كرَّست الخلافات بين هذه التوجهات الفكرية، وكذلك بين المشاريع العلمية التعليمية المصاحبة لها، ثنائيةً فكريةً وواقعيةً بين الحداثة والتقليد. وشهد المجتمع حضورَ نوعٍ من "التهجين الثقافي"، وغياباً للتواصل بين النخب الفكرية. لكن لم يمنع هذا من وجود محاولاتٍ للتوفيق بين الفكرَين، وبروز اتجاهٍ إصلاحيٍّ لبناء حداثةٍ إسلاميةٍ شاملةٍ، سواءً عن طريق بعض المفكّرين أو عن طريق نشأة باكستان سنة 1947. فقد كانت هذه الدولة الناشئة، وكما يَظهر في خطابات بعض وزرائها الأوائل، محاولةً لتجاوز هذه الثنائية نحو بلورة تحديثٍ إسلاميّ.
كان المفكر الباكستاني فضل الرحمن مالك أحد هؤلاء الطامحين لتجاوز الثنائيات بتحديثٍ إسلاميّ. فقد تقاطعت لديه الأفكار التقليدية والحديثة وآمال الإصلاح، نتيجة تكوينه الأسريّ والفكريّ والعلميّ. تقلَّد مالك منصباً استشارياً في دولة باكستان الناشئة، وطمح إلى تحقيق حلم التحديث بوضع أسسِ مشروعٍ تربويٍّ وتعليميّ. بنى مالك آماله على أسس الإصلاح والتحديث في الهند، لكن فشله أدى إلى عودة وترسّخ الفكر المحافظ. بهذا تمثِّل مسيرة فضل الرحمن الفكرية بعد السفر للتدريس والاستقرار في أمريكا تحليلاً لتاريخه الشخصي والعامّ، وبحثاً عن أسباب فشل التحديث الفكري والمؤسسّي، ومحاولةً لإيجاد حلٍّ منهجيٍّ يستنبت الحداثة من ممكنات القرآن العقلية.
كذلك اتجه الدهلوي في كتبه عن التصوف — مثل "القول الجميل في بيان سواء السبيل" و"فيوض الحرمين"، المطبوعة في طبعاتٍ عديدةٍ — لإعادة تقديم التصوّف بُعداً روحانياً وأخلاقياً، بعيداً عن الشكل الخوارقي الذي سيطر على تاريخ التصوّف في الهند. وعلى تشابه نقد الدهلوي التصوّفَ مع نقد كثيرين من رواد الإصلاح في الهند وخارجها، مثل عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ومحمد عبد الوهاب، فقد رأوا مثله أن التصوّف بصورته السائدة سببٌ مركزيٌ لتأخر المسلمين، إلا أن نقد الدهلوي يبرز اهتماماً أخلاقياً مركزياً. فقد رأى الدهلوي أن تحوّل التصوّف خرافةً سطّح المصدر الروحي الأساس لأيّ إصلاحٍ أخلاقيٍّ، خصوصاً وأن التصوّف هو العلم الإسلامي المسؤول عن خلق الإصلاح والإحسان في النفوس.
ويبدو هذا الاهتمام الأخلاقي كذلك في كتاب الدهلوي "إزلة الخَفا عن خلافة الخُلَفا" المطبوع أكثر من مرةٍ، وفيه نظرٌ لتاريخ الخلفاء نموذجاً أخلاقياً للمسلم. وضع الدهلوي كتابه "الفوز الكبير في أصول التفسير" ليكون مقدمةً أساساً لتفسير القرآن، بعيداً عن التفاسير الهندية المتخصصة والمحكومة ببيئة هذه المنطقة الخاصة. وترجم القرآن للفارسية ليتيحه للعامّة ويمكِّنهم من قراءته مباشرةً فيكون أساساً لكل تفاصيل معاشهم.
يتمثل التأثير الكبير لإصلاح الدهلوي في نشأة ما يسمّى "جماعة الحديث" وظهور "مدرسة ديوبند"، وهي أقدم وأكبر جامعةٍ أهليةٍ في شبه القارة الهندية، و"المدرسة البَرِيلَوية" الإحيائية التي أنشأها الفقيه والصوفي أحمد رضا خان البريلوي (نسبةً لمدينة بريلوي في الهند). يقول فضل الرحمن مالك في كتابه "الإسلام وضرورة التحديث"، المترجم للعربية سنة 1993، إن هذه المدارس مثّلت أساس التعليم التقليديّ في الهند بعد الاحتلال البريطاني.
