لكن لم تلبث سويعاتٌ حتى انبلج صباح السابع من أكتوبر 2023. فعند الساعة السادسة والنصف تقريباً، وبينما كان أطفالي كمال وآلاء وآية يتجهزون للذهاب لمدرستهم شرق مدينة غزة، دوّت أصوات الانفجارات في المناطق الشرقية من المدينة وترددت أصوات الصواريخ المُنطلقة من القطاع باتجاه ما يُعرف بمستوطنات غلاف غزة.
ظننتُ أول وهلةٍ أن الأمر يقتصر على مدينة غزة، لكن سرعان ما بدأت الرسائل النصية القصيرة والمكالمات تتوالى على هاتفي المحمول من زملاء عملٍ وأصدقاء وأقارب في مناطق متفرقةٍ من القطاع يطمئنون ويتساءلون. ومع تبادل الرسائل، تبيّن أن الحدث ليس موضعياً، بل يشمل قطاع غزة بأكمله.
أدرك كثيرٌ منا حينئذٍ أن ذلك الصباح لن يكون عادياً، وأن ما سيَلِيه سيُعيد تشكيل مسار الأحداث في المنطقة وفلسطين، وغزة خصوصاً. فقد بدا يوماً مفصلياً ستمتدّ تداعياته إلى مختلف مناحي الحياة. أولى هذه التداعيات تمثّلت في إعلان المدارس والجامعات في قطاع غزة تعليق الدراسة "حتى إشعارٍ آخَر". غير أنني في داخلي كنت أشعر بأن هذا "الإشعار" لن يشبه ما سبقه، وأن التوقف هذه المرة لن يكون عابراً كما في جولات العدوان السابقة. وأن مستقبل التعليم في غزة بات على المحكّ.
كثفت إسرائيل منذ السابع من أكتوبر سياسة استهداف المدارس والجامعات والبنية التحتية التعليمية في قطاع غزة، فيما بدا محاولةً ممنهجةً إزاء "الإبادة المعرفية"، لتجريد الفلسطينيين من حقّهم في التعلم والمعرفة وتحطيم مستقبل الأجيال الشابة. غير أن هذه السياسات تحولت دافعاً لإعادة تعريف التعليم في غزة ليتجاوز مهمته التقليدية ويتحول من آليةٍ لنقل المعرفة إلى فعل مقاومةٍ رمزيةٍ لتعزيز صمود أهالي القطاع في وجه القهر والإبادة. ومع ثقل وطأة الحرب والمآسي التي حملتها موجات النزوح والمجاعة، ابتكر الأكاديميون والطلبة وسائل بديلةً لدعم استمرار العملية التعليمية، التي أصبحت في ظل هذا الواقع وسيلةً لإنتاج المعنى ومساحةً لإعادة بناء الذات والمجتمع. وبهذا تعزَّزت مؤسسات التعليم العالي في غزة مواقع مقاومةٍ رمزيةٍ تحافظ على استمرارية المجتمع بإنتاج رأس مالٍ معرفيٍ وثقافيٍ في ظل ظروفٍ تهدف إلى تقويض هذا الوجود. وباتت صوتاً يعلو فوق أصوات القصف والدمار.
ففي وسط بيئة الاحتلال والحصار، حيث يطال التدمير المنهجي البُنى التحتية، ظلّت المنظومة التعليمية في غزة تحافظ على قدرٍ من الاستقرار النسبي. وقد سبق حرب السابع من أكتوبر تحدياتٌ بنيويةٌ شملت شحّ الموارد وضعف التمويل وصعوبة الانخراط في الشبكات الأكاديمية الدولية، وارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين إلى مستوياتٍ تُعدّ من الأعلى عالمياً، حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
أما اليوم، فحين أستحضر حرم جامعة الأقصى، يتراءى أمامي الركام الذي يملأ المكان بفعل الآلة العسكرية الإسرائيلية. لم يُصَب ما تبقّى من حلمنا الأكاديمي بأضرارٍ جانبيةٍ فحسب، لقد مُحي حرم الجامعة كاملاً. أما حرم خانيونس فقد تغيّر شكله ووظيفته، إذ لم يعد فضاءً للمعرفة كما كان، بل مأوىً لعشرات آلاف النازحين الذين فقدوا بيوتهم وأحبّاءهم. ويفترشون اليوم القاعات نفسها التي كان الأكاديميون يناقشون فيها حقوق الإنسان وحقوق الطفل والمرأة ومواثيق الأمم المتحدة وأخلاقيات الحرب.
