الرياضي الذي همّشته سياسات الاستعمار وأهملته الذاكرة التونسية.. قصة علي النفاتي

تمثّل قصة الدرّاج علي النفاتي بين الشهرة والتميز في السباقات العالمية وبين النسيان، صورةً عاكسة لسياسات الاستعمار.

Share
الرياضي الذي همّشته سياسات الاستعمار وأهملته الذاكرة التونسية.. قصة علي النفاتي
لولا الخذلان لكان بطلاً قومياً يُذكر في كتب التاريخ | تصميم خاص بالفراتس

صباح 19 أبريل 1974 مات الدرّاج التونسي علي النِفّاتي في العاصمة الفرنسية باريس تحت عجلات قطار "الترام"، وقد قارب الثمانين من عمره. وانتهت بهذا حياة أول إفريقي شارك في طواف فرنسا للدراجات سنة 1913. كان النفاتي وقتها قد واجه النسيان بعد مسيرة رياضية حافلة شغلت الصحف، لاسيما الفرنسية منها، سنوات. لكن موته القاسي عمّق من نسيانه، سواءً في فرنسا التي عاش فيها سنوات المجد والغروب أو في بلده الأصلي تونس حيث لا يعثر له على كثير من أثرٍ اليوم. فقد عاش ممزقاً بين هويتين، واحدة تونسية ربطته بمسقط رأسه وأصله وأخرى فرنسية نالها لأغراضٍ رياضية مؤقتة سهلت له الطريق إلى المجد والشهرة. 

على بعدها الشخصي المأساوي، تلخص مسيرة علي النفاتي بعداً أوسع يعكس قصة الرياضة وأبطالها في المستعمرات الفرنسية التي اعتبرت مجتمعاتها وثرواتها المادية والبشرية مجرد ملحقاتٍ بالمركز الاستعماري تُشكَل وفقاً لمصالحه وحاجاته. فقد كانت مشاركة الرياضيين المحليين فرصةً وفخاً في آنٍ واحد، إذ كان بإمكانهم التألق والتفوق، بل والارتقاء اجتماعياً بفضل موهبتهم. لكن نجاحهم ظلّ مرتبطاً بالمستعمر وحاجاته، فكانت النتيجة تألقاً عابراً داخل الهرمية الاستعمارية ثم الاختفاء في الظل عندما لا تحتاج إليهم الإمبراطورية. لكن في اتجاه معاكسٍ، ساهمت الرياضة والأندية الرياضية في المستعمرات الفرنسية، وتونس ليست استثناءاً، في بناء الهوية الوطنية في مواجهة الاستعمار وتعبئة الأنشطة السياسية التقليدية كالأحزاب والنقابات.


يذكر الصحفي جيان فرانسوا كوينيت في مقالتِه "آ هيستوري أوف أفريكانس أت ذا تور دو فرانس" (تاريخ الأفارقة في طواف فرنسا) المنشورة سنة 2020، أنّ الدرّاج الفرنسي، هنري بيليسييه، ذهبَ في ربيع سنة 1913 إلى تونس للمشاركة في سباق دراجات تونس سوسة. هناك لفت نظره درّاج تونسي بالكاد يبلغ الثمانية عشر عاماً يدعى علي النفاتي. كان النفاتي المولود في مدينة تونس سنة 1895 قد بدأ مسيرته في ركوب الدراجات سنة 1908، وفاز بسباق تونس سوسة سنة 1912 وأصبح بطل تونس في سباقات المسافات الطويلة سنة 1913. أُعجب بيليسييه بالنفاتي ودعاه للتسجيل في "تور دو فرانس"، أي طواف فرنسا الذي يعقد سنوياً في شهر يوليو ويعد أشهر سباق دراجات متعدد المراحل في العالم.

