الريس زكريا.. هكذا حوّل فنّ السمسمية من طقس شعبي إلى مشروع لحفظ التراث

على إيقاع السمسمية ودائرة الضمّة، تتكشف سيرة الريّس زكريا بوصفها موسيقى تُعاش أكثر مما تُروى.

Share
الريس زكريا.. هكذا حوّل فنّ السمسمية من طقس شعبي إلى مشروع لحفظ التراث
الريس زكريا أنقذ السمسمية | تصميم خاص بالفراتس

دخلتُ مساء 19 مايو 2023 سوق البازار الجديد في وسط مدينة بورسعيد اختصاراً لطريقي، فشدني صوت السمسمية، وهي آلة وترية شعبية تعد أبرز رمز موسيقي لمدن قناة السويس المصرية. وخلافاً لما اعتدتُ عليه من الاكتفاء بالمشاهدة العابرة لمثل هذه السهرات الثقافية المألوفة والمتجذّرة في فضاء مدينتي، غيرتُ طريقي وانضممتُ إلى دائرة الحفل المعروفة محلياً باسم الضمّة، وتشمل الفرقة والجمهور معاً. تبيّن لي أنها فرقة الطنبورة التي يرتبط اسمها محلياً بشخص يعرف باسم الريّس زكريا، واسمه الكامل زكريا إبراهيم، وهو أحد مطوري مسار فن السمسمية راقصاً ومغنياً.

غير أن سيرة الريّس زكريا تتجاوز المساهمة الفنية، فهو مؤثرٌ ثقافي تشكّل وعيه شعبياً، وتبلور مشروعه الفني متداخلاً مع سياقات الحرب والتهجير وما بعدهما من تغير اجتماعي واقتصادي في مدن القناة. فمن تأسيسه فرقةَ الطنبورة يظهر تحوّل السمسمية من أداء عفوي مع الصحبة والسهرات الشعبية إلى مشروع واعٍ لحفظ التراث، يعمل على إعادة تنظيمه وتقديمه خارج شروط الاستهلاك التجاري. بهذا لم تكن الطنبورة مجرد فرقة موسيقية، بل منصةً لاستعادة الأغاني المنسية ولمّ شتات الفنانين القدامى، وبناء شبكات جديدة للأداء والتوثيق. وفي هذا المسار تتكشّف علاقة الفن الشعبي بالذاكرة الجمعية، لا مخزوناً ساكناً، بل فعلاً مقاوماً، راهن فيه زكريا إبراهيم على الموسيقى شكلاً من أشكال صيانة ثقافة المجتمعات. وهي لمحاتٌ أحالها لي في لقاء جمعنا في أواخر مايو 2023، قبل وفاته بأقل من عام.


تأسست فرقة الطنبورة تحت اسم فرقة بورسعيد للتراث الشعبي سنة 1989، قبل أن يتغير اسمها إلى الطنبورة سنة 1994. وتلتقي الفرقة بجمهورها أسبوعياً في مقهى "ملوك الجدعنة" في بورسعيد، بعدما كان ينُظم سابقاً في مقهى "وعد بيتش" على شاطئ البحر، لتقدّم عرضها الموسيقي الاستعراضي. تضم الفرقة آلاتٍ موسيقية متنوعة، غير أن صوت السمسمية يظلّ مهيمناً إلى حد يُخيَّل معه للمستمع أنها وحدها بالحفل.

تصمت السمسمية، ثم لا يلبث أن يظهر مؤسس الفرقة الرّيس زكريا يتحدث بإيجاز عن خلفية إحدى الأغاني التراثية. يسلّم بعدها مكبّر الصوت إلى المغنّي فتستأنف السمسمية دورها المركزي في بثّ البهجة واستدعاء التفاعل الجماهيري تصفيقاً وترديداً جماعياً. يتلو ذلك تناوب أعضاء الفرقة على دخول دائرة الحفل، مؤدّين رقصة "البمبوطية"، وتعني "تجار البحر"، وهي رقصة شعبية تحاكي لغة جسد صيادي السمك.  

ينبع تفرد الفرقة في قدرتها على بناء علاقة ثقة طويلة الأمد مع جمهورها، تحوّل فيها اسم الفرقة إلى علامة ثقافية تضمن تنوّع المحتوى، فضلاً عن مهارة العزف والأداء. حققت الفرقة  الاعتراف العالمي، فقد اختارت مجلة "سونغلاينز" البريطانية عضو الفرقة، محسن العشري سنة 2006 ضمن قائمة أفضل خمسين عازفاً في العالم، وذلك وفقاً لمقالة "السمسمية تعزف لمصر أنغام الحرب والسلام" على موقع "إندبندنت عربية" للكاتبة مي إبراهيم سنة 2023. جاء ذلك تقديراً لمساهمته في تطوير الآلة، إذ رفع عدد أوتارها إلى خمسة عشر وتراً، ما أتاح العزف على طيف أوسع من المقامات الشرقية. 