هذا التحول وما رزح خلفه من إزاحةٍ وظيفيةٍ قسريةٍ ضد مؤسسات التعليم العالي في غزة كان بالغ الألم. فبعد أن كانت الجامعة رمزاً للأمان والاستقرار، غدت فضاءً تتردد فيه أصوات الخوف والجوع. والأرقامُ، مهما كانت قاسيةً، قد تقول ما تعجز الكلمات عن احتماله.
فوفقاً لتقريرٍ صدر مطلع يناير 2026 عن جامعة كامبريج البريطانية بالشراكة مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فالتعليم الفلسطيني يُدمَّرُ تدميراً منهجياً في انتهاكٍ صارخٍ للقانون الدولي الإنساني. ويُشير التقرير إلى أن التعليم، الذي طالما عُد مصدر فخرٍ للعائلات الفلسطينية وجزءاً أساساً من هويتها، أصبح هدفاً مباشراً للهجمات الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023.
وتكشف أرقام التقرير عن خسائر بشريةٍ وماديةٍ صادمةٍ، إذ تأثّر حقّ أكثر من مليونٍ ونصف مليون طفلٍ فلسطينيٍ من سنّ السادسة إلى الخامسة عشرة في التعليم، مع تعطيل دراسة أكثر من سبعمئةٍ وأربعين ألف طالبٍ وطالبة. وتأثّرت حياة أكثر من سبعةٍ وعشرين ألف مُعلمٍ ومُعلمةٍ، وسط انهيارٍ شبه كاملٍ لقطاع التعليم العالي.
هذا ما أكدته بيانات اليونسكو والتقييمات المستندة إلى صور الأقمار الصناعية، التي تُظهر حجم الدمار الذي لحق بالمنشآت التعليمية. إذ تضررت 97 بالمئة من مدارس غزة بدرجاتٍ متفاوتةٍ، ويحتاج معظمها إلى أعمال ترميمٍ واسعةٍ أو إعادة إعمارٍ لتعود صالحةً للعمل. وأظهرت التقييمات أن 79 بالمئة من مباني الجامعات و60 بالمئة من مراكز التدريب المهني قد تضررت أو دُمّرت في الحرب.
هذا النمط من الهجمات يشكّل تهديداً وجودياً لمستقبل الأجيال. ويرتبط ذلك بمفهوم "الإبادة التعليمية" أو "السكولاستيسايد"، وهو مصطلحٌ استخدمته الأكاديمية الفلسطينية في جامعة أكسفورد، كرمة نابلسي، أول مرةٍ في يناير 2009، للإشارة إلى تدمير البنية التحتية التعليمية الفلسطينية في الحرب الإسرائيلية على غزة بين ديسمبر 2008 ويناير 2009.
دراساتٌ أكاديميةٌ أخرى صدرت إبان حرب السابع من أكتوبر وصفت ذلك بمصطلح "إيديوسايد"، وهو ما يحمل المعنى ذاته الذي تشير له نابلسي. ومن هذه الدراسات واحدةٌ بعنوان "إيديوسايد إن غزة" (الإبادة التعليمية في غزة: التدمير الممنهج للتعليم خلال الإبادة) نشرها بلال حمامرة من جامعة النجاح في نابلس وباحثون آخرون في أكتوبر 2025.
أما وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية فقد وَثّقت في نهاية ديسمبر 2025 مقتل قرابة ثمانمئة من الكوادر التعليمية في مدارس قطاع غزة والضفة الغربية، وقرابة مئتين وخمسين أكاديمياً في غزة وحدها في المدة من السابع من أكتوبر 2023 حتى 30 ديسمبر 2025. وتشير البيانات نفسها إلى مقتل تسعة عشر ألفاً وثلاثين طالب مدرسةٍ وقرابة ألفٍ وأربعمئة طالب جامعي في غزة والضفة الغربية، ناهيك عن إصابة ما يزيد عن واحدٍ وثلاثين ألف طالبٍ وطالبةٍ في تلك المدة.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءاتٍ باردةٍ، فهي تحكي قصصاً عن أناسٍ فقدناهم. في كلّ رقمٍ اسمٌ وفي كلّ رقمٍ وجهٌ وحكايةٌ لم تكتمل. إنها شهاداتٌ على الثمن الفادح الذي يدفعه الأكاديميون والمُدرّسون والطلبة والأهالي، وأبحاثٍ لم تُكتب، وأحلامِ تخرّجٍ وُئِدَت فجأةً عند لحظة قصفٍ غادرة. وكلما اشتدت وطأة العدوان وتوسعت بقعة النزوح في عدّة أحياءٍ، ارتفعت مستويات الخشية والقلق مما قد يحمله القادم.