عندما وصلته دعوة المشاركة، لم يكن لدى النفاتي ما يكفي من المال للسفر إلى باريس وتجهيز نفسه هناك. ولكي يصير حلمه حقيقةً تداعى أصدقاؤه الملاكمين والمصارعين التونسيين إلى تنظيم حفل رياضيٍ خيريٍ، ومُوّلت الرحلة من عائداته. في يونيو سنة 1913 عبَر النفاتي البحر المتوسط للمرة الأولى نحو فرنسا، ليصبح أول ممثلٍ للقارة الإفريقية في طواف فرنسا. هذا حسب ما يورده المؤرخان الفرنسيان ديدييه ري وفيليب تيتار في دراستهما "أنتر تونسي أي فرانس [. . .] " (بين تونس وفرنسا [. . .]) ضمن كتاب "لي شامبيون ديت 'دو كولوغ' أنتغ ميث إي غياليتي" (الأبطال "الملونون" بين الخرافة والحقيقة) المنشور سنة 2024.

أُنشئ سباق طواف فرنسا سنة 1903 بدفعٍ من هنري ديسغرانج، ناشر صحيفة "لوتو" ورئيس تحريرها. منذ نسخته الأولى حظي السباق بشعبية كبيرة، لتتحول صحيفة لوتو إلى سلطة معنوية قوية في تحديد مسيرة الكثير من أبطال اللعبة، ومنهم علي النفاتي. خاصةً وأن مشاركته ذلك العام كانت حدثاً غير مسبوق كونه أول دراجٍ إفريقي وأصغر متسابقٍ، وأيضاً لأنه كان مختلفاً عن جميع المتسابقين البيض.

لفتت سُمرته وملابسه الغريبة الأنظار، وكذلك جدارته مع سنه الصغيرة. وهو ما نقله شارل رافو، مراسل صحيفة "لوتو"، بتاريخ الثالث من يوليو 1913، في تغطيتِه السباقَ قائلاً: "أكثر ما أذهلنا هو أن هذا التونسي الشجاع، الذي يسهل تمييزه من خلال ارتدائه الطربوش أثناء السباق، كان ذئباً منفرداً بحق. قبل يومين من البداية، اشترى دراجته ولم تُجَمّع إلا في اليوم التالي". ثم يسرد رافو المصاعب التي واجهها النفاتي بأنّه اضطر للانطلاق من حديقة "دو برانس" غربي المدينة، دون أن يُثَبِّت مشابك أصابع القدم على دواساته. 

ويستكمل روفا القول إنّ النفاتي بدأ السباق مرتدياً حذاءً جديداً أعاقه بعض الشيء. ومن ثمّ يردف: "خلال المرحلة الأولى، تعرض [النفاتي] لحادث ولثقبين في إطار دراجته. وفي الثانية، تعرض للعديد من الثقوب. ومع ذلك، فقد احتل المركز الثامن بين المتسابقين المنفردين، متقدماً على بعض الفرق الجيدة ".

عاد النفاتي في العام التالي للمشاركة في السباق، وقد صمد حتى المرحلة الثامنة وحقق المركز الثالث والعشرين. كان عدد مراحل السباق في ذلك الوقت إحدى عشرة، يطوف فيها المتسابقون في طريق دائري على كامل البلاد. غير أن هذه الانطلاقة لم تدم طويلاً، وفقاً لديدييه ري وفيليب تيتار في "أنتر تونيسي إيه فرانس [. . .] ". فقد صدمت النفاتي سيارة سباق على طريق منطقة أوبيسك جنوب غرب فرنسا في التاسع من يوليو 1914، وتسببت له بإصابات تطلبت علاجاً.

وليصبح المشهد أقتم، لم يمر على النفاتي سوى أسبوعين من العلاج والنقاهة حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، ودخلتها فرنسا رسمياً في أغسطس ذلك العام في مواجهة ألمانيا.

علَّقت الحرب كثيراً من التظاهرات الرياضية وإن مؤقتاً، وبالتوازي دفعت فرنسا لتعبئة شباب المستعمرات للمشاركة في القتال. أرغمت سلطات الاستعمار التونسيين على المشاركة في هذا الصراع، وجنّدت منهم ما يقرب الثمانين ألفاً مقاتلين في الخطوط الأمامية. قتل منهم في سنوات الحرب الآلاف في الجبهات المختلفة، بينما لقي كثيرون حتفهم بسبب الأمراض أو الحوادث. وهذا ما يؤكده المؤرخ الفرنسي فرانسوا أرنولي في كتابِه "لي تونزيين إي لا بغمييغ قويغ مونديال" (التونسيون والحرب العالمية الأولى) المنشور سنة 1984.