استعار زكريا إبراهيم آلة الطنبورة من الزار (وهو طقس شعبي يجمع بين الموسيقى والدفوف والبخور لاستجلاب الجن أو طردهم)، لتخرج للمرة الأولى خارج طقوس الزار للجمهور في الشارع والمسارح، ووضعها جنباً إلى جنب مع السمسمية "لأول مرة في التاريخ" حسبما أخبرني. في هذا التشكيل، تعزف الطنبورة "القرار" بصوتها العميق، فيما تُقابلها السمسمية في "الجواب" بطبقتها الحادة.

واستحدثت الفرقة أيضاً انطلاقاً من آلة الطنبورة، آلتي "الطنبورة باص" و"تشيللو الطنبورة". لتشكّلا، إلى جانب آلتي السمسمية والطنبورة تشكيلاً رباعياً وترياً، أسمته الفرقة "رباعي السمسمية". وهو ما ظهر في الحفلة المسجلة "الطنبورة على مسرح جيزويت الإسكندرية" في فبراير 2008.

العنصر الأخص لتجربة الفرقة يتمثل في مكوّنها الصوفي. فقد استلهمت الفرقة الكثير من الحضرة الصوفية، وهو ما بدا في جلباب بعض أعضائها الأبيض والوشاح الأخضر وكذلك الأداء الحركي. وبرز هذا التأثير مثلاً في عرض الفرقة في لندن سنة 2006. افتُتح الحفل بمقطوعة موسيقية استمرت نحو تسع دقائق، استهلّها عازفان يرتديان زياً صوفياً، اشتركا في العزف على آلتي الناي والسمسمية، قبل أن يتقدم المسرح عضو ثالث بالفرقة ويقدم رقصة ذات طابع صوفي استمرت ثلاث دقائق تقريباً. 

والتداخل بين السمسمية والإنشاد الديني قد يكون أحد الفروق الجوهرية التي ميزت تجربة فرقة الطنبورة عن نظيراتها في مدن القناة. إلا أن رحيل أغلب أعضاء جيلها الأول أسفر عن تراجع هذا الملمح البصري، مع بقاء أثره الروحي في تفاعل الجمهور. وهو نفس الرابط الذي يجمع السمسمية مع فن الضمّة. 

يقول محمد شبانة، أستاذ الموسيقى الشعبية المتفرغ بالمعهد العالي للفنون الشعبية في أكاديمية الفنون المصرية، في كتابه "أغاني الضمّة في بورسعيد" الصادر سنة 2006، أن فن الضمة تأثر بالإنشاد الديني. وتحديداً "الصحبجية" الصوفية المرتبطة تاريخياً بحلقات الذِكر. وتفسِّر هذه الخلفية اقتصار الضمّة في مراحلها المبكرة على استخدام الآلات الإيقاعية فقط دون اللحنية، إلى جانب التصفيق بالأيدي. ويظهر هذا التأثير في اقتباسهم من القوالب الغنائية السائدة آنذاك، مثل الأدوار والتواشيح والطقاطيق. ويُعد دور "يا حادي العيس" مثالاً دالاً. إذ كان في الأصل موالاً أدّاه المغني والملحن عبد الحي حلمي سنة 1909، قبل أن يعيد الصحبجية صياغته ضمن قالب دور الضمّة.

ويُرجع شبانة تسمية "الضمّة" إلى بدايات حفر قناة السويس سنة 1859 حين جُلِبت أعداد كبيرة من العمال من مديريات مصر المختلفة. وفي نهاية أيام العمل الشاق، انضم أفراد كل جماعة إلى بعضهم ليخففوا  عن أنفسهم بأغانيهم. ومع مرور الوقت تطورت وظيفة الضمّة لتغدو تجمعاً غنائياً يُستدعى لإحياء مناسبات اجتماعية متعددة، مثل الزواج والحج. أما الركن الآخر المكمّل الضمَّةَ فيتمثّل في الأغاني المستوحاة من البيئة البورسعيدية، لاسيما أغاني الصيد، مثل "فوق شط البحر سوّحنا، وطرحنا الشبك بأيادينا".

ومن السمات اللافتة في تجربة فرقة الطنبورة أيضاً عدم تقاضيها أجراً مادياً مقابل عروضها، إلا في حالات نادرة. وقد أثار هذا الإنتاج غير التجاري أحياناً تساؤلات عن دوافع الاستمرارية لدي هؤلاء الفنانين مع انعكاساته السلبية على أوضاعهم الاقتصادية. ولا يغيب عن الذكر ما ورد في الفيلم التسجيلي "الندّاهة" سنة 2005، وفيه يقول الريّس رجب، واسمه رجب أبو حسن: "ضيَّعتْ مستقبلي"، في إشارة إلى السمسمية. فقد فضَّلَ قضاء الوقت معها على الذهاب إلى عمله، علماً بأن مهن أغلبهم حرفية بسيطة.

