خليفة حفتر وهندسة الولاءات… من التحالفات إلى الحكم العائلي

حوَّل خليفة حفتر الأزمات المحلية والتحولات العسكرية إلى فرصة لتوسيع السيطرة في ليبيا وإعادة صياغة المشهد السياسي.

Share
خليفة حفتر وهندسة الولاءات… من التحالفات إلى الحكم العائلي
هل يستطيع المشروع الاستمرار بغياب الأب | تصميم خاص بالفراتس

يبدو أغسطس 2025 الشهرَ الأهم في حياة عائلة خليفة حفتر، القائد العام لما يُسمّى القوات المسلحة الليبية. ليس هذا بسبب قراراتٍ مفاجئةٍ غيّرت ميزان القوى في شرق ليبيا، بل لأن ما صدر فيه مثّل تثبيتاً قانونياً لمسارٍ اكتمل فعلياً قبل ذلك بسنوات. ففي أسبوعٍ واحدٍ، صادق مجلس النواب في 18 أغسطس على تعيين صدام بن خليفة حفتر نائباً للقائد العام للقوات المسلحة الليبية رسمياً. وصادق أيضاً على تعيين ابنه الآخر خالد رئيساً للأركان العامة، بديلاً لعبد الرازق الناظوري العسكري المخضرم الذي رافق حفتر الأب منذ بدايات "عملية الكرامة" سنة 2014 وقُدِّم لسنواتٍ أحدَ أعمدة المؤسسة العسكرية.

هذا الارتقاء لحفتر وعائلته لم يكن متخيّلاً قبل ذلك في الثمانينيات، عندما وجد نفسه أسيراً في شمال تشاد وتحيط به قوات العدو. كان حفتر وقتها في أكثر أيامه ضعفاً، وقد تنكّر له العقيد معمر القذافي وادعى أنّ الجيش الليبي لا يحارب في تشاد. فوجد الأسير نفسه بين التسليم بوضعيته مهزوماً، أو اختيار طريقٍ أخرى لقلب نظام القذافي بالتعاون مع التشاديين والولايات المتحدة الأمريكية والمعارضة الليبية.

للوصول من لحظة الأسر في تشاد إلى لحظة أغسطس 2025، اعتمد حفتر على طريقةٍ متكررةٍ تقوم على هندسة الولاء عبر أدواتٍ متداخلة. الأداة الأولى الانقلاب الصغير المتكرر على الحلفاء بعد استهلاك أدوارهم. والثانية تسكين الولاءات القبلية داخل اقتصاد رعايةٍ وأمنٍ موازٍ يوزّع الامتيازات والموارد والحماية من جهة ويحتكر العقاب من جهة أخرى، ما حوّل العلاقة مع القبيلة من شراكةٍ سياسيةٍ إلى علاقة مصلحةٍ وخوف. أما الأداة الثالثة، فنقل مركز الثقل تدريجياً من تحالفٍ عسكريٍّ اجتماعيٍّ واسعٍ — كان ضرورياً في 2014 — إلى شبكةٍ عائليةٍ ضيقةٍ باتت تتحكم اليوم في أهم المفاصل الأمنية والمالية.


يمكن تتبّع جذور منهج خليفة حفتر في المراحل الأولى من سيرته داخل المؤسسة العسكرية الليبية. فالتحاقه بالكلية العسكرية في بنغازي سنة 1964، ثم مشاركته في انقلاب الأول من سبتمبر 1969 بقيادة معمر القذافي على الملك محمد إدريس السنوسي، لم يكونا محطتين في مسارٍ مهنيٍّ تقليديٍّ، بل لحظتين كاشفتين عن تصوّرٍ مبكرٍ لدور الجيش في السياسة. ففي مقابلةٍ لحفتر في يونيو 2013 مع قناة "ليبيا أولاً" بعد سقوط نظام القذافي، حرص على تقديم نفسه ضابطاً مدفوعاً بأفكار القومية العربية وشعورٍ بالمسؤولية تجاه إنقاذ الوطن.

تظهر في تلك المقابلة ثلاث سمات لازمت سلوك حفتر لاحقاً. السمة الأولى شرعنة الفعل الانقلابي ضرورةً وطنية. حين يتحدث عن ليلة الانقلاب على النظام الملكي، لا يناقش شرعية الفعل، إنّما يقدّمه استجابةً حتمية لوضعٍ متردٍّ. 