كان علي النفاتي أحد المتطوعين على الجبهة، ما أكسبه شعبيةً في فرنسا وإشادةً نقلتها صفحات صحيفة لوتو في مقالها "لا غويغ إي نو" (نحن والحرب) المنشورة في عدد الرابع من أغسطس 1914. ثم ما لبث أن سُرِّحَ من الجيش قبل نهاية الحرب في 1916، ليعود إلى السباقات ويحلَ ثانياً في سباق باريس "تروفيل" ذلك العام.

شارك النفاتي بعدها في طواف فرنسا سنتي 1917 و1918 وجاء في المركز التاسع. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، شارك سنة 1919 في أول سباقٍ له خارج فرنسا، وهو طواف طَرَّكُونَة الإسبانية، الذي تبدأ مرحلته الأولى من باريس. ونجح في كسب المركز الأول في المرحلة الأولى الفاصلة بين باريس وفاسكو (في إقليم الباسك الإسباني)، والمركز الثاني في النتائج النهائية.

دفع هذا النجاح علي النفاتي خارج أوروبا. فقد عَبَر المحيط الأطلسي مع مدربه أشيل جيرمان سنة 1919 ليشاركَ في سباق "الستة أيام" في نيويورك، الذي كان يقام سنوياً منذ سنة 1899 في مضمار ماديسون سكوير غاردن وسط مانهاتن. كان إلى جانب النفاتي المتسابق المارتينيكي جيرمان إبرون (جزيرة مارتينيك في الكاريبي تتبع لفرنسا وسكانها يحملون جنسيتها). ولأنهما حققا نتائج جيدة عدَْتهما الصحافة الفرنسية الرياضية ''فريقاً فرنسياً"، حسبما أشارت إلى ذلك صحيفة لوتو في عددها الصادر في الثالث من مارس سنة 1921، مع أن النفاتي كان تونسياً. فالاستعمار الفرنسي في تونس كان منذ 1881 في شكل "حماية" انتدابية، تنازل فيها محمد الصادق باي، ملك تونس، عن جزء من سيادة دولته مقابل طرح الديون التي كانت عليها، وليس إلحاقاً كما هو شأن الجزائر. لذلك حافظ التونسيون على النواحي الشكلية في الهوية.

يذهب ديدييه ري وفيليب تيتار عبر مسح واسعٍ للصحافة الرياضية الفرنسية، إلى أن النفاتي أصبح يُنظر إليه "فرنسياً" طوال عشرينيات القرن الماضي، خاصةً منذ 1922 التي مثّلت بداية السنوات الثلاث الأثرى في مسيرته. ويشير الباحثان إلى "الوضع الهجين للرياضيين التونسيين، الذين كان عليهم الانتساب إلى اتحاد فرنسي، ولكن لم يكن يُسمح لهم بتمثيل فرنسا في المسابقات الدولية [. . .] ومع ذلك لم يفقد النفاتي هويته رسمياً، كونه كان يُسجل بانتظام تحت العلم التونسي [. . .] ولكن ظلت جنسيته [التونسية] تتلاشى في الوعي العام، وبشكل منهجي في الصحافة".

ربما كان النظر إليه فرنسياً أيضاً بسبب درجة اندماج النفاتي نفسه في المجتمع الفرنسي. فقد تزوج من مغنية أوبرا بولندية الأصل، وأنجب منها طفلةً أصبحت راقصة باليه وظهرت على صفحات صحيفة لوتو سنة 1929، ووصفت نجمةَ المستقبل. وقد دافعت الصحافة الفرنسية عن النفاتي بقوةٍ عندما أنهى اتحاد راكبي الدراجات في نيويورك عقد مشاركته بحجة أنه أسود البشرة في نوفمبر 1922، إذ كان السود يعيشون فصلاً عنصرياً في الولايات المتحدة حينها. وفي سنة 1926 عندما كان في طريقه إلى أستراليا، رفضت الشركة الجوية السماح له بالصعود على متن الطائرة بدعوى أنه "زنجي". لكن تصريحاته القوية للصحافة فرضت عودته للمشاركة سنة 1929، وتحديداً في ملبورن.