مدفوعاً بفضول الباحث وشغف المعرفة اتجهتُ إلى الريس زكريا إبراهيم مباشرةً. ليس لأنه مؤسس الفرقة فحسب، بل لارتباط اسمه بمشروع أوسع لحفظ فنون الغناء الشعبي. رحّب بفرصة الحديث وحدّد لي موعداً في مقهى نفرتيتي المطل على شارع الملّاحة في مدينة بورفؤاد التابعة لبورسعيد، وكان ذلك في نهاية مايو 2023، أي قبيل رحيله عن عالمنا في فبراير 2024.

بعد دقائق من الجلوس معه، اكتشفتُ في شخصه أكثر مما أملت. فقد بدا أنه يتحلّى بشغف الأطفال مع كبر سنه الذي وصل السبعين وقتها، وبذاكرة قوية مكَّنته من استدعاء أحداث قديمة. عندها أدركتُ أنني بصدد رحلة ثرية في تاريخها وأحداثها وشخصياتها، لكنها في الوقت ذاته حملت صعوبات جمة شكلت مساره الفني. وكانت حرب 1967 أبرز تلك الأزمات وأكثرها تأثيراً في مجرى حياته.  


شنت إسرائيل في 5 يونيو 1967 حرباً على مصر وسوريا، أسفرت عن احتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة وهضبة الجولان السورية. ألحق العدوان الإسرائيلي على الجبهة المصرية أضراراً جسيمة بالاقتصاد المصري، لاسيما بعد إغلاق قناة السويس واحتلال إسرائيل ضفةَ القناة الشرقية. بهذا صارت مدن القناة في قلب الصراع العسكري المباشر، حتى بات يُشار إليها باسم "مدن خط النار". ولما طال العدوان الإسرائيلي المدنيين والمنشآت الحيوية، فيما بدا محاولة لاستهداف الجبهة الداخلية لإفقاد سُكان مدن القناة الثقة في مجابهة العدوان، بات إخلاؤها وتهجير سكانها إجراءً اضطرارياً. 

في ورقتها البحثية "سكان مدن القناة [. . .] بين الاستقرار والتهجير (1967-1974)" المنشورة سنة 2019، تُبيّن أسماء محمد محمود أن خطة التهجير الإجبارية بدأت في 30 سبتمبر من العام نفسه، واقتصرت في مرحلتها الأولى على مدينتي الإسماعيلية والسويس، ولم تكن تعرّضت بورسعيد آنذاك للاعتداء. غير أن هذا الوضع لم يدم، إذ قُصفت بورسعيد في 15 مايو 1969، ما أسفر عن تهجير نحو مئتين وأربعين ألف نسمة من سكانها. نشطت الأجهزة التنفيذية وفي مقدمتها وزارة الشؤون الاجتماعية، إلى جانب التنظيمات الشعبية وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي، في سبع محافظات مضيفة عُرفت آنذاك بمحافظات الأمان، الغربية وكفر الشيخ ودمياط والمنوفية والقليوبية والبحيرة والدقهلية. 

شكلت هذه الانعطافة التاريخية مسار زكريا، إذ كان حينها في السابعة عشرة واختار مع عائلته الهجرة إلى مدينة السنبلاوين، التابعة محافظةَ الدقهلية. واجه زكريا في السنبلاوين مشاعر مختلطة من الإحباط وفقدان الروابط الاجتماعية، فضلاً عن صعوبة الاندماج في بيئة ريفية تختلف في بنيتها الثقافية والاجتماعية عن بورسعيد الساحلية.

وسط هذا كله وجد في السمسمية متنفَّساً، فانضم إلى فرقة "المهجَّرين" التي تشكّلت من مهجّري الإسماعيلية والسويس، لتبدأ رحلته مع الغناء والرقص على أنغام السمسمية. لم يكن مغنّياً محترفاً، بل جزءاً من جماعة أدائية قوامها المشاركة والانخراط الجماعي.

ويؤكد هذا المعنى تعريف زكريا مصطلحَ "الصحبجي"، إذ قال "أي مجموعة تغنّي وتحب اللعبة اسمها صحبجية، وممكن أن يقتصر دور الشخص على الترديد فقط ليكون صحبجي". يُرجع محمد شبانة تسمية الصحبجية إلى جماعة "الصهبجية"، الذين اشتهروا في منتصف القرن التاسع عشر بأداء الموشحات. غير أن الرواة في منطقة البحث ينسبون أصل الكلمة إلى مفهومي الصاحب والصحُبة. وقد يفسّر هذا الاشتقاق اللغوي شغفهم بفن السمسمية، إذ يُشبع حاجتهم الجماعية إلى البهجة والانسجام، فيُطلقون على هذه الجلسات تسمية "قعدة الحظ" أو "اللعبة". وتعكس إحدى الأغاني هذا المعنى بقولها "الليلة ليلة جميلة، مفرحة ومشجيّة، غنّت فيها الطيور ويّا الصحبجيّة، ولا فيش ليلة انسجام زي الليلة ديّ".