فقد اتجهت "مدرسة الحديث" إلى التركيز على فهم الحديث حرفيّاً، واستبعدت الاهتمام الذي أولاه الدهلوي للعلوم العقلية وللحكمة والتصوّف مصدراً أخلاقياً تربوياً. وكانت مدرسة ديبوند، التي أسّسها عددٌ من تلامذة الدهلوي، محاولةً لمقاومة التعليم الإفرنجي والتغريب المفروض في الهند عبر تعليم القرآن والسنة وعلوم الحديث واللغة العربية. في حين أظهرت المدرسة البريلوية اهتماماً بمواجهة الأفكار الصوفية السائدة، ومنها أَسْطَرة شخصية النبيّ، في امتدادٍ للدرس النقدي الأخلاقي للتصوّف الذي أرساه الدهلوي.
مع ظهور التحديث الاستعماري في الهند وانتشار الكتابات الاستشراقية الناقدة للإسلام، ظهرت بعض التيارات المتفاعلة مع الأفكار الحديثة. من أهم هذه التيارات، التيار التحديثي مع سيد أحمد خان، والتيار التوفيقي مع شبلي النعماني.
اهتمّ سيد أحمد خان بتقديم تفسيراتٍ عقلانيةٍ للإسلام وللقرآن تقاوم الربط الاستشراقي بين الإسلام والخرافة. ومثل كثيرين من المصلحين العرب، ثمَّن خان الاتجاهات الاعتزالية العقلانية في مواجهة غيرها، واعتبرها المعبِّرة عن حقيقة الإسلام. أسّس خان الجمعية العلمية في عليكره شمال الهند سنة 1867، فكانت مركزاً لترجمة الأعمال الأجنبية الحديثة واستعادة التراث الشرقي غير الديني. ثم أسّس كلية عليكره سنة 1875، التي درّست العلوم الحديثة.
قصد خان بناء جيلٍ جديدٍ قادرٍ على فهم الحضارة الحديثة والتفاعل معها بعيداً عن القيود التقليدية الفكرية والأدبية. واقتحم تفسير القرآن وكَتَبَ تفسيراً بدأه سنة 1879. انطلق من مبدأ يرى أن القرآن والطبيعة متماثلان وأن عمل الله هو قانون الطبيعة وأنه يطابق كلام الله. وكان في ذلك محاولةً للتوفيق بين الدين القائم على الكلمة الإلهية، والعلم الحديث القائم على استقلال الطبيعة بقانونها، أي التوفيق بين النصّ والعلم الطبيعي.
كان النعماني من جماعة معهد عليكره كذلك، إلا أنه نحا موقفاً أقلّ تشدداً من خان أدّى به للانفصال عن عليكره وتأسيس ندوة العلماء في لُكناو، بغرض تكوين معرفةٍ أدّق بالعلوم التقليدية وفق فهمٍ حديث.
هذا السياق التعليميّ والفكريّ أدّى إلى نوعٍ من "المجتمع الهجين" تتعايش فيه أُمتان في المكان ذاته، مثلما يصف فضل الرحمن مالك. كان الانفصال هو المبدأ الحاكم للعلاقة بين النخب المتعلّمة في هذه المدارس المتعارضة، فكلٌّ منهم تربّى على منطلقٍ مختلفٍ لعلاقة الإسلام بالحداثة. تعرّض دعاة التحديث لسخريةٍ دائمةٍ واتهاماتٍ بالتغريب طالت حتى المعتدلين منهم مثل النعماني. وقد نشأ فضل الرحمن مالك وسط هذا الجدل الواسع حول الحداثة والإسلام. أثَّر ذلك في تكوينه العلميّ، وفي تشكيل هدفه نحو تحديث الإسلام.
صدر كتاب "الإسلام" سنة 1966، متزامناً مع طموح باكستان التوفيقي. جمع فضل الرحمن مالك في هذا الكتاب بين المنظورَين الإسلامي والحداثي، وبرز تشرّبه مبادئ الإصلاح الهندي بكلّ تنوعاته ورغبته في بلورة تحديثٍ للإسلام في كلّ مساحاته.