ومع أنني تمكنتُ من النجاة إلا أن خسائري الشخصية، كحال سكان القطاع، كانت مروعة. فقد فقدتُ ثلاثةً وأربعين فرداً من عائلتي، من بينهم أختي أمل وابنة أخي التي تحمل الاسم نفسه، التي قُتلت مع زوجها ووالده ووالدته وإخوته. ولم ينجُ من تلك العائلة سوى طفلتها توليب، التي لم يتجاوز عمرها أحد عشر شهراً آنذاك. وقد انتشلها رجال الدفاع المدني بأعجوبةٍ من تحت أنقاض المنزل المستهدَف.
وفي ثنايا تلك الأيام الشِّداد، تسرّب إلى داخلي إحساسٌ بأن مهنتي – تلك الدعامة التي كانت تربطني بالمستقبل – تتآكل ببطءٍ على وقع ضجيج الانفجارات وتتابع أخبار الفقد. إذ كانت أشدّ ما واجهني وأكاديميين آخرين وأضعفت قدرتنا على الاستمرار. هذا عدا التحديات اليومية المادية والتقنية، مثل انقطاع الكهرباء وعدم استقرار الإنترنت، التي جعلت التدريس وإدارة المعاملات الأكاديمية تحدياً مزدوجاً. ولكن على قساوة هذا الواقع، رفضنا اعتبار التعليم ترفاً مؤجّلاً، إنما ضرورةً وجودية.
أواخر فبراير 2025، وبعد توقّفٍ امتدّ نحو عامين، أعادت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية افتتاح العام الدراسي في عددٍ من المدارس التي ظلّت صالحةً للاستخدام أو خضعت لإصلاحاتٍ جزئيةٍ، وذلك رغم الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية التعليمية. وتشير تقديرات منظمة اليونسكو إلى أن نحو 95 بالمئة منها بحاجةٍ إلى إعادة تأهيلٍ أو بناء.
وفي مناطق كثيرةٍ موزعةٍ على مساحة القطاع، كان المعلمون والأهالي قد بدأوا جهداً فردياً وجماعياً لإنشاء صفوفٍ تعليميةٍ بسيطةٍ في الخيام أو الأماكن المتاحة، حتى في ظلّ انقطاع الكهرباء ونقص الكتب. وقد سرت العملية التعليمية في خضم الدمار وسط أصوات القصف. كذلك أُطلقت مبادرات الدراسة عبر الإنترنت لتمكين الطلاب الذين لا يستطيعون الحضور من مواصلة تعليمهم افتراضياً، سعياً لتعويض الانقطاع القسري عن التعليم لظروف الحرب.
سبق قرارَ وزارة التربية والتعليم قرارٌ آخر في يوليو 2024 من الجامعات في القطاع، بما فيها جامعتي – جامعة الأقصى – لاستئناف التعليم الإلكتروني. كان القرار بالغ الصعوبة في ظل استمرار القصف وانهيار البنية التحتية وانقطاع الاتصالات في كثيرٍ من مناطق القطاع وضعفها في مناطق أخرى، إن وُجدت، ومعاناة الطلاب والزملاء من النزوح المتكرر والصدمة. غير أن ضياع مستقبل ما يقارب تسعين ألف طالبٍ وطالبةٍ بدا خطراً لا يقلّ فداحة.
عند التواصل مع غالبية الزملاء المحاضرين في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الأقصى، تبيّن أن عدداً كبيراً منهم غير قادرٍ على أيّ عملٍ تدريسي. إذ كان معظمهم يعيشون في خيامٍ وفي ظروفٍ قاسيةٍ للغاية. لم يكن أمامي سوى التواصل مع أصدقاء وزملاء خارج قطاع غزة يعملون في جامعاتٍ مختلفةٍ حول العالم، لمساعدتنا والتطوع في تدريس المساقات التي طرحناها آنذاك.