وهذا ما مكن السمسمية من أداء دور اجتماعي في لمّ شمل المهجّرين والتفريج عنهم من وطأة الاغتراب. ومع انتشار الفرق في مناطق الهجرة القسرية، استطاعت السمسمية أن تبني جسوراً اجتماعية مع سكان المدن المضيفة، بإحياء حفلات الخطوبة والزواج. وأسهمت الزيارات المتبادلة بين المهجّرين في انتقال الأغاني التي وُلِدت من رحم الحنين إلى الوطن، مثل أغنية "يا مسافر بورسعيد عند البلد الحزينة، سلِّم على كل نسمة ترفرف على المدينة"، التي خرجت من مدينة رأس البر بمحافظة دمياط. وأرجع زكريا لهذه الأغنية الفضل في إشعال شرارة انجذابه الأولى إلى السمسمية. وأطلقَ على من ينضم إلى فرق السمسمية بعد التهجير لقب "صحبجي هجرة"، تمييزاً لهم عن أبناء بورسعيد الذين ارتبطوا بالسمسمية قبل النزوح.

كانت هذه التجربة الجماعية، بما حملته من اندماج اجتماعي وتعبير جسدي وموسيقي، مفصلية في تشكّل وعي زكريا الفني، ورسّخت علاقته بالسمسمية حتى بعد زوال العدوان وعودة المهجرين.


في بحثها تُبيّن أسماء محمد محمود أن عودة المهجَّرين جاءت عقب الإعلان الرسمي عن انتهاء الحرب في الثامن من يونيو سنة 1974. وذلك بعد زيارة الرئيس أنور السادات إلى مدن القناة، مستجيباً لطلب ممثلي الأجهزة التنفيذية والشعبية الإسراع بعودة المهجّرين الذين عانوا ظروفاً بالغة الصعوبة في مدن المهجر. وذلك بعدما كان مقرراً أن تبقى مدن القناة معسكرات عمل مغلقة إلى أن يُنْجَز تعميرها وتشغيل خدماتها ومرافقها.

دبّت الحياة في المدن المدمرة بوتيرة أسرع مما قدَّرته الأجهزة التنفيذية والشعبية، كما تورد أسماء محمود. وعاد إلى بورسعيد في اليوم الأول فقط نحو مئةٍ وعشرين ألف مهجَّر، فور الإعلان عن إلغاء التصاريح التي كانت شرطاً لدخول المدنيين لأيام محدودة. وكان قد تقرر السماح بدخول المدنيين لبورسعيد والإسماعيلية بالتصاريح حتى أكتوبر 1974، فيما سمح بدخول السويس الأشد تضرراً حتى ديسمبر من العام نفسه.  

أخبرني زكريا أنه لم يكن ضمن العائدين في تلك المرحلة، فقد انتقل إلى القاهرة سنة 1971 بهدف الالتحاق بالمعهد العالي للتعاون الزراعي، وتقلصت على الأقل في بداية انتقاله فرص عزف السمسمية نتيجة ابتعاده عن الصحبجية.

تزامن مسار زكريا التعليمي مع انخراطه في العمل السياسي بانتمائه إلى الحركة الطلابية، التي أثرت كثيراً على تفكيره. يقول أحمد عبدالله رزة، المتخصص في العلوم السياسية، في كتابه "الطلبة والسياسة في مصر" المنشور سنة 2007، إن الطلاب كونوا فضاءً عاماً منذ الثلاثينيات وساهموا في الدفاع عن الاستقلال الجامعي والحقوق الوطنية. ويضيف أن نشاطهم تطور بالتوازي مع التحولات السياسية الكبرى في البلاد، خاصةً في فترات ما بعد ثورة 1952 وحتى أوائل السبعينيات. وتقول الكاتبة والروائية أروى صالح، وقد كانت من أعلام الحركة الطلابية المصرية في السبعينيات، في كتابها "المُبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية" المنشور سنة 1996، إن النشاط الطلابي انتفض إثر هزيمة سنة 1967، فقد انهار الحلم الوطني والاجتماعي الذي ارتبط بزمن عبد الناصر، وانفتحت الأسئلة القاسية والنقدية على مصراعيها بين المثقفين والطلاب. 

في تلك الأجواء بلغ الجدل الفكري والسياسي ذروته واندفعت الحركة الطلابية تعبيراً عن حيوية استثنائية داخل المجتمع، لا قطيعة تامة مع النظام، وهو ما انعكس على الشارع الذي تعاطف مع الحركة الطلابية أداةَ ضغط لا عداءً جذرياً. 

انجذب زكريا كغيره من الطلاب إلى الحركة، كما يرد في كتاب أحمد عبدالله رزة، لكون هذه الحركة وفرت أدوات تحليلية لفهم الهزيمة والقمع السياسي والهيمنة الأمريكية.