قدَّم فضل الرحمن في الكتاب رؤيةً تقليديةً وحديثةً للوحي والنبوة. فقد أعطى للنبيّ محمد، وسياقه النفسي والتاريخي، دوراً في تشكيل النص القرآني بمساعدة المَلَك جبريل، ما يجعل القرآن "كلام الله وكلام النبي". وعلى اختلاف هذه الرؤية مع السائد عن تصوّر علاقة النبي بالوحي ناقلاً له فقط إلا أنها رؤيةٌ تتبع تقليداً فلسفياً وروحياً قائماً في التاريخ الإسلامي. يمكن تقصّيه في فكر الفيلسوف المشّائي ابن سينا ثم صدر الدين الشيرازي، الفيلسوف الشيعي من القرن العاشر الهجري، كما يشير يوسف سنغاري في كتابه "القرآن والتاريخانية" المترجم للعربية سنة 2018، كذلك نجد هذه الرؤية في كتابات الدهلوي.
لذا يتجلى عند فضل الرحمن هذا الحس الأخلاقي المميز للإصلاح الهندي، والذي لم يقف فقط عند نقد الحركات الصوفية وإعادة بنائها جذرياً مثل الحال مع الدهلوي، بل وصل إلى النظر للعقائد الإسلامية أو للأفكار المركزية الإسلامية أفكاراً تكوينيةً أخلاقية. فالفكرة المركزية في القرآن، مثل فكرة الإنسان عن الله، ليست مجرد عقيدةٍ فكريةٍ غيبيةٍ، بل مبدأً عقدياً تشريعياً سلوكياً بالأساس، أخلاقيَّ الجذور.
بهذا شاطر فضل الرحمن مالك معظم المزاج الفكري الهندي الإصلاحي، وخصوصاً التحديثي، رفضهم تأويلات القرآن التراثية، ووافقهم على حاجة القرآن إلى تفسيرٍ عصريّ. كذلك شاركهم الاهتمام الكبير بتدريس الفلسفة والعلوم الحديثة، خصوصاً العلوم الاجتماعية، التي طالما نعى تأخّرها الكبير في العالم الإسلامي وخطا بعض الخطوات في سبيل تكريسها في واقع باكستان أثناء ترؤسه معهد البحوث.
كان لفضل الرحمن كثيرٌ من الرؤى التحديثية للفقه. من هذه الرؤى ما كتبه حول الربا في مقالة "الربا والفائدة" المترجمة للعربية سنة 2015، والتي نشرتها مجلة معهد البحوث سنة 1963. قدَّم في المقالة قراءةً تطوريةً تاريخيةً للآيات والأحاديث المتعلقة بالربا. وتوصَّل لأن الربا، المحرّم قرآنياً، هو الممارسة الإقراضية القائمة على السنّ والمضاعفة. فتضاعف الأموال مع كل تأخّر يجعلها ممارسةً جائرةً تزيد الإفقار والتفاوت بين الطبقات. في حين تعارضت الأحاديث حول الربا بحسب فضل الرحمن، إذ وسَّع بعضها نطاقه. كذلك بالغ بعض المعاصرين — مثل أبي الأعلى المودودي — في توسعة الربا سواءً في الممارسة أو في البضائع التي يقع فيها.
انتقد فضل الرحمن مالك هذه التوسيعات، على إبدائه تفهماً لمنطقها، إذ تبغي تحريم كل ما يؤدّي للجور في المعاملات المالية. وعدّ تناقض الأحاديث دافعاً للتوقف عند التحديد القرآني لما هو الربا. وفق هذا التحديد، فإن منع الفائدة لا ينطبق على كل الحالات، ولا ينطبق على فكرة الفوائد المصرفية الحديثة تحديداً. ويلحّ على أهمية الفوائد في النظام الاقتصادي الحديث، فهي تقوم مقام السعر وتخضع للعرض والطلب، وقد تصل إلى الصفر في حالة تضاعف ثروة الدولة.