مع بداية الثلاثينيات كان النفاتي في منتصف عقده الثالث، وبدأت أسطورته في الخفوت. صارت الصحافة الرياضية التي احتفت به سنواتٍ تصفه بالدَّرَاج السابق، قبل أن يختفى من المشهد. ويرصد ري وتيتار أنّ آخر ظهور للنفّاتي في حلبة السباق في الاحتفال بالذكرى المئوية لاستعمار الجزائر سنة 1930. كان ذلك لافتاً، وربما دل على أن النفاتي كان مستسلماً للأفق الذي خلقه الاستعمار. فقد ولد في ظل الاستعمار، وفي ظله أصبح درّاجاً محترفاً، وفيه صنع شهرته.

ولأنه غادر تونس باكراً منذ 1913، لم يدرك الدراج التونسي تطوراتِ بلاده. فقد كان الشعب التونسي قبل الحرب العالمية الأولى لا يزال يبحث عن هويته. لكن بعد الحرب بدأت تتبلور الفكرة الوطنية وتعمقت حرب الهوية بين الاستعمار والحركة الوطنية الناشئة. وكانت الرياضة واحدةً من أدوات تعزيز هذه الهوية، مقابل استحواذ المستعمر عليها وسيلةً لتحقيق مصالحه ومظهراً من مظاهر استغلاله الشعوبَ الرازحة تحت سيطرته مادياً ومعنوياً. ومن هنا فقصة النفاتي في وجه من وجوهها كاشفةٌ عن العلاقة بين الرياضة والسياسة، ومظهِرةٌ الممارسات الاستعمارية الفرنسية منذ بداياتها في تونس سنة 1881.


تقول كلير نيوكلا، الباحثة في جامعة بازل السويسرية، في كتابها "أون سي لونغ كوغ" (سباقٌ طويل) المنشور سنة 2024، إنّ الرياضة كانت جزءاً مما عدّه الاستعمار "رسالته الحضارية لتمدين الشعوب الخاضعة وتأديبها". إذ مثلت التربية البدنية والرياضية المنظمة أدواتٍ للنظام الاجتماعي. رأى الإداريون الاستعماريون والضباط العسكريون في الرياضة وسيلةً لغرس الانضباط والولاء ونموذجاً للصحة الجيدة، وهي صفاتٌ مفيدةٌ للسيطرة الاستعمارية وخلق طبقةٍ من الرعايا الأصحاء. وقد عزّز ظهور الحركة الأولمبية الحديثة في 1896 ورمزها الأساسي ومؤسسها الفرنسي بيير دي كوبرتان هذا التوجه، وفقاً لدراسة سنة 2010 بعنوان "كولونيزاسيون إيه باغتيك سبوغتيف" (الاستعمار والممارسات الرياضية) للباحث بيير بوفييه من جامعة باريس.

تُرجمت هذه الدوافع العقائدية إلى هدفين عمليين متداخلين للسياسة الاستعمارية. الأول كان جعل الرياضة أداةً للاستيعاب والهندسة الاجتماعية، عبر المدارس والمنظمات الشبابية والنشاطات العامة. والثاني الحفاظ على التسلسل الهرمي الاجتماعي والعرقي بالتحكم في الوصول إلى المعدات والمرافق والمسابقات المنظمة، كما يوضح المؤرخ دريس عبّاسي في دراستِه "لو سبوغ دان لامبييغ فغانسي" (الرياضة في الإمبراطورية الفرنسية)، المنشورة سنة 2009. ويضيف أن أولى الرياضات المستوردة كانت الجمباز في نهاية القرن التاسع عشر، عبر الجمعيات الفرنسية والعسكرية. تبع ذلك الرياضات المائية والملاكمة والدراجات الهوائية، ومن ثم تدريجياً الرياضات الجماعية مثل كرة القدم والرغبي.

أُدخلت هذه الأنشطة في البداية مع الجيش والهيئات الحكومية والمستوطنين الأوروبيين والمنظمات الدينية، مثل جمعية "جان دارك للجمباز"، التي أسسها في يونيو 1900 اثنا عشر خريجاً من رابطة "خريجي إخوان المدارس المسيحية في تونس". وهو ما تذكره دراسة للمؤرخ الفرنسي بيير صوميل بعنوان "ليز أكتفيتيه إيه ليز أوفه [. . .]" (الأنشطة والأعمال [. . .])، ضمن كتاب "لا تونزي موزاييك" (الفسيفساء التونسية) المنشور سنة 2020.