أثر انخراط زكريا السياسي على دراسته، فقد اعتُقل عدة مرات أدت إلى تأجيل امتحاناته. ومع ذلك لم يضعف ولعه الأول بالسمسمية، فواصل أداء رقص البمبوطية في الأفراح الشعبية بالقاهرة من وقت لآخر. 

وكانت السمسمية، كما ذكر، أول ما بحث عنه بعد عودته إلى بورسعيد سنة 1980. حينها وجد أن مناخ المدينة العام والخاص قد تغيّرا، ما جعله يكتب عدداً من الخطابات التوعوية عن أهمية الحفاظ على تراث السمسمية. وحذّر من مخاطر فقدانه، مؤكداً على دور السمسمية في الحياة الاجتماعية والوطنية. أصدر نشرة غير دورية بعنوان "تنوير" يوزعها على الناس، وهو ما بدا تأثرّاً بالممارسات السياسية التي خبرها في العمل الطلابي، مثل أساليب مخاطبة الجمهور عبر "مجلات الحائط".

ذكر الريس زكريا أن هذه المبادرة قوبلت عادةً بالتجاهل، بل وصمه بعض أصدقائه في بورسعيد بلقب "المثقف الحالم"، إذ بدت فكرة حفظ تراث السمسمية غريبة على الوعي الجمعي السائد آنذاك. 

لم تفض ثمانية أعوام من المحاولات المتعثرة إلى تراجع الريس زكريا، إذ ظل شعوره بالمسؤولية محركاً أساساً لاستمراره. في نهاية سنة 1988 حضر حفلاً أحياه محمد الشناوي، أحد عازفي السمسمية القدامى، فأدرك محدودية الخطاب الرومانسي وانتقل إلى مقاربة عملية تليق بواقعه، فعرض  الريس زكريا على الشناوي العزف مقابل أجر. وقد بدا ذلك محاولة للتأقلم مع مناخ النزعة في الثراء السريع الذي ساد بين أبناء مدينته بورسعيد، في ظل سياسة الانفتاح التي أقرها الرئيس أنور السادات في منتصف السبعينيات بالانتقال من النظام الاشتراكي إلى الرأسمالي، وإعلان بورسعيد "منطقة حرة" سنة 1976 وسيلةً لجذب الاستثمار.


شجّع هذا المناخ الاقتصادي الصاعد على تكوين فرق سمسمية بغرض جمع "النقوط"، أي المقابل النقدي لقاء توجيه التحيات في المناسبات الاجتماعية. وقد روى زكريا أنه في الشهور الأولى بعد عودته لبورسعيد، أثناء مروره بشارع الحميدي، أحد الشوارع الرئيسة في بورسعيد، شاهد فرقة سمسمية تُحيي حفل زفاف في الشارع. غير أن اهتمامها انصرف عن الغناء والمرح إلى جمع "النقوط"، مقابل ترديد صيغ التحية من قبيل "السلام بيقول: طازة وعال يا أم الخلول، حلوة وعال يا أم الخلول، السلام جاي من فلان إلى فلان".

كانت هذه الحادثة فارقة، إذ خاف زكريا من تآكل الأغاني الشعبية من الذاكرة الجمعية، فقرر البحث عن الصحبجية الذين غابوا عن المشهد لرفضهم العيش في مناخ تجاري لا يُلبي احتياجاتهم الروحية. لكن هذه المهمة كانت صعبة، فلم يكن يعرف لهم اسماً أو عنواناً، فقد انضم إلى السمسمية أول مرة في السنبلاوين ولم يكن له سابق معرفة بصحبجية بورسعيد. لكنه استطاع بعد ثماني سنوات أن يستدل على الصحبجية القدامى، بمساعدة عازف السمسمية محمد الشناوي، وكوّن فرقة "بورسعيد للتراث الشعبي" سنة 1988، لتقدم عروضها مجاناً.

غير أن العروض المجانية وضعت زكريا في مواجهة غير متكافئة مع منظومة ثقافية اقتصادية مكتملة، استمدت فيها فرق النقوط طاقتها من منطق القوة النفعية، ما جعل عداءها مشروعَ زكريا بالغ الشراسة، كما قال. فبينما اشتدت شوكة الفرق التجارية بفضل النقود ضعفت شوكة زكريا للسبب نفسه، لاسيما في ظل التزامه بسداد أجر العازف محمد الشناوي، وتحمله نفقات تدريب الفرقة وتنقلاتها.