وفقاً لهذا، يقول فضل الرحمن باستحالة التخلص من الفوائد تماماً مثلما كانت تدعو بعض الأقلام في باكستان. فذلك يعرّض النظام الاقتصادي للفشل، خصوصاً في دولةٍ ناشئة. ومن هذا المعنى يعدّ الصدقة في الإسلام مفهوماً تعاونياً، يصلح أساساً لمجتمعٍ إسلاميٍّ اقتصاديٍّ متماسكٍ لا يحتاج وجود الفائدة، وأن العمل على تطوير هذه الروح هي الطريق لإلغاء الفوائد مستقبلاً لأنها ستبني نظاماً لا يحتاجها.
يبرز فضل الرحمن أن الدعوة إلى التوليف بين الحديث والقديم، بدءاً من نظم التربية والتعليم وإلى القضايا الفقهية والاقتصادية، كان نقطة أساسٍ في مشروع دولة باكستان الناشئة، إلا أنه حلم لم يتحقق. ويستعيد في كتابه "الإسلام وضرورة التحديث" تصريحات القاضي محمد علي جناح أول حاكم عام لباكستان والذي يعتبره الباكستانيون "القائد الأعظم وأبو الأمة" ثم تصريحات وزير التعليم الأول في باكستان فضل الرحمن، والتي عرضها في مؤتمرٍ تربويٍّ سنة 1947، عن خلق نظامٍ تربويٍّ منتجٍ قائمٍ على القيم الإسلامية الأخلاقية العليا. وينوّه في الكتاب إلى التشابه بين هذه الدعوات ودعوة الفيلسوف والشاعر الهندي محمد إقبال لتحديثٍ إسلاميٍّ شاملٍ يستلهم المنابع الروحية لهذا الدين عصرياً، ويتجاوز أزمة نظم التربية والتعليم في الهند. ثم يقارن هذه الرؤى والطموحات بالواقع الذي آلت إليه الأمور من غياب أيّ تحديثٍ حقيقيٍّ للمدارس الدينية، ومن غياب أيّ حوارٍ بين النخب التقليدية والنخب ذات المنزع التحديثي.
برأيه، أدّى ترك الدولة مهمتها في تحديث الإسلام إلى نشأة وانتشار إسلامٍ محافظٍ يقاوم التحديث في المدن والريف. عقَّد ذلك الواقعَ بخلق ثنائيةٍ جديدةٍ بين الشعب التقليدي من جهةٍ، والحكام الحداثيين من جهةٍ أخرى.
الطريقة التي تُلقّيَت بها آراء فضل الرحمن مالك تفصح عن غياب الحوار والجدل المثمر في تجاوز الثنائيات، بل غياب محاولات التوفيق بينها. فلَم تسترِح النخب التقليدية لهذه الآراء أو الإجراءات الإدارية التعليمية، وظهرت مقاوماتٌ عنيفةٌ من بعض المجلات، مثل مجلة "الفجر" ذات الفكر التقليدي في كراتشي. بدا أن تلك الثنائيات الراسخة فكرياً ومؤسسياً تباعدت دون حلّ، مع عودةٍ للجانب الأكثر تقليديةً وتشدداً. فقد انتصرت مدرسة الحديث في رفضها الأفكار الحداثية، وفي رفضها كثيراً من الآراء المستندة على الحكمة الإسلامية وعلى تنوّع التراث الإسلامي الطويل التي أرساها ولي الله الدهلوي ورجال مدرسة ديوبند.
غير أن باكستان، التي رأى فيها فضل الرحمن الحلّ لتجاوز الثنائيات بخلق إسلامٍ حديثٍ شاملٍ، بدا أنها عمَّقت الثنائيات وكرّستها. تحولت الدولة الحلّ إلى دولةٍ أزمةٍ، وضاقت عن تحمّل حلول فضل الرحمن التحديثية، مما دعاه لمغادرتها إلى الولايات المتحدة سنة 1968. لكنه ظلّ يحمل سؤال التحديث معه، واتخذ في مُقامه البعيد محاولاتٍ للإجابة عن سبب انفجار الثنائيات بدلاً من تجاوزها، وسبب فشل عملية التحديث الفكري والروحي والأخلاقي بعد قرنٍ وأكثر على بدايتها.