السمة الثانية تقزيم دور الشركاء وتضخيم الذات. ففي روايته، يقلّل حفتر من دور معمر القذافي في الثورة ويصوّره ضابطاً لم يدخل المشهد إلا بعد السيطرة على الإذاعة، بينما يُبرز نفسَه ومن معه أصحابَ الفعل الحقيقي.

أما السمة الثالثة فتتمثل في بروده تجاه العلاقات الشخصية والاجتماعية عندما تتعارض مع الهدف السياسي. ففي حديثه عن اعتقال ضُبّاط أعلى رتبةً ليلة الأول من سبتمبر، يذكر بعضهم بعبارات احترام شخصي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن تلك الليلة لم يكن بها مكان للصداقة أو الاعتبارات الاجتماعية. هذه النظرة النفعية للعلاقات، التي تُعلّق الروابط وتستأنفها حسب الحاجة، صارت لاحقاً قاعدةً في إدارة التحالفات. فالحليف يُقدَّر ما دام يؤدي وظيفته، ثم يُستبعد بلا تردّد عندما تنتهي الحاجة إليه. وهذه العناصر الثلاثة التي ظهرت في روايته عن انقلاب 1969، رافقته لاحقاً في تشاد.

تدخّلت ليبيا في الحرب الأهلية التشادية منذ منتصف السبعينيات بدعمها المادي والعسكري المتمردين من حركة فرولينا ضد الرئيس المدعوم فرنسياً فرانسوا تومبلباي. ومع الوقت صار التدخل حرباً على الخط الحدودي المسمى "شريط أوزو"، الذي أراد القذافي الحصول عليه، فكان حفتر أحد القادة العسكريين الليبيين في الحرب.

تُعد حرب تشاد المحطة العسكرية الأثقل أثراً في تشكيل منهج خليفة حفتر، ليس فقط لأنها انتهت بالهزيمة والأسر، ولكن لأنها كشفت عن طريقته في إدارة الرواية وتحمّل المسؤولية. في روايته الشخصية لتلك الحرب مع قناة ليبيا أولاً، قدّم حفتر نفسه قائداً أوحد لمرحلة انتصارات واسعة انتهت بالسيطرة على مساحات كبيرة داخل تشاد في بداية الحرب من 1978 وحتى 1982. ثم نراه في المقابلة ينتقل إلى الحديث عن الهزيمة بلغةٍ عامة ومبهمة، تقلّ فيها الإشارات إلى أخطاء القيادة أو سوء التقدير. الهزيمة في هذه الرواية تُعزى إلى عوامل خارجية مثل التدخل الفرنسي ودعم الخصم الأجنبي أو خيانة القوات التشادية الصديقة، أو حتى اختلال موازين القوى.

في المقابل تشير روايات عسكرية أخرى إلى أخطاء محددة صاحبت تلك المرحلة. من ذلك إشارة اللواء يوسف المنقوش، أحد ضباط الجيش الليبي أثناء فترة الهزيمة في تشاد، لأخطاء استراتيجية وقع فيها الجيش. ذكر المنقوش ذلك في روايته عن الحرب أثناء مقابلة في برنامج بودكاست "أثر" سنة 2025. أهمية هذه الروايات البديلة تكمن في كشف الفارق بين من يعترف بالخطأ جزءاً من العمل العسكري، ومن يتعامل معه تهديداً للصورة الشخصية يجب الالتفاف عليه.

في الطريقة التي روى بها حفتر لحظة أسره وما قبلها، تتحول تلك اللحظة إلى مشهد بطولي. يصبح حفتر قائداً ينسحب بقواته من موقعه إلى موقع وادي الدوم، ويطلب من القاعدة قصف جميع القوات المتجهة إليها بما فيها قواته، نظراً لملاحقة قوات العدو إياه. ينسب آخرون، منهم المنقوش، هذا المشهد إلى العميد سالم أبونوارة أحد قادة عمليات حرب تشاد، وقد قُتل في المعركة. أما المشهد الثاني فيصور فيه حفتر نفسه قائداً يقاتل حتى نفاد الذخيرة، ثم يُؤسر بعد مقاومة شرسة. هذا التوصيف، الذي لا نعلم صحته، يُستخدم لتثبيت صورة القائد الذي غُلب بالقوة الغاشمة. هنا يظهر عنصر مركزي في منهج حفتر، وهو الحاجة الدائمة إلى رواية إيجابية تحمي صورته حتى عندما تكون الوقائع معقّدة أو قاسية.