غير أن هذا الاختلال لم يكن مجرد نتيجة ظرفية، بل ارتبط باختيار واعٍ اتخذه زكريا معبّراً عن رفض إخضاع السمسمية لمنطق المقابل الفوري، وخشيته من انزلاقها إلى نمط استهلاكي يفرغها من معناها الاجتماعي والوجداني. وهذا ما يذهب إليه نظرياً الفيلسوفان الألمانيان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر في كتابهما "دايالكتيك أوف إنلايتنمنت" (جدل التنوير) المنشور سنة 1944. إذ يقرران أن الثقافة في ظل الرأسمالية تخضع كلياً لعلاقات السوق، فالرأسمالية منظومة ثقافية أيضاً. ويصف أدورنو أثر ذلك على استهلاك الثقافة بقوله "كل شيء له قيمة فقط بقدر ما يمكن تبادله، لا بقدر ما هو عليه في ذاته". 

ووفق هذا المنظور، يمكن فهم ممارسة فرق النقوط إنتاجاً ثقافياً موجهاً أساساً نحو الاستبدال النقدي. يحوّل ذلك فن السمسمية إلى سلعة، ويتعامل معه الجمهور مادةً استهلاكية قابلة للمقاطعة أو الاختزال لصالح تبادل التحيات، دون اكتراث ببنيته الشعرية أو الموسيقية، ما قد يؤدي تدريجياً إلى تفريغه وتبديده. 

في محاولته مقاومة هذا المناخ، حاول زكريا توسيع نطاق عروض فرقته خارج بورسعيد، ساعياً للحفاظ على الروح المعنوية لأعضائها وإبقائهم في حالة فعل لا انتظار. لكن هذا الخيار ظل في البداية محدود الأثر ولم يكن كافياً لتجاوز الأزمة، ما دفعه إلى اتخاذ أكثر قراراته جذرية ببيع منزله وتوظيف ثمنه في إنشاء مشروع صغير لتصليح الجلود، مكتفياً بالعيش مع زوجته في مساكن مستأجرة. عاش على راتبه موظفاً في وزارة التموين، بينما وجه دخله من محل تصليح الجلود الذي فاق راتبه الحكومي لتمويل الفرقة والصمود في مواجهة فرق النقوط.

ثابر في السنوات الخمس الأولى من عمر الفرقة على تقديم حفلين أسبوعياً، في محاولة للوصول إلى حفظة الأغاني. وهو ما قاده كذلك إلى التعمق في دراسة الأسباب وراء اختفاء تلك الأغاني، وكذلك غياب آلة السمسمية عن هذه السردية. فوجد نفسه باحثاً في تاريخ السمسمية علاوةً على كونه أحد أقطابها.


ذكر زكريا أنه بحث بحثاً ميدانياً عن أصل دخول آلة السمسمية إلى بورسعيد، مستنداً إلى شهادات ثلاثة من فناني السمسمية، علي أبو حجي من مواليد السويس سنة 1913، وأحمد السواحلي من مواليد الإسماعيلية سنة 1916، والداش عبد السلام المولود في بورسعيد سنة 1916.

اتفق الثلاثة، حسب زكريا، على أن الفنان السويسي عبد الله كبربر حمل آلة السمسمية إلى مدينتي بورسعيد والإسماعيلية سنة 1938، وتعمد التوجه إلى جماعة "الزار السوداني"، الذي وُجِد في مصر منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر عقب ضم السودان في عهد محمد علي سنة 1820. لم يكن اختيار كبربر جماعاتِ الزار صدفةً، إذ يستخدم ممارسوه آلة الطنبورة في موسيقاهم الطقسية. ووفقاً لما يذكره الباحث في تاريخ الموسيقى سمير يحيى الجمال في كتاب "تاريخ الموسيقى المصرية، أصولها وتطورها" المنشور سنة 1999، تُعد السمسمية النسخة المصغّرة من آلة الطنبورة، تُضبط مثلها خماسياً، أي تعتمد خمس درجات من السلم الموسيقي. هذا التقارب البنيوي واللحني سهّل على كبربر إيجاد عازفين لديهم الاستعداد لتبنّي الآلة الجديدة. 

ذكر زكريا أنه في فترة الثلاثينيات تحمس العازف البورسعيدي إبراهيم خلف للعزف على السمسمية، ونقلها إلى المقاهي فلاقت قبولاً واسعاً بين أهل المدينة. لكن هذا الانتشار وضعها في عداء مع فناني الضمّة، الذين تعاملوا مع أغانيهم بروح ذات طابع شبه مقدّس، نظراً لخلفيتها الصوفية. لكن مع حرب العدوان الثلاثي سنة 1956، خَفَت صوتهم لصالح أغاني السمسمية في دعم المقاومة الشعبية. كما في أغنية "لما فشل إيدن [رئيس وزراء بريطانيا] واحتار، هدّ البلد وحرقها بنار". وبعد الحرب بدا أن المزاج الشعبي انحاز إلى إيقاعها السريع وصوتها الحاد، لتنسحب أغاني الضمَّة تدريجياً. فلم يبقَ من اسمها سوى دلالته على شكل الاحتفالية. 