في كتابه "جدل الحداثة بين الجنرال والباشا" المنشور سنة 2006، يسمّي أستاذ الفلسفة الراحل بجامعة القاهرة علي مبروك هذه السمةَ "سياسوية التحديث". أي النظر لعملية التحديث عمليةَ استعارةٍ خارجيةٍ لأحدث المنجزات العلمية والتقنية ونظم الحكم والإدارة والفكر، وإسقاطها على المجتمع فوقياً من نخبه الحاكمة والفكرية. ويشير فضل الرحمن لهذه السمة من التحديث الفوقي في باكستان، فهو يراها باديةً خصيصاً في تصورات التحديث الاقتصادية، إذ يُنظر لعملية التحديث عمليةَ تنمية. وفي المقابل، يعدّ التحديثَ عمليةَ تغييرٍ اجتماعيٍّ وفكريٍّ لجذور الفكر التقليدي واستنبات الحداثة من منابعه الروحية. وهو ما يسمِّيه مبروك "منطق غرس البذرة في مقابل قطف الثمرة".
تظهر هذه الفوقية والتوفيق السطحي في عملية قراءة القرآن في تاريخ الفكر الإصلاحي والحداثي في الهند وخارجها. فقد ظلّت معظم هذه المحاولات، من أحمد خان إلى محمد عبده، تُسقِط على النص بعض الأفكار الحديثة الفلسفية والعلمية بعيداً عن إيجاد منهجٍ تأويليٍّ دقيقٍ يستحضر سياقَ القرآنِ الموضوعيَّ والتاريخيَّ الخاص. هذا ما يسمّيه فضل الرحمن مالك "التحديثي الكلاسيكي" الذي "لا يمتلك أيّ منهجٍ يستحق هذا الاسم [إشارةً للتحديث]، بل يقتصر نشاطه على التعاطي الإجمالي مع مشكلاتٍ تبدو له وكأنها تتطلب حلّاً يفيد المجتمع الإسلامي، لكنها في حقيقتها مُستلهَمةٌ من تجربة الغرب". ويضيف: "الإسلاميون الأصوليون [. . .] يتحدثون عن الأصل دون بلورة أيّ فكرٍ أصيل من حوله"، ولا يُتعِب "الإحيائي الجديد" نفسَه في البحث عن منهجيةٍ للتفسير القرآني.
لذا تقوم النظرة التحديثية للقرآن عند فضل الرحمن على ركيزتين: إثبات إمكان وجود قراءةٍ معاصرةٍ غير إسقاطيةٍ للقرآن، أو "تأويلية أمينة وموثوقة"، ووضع أساسٍ تطبيقيٍّ واضحٍ لهذه القراءة يكون لبنةً أولى للتحديث.
لم تكن المهمة سهلة. فقد كان الإسقاط الذي مارسته بعض المحاولات التحديثية انعكاساً للبيئة التي نشأ فيها هؤلاء "المجددون". أي إن محاولاتهم كانت ربما ترقيعاً لأفكارٍ مسبقةٍ وراسخةٍ نشؤوا عليها وتشرّبوها وحكمت منظورهم للعالم والوجود. هذا المنظور يتواءم مع آراء الفيلسوف الألماني هانز غادمير الذي يرى أن القارئ وتاريخه وأفكاره المسبقة تتدخل حتماً في تفسيره، فتقف عائقاً بينه وبين القراءة الموضوعية الأمينة. وقد حاول فضل الرحمن مالك تفكيك هذه الرؤية لتكريس فكرته عن القراءة الموضوعية، أي القول بفعالية التاريخ وطرح "الانقطاع في التقاليد". وهذا الانقطاع ليس بجديد. فقد شهد التاريخ الإسلامي محاولاتٍ لتجاوز التراث والعودة للنص وتقديم قراءةٍ مغايرةٍ له، مثل محاولات ابن تيمية أو محاولات شاه ولي الله الدهلوي.
لم ينتقد فضل الرحمن إسقاطية التأويلات المعاصرة فحسب، بل التأويلات التراثية كذلك. يرى أن التأويلات التراثية تنقسم إلى ثلاث: التأويلية الفقهية والصوفية والفلسفية. مشكلة التأويلية الفقهية بنظره هي تجزئة القرآن وتفتيته، ومن ثم إعاقة القدرة على تكوين نظرةٍ كليةٍ للنص تكون أساساً لتفسيره موضوعياً وداخلياً، ووفق مرتكزاته الخاصّة. وأما التأويليتان الفلسفية والصوفية، وعلى انطلاقهما من قراءةٍ كليةٍ للقرآن، فمعضلتهما أنهما أُسقطا على القرآن وحدةً من خارجه. فقد قرأ الفلاسفة القرآن في ضوء مفاهيم الفلسفة وأسئلتها عن الوجود ومراتب العقل. وقرأ المتصوفة القرآن في ضوء التصورات الصوفية عن مراتب النفس والفناء في الله والمعرفة الباطنيّة.