أما من كان بمقدوره الاستمرار جزئياً من الأكاديميين والمدرّسين داخل القطاع، فقد اضطروا إلى ابتكار وسائل بدائيةٍ أو متدنية الكفاءة للتواصل مع الطلبة. منها استخدام ألواح الطاقة الشمسية المتضررة لشحن بطارياتٍ صغيرةٍ تُستخدم لشحن الهواتف المحمولة. كذلك اعتمدوا أحياناً على شرائح إلكترونيةٍ أو شبكاتٍ عامةٍ غير مستقرة.
شرعنا في التواصل مع الطلبة بما كان متاحاً حينها. وبدأنا بمحاضراتٍ بسيطةٍ ركزت أولاً على التواصل معهم عبر منصاتٍ لا تتطلب اتصالاً ثابتاً بالإنترنت مثل واتساب وتلغرام. حَرصْنا على الاطمئنان عليهم وذويهم والاستماع لهم وتقديم الدعم النفسي والأكاديمي ما أمكن، بعد أن مرّت حينئذٍ قرابة تسعة أشهرٍ دون أن نعرف أخبارهم.
كان مستوى الاستعداد والتفاعل من الزملاء المتطوعين بلسماً للروح، فهدفنا واحدٌ بإبقاء التعليم حيّاً في غزة، حتى ولو على أمعاء خاويةٍ في قلب مجاعةٍ فتكت بالكثيرين.
في خضمّ هذه الظروف الخانقة، لم ينقطع تواصلي مع طلبتي في مساق علم الدلالة الذي كنتُ أدرّسه. غير أنّ سؤالاً كان يلحّ عليّ باستمرار: كيف يمكن لطالبٍ أن يَدرس وهو جائع؟ وكيف يمكن لمُدرِّس أن يعلّم فيما الجسد ينهار؟
لم يكن الجوع وحده ما يثقل المشهد. ففي كل رسالةٍ صوتيةٍ كنتُ أرسلها أو أتلقّاها عبر مجموعة الواتساب الخاصة بالمساق، كانت أصوات المسيّرات وسيارات الإسعاف والانفجارات تتسلّل في الخلفية كأنها جزءٌ من الدرس ذاته. وبالتوازي، كانت الأخبار المأساوية عن فقدان الأهل والمساكن تصل تباعاً، فتُثقل اللحظة وتُكثّف الإحساس بالعجز.
وأمام هذا الواقع، سَعَيْنا إلى ابتكار آليات تكيفٍ تتيح استمرار العملية التعليمية، ولو في حدّها الأدنى. فهذه الاستمرارية كانت لنا مساحةً لإنتاج المعنى في ظلّ انسداد الأفق وتآكل مقومات الحياة اليومية.
في بحثٍ علميٍ بعنوان "تحدّيات التعليم العالي في غزة، وآليات التكيف والصمود في سياق الحرب والإبادة التعليمية" نَشَرْتُه سنة 2025، حاولتُ توثيق تجربتنا في مواجهة الإبادة التعليمية الممنهجة التي اتبعتها إسرائيل. وقد سعيتُ في البحث إلى دراسة الوسائل التي مكّنت الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية من مواصلة العملية التعليمية في غزة، واستكشاف الدوافع والسياقات التي أعادت تعريف معنى "التعلم" في زمن الحرب.
أظهرت النتائج أن الطلبة تابعوا محاضراتهم من داخل الخيام ومخيّمات النزوح في ظروفٍ يطغى عليها الفقد والجوع والقلق الدائم. وقد اعتمد 28 بالمئة منهم على الهواتف النقالة وسيلةً أساساً للوصول إلى مساقاتهم، مستخدمين منصّاتٍ مثل واتساب وأنماط التعلّم غير المتزامن. وحتى هذه الوسائل المتواضعة لم تكن متاحةً بيُسرٍ، فقد أفاد 56 بالمئة من الطلاب بعدم استقرار الاتصال بالإنترنت، وأشار 54 بالمئة إلى اضطرارهم لتشارك الأجهزة مع أفراد العائلة.