عزز زكريا كذلك بحثه الميداني عن أصل دخول السمسمية إلى بورسعيد سنة 1938 مستعيناً بنظريات علم المأثورات الشعبية. قال لي: "من المعروف في علم الفولكلور أن أي آلة موسيقية تنتقل من مكان إلى آخر تحمل معها مخزونها الموسيقي، مقامات وألحان، وأيضاً الأغاني المصاحبة لها. ولم يوجد في تاريخ المدينة أي أغنية نوبية تُغنّى باللغة النوبية ذاتها". 

تختلف الرواية المتوارثة عن نظرية زكريا بشأن توقيت دخول السمسمية إلى بورسعيد والإسماعيلية، ويورد هذه الرواية المؤرخ ضياء الدين حسن القاضي في "موسوعة تاريخ بورسعيد" الصادرة سنة 2015. يرى القاضي أن السمسمية دخلت إلى مدن القناة مع النوبيين أثناء حفر قناة السويس بين سنتي 1859 و1869. تشابهت نظريتا زكريا والقاضي في الإشارة لدور النوبيين في نشر الآلة في مدن القناة الثلاث، ويذكر زكريا أن عبد الله كبربر ينحدر من أم نوبية. غير أن نسخة السمسمية التي حملها معه إلى بورسعيد والإسماعيلية لم تكن النسخة النوبية، بل النسخة المنتشرة في المدن المطلة على جانبي البحر الأحمر.

هذا التعمق في دراسة تاريخ السمسمية ظل شاهداً على جهد الريس زكريا في ربط هذا الفن بتراث المنطقة، وساعده هذا على تطوير فرقته لتصبح واحدة من الفرق المعترف بها في مصر وخارجها.


دَعمت الفرقةَ مؤسسة "فورد" الأمريكية سنة 1994، وهو العام الذي تغير فيه اسم الفرقة إلى الطنبورة. واعتبر زكريا ذلك الدعم مرحلة جديدة تطلبت أدوات معرفية أكثر علماً، فصنع لنفسه "معسكر قراءة" مكثفاً، اطّلع فيه على المسرح وعلم المأثورات الشعبية. ومكّنه ذلك من إدارة فرقته على أسس أوعى، واستطاع أن يجمع أكبر مجموعة من الأغاني. وقد ورد ذلك في الفيلم الوثائقي "الطنبورة.. إمساك الروح الهاربة" المنتج سنة 2006، واعتمد على ذاكرة الريّس إمبابي، الشيخ الصوفي وأحد حفظة أغاني الضمة. وكان إمبابي من أوائل من انضموا إلى الفرقة، إلى جانب أحمد وليم ومحمد القط والسيد الجيزاوي والشيخ رجب، وغيرهم من الفنانين القدامى. 

توسّع مشروع زكريا من حفظ تراث بورسعيد إلى مرحلة أكبر، فقد جاء في موقع "مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية" أنه أسس المركز المذكور سنة 2000 بالقاهرة. وقد أراده منظمةَ مجتمع مدني ثقافية غير ربحية بهدف إحياء التراث الموسيقي الشعبي المصري وتوثيقه وتطويره، انطلاقاً من أقاليمه المحلية أولاً، ثم تسويقه داخل مختلف الأقاليم المصرية وصولاً إلى المجال الدولي.

وفي نفس سنة تأسيس الطنبورة أسس زكريا أيضاً فرقة الصحبجية في الإسماعيلية، التي تغيّر اسمها سنة 2009 إلى "الوزيري"، تكريماً لفنان الإسماعيلية محمد الوزيري. كذلك أسس فرقة "الحنة السويسي" في السويس.

ويشير اللقاء التسجيلي "من أرض الإسماعيلية.. قصة أشهر آلة في مدن القناة مع أحمد عطا الله" المنتج سنة 2023، إلى أن مدن القناة شهدت قبل ذلك ثلاث فرق هي: "ولاد الأرض" في السويس، و"الصامدون" في الإسماعيلية، و"شباب النصر" في بورسعيد، ركزت جميعها على الأغاني الوطنية. لكن بعد اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل سنة 1978، تغيَّر الخطاب وانتهى معه دور هذه الفرق. وهو ما عبّر عنه زكريا بقوله إن تلك الفرق لم تكن سوى "جمل اعتراضية في مسيرة الفن الشعبي". في إشارة إلى طابعها الظرفي المرتبط بسياق سياسي محدد.