كانت بلورةُ تأويليةٍ موضوعيةٍ للقرآن عند فضل الرحمن مالك تعني البدء بالوصول لمرتكزات القرآن نفسه أو موضوعاته الكبرى. استفاد في هذا السياق من كتابات المستعرب الياباني والمتخصص في الدراسات الإسلامية توشيهيكو إيزوتسو، الذي حاول تقديم قراءةٍ موضوعيةٍ كليةٍ لبعض الموضوعات القرآنية، فأبرز وحدة القول القرآني فيها مجرداً من الانطباعات ومعتمداً على كيفية فهم القرآن في عصره الأول. وهذا عن طريق التحليل الدلالي (عملية استخراج المعنى من النص) لورود هذه الموضوعات، مثل الإنسان والطبيعة وتحليل علاقتها داخل القرآن، وعلاقتها بالمصطلحات العربية الجاهلية ثم المصطلحات الإسلامية اللاحقة. طوّر فضل الرحمن هذه التقنية في كتابه "المسائل الكبرى في القرآن" المترجم سنة 2013. وقد طعّم بها منهجه التاريخي في قراءة القرآن، ثم نقلها من مجرد نشاطٍ تحليليٍّ لسانيٍّ لمفردات القرآن إلى تحليل القضايا العقدية التشريعية.
اعتبر فضل الرحمن أن ثمة ثلاث قضايا عقديةً تشريعيةً مركزيةً في القرآن، متعلقةً بالله والوحي والآخرة. تأتي مركزية هذه القضايا من أمرين: الأول كونها مفاهيم مركزيةً ضمن التقليد الإبراهيمي الذي ينتظم فيه القرآن، والثاني كونها مفاهيم أكَّد القرآن عليها في ضوء صراعه مع التمثلات الجاهلية الخاطئة لها.
ومن هنا ينظر فضل الرحمن لمفاهيم الله والآخرة والوحي مفاهيم أخلاقية. فالله عنده هو الناظم لتجربةٍ أخلاقيةٍ وسلوكيةٍ معاً، ويظهر في القرآن لا إلهاً معاقِباً أو قاضي قضاةٍ بل إرادةً غائيةً تضبط النظام الكوني. وعليه، فالقرآن هو تجلٍّ أخلاقيٍ لله في العالم.
ويبرز هذا الهمّ الأخلاقي في تحليل فضل مفهوم الآخرة في القرآن. فهو يعدّ هذا المفهوم أساساً للمسؤولية الأخلاقية القائمة على تجاوز النزعات، مثل الأنانية والتمركز حول اللذة. ومن خلال هذا المنظور، فالإيمان بالآخرة وسيلةٌ للكشف وتجلّي الحقيقة يوماً ما وظهور باطن كلّ شيء. وهو أشبه بوعيٍ داخليٍّ يستبطن في الدنيا هذا الانكشاف الأُخْرَوي للحقيقة. ما يدفع الإنسان في كل لحظةٍ إلى وزن الأمور بميزان البقاء والفناء فيساعده على الزهد والترفّع عن الدنيا أي كل ما هو فانٍ أو زائلٌ أو منحطٌّ، وتقدير الباقي والمستمر.
كذلك تبرز مقاومة فضل الرحمن مالك الإسقاطَ السطحيَّ في قراءته قضيةً مثل الطبيعة وقانونها وعلاقته بالمعجزة والإرادة الإلهية. فقد حاولت بعض الكتابات، ومنها كتابات سيد أحمد خان، قراءة الطبيعة من خلال سؤال الإرادة الإلهية، إذ ساوى بين كلمة الله والطبيعة ليوافق العلم الحديث مع الدين. وفي هذا الصدد، يشير المتخصص بالدراسات الإسلامية الباكستاني ظفر إسحاق الأنصاري إلى أن خان فسّر عدداً كبيراً من الآيات القرآنية في إطارٍ من العلوم الطبيعية، وكذا فسّر الآيات التي تتضمن المعجزات. ورد ذلك في المقالة التي كتبها الأنصاري بعنوان "التفسير العلميُّ للقرآنِ ومخاطره" ونشرت سنة 2007.