في ظل هذه التحديات، أضحى التمسك بالتعليم أكثر من محض التزامٍ أكاديميٍ عند الطلبة والمعلمين، إذ غدا فعلاً مقاوماً ووسيلةً لإضفاء المعنى والهدف على حياتنا، وشكلاً من أشكال الدفاع عن الإنسانية ذاتها في مواجهة واقعٍ يسعى إلى تجريدنا من أبسط مقومات الحياة.
لذا يمكن اتخاذ التجربة التعليمية في غزة تجسيداً لما يُعرف في الأدبيات التربوية المعاصرة أحياناً بـمصطلح "بيداغوجيا الصمود". والمقصود ببيداغوجيا هو علم أصول التعليم والتربية. إذ يتحول التعليم في أوقات الطوارئ من تحصيلٍ معرفيٍ مجردٍ إلى أداةٍ لتمكين الطلبة نفسياً ومعرفياً، والحفاظ على النسيج الأكاديمي في مواجهة محاولات المحو.
تتقاطع هذه المقاربة مثلاً مع أفكار الفيلسوف البرازيلي باولو فريري في كتابه "بيداغوجي أوف ذي أوبريسد" (تعليم المقهورين) المنشور سنة 1970. إذ يرى فريري التعليم فعلاً تحررياً لا مجرد نقلٍ للمعرفة، وأداةً لإطلاق الوعي الذاتي والجماعي وتمكين الأفراد من مقاومة القهر والظلم. في حين يبين عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو، في دراسةٍ له سنة 1990 بعنوان "ريبرودكشن أوف إيديوكيشن" (إعادة إنتاج التعليم، الثقافة والمجتمع)، كيف يمكن للنظم التعليمية أن تسهم في إعادة إنتاج البُنى الاجتماعية واللامساواة القائمة بنقل الثقافة المهيمنة ومنحها الشرعية.
ووفقاً لهنري جيرو، أحد مؤسسي نظرية التربية في الولايات المتحدة، في كتابه "تيتشرز آز إنتلكتشوالز [. . .]" (المعلّمون مثقفين: نحو بيداغوجيا نقدية للتعلّم) المنشور سنة 1988، فالفاعلون داخل الجامعة – من طلبةٍ وأكاديميين – ليسوا مجرد انعكاس لهذه البُنى، بل لهم القدرة على إعادة التأويل. إذ يستطيعون تحدّي الهيمنة الرمزية والمساهمة في صياغة معنى التعليم وفق رؤاهم وخبراتهم. وبذلك يصبح التعليم عمليةً سياسيةً تشارك في إنتاج الهويات أو تفكيكها وتحديد أنماط الطاعة والمعارضة، وتؤثر في تصور الأفراد مجتمعَهم ومستقبلَهم.
وقد أسقطت عدّة دراساتٍ هذه الرؤى النظرية على واقع التعليم في غزة، مبينةً كيف تجاوز التعليم مهمته التقليدية في ظل الحرب ليغدو ممارسة مقاومة. منها بحثٌ بعنوان "إيديوكيشن آز ريزيستنس إن غزة" (التعليم فعل مقاومة في غزة) المنشور في موقع جامعة أوسلو بالنرويج سنة 2025. عرضَ البحث قراءةً تحليليةً للدوافع التي حملت الشباب الفلسطيني على مواصلة دراستهم في غزة رغم المخاطر المستمرة والتحديات القاسية. ونظر في الأسباب التي دفعت المعلمين إلى الإصرار على الاستمرار في العملية التعليمية في ظل ظروفٍ استثنائية.
خلص البحث إلى أن الدوافع لم تكن تعليميةً بحتةً، بل تشابكت فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية. فقد رأى كثيرون في مواصلة التعلّم والتعليم فعلاً من أفعال المقاومة الرمزية ومصدراً للأمل بالمستقبل، ووسيلةً لتعزيز البقاء النفسي في مواجهة الصدمة. فضلاً عن كونها مساهمةً مبكرةً في إعادة بناء المجتمع بعد الحرب، وتأكيداً على الصمود في مواجهة سياسات المحو والإبادة المعرفية والثقافية.
وبالإضافة إلى كونه فعل صمود، كان التعليم في غزة كذلك متنفساً للخروج من المعاناة، ووسيلةً للحفاظ على التواصل مع العالم الخارجي في ظل العزلة التي فرضتها إسرائيل على القطاع.