يقول المؤرخ التونسي الحبيب بلعيد في دراسته "لو فينومين سوغتيف دو لا تونيزي كولونيال" (الظاهرة الرياضية في تونس الاستعمارية) في كتاب "ميغوا مغرباه" (مرايا المغرب) الصادر سنة 2020، أن هناك تناقضاً في المنطق الاستعماري. يتجلى هذا التناقض بين تشجيع الاستعمار الممارسات البدنية جزءاً من رسالته الحضارية، وفي الوقت نفسه تقييد إمكانية بروز رياضيين ماهرين من السكان المستعمرين. فلم يوفر المستعمر الحدَ الأدنى من العدالة في المرافق الرياضية بين السكان المحليين والمستوطنين. وأقام هؤلاء المستوطنون العديدَ من الملاعب والنوادي، خاصة في المدن الساحلية مثل تونس العاصمة وحلق الوادي وبنزرت وسوسة، مثل ''راسيغ كلوب" و"نادي فيرفيل" ونادي ''سافويا دي لا غوليت". أتاح لهم ذلك مساحاتٍ حصريةً أقيمت فيها منافسات منتظمة ولقاءات اجتماعية.

لم ينته الأمر على النوادي والملاعب الحصرية، فقد استثمرت السلطات البلدية التي يهيمن عليها الأوروبيون في الملاعب العامة والمنتزهات. لتصبح هذه الاستثمارات بمثابة نقاط فصل اجتماعي الأفضلية فيها للأوروبيين. وكذلك دمجت السلطات الاستعمارية أراضي شمال إفريقيا إدارياً ضمن الاتحادات الرياضية الفرنسية. يقول بلعيد إنّ الاتحادات الرياضية أنشئت في تونس، مثل رابطة كرة القدم التونسية التي أنشئت في التاسع من ديسمبر سنة 1921، تابعةً للاتحاد الفرنسي لكرة القدم. وأسست اللجنة الإقليمية للاتحاد الفرنسي للملاكمة في تونس سنة 1922، لتكون امتداداً أو فروعاً إقليمية للهيئات الفرنسية. منح ذلك السلطاتِ الفرنسيةَ سيطرةً رسمية على قواعد المنافسة والتراخيص والانتماء الدولي.

نتج عن هذه العلاقة الإدارية أن الأندية والرياضيين التونسيين غالباً ما كانوا يتنافسون ضمن تسلسلات هرمية استعمارية. إذ يذكر بلعيد في دراسته "لوجيك إيثنيك إي لوجيك كولنيال" (المنطق العرقي والمنطق الاستعماري)، ضمن كتاب "الفسيفساء التونسية"، إن هذه التسلسلات الهرمية قيدتْ من فرص التونسيين في البروز.

كانت لجان الاختيار وهيئات التحكيم الإدارية في أيدي الفرنسيين أو المرتبطين بهم. لذلك كان للاعبين والأندية الفرنسية فرصٌ أكبر للحصول على تصاريح السفر والدعم المالي والإعفاءات التنافسية. وهو ما بدا جلياً في قصة النفاتي الذي لم يكن ليشارك في سباق طواف فرنسا دون وساطة هنري بيليسييه. ولم يكن قادراً على السفر دون الحفل الرياضي الخيري الذي نظمه رفاقه التونسيون لتمويل رحلته، على براعته الرياضية. غير أن كثيراً من هذا تغيّر مع نمو دور الحركة الوطنية التونسية، والرياضة جزءاً من أدوات تحشيدها.


فاقمت الحرب العالمية الأولى من تناقضات الحكم الاستعماري. وغذّت تضحيات آلاف التونسيين من الجنود في معارك لا ناقة لهم فيها شعوراً بالظلم، إلى جانب غياب الحقوق السياسية والعدالة الاجتماعية للسكان عموماً. يضاف لذلك ما كان سائداً من سياسات الفصل بين المستوطنين الفرنسيين والسكان المحليين في الأنشطة والإمكانات الرياضية، ما قوض فرص التونسيين في الصعود في هذا المجال.