لم تنتهِ تجربة خليفة حفتر في تشاد عند لحظة الأسر، إنّما بدأت فيه مرحلة جديدة أكثر تعبيراً عن منهجه السياسي من أي وقتٍ مضى. إذ شرع حفتر في بناء دورٍ جديد له داخل معسكر المعارضة الليبية، مقنعاً الرئيس التشادي آنذاك حسين حبري، ثم لاحقاً قيادة الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، أهم تنظيمات المعارضة الليبية في الخارج، بإمكانية تشكيل قوة عسكرية من الأسرى الليبيين تكون نواة لما سُمّي "الجيش الوطني الليبي" للإطاحة بالقذافي.

غير أن الفصل الأهم في هذه المرحلة ليس تأسيس القوة العسكرية بقدر ما هو تفسير حفتر انشقاقه عن نظام القذافي. ففي مقابلته مع قناة ليبيا أولاً، صرّح أن دافعه الأساس كان شعوره بالإهانة عندما سمع القذافي ينكر وجود ضابطٍ ليبي أسير ويذكر اسمه بصيغة تصغير "احْفيتَر". هذا الاعتراف يقدّم مفتاحاً لفهم منهج حفتر، فالولاء والمعارضة يُبنيان عنده على العلاقة مع صورته الذاتية ومكانته الشخصية.

هذا المنطق انعكس سريعاً داخل صفوف المعارضة نفسها. فأثناء وجوده في الولايات المتحدة بعد سنة 1990، دخل حفتر في صراعات تنظيمية حادة داخل الجبهة ساعياً إلى الاستئثار بقيادتها العسكرية والتأثير على قراراتها السياسية ومطالباً بخفض لغة التصعيد مع القذافي. وعندما فشل في فرض رؤيته، شارك في شق صف الجبهة بحسب رواية محمد المقريف، الأمين العام السابق للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، في برنامج "شاهد على العصر" مع المذيع أحمد منصور سنة 2020 على قناةِ الجزيرة. وفق الشهادة نفسها نقل حفتر أسماء ضباط مشاركين في محاولة انقلاب أكتوبر 1993، المعروف بإسم انقلاب "تنظيم ورفلة" ضد القذافي الذي قاده ضباط أغلبهم من قبيلة ورفلة، إلى أطراف خارج الإطار التنظيمي، ما ساهم في كشف التنظيم وإعدام عدد من ضباطه.

سواء قُبلت هذه الروايات كاملةً أو نُظر إليها بحذر، إلا أنها تُظهر أنّ حفتر لا يتردد في التضحية بحلفائه عندما يصبحون عائقاً أمام طموحه، أو عندما يشعر أنهم لا يعززون موقعه القيادي. المعارضة في هذه المرحلة لم تكن فضاءً لمشروع جماعي طويل النفس، إنما ساحة صراع على القيادة تُستخدم فيها التحالفات بقدر ما تخدم الهدف، ثم تُفكك عندما تنتفي فائدتها.

مع منتصف التسعينيات دخلت هذه المرحلة طوراً أهدى، اتسم بانخفاض حضور حفتر العلني ومهادنته الضمنية نظامَ القذافي، على استمراره شكلياً في صفوف المعارضة. ظهرت مؤشرات ذلك في روايات متعددة، من بينها حديث المقريف عن تحويل أموال من النظام إلى حساب حفتر في الولايات المتحدة، ورواية حصوله على منزلٍ فاخرٍ في مصر. وهي رواية أكدها حفتر نفسه في مقابلات لاحقة، واصفاً إياها بأنها "فخ" من القذافي، لكنه لم يبرر سبب قبوله المنزل. وعزز هذه الصورة تسجيلٌ مسرّب من القاهرة يعود إلى سنة 2005، يظهر فيه حوار ودي بين الصدّيق، نجل حفتر الأكبر، ومعمر القذافي يتضمن تبريرات متبادلة وتأكيداً على أن معارضة حفتر "لها حدود".

