا. ووفّر له النظام المصري منبراً سياسياً واحتضن نشاطاته، ما عزّز موقعه رمزاً أممياً في النضال ضدّ الاستعمار.
في هذا السياق تحوّلت القاهرة إلى مركز تفاعلٍ بين الخطابي ورموز الثورة العالمية. سنة 1959 زار تشي جيفارا الأميرَ محمد بن عبد الكريم الخطابي. كان اللقاء بين شيخٍ بلحيةٍ بيضاء وقائدٍ شابٍّ يبحث عن الخبرة الثورية. وأعرب جيفارا عن إعجابه العميق بتجربة الخطابي ضدّ الاستعمار الإسباني والفرنسي مؤكداً أن هذه التجربة شكّلت مدرسةً عمليةً ألهمت الثوار في كوبا وأمريكا اللاتينية. وقال جيفارا للخطابي: "لقد جئنا لنتعلم منكم. أنتم من علمتمونا أن حفنةً من المقاتلين يمكنها أن تهزم جيشاً منظماً، وأن الثورة ليست حلماً بل واقعاً يصنعه الإيمان والإرادة".
واستلهم قائد المقاومة الفيتنامية "هو تشي منه" تجربةَ عبد الكريم الخطابي نموذجاً للكفاح المسلح الشعبي. ولم يكن هذا الإلهام مجرد إعجابٍ نظريٍّ، بل تحول إلى ممارسةٍ عمليةٍ في فيتنام. إذ طبّق تشي منه أسلوب حرب العصابات الذي ابتكره الخطابي في جبال الريف معتمداً على المباغتة والاختفاء والظهور المفاجئ في مواجهة القوات الفرنسية والأمريكية.
في أعقاب الاستقلال أيضاً ارتبط اسم الخطابي في بعض الخطابات السياسية بمخاوف التمرد والانفصال، استناداً إلى إعلانه عن جمهورية الريف المستقلة شمال البلاد واتخاذه مدينة أجدير عاصمةً لها. إلّا أنّ هذا الطرح يتجاهل أنّ المغرب آنذاك كان مقسّماً بين الحماية الفرنسية والإسبانية، وأن مشروع الخطابي جاء ردّاً على الاستعمار، لا على الدولة الوطنية التي لم تكن قد تشكّلت بعد. ساهم هذا الطرح في تقليص رمزية الخطابي التحررية، وتغييبه عن الرواية التاريخية للحراك الوطني التحرري.
ومع ذلك لم تختفِ صورة الخطابي من الوجدان الشعبي، لاسيما في منطقة الريف، حيث يُنظر إليه بطلاً للكرامة والسيادة ومصدر إلهامٍ للمقاومة في مواجهة التهميش. فبرز حضوره الرمزي في المهرجانات الثقافية والكتابات المحلية والجداريات التي رأت فيه تجسيداً للهوية الريفية، وشخصيةً تاريخيةً تتجاوز الانتماء الجغرافي نحو أفقٍ تحرّريٍ أوسع. هذا الإحياء الشعبي، وإن كان غير رسميٍ، شكّل فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية وأعاد الاعتبار لرمزية الخطابي، ودعا إلى إدماجها ضمن الذاكرة الوطنية الجامعة.
نتيجة هذا الحضور الشعبي ظهرت محاولاتٌ لإعادة إدماج الخطابي في الرواية الرسمية للتحرر المغربي من الاستعمار، بعد عقودٍ من التحفظ على تصنيفه بطلاً وطنياً للدولة بعد الاستقلال. وتجلّت نتائج تلك المحاولات في إطلاق اسمه على بعض الشوارع والمؤسسات التعليمية والمرافق العمومية، أو إدراج اسمه في فعالياتٍ ثقافيةٍ وطنية. إلّا أن هذه المبادرات ظلّت محدودةً، ولم ترقَ إلى مستوى الاعتراف الكامل بمكانته الفكرية والسياسية.
إن هذا التنازع في الذاكرة يعكس صراعاً أعمق على مفاهيم الهوية والسيادة والتمثيل في المغرب الحديث. فغياب الخطابي عن الرواية الرسمية لا يرتبط فقط بماضيه الثوري، بل وبما يحمله من أسئلةٍ مزعجةٍ عن مركزية السلطة وتعدّد الهويّات وشرعية المقاومة. فقد ناهض الخطابيُ مفاوضاتِ "إكس ليبان" التي عدّها خيانةً للشعب المغربي ومقاومته، واعتبر أن المغرب قد ضلّ السبيل الصحيح. ومن جهةٍ أخرى رفض دستور 1962، أولَ دستورٍ مغربيٍ بعد الاستقلال. إذ رأى الدستور يرسِّخ لاستقلالٍ منقوصٍ ولا يمثّل إرادة الشعب المغربي ولا يمنحه السلطة بل يضعها كاملةً في يد الملك. فرفض كلّ المطالب التي دعته للعودة إلى المغرب، ما لم يتمتع باستقلالٍ حقيقيٍ ويرحل عنه آخر جنديٍ أجنبي. إلّا أن حلمه بالمغرب تامّ الحرية لم يتحقق في حياته، فمات في منفاه القاهري سنة 1963.
وانطلاقاً من هذا الأفق الوحدوي يكتسب فكر الخطابي اليوم أهميةً متجددةً، إذ يوفّر أدواتٍ لإعادة تفكيك الروايات السائدة عن الهوية والتمثيل والسلطة. فيدفع نحو بناء ذاكرةٍ سياسيةٍ أكثر عدالةً وشمولاً، تُنصف الرموز المغاربية وتعيد وصلها بالحقل التحرري العالمي. ففي زمنٍ تتصاعد فيه أسئلة السيادة والعدالة الاجتماعية والكرامة، يبرز الخطابي نموذجاً لمقاومةٍ لا تُختزل في البندقية، بل تنفتح على رؤيةٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ جامعة.
إن استعادة الخطابي ليست محض قراءةٍ في الماضي، بل مواجهةٌ مع أسئلة الحاضر. ودعوةٌ لإعادة التفكير في موقع المغرب الكبير وإفريقيا ضمن خرائط التحرر في العالم، على أسس الوحدة والتعدد والحرية.