تصاعد النشاط السياسي ضد الاستعمار مع تأسيس "الحزب الحر الدستوري" سنة 1920 بقيادة الزعيم السياسي والديني عبد العزيز الثعالبي، الذي صاغ هوية سياسية متماسكة تتمحور حول حقوق الشعبِ التونسي. وظهرت بعد أربع سنواتٍ أول منظمة نقابية تونسية هي "جامعة عموم العملة التونسيين" بقيادة محمد علي الحامي، الذي عاد إلى تونس سنة 1924 بعد رحلة طويلة قادته إلى ليبيا وتركيا وألمانيا، حيث تأثر بأفكار اليسار والحركات النقابية. ولكن نقابته الوليدة سرعان ما قُمِعَتْ بسبب نشاطها القوي والمؤثر في صفوف العمال التونسيين.

في ذات الفترة تقريباً، كان إنشاء نواد رياضية تحت سيطرة تونسية عملاً آخر من أعمال التنظيم الذاتي، موازياً للتعبئة السياسية في ظل الحزب الدستوري والنقابات. سنة 1919 شُكِّل أول نادٍ رياضي تونسي يؤسسه ويديره تونسيون، في حي باب سويقة بمدينة تونس القديمة وهو الترجي الرياضي التونسي. أسسه لاعبا كرة القدم محمد الزواوي والهادي القلال، وضمَ داخله فرقاً للألعاب الفردية والجماعية. وفي سنة 1920، تأسس النادي الإفريقي في حي باب الجديد بالمدينة القديمة، وكانت ألوانه الرسمية شبيهةً بالعلم التونسي وشعاره النجمة والهلال، فضلاً عن اسمه الذي يحيل إلى القارة الإفريقية ويحمل أبعاداً سياسية مضادةً الاستعمار. وشغل فيه الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة منصباً إدارياً عندما كان محامياً فترة الاستعمار. وشغل بورقيبة لاحقاً منصباً في نادي الترجي الرياضي، على ما يذكر الكاتب التونسي أحمد الزوابي في مقالتِه "الرياضة في تونس..مسار من التوظيف السياسي والغضب الجماهيري" المنشورة سنة 2021.

حاولت السلطات الاستعمارية تقييد ظهور هذه النوادي بحصرها في نقاط الهرمية الاستعمارية السائدة. فرفضت في البداية منح ترخيص العمل للنادي الإفريقي ورهنته بثلاثة شروط، تعيين فرنسي رئيساً لمجلس الإدارة، وتغيير الألوان إلى الأحمر والأبيض، والتخلي عن الشعار الوطني التونسي. لكن إصرار المؤسسين نجح في النهاية في افتكاك الترخيص دون تنفيذ الشروط، وأُسِّسَ النادي برئاسة التونسي بشير بن مصطفى، وقد كانت سابقة في تاريخ الرياضة التونسية.

فتح هذا النجاح الطريق سنة 1927 لتأسيس "جمعية الزيتونة الرياضية" نادياً رياضياً مدرسياً لطلاب جامع الزيتونة. كان مؤسسو النادي الطيب ميلادي وحمادي بن عزوز ومحمد صلاح البرقاوي، وهم من الناشطين في الحركة الوطنية والثقافية التونسية ضد الاستعمار. ثم في سنة 1928 تأسس النادي الرياضي الصفاقسي، في مدينة صفاقس جنوب البلاد. ويذكر الحبيب بلعيد في دراسته "الظاهرة الرياضية في تونس الاستعمارية" أنّه أُعْلِنَ عن النادي في احتفال في المسرح البلدي أغاظ  السلطات الفرنسية، بسبب رفع العلم التونسي دون العلم الفرنسي، وكذلك بسبب الأغاني الوطنية التي أذيعت في الحفل. 

من هنا لم تكن هذه الأندية وطنية لمجرد أن أعضاءها كانوا يحملون مشاعر وطنية، بل إن خياراتهم المؤسسية ذاتها، كالاسم والإدارة والبرامج، حاولت إزاحة التراتبيات الهرمية الاستعمارية. وتحويل الرياضة من وسيلة للانضباط إلى ممارسة حيوية للتعبئة الجماهيرية ضد السيطرة الاستعمارية.