لا تكمن أهمية هذه الوقائع في إثبات علاقة سرية أو نفيها، بل في إبراز قابلية تبديل المواقع وإبقاء كل الخيارات مفتوحة. حفتر في تلك المرحلة لم يحرق جسوره نهائياً مع النظام الذي انقلب عليه، ولم يلتزم التزاماً كاملاً بمعارضةٍ قد تقيّد حركته مستقبلاً. هذه النفعية التي قد تُقرأ دهاءً سياسياً، تحولت لاحقاً إلى ركيزة أساس في إدارته السلطةَ داخل ليبيا. فعنده لا وجود لخصومة نهائية أو تحالف دائم، لكن شبكة علاقات تُعاد صياغتها باستمرار وفق موازين القوى.

بهذا المعنى كان المنفى الأمريكي مرحلة إعادة تشكيل عميقة لمنهج حفتر. فيها ترسّخ الاقتناع بأن الشرعية تُنتزع، وأن التنظيمات يمكن اختراقها أو شقها عندما تعيق الطموح، وأن الولاء الشخصي أهم من أي إطار سياسي أو مؤسسي. المعارضة والمنفى أدخلا حفتر إلى عالم التواصل مع أجهزة المخابرات الدولية بداية من التعامل مع المخابرات الأمريكية والفرنسية أثناء انشقاقه في تشاد، وتحضيره العمليةَ العسكرية ضد نظام القذافي التي لم تحدث بسببِ سقوط نظام حبري سنة 1990. ووطد المنفى علاقته مع المخابرات المركزية الأمريكية من تشاد إلى الولايات المتحدة، حيث استقر بمنزل قريب من مقرها في فرجينيا. فأصبحت الصحافة العالمية تصفه "متعاون سابق للمخابرات المركزية الأمريكية"، كما نقلت الصحفية ميسي ريان في مقالتها "آ فورمر سي آي إي أسِت هاز بيكوم آ يو إس هيدِك إن ليبيا" (متعاون سابق مع المخابرات الأمريكية أصبح مشكلة أمريكية في ليبيا)، المنشورة سنة 2016 في صحيفة واشنطن بوست. 


عاد خليفة حفتر إلى ليبيا في ربيع 2011 بعدما اندلعت انتفاضة 17 فبراير ضد نظام القذّافي، وتحوّلت الانتفاضة الشعبية إلى حرب أهلية. عاد الرجل شخصيةً ترى نفسها أحقّ بقيادةِ الثورة من سواها. منذ الأيام الأولى في بنغازي، حاول انتزاع موقع قيادي مباشر داخل التشكيلات العسكرية الناشئة. غير أن وجود شخصيات عسكرية ذات ثقل رمزي وتنظيمي، وعلى رأسها اللواء عبد الفتاح يونس، حال دون تحقيق هذا الطموح.

فَشَلَ حفتر في انتزاع الاعتراف به قائداً عاماً أو رئيساً للأركان، لكنه لم يتراجع. لجأ إلى مسار التفاف مؤسسي مستفيداً من هشاشة البناء الإداري للثورة. فأقنع وزير الدفاع في المكتب التنفيذي الذي نشأ عن المجلس الانتقالي للثورة، جلال الدغيلي، بتعيينه قائداً للقوات البرية. وهو منصب إشكالي في المنطق العسكري. إذ يفترض أن تكون الأركان البرية جزءاً من رئاسة الأركان لا تابعة لوزارة الدفاع مباشرة. فبدا هذا التعيين أول مؤشر على نمط لازم حفتر لاحقاً، يفرِضُ فيه المواقع القيادية بالأمر الواقع حتى لو تعارضت مع القواعد التنظيمية.

مع اغتيال عبد الفتاح يونس في يوليو 2011 بدا المشهد مهيأً، نظرياً، أمام حفتر للتقدم خطوة إضافية. غير أن المجلس الوطني الانتقالي في الشرق لم يمنحه رئاسة الأركان. انتقل حفتر إلى الغرب الليبي وتحديداً إلى مدينة الزنتان، جنوب غرب طرابلس، محاولاً بناء موطئ قدم أقرب إلى العاصمة طرابلس. لكن تعدد المجالس العسكرية الجهوية وتوازنات القوة بين كتائب الثورة صعّب مهمته.