كانت المبادرة بسيطةً في شكلها، لكنها حملت دلالةً عميقة. فلم أرَ "ريكونّكت" شروى ردّ فعلٍ مؤقتٍ على الظروف الصعبة، وإنما أردتُها رسالةً مفادها أن التعليم لا يموت بسهولةٍ، وأن الروابط الأكاديمية تبقى حتى في أحلك اللحظات. وكل مرةٍ كنت أرى فيها الطلبة يتفاعلون مع الندوات أو الأنشطة، أشعر حقاً بأنهم يمارسون الصمود بأبهى صوره، ويُثبتون لأنفسهم وللعالم أن الأمل ما زال ممكناً.
ويتقاطع هذا الطرح مع أعمال الباحثتين في مجال التعليم في سياقات الأزمات والصراعات، ريبيكا وينثروب وجاكي كيرك، في مقالهما "ليرنينغ فور أ برايت فيوتشر [. . .]" (التعلّم من أجل مستقبل مشرق: التعليم، النزاع المسلح، ورفاهية الأطفال) المنشور سنة 2008. إذ تريان أن التعليم في سياقات النزاع يتجاوز المحتوى الأكاديمي للحفاظ على الروابط الاجتماعية والشعور بالاستمرارية. وهو ما يعزز صمود الطلاب وتمكينهم من مواجهة الظروف الصعبة.
مع ذلك، اصطدم هذا الأمل سريعاً بواقعٍ مأساويٍ جديد. ففي أغسطس 2025، اجتاحت المجاعة مجدداً قطاع غزة بأكمله ودخل مئات الآلاف في دوامة جوعٍ غير مسبوقة. وتدهورت الظروف الإنسانية كثيراً. وظهرت تحدياتٌ صحيةٌ أثّرت في كلّ تفاصيل الحياة اليومية. وقد شهدتُ بنفسي سقوط عددٍ من الناس متهاوين من شدّة الجوع.
تُظهر بيانات وزارة الصحة في غزة أنه عقب الإعلان عن المجاعة في غزة، وفق نظام التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، سُجِّلت 177 وفاةً بسبب الجوع. من بينها ستٌّ وثلاثون وفاةً بين الأطفال، وذلك حتى مطلع أكتوبر 2025. ولا تزال المؤشرات الصحية تسجّل وفياتٍ بسبب سوء التغذية، ما يعدّ أثراً تراكمياً لاحقاً للمجاعة حتى وإن انتهت رسمياً.
ذات صباحٍ من تلك الأيام، ومع شروق نهارٍ آخر مُحمّلٍ بالألم النفسي والجسدي، بعثتُ رسالة إلى طلبتي أسألهم عمّا إذا كانوا قادرين على عقد لقاءٍ عبر الإنترنت أم أنهم، مثلي، يجدون صعوبةً في التركيز ويشعرون بالدوار. جاء الردّ سريعاً من أحد الطلبة، قائلاً إنه قضى الصباح كلّه باحثاً عن رغيف خبزٍ دون جدوى.
كانت كلماته صادمةً جعلتني أدرك عمق المعاناة التي يعيشها الجميع، خلف نطاق ذاتي ومحيطي. قرّرتُ إثر ذلك أن أدوّن تفاصيل تلك التجربة لتكون شاهدةً على هول ما يحدث، ونشرتُها في أغسطس 2025 في مقالةٍ تحمل عنوان "تو هنغري تو ثينك [. . .]" (جوعٌ يبدّد القدرة على التفكير، ووهنٌ يسلب الجسد القدرة على الجلوس متماسكاً [. . .])"، في صحيفة الغارديان البريطانية. وقد وثّقتُ في هذه المقالة الألم والقصص الإنسانية التي لا تعرّفها الأرقام والإحصائيات حقّ التعريف.
وفي مشهدٍ يُجسّد تواتر الأوجاع، في مساء 15 سبتمبر 2025، وتحديداً عند الساعة الخامسة وثلاثٍ وأربعين دقيقةً، تلقيتُ اتصالاً قَلَبَ عالمي رأساً على عقب. ابنُ أخي محمد، البالغ من العمر سبعة عشر عاماً، أُصيب برصاصةٍ في العنق أطلقتها طائرةٌ مُسيَّرة.