وفضلاً عن مسألة تحدي الهرمية الاستعمارية، كانت الأندية التونسية مساحاتٍ لتواصل الشباب التونسي. إذ قدّمت لقاءات منتظمة ومنظمة مثل الدورات التدريبية والمباريات والرحلات للمشاركة في المسابقات، وغرست في الشباب الانضباط والعمل الجماعي والتنظيم. فيذكر دايسوكي ساتو، الباحث مع وكالة اليابان للتعاون الدولي، في دراسته" سبورت آند أيدنتِتي إن تونيزيا" (الرياضة والهوية في تونس) المنشورة سنة 2004، أنّ الرياضة أصبحت وسيلةً غير مرئية لتشكيل كيانات مدربة على التنسيق والعمل الجماعي. ويردف أن قدرة الرياضة على حشد آلاف المتفرجين في الملاعب والصالات الرياضية، جعلت الأندية حلفاء قيّمين في المظاهرات السياسية الحاشدة وجمع التبرعات. هذا بالإضافة لما خلقته المباريات بين الأندية والبطولات الإقليمية وجولات الأندية من أنماطٍ ترابط بين المدن والأحياء.

سهّلت هذه الروابط انتشار الأفكار الوطنية بالحوارات والنشرات والخطابات العامة في المباريات، وأوجدت شبكات تواصل سريعة خارج القنوات السياسية التقليدية كالأحزاب والنقابات، بل حتى الصحافة. وفي أوقات تصاعد القمع، كانت شبكات الأندية أحياناً بمثابة قنوات بديلة للاجتماعات أو التنظيمات السرية، لاسيما وأن النوادي الرياضية في تلك الفترة كانت تنهض بأدوارٍ ثقافية كالمسرح والموسيقى.

فقد ساهم النادي الإفريقي مثلاً في تأسيس المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية سنة 1934، الذي يعد أقدم مؤسسة موسيقية تونسية وأهمها. وأسس النادي بدايةً من الثلاثينيات فرقة مسرحية خاصة. فأصبحت النوادي الرياضية فضاءات عامة، تُعرض فيها الروايات والأغاني والرموز الوطنية أمام مئات الأشخاص أو الآلاف. ورسَّخت هذه العروض الهويةَ التونسية المضادة للاستعمار، وأظهرت إمكانية وجود حياة جماعية تونسية مستقلة عن المؤسسات الاستعمارية. وهي نوعية الحياة التي يقول عنها الكاتب الصحفي التونسي أحمد عادل أنها تطورت أداة فاعلة في تطوير الحركة الثقافية والسياسية التي ساهمت في قيادة البلاد نحو الاستقلال سنة 1956.


عندما غادر علي النفاتي تونس سنة 1913، كان كثير من التونسيين لا يزالون مستسلمين لصدمة الاستعمار، ولم يكتشفوا في الرياضة وسيلة يمكن أن تساهم في تحررهم من سطوته. ولأن النفاتي كان غائباً عندما تغير الحال وتعزز الوعي التونسي مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، فلربما ظل على وعيه الأول. لكن لأن حياته بدت وكأنها تشكلت على الحدود الضيقة بين مرحلتين تاريخيتين، خذله التاريخ والمكان معاً. ولولا ذلك الخذلان لكان بطلاً قومياً تونسياً يُذكر في كتب التاريخ والحكايات الشعبية والأغاني.

غير أن الصورة اليوم قد انقلبت، وصار اليمين الفرنسي الذي كان داعماً قوياً للحملات الاستعمارية، هو من يضيق ذرعاً من وجود أبناء المهاجرين في المجال الرياضي الفرنسي ويعتبرهم أقل جدارة وطنيةً. على ما ساهم فيه هؤلاء في جعل فرنسا واحدةً من الدول الأكثر تتويجاً في الرياضات الفردية والجماعية. صار هؤلاء الرياضيون أقدر على مقاومة الوصم. وفي سياقات معاصرة من التطور السياسي والتقني، صار صعباً أن ينتهي بهم الحال إلى ما انتهى إليه علي النفاتي ممزقاً بين هُويتيْن ومنسياً بسبب عدم حاجةِ الاستعمار له.

اشترك في نشرتنا البريدية