انتهت هذه المرحلة بانكفاء نسبي لحفتر، واقتصار نفوذه على علاقة وثيقة مع كتيبة صغيرة من العسكريين القدامى يقودها عبدالرازق الناظوري وعدد محدود من الثوار، عُرفت باسم "كتيبة الأوفياء". غير أن هذا الانكفاء لم يكن انسحاباً بقدر ما كان مرحلة رصد وتعلّم. فقد استخلص حفتر درساً مركزياً هو أنّه لا يمكن السيطرة على المشهد عبر الاندماج فيه، ولهذا وجب إعادة تشكيله من الخارج أو عبر صدمة سياسية عسكرية تعيد ترتيب الاصطفافات.

ابتداءً من منتصف 2012 بدأ حفتر مرحلة تمهيدية أهدى وأعمق أثراً، تمثلت في استقطاب ضباط نظاميين يشعرون بالتهميش داخل المشهد الجديد. في تلك الفترة كان الجيش السابق يعاني من إهمال وتأخر في الرواتب، وتراجع في المكانة مقارنة بكتائب الثوار التي حظيت بالدعم والمخصصات المالية. هذا التفاوت خلق حالة سخط واسعة استثمرها حفتر بذكاء. من أبرز هؤلاء الضباط محمد الحجازي، الذي قاد في فبراير 2013 تحركاً احتجاجياً في بنغازي شمل محاصرة فرعي مصرف ليبيا المركزي ووزارة الدفاع للمطالبة بحقوق العسكريين. لم يكن الحجازي يعرف حفتر معرفة شخصية آنذاك، لكن حفتر سارع إلى التواصل معه مقدماً نفسه داعماً التحركَ، ومستخدماً أسلوباً أبوياً في العلاقة، كما وصفه الحجازي لاحقاً بعد انشقاقه في مقابلة مع برنامج "الشاهد" في قناة ليبيا الأحرار سنة 2019.

بالتوازي مع ذلك كثّف حفتر لقاءاته غير العلنية مع مجموعات من الضباط وشخصيات اجتماعية في بنغازي وضواحيها، عارضاً رواية جاهزة عن تفكك الدولة وفشل السياسيين وإهانة المؤسسة العسكرية. استُخدمت هذه الاجتماعات لاختبار المزاج العام وبناء شبكة ولاءات أولية قابلة للتوسع لاحقاً. وفي الوقت نفسه نشط حفتر خارج البلاد متنقلاً بين مصر والإمارات العربية المتحدة والأردن والمغرب، في زيارات اتخذت طابعاً استكشافياً هدفها قياس الاستعداد الإقليمي لدعم تحرك عسكري محتمل داخل ليبيا ومعرفة حدود القبول الدولي، أكثر من كونها تنفيذَ خطةٍ جاهزة.

في هذا السياق ظهر حفتر في بيان مسجل يوم 14 فبراير 2014، بثته قناة العربية الحدث، أعلن فيه ما أسماه مبادرة لتصحيح مسار الثورة، طالباً تجميد الإعلان الدستوري وحلّ السلطتين التشريعية والتنفيذية، المتمثلتيْن حينها في المؤتمر الوطني الليبي والحكومة الانتقالية المنبثقة عنه. لم يكن البيان مصحوباً بقوة عسكرية تفرضه ولم يحظَ بدعم رسمي، فسُخر منه في طرابلس وأصدرت السلطات أوامر باعتقال حفتر، الذي نجح بالهروب. وبهذا كان البيان أول "انقلاب صغير"، أي خطوةً استكشافية تقيس ردود الفعل، وتزرع فكرة أن الجيش هو الحل حتى إن فشلت المحاولة الأولى.

الأهم من البيان ذاته هو ما تلاه. فبعد هروبه من طرابلس عبر طرق صحراوية غير مألوفة ووصوله إلى بنغازي، وجد حفتر بيئة مختلفة. المدينة كانت تعيش حالة إنهاك أمني غير مسبوقة، تكررت فيها الاغتيالات منذ أواخر 2012 واستهدفت ضباطاً في الجيش والشرطة وقضاة ونشطاء، من دون نتائج تحقيق واضحة. هذا العجز الأمني تراكم فوق شعور سياسي بالتهميش، غذّته نقاشات حول الفدرالية وتكرار إغلاق الحقول النفطية في الشرق، إضافة إلى خطاب إعلامي حاد اختزل أزمة الشرق الليبي في الإرهاب، كما صرّح الحجازي لبرنامج الشاهد.