ذلك الحماس والشغف الذي رأيته في عيون زكريا عند لقائنا ترسخ وراءه كما يبدو الكثير من الطموح. فلإبراز التعددية الموسيقية والثقافية داخل المجتمع المصري، أسس الريس زكريا تسع فرق أخرى تمتد من سيناء إلى الدلتا وصولاً إلى صعيد مصر. وهي فرق: "دراويش أبو الغيط" وترجع إلى جزيرة بالقرب من القليوبية وتقدّم نوعاً جديداً من الزار لا يؤمن بالغيبيات، لكنه يستخدم الموسيقى أداةً للصحوة الروحية. و"مزامير النيل" وتنتمي موسيقاها إلى صعيد مصر، و"نوبا نور" وتنتمي إلى النوبة، و"كفافة" وتقدم فناً مصرياً قديماً ما زال موجوداً في صعيد مصر يتميز بالتصفيق، و"أسياد الزار" وتتكون من بعض فناني الزار المصري والسوداني، و"بلدي" وتجمع موسيقاها المعاصرة بين الآلات التقليدية المصرية والغربية وتقدم تعاوناً فريداً بين موسيقيين شعبيين من فرقة الطنبورة وموسيقيين من فرق مصرية شهيرة، مثل فرقة "وسط البلد" و"الدور الأول". 

وقد ورد في شهادة زكريا إبراهيم ضمن كتاب "ذس إز وات هابند" (هذا ما حدث) الصادر سنة 2012، أنه أحيا آلة الرانجو السودانية، التي تشبه آلة الإكسلفون. وبناءً عليها أسس فرقة "الرانجو" سنة 1996 لتقدم موسيقى مرتبطة بالتراث السوداني، واشتهرت الآلة داخل التجمعات السودانية في الإسكندرية والإسماعيلية والقاهرة.

في السنة التالية اكتشف زكريا عائلة البراكمة، التي تعيش في عزلة بمنطقة المطرية بمحافظة الدقهلية وتتنوع مواضيع أغانيهم بين الدينية والعاطفية وأغاني الصيادين. 

وانتهى البحث بالريس زكريا في البيئة الصحراوية إلى تأسيس فرقة "الجركن" البدوية في سيناء، التي استمدت اسمها من "الجركن" (وعاء بلاستيكي)، وهو أيضاً آلتها الرئيسة. إذ يقرع المؤدون الجركن، ويستعينون أيضاً بصناديق ذخيرة معدنية احتفظوا بها من مخلفات الحروب.

وتقدم هذه الفرق عروضاً منتظمة في مجتمعاتها الأصلية، بجانب مشاركتها على مسرح مركز المصطبة، "مسرح الضمَّة"، بمنطقة عابدين وسط القاهرة. إضافة إلى مشاركتها في مهرجانات دولية.

أسس زكريا أيضاً ثلاث مدارس للناشئين في بورسعيد سنة 2003، والسويس سنة 2004، والعريش سنة 2012، استهدفت تعليم الأطفال الموسيقى والرقص الشعبي.  


في بحثي في فن السمسمية توقفتُ عند رؤية عالم الفن الشعبي السويدي "كارل فيلهلم فون سيدوف" للمأثورات الشعبية، في أنها "لا تنتمي إلى الشعب بكامله، إنما تلحق بأفراد بذواتهم، أولئك هم الحفظة والرواة". لذلك بدت لي قراءاتي وذكرياتي فرداً من الجمهور غير كافية، ما جعل لقائي مع الريّس زكريا ضرورة منهجية لفهم علاقته الروحية بالسمسمية، التي لم يُضعفها تقدّمه في العمر وهو المولود سنة 1952.

 وعندما علمتُ بخبر وفاته في 11 فبراير 2024، حزنت كأنني فقدت صديقاً قديماً. لكن القلق على مصير التراث بدا أقل حدّة. فإن كانت الحروب دمرت العمران وأعادت الحركة الاقتصادية بناءه، فإن العكس هو ما حدث مع السمسمية، إذ رسّختها الحرب في المزاج الشعبي. وحين نالت منها ثقافة السوق، أعادت ذاكرة الإنسان بناءها وإحياءها. بهذا عاش زكريا إحدى مفارقات حياته حين جمع تراث السمسمية لحمايته من السوق، ثم وجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع منطق السوق ذاته كي لا يتخلّف. فاستثمر وسائطه وجمع عبر مركز المصطبة نحو سبعمئة ساعة من المواد السمعية والبصرية، إلى جانب إنتاج مجموعات موسيقية وأفلام ومواد ترويجية للفرق. وفي الوقت نفسه، حرص على الحفاظ على روح الصُحبة والانسجام بين أعضائها، فلا يشعر الجمهور بوجود رئيس يتقدمهم، إذ إن جوهر السمسمية كامن في روح الجماعة. 

هكذا انجذب الريّس زكريا إلى فن السمسمية "لسانَ حال الشعب"، كما ذكر، خاصةً في الفترات العصيبة. وحين أسس فرقة الطنبورة لم تكن لحفظ التراث فحسب، بل لإنقاذه من التحنيط أو التحوُّل إلى متحف صامت. أدركَ أن كل محاولة لإنقاذ هذا التراث تنطوي على خطر فصله عن الناس، فاختار أن يُعيده إليهم حيّاً، في الشارع وفي الرقص وفي الصوت الجماعي الذي لا يُختزل في أرشيف أو ملف. 

اشترك في نشرتنا البريدية