وصلني الخبر قبل دقائق من مشاركتي في اجتماعٍ لمشروعٍ بحثيٍّ كنت أعمل عليه مع فريقٍ دوليٍّ عن خسائر قطاع التعليم العالي في غزة، وفي عشيّة إلقاء كلمةٍ كنتُ مدعوّاً لتقديمها أمام مؤتمر منتدى التعليم والتنمية المنعقد في جامعة أكسفورد البريطانية. ارتعشت يداي وشعرتُ وكأن المكان يتلاشى من حولي. هرعتُ مسرعاً إلى المستشفى حيث كان يرقد محمد، ووجدته فاقداً الوعيَ ومغطىً بالدماء.
تواصلتُ حينئذٍ مع رئيسة المؤتمر من داخل المستشفى، وأبلغتها أنني قد لا أتمكن من إلقاء كلمتي مباشرةً، وعرضتُ إرسال كلمتي مكتوبةً لتقرأها نيابةً عني. بعدها بساعاتٍ دخل محمد إلى غرفة العناية المركزة.
صباح اليوم التالي جاء ثقيلاً مع شعوري بالإرهاق وخوفي على محمد، إضافةً إلى الإحساس بالمسؤولية تجاه المؤتمر. في تلك اللحظة شعرتُ أن ألم غزة ينبغي له أن يُسمَع وأن شهادتي، مهما كانت ثقيلةً، جزءٌ من قصةٍ أكبر. استجمعتُ قواي وبحثتُ على وجه السرعة عن اتصالٍ بالإنترنت، وألقيتُ كلمتي افتراضياً، محافظاً على ثبات صوتي.
كنتُ مؤمناً أن الشهادة الشخصية هنا تتجاوز كونها مجرّد سردٍ عاطفي، لتصبح منبراً لنقل المعاناة الإنسانية التي يعيشها الغزّيون، خارج نطاق الأخبار والأرقام الجامدة. ووراء هذا كلّه أملٌ أن ينتهي وقع المأساة صبيحة يومٍ ما، وهو ما بدا ممكناً مطلع أكتوبر 2025.
كان عددٌ كبيرٌ من الطلبة حينئذٍ على أعتاب التخرج، ولم يبدُ عدلاً أن يَحُول أيّ ظرفٍ دون إكمال مسيرتهم الأكاديمية. فبعد إنجاز أربعة فصولٍ دراسيةٍ أثناء الحرب، ومع إعلان وقف إطلاق النار، بادرت مجموعةٌ من الطالبات في قسم اللغة الإنجليزية إلى تنظيم أول حفل تخرجٍ في قطاع غزة بعد الحرب، وذلك في السابع من نوفمبر 2025.
عندما تلقيتُ الدعوة لحضور الحفل، عادت إلى ذهني كلّ اللحظات القاسية التي عشناها على مدار سنتين من الحرب والدمار. أدركتُ أن هذه اللحظة تتعدّى كونها احتفالاً عادياً، فهي ثمرة صبر الطلبة وعزيمة عائلاتهم، ومحاولةٌ واعيةٌ لاقتناص فرحٍ مؤجَّل قبل أن تعود أصوات المدافع من جديد. لذا كان يوم التخرج مشهداً استثنائياً: دموعٌ امتزجت بابتساماتٍ صادقةٍ وفرحٌ مشوبٌ بذاكرة الخسارات، وأملٌ يشقّ طريقه من قلب الدمار.
مشاركتي يومئذٍ كانت احتفاءً بصمود الطالبات وباختيارهن المعرفة فعلاً للمقاومة، وإن تضرّرت أو هُدمت الجامعات. رأيته يوماً تتجاور فيه المتناقضات – الفقد والاستمرارية – دون أن تنفي إحداها الأخرى، يوماً يؤكد أن الاستمرار ممكنٌ وأن الثقة بالمستقبل تُنتزع في أقسى الظروف.
وحتى وقت كتابة هذه السطور، لا يزال محمد في مستشفى تأهيلٍ في مدينة غزة، بينما كان يجب أن يكون جالساً على مقاعد الدراسة، يتعلم ويحلم بمستقبلٍ أفضل له ولكلّ أبناء جيله. ومثله كثيرون.