في هذا المناخ كان بيان حفتر في الشرق إعلانَ نية. قابله ضباطٌ وعسكريون وشخصيات اجتماعية قبلية في منزله، وطالبوه صراحة بأن "يفعل شيئاً". فتحوّل حفتر من ضابط عائد من المنفى إلى حامل تفويض اجتماعي غير رسمي للتدخل بالقوة. منذ تلك اللحظة وحتى إعلان عملية الكرامة في مايو 2014، بدأ حفتر مرحلة التحضير الفعلي. جمّع الضباط الساخطين ووسع شبكة العلاقات القبلية وفعّل القنوات الخارجية التي كان قد فتحها سابقاً. وبدأ يمهّد لانطلاق مشروع أوسع أعاد تشكيل موازين القوة في شرق ليبيا.


عندما أُعلنت عملية الكرامة في مايو 2014، لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والتنظيمات المتحالفة معه في بنغازي، لم تكن مشروعاً عسكرياً متماسكاً بقدر ما كانت مظلة اضطرارية جُمعت تحتها قوى متباينة المصالح والدوافع. في تلك اللحظة لم يكن حفتر يقود جيشاً نظامياً ولا قيادة مركزية متماسكة، فاعتمد على تحالف واسع ضمّ ضباطاً نظاميين وقيادات قبلية ومتطوعين مدنيين، ومجموعات مسلحة محلية، إضافة إلى أدوار إعلامية ودعوية ساهمت في تعبئة الشارع وتبرير الحرب.

عسكرياً برزت أسماء مثل عبدالرازق الناظوري وصقر الجروشي ومحمد الحجازي، الناطق الرسمي باسم العملية. وانضم إليهم ضباط ميدانيون قادوا غرف العمليات في المراحل الأولى، من بينهم العقيد علي الثِمن الذي كان أحد أبرز القادة الميدانيين في محاور القتال داخل بنغازي. قُتِل الثِمن بتاريخ 2 ديسمبر 2015 في ظروف ملتبسة، وقد رجّح محمد الحجازي بعد انشقاقه أن قتل الثمن كان نتيجة إطلاق نار من الخلف وليس في مواجهة مباشرة مع الخصم أو نتيجة لغم أرضي. فلم يكن مقتل الثمن حدثاً عابراً، إذ كان يخططُ لعقد لقاء ببعض قيادات الثوار الذين حاربوا ضد حفتر، لإقناعهم بوقف القتال والابتعاد عن المحاور التي كانت تقاتل بها جماعات متطرفة كتنظيم "داعش"، لكنه قُتل قبل موعد الاجتماع بيومين.

إلى جانب هؤلاء كان العقيد فرج البرعصي، "الحليف المؤسس". تولى البرعصي أدواراً قيادية في نظام القذافي، وقدّم الدعم الفني والإداري لقوات حفتر حين كانت محدودة العدد، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ناقد علني لطريقة إدارة المعارك. 

اجتماعياً كان الدور الأثقل لقبيلة العواقير، إحدى أكبر القبائل في الشرق. إذ خرجت منها قيادات مثل عيّاد وصلاح الفسي وعز الدين الوكواك وصلاح بوالغيب، الذين قادوا كتائب متطوعين شكّلت الخزان البشري الأساس للمعركة، ومنحوا حفتر الغطاء الاجتماعي الضروري للانطلاق.

بالتوازي استُخدم التيار السلفي المدخلي أداةَ تعبئة وضبط اجتماعي داخل المعسكر. لم يكن هذا التيار جزءاً من المشروع الأصلي لعملية الكرامة، لكنه تحوّل إلى أحد أدواتها الأكثر فاعلية. إذ أسس لخطاب ديني يجرّم الخصوم ويصفهم خوارجَ أو مبتدعة، ويمنح الغطاء الشرعي لطاعة القيادة العسكرية وتحريم الخروج عليها، وهو مسار قد تكون السعودية شريكة فيه. إذ وفقاً لما جاء في مقطع مصور لأسامة العتيبي كانت منصة المنارة للإعلام قد أعادت نشره في ديسمبر 2025، ذكر فيه أن دعاة من التيار السلفي المدخلي كربيع المدخلي وأسامة العتيبي حثّا الليبيين، بعلم الداخلية السعودية، على الانضمام إلى صفوف حفتر. 