في المقابل، طرح فضل الرحمن سؤالاً حول كيفية نظر القرآن إلى الطبيعة وفقاً لسياقه الداخلي وبعيداً عن أسئلتنا المعاصرة (الإطار العلمي الوضعي). واعتبر أن حديث القرآن عن الطبيعة وتدميرها والتدخل فيها وتجاوز قانونها لا علاقة له بسؤال المعجزة أو الإرادة الإلهية أو انتظام الطبيعة بقانونٍ، بل هو سؤالٌ عن الحساب. ويعني أن صور تدمير الطبيعة ومعانيه في القرآن ضمن الآخرة (القيامة) إشارةٌ لكونها منتهيةً وفانيةً أصلاً. وفي القلب من هذا، السؤال الأخروي الأخلاقي للإنسان والمرتبط بقيمةٍ مركزيةٍ هي العدل.
ويمثل جهد فضل الرحمن مالك النظريُّ والتطبيقيُّ لتحديد مرتكزات القرآن خطوةً أوليّةً في بناء تأويليته. فيُتبِع هذه الخطوة خطوةً أخرى نظريةً، تتجلى في محاولة تجريد بعض القواعد النظرية العامة من آيات الأحكام التفصيلية التي تتضمن تشريعاتٍ فقهيةً وعقديةً وسلوكية. أي يتعامل معها قيماً قائمةً بذاتها. فمثلاً، يجرّد فضل الرحمن قيمة العدل من الآيات الداعية لتحرير الرقاب، ثم يربط هذه القواعد المستخلَصة بالمرتكَزاتِ القرآنيةِ الأساسِ "الله والوحي والآخرة". وتمتزج الخطوتان النظريتان معاً لتصبحا حركةً ضمن ما يسمّيه "الحركة المزدوجة"، أي الحركة التي تتجه من الواقع إلى النص ثم من النص إلى الواقع، بغية استلهام القرآن في السياق الاجتماعي المعاصر وثيقةً أخلاقية.
من هذا المنظور، فتأويلية فضل الرحمن تأويليةٌ جماعيةٌ، تحتاج في كلّ خطواتها لتضافر الكثير من التخصصات الحديثة المتنوعة. فبينما يَصلُح دارسو النصوص أو ذوو التكوين التقليدي المحدَث في خطوة تأويل النص مباشرةً، تحتاج خطواتٌ أخرى — مثل صياغة الأسئلة من الواقع ثم النقاش الفلسفي الأخلاقي ثم نقاش الخطوات الاجتماعية والتربوية الدقيقة — متخصصين يؤدون نوعاً من "الهندسة الاجتماعية" للواقع ضمن التحديث الإسلامي الشامل المنشود. يأتي هذا البرنامج الفكري الاجتماعي واضحاً في كلّ تفاصيله، ويبدو أن فضل الرحمن قد عاشه وحاول تطبيقه في باكستان.
وشهد خروجه من باكستان فشل التحديث وانتصار الأفكار المحافظة، التي لا تضيق فقط عن سعة الحاضر، بل تقصر كذلك عن إدراك تنوّع التراث. غير أنه حاول إيجاد الإجابة عن سؤال "لماذا فشل التحديث". وحاول أن يضع مبادئ قراءةٍ موضوعيةٍ أمينةٍ تستلهم القرآن وثيقةً أخلاقيةً وحضاريةً شاملةً، وتستدعي جهوداً مجتمعيةً لتفعيلها واقعاً، وترك كذلك بعض التطبيقات معالمَ هاديةً على طريق التحديث.
والآن، وبعد ما يقارب أربعين عاماً من وفاته، لا يزال السؤال ذاته مطروحاً. وتنتظم إجابات فضل الرحمن مالك، إلى جوار إجاباتٍ أخرى في شتى بقاع العالم الإسلامي، تنتظر القراءة والاستشكال والتطوير.