نبع هذا التوظيف عند حفتر من منطق نفعي يرى في السلفيين قوة منضبطة معادية الثورةَ السياسية، وقابلة للاستخدام في تفكيك الخصوم من الداخل. وهو ما ظهر لاحقاً في أدوارهم الأمنية داخل بنغازي ودرنة، حيث استقرّت معارك الكرامة ضد داعش وتنظيمات الثوار. يذكر الكاتب الصحفي أحمد صلاح علي في مقالته "هفتر أند سالفيزم: آ دينجيرس غيم" (حفتر والسلفية: لعبة خطيرة)، المنشورة في "آتلانتك كاونسل" سنة 2017، أن مجموعات سلفية شاركت في القتال وتولت أدواراً شرطية وأمنية في ضبط المدن وقمع الخصوم المسلحين والسياسيين.

مع انتقال المعارك إلى حرب استنزاف طويلة، ساهم الدعم الخارجي في إعادة تشكيل التحالف منذ فبراير 2015، عندما وصلت أولى شحنات الأسلحة قادمة من مصر عبر تمويل إماراتي، وفق شهادة الحجازي. رأت مصر في حفتر أداة تضبط حدودها الغربية وتمنع تشكّل نموذج مسلح معادٍ إياها. ورأت الإمارات فيه رأس حربة لمشروع إقليمي أوسع يستهدف كسر موجة الثورات العربية وبناء نموذج حكم عسكري مستقر شكلياً، كما يوضح الباحث الهولندي فرانك سليخبر، في منظمة "باكس فور بيس"، في دراسته "أندر ذا ريدر، ذا يونايتد أرب إيمارتس، أرمز ترانسفر أند ريجنال كونفلكت" (تحت الرادار، الإمارات العربية المتحدة: نقل الأسلحة والنزاعات الإقليمية)، المنشورة سنة 2017. 

لم يقدّم حفتر هذا الدعم بالتساوي، بل ركّزه تدريجياً في وحدات محددة، ما سمح له بإعادة توزيع القوة داخل معسكره. فمنحَ حفتر الذخيرة والعتاد للشخصيات الأقرب له، ومنعها عن آخرين اضطروا لشراء الذخيرة والعتاد من أموالهم الخاصة أو بدعم من رجال الأعمال، كما يوضح مقطع مصور لأحد المقاتلين عُرض في قناةِ الجزيرة بتاريخ 26 ديسمبر 2014. فبدأت تتشكل قوات خاصة بأبناء حفتر تحصلت على معظم التسليح، مع عدم انخراطها الكبير في محاور القتال.

بعد أن أصبح حفتر اللاعب الرئيس في الشرق، بدأت عملية الإقصاء المنهجي التدريجي للحلفاء الأوائل. فرج البرعصي أُبعد بالقوة سنة 2017، ومحمد الحجازي انشق واتُّهم بالخيانة، وقيادات العواقير وُضعت تحت ضغط متزايد حتى حُلّت تشكيلاتها. أما فرج قعيم، آمر قوة المهام الخاصة في جهاز مكافحة الإرهاب في بنغازي، والمهدي البرغثي، آمر الكتيبة دبابات 204، اللذان حاولا إعادة بناء شرعية بديلة لحفتر داخل المعسكر نفسه فأُنهي مسارهما. إذ هرب البرغثي نحو طرابلس، حيث استلم مهامه وزيراً للدفاع في يوليو 2016، ونجا قعيم من محاولة اغتيال ثم اعتُقل في نوفمبر 2017 واقتُحم منزله. ضَعُفَ تأثيرهما كذلك مع اغتيال بريك اللواطي، عميد قبيلة العواقير، في مايو 2017 لأنه أحد أعمدة الغطاء القبلي لتحركاتهما.

بالتوازي مع ذلك صعدت بنية جديدة. فقاد صدام حفتر تشكيل كتائب "طارق بن زياد"، وقاد خالد حفتر الكتيبة 106، لتصبحا لواءً فيما بعد. وقاد أبناء عمومة حفتر، أيوب والبوعيشي الفرجاني وحداتٍ وكتائبَ شكلت العمود الفقري للقوات المسلحة. هذه الوحدات حظيت بأفضل التسليح والتدريب والدعم، وكانت مرتبطة بالدائرة العائلية، ما جعل الولاء فيها ولاءً شخصياً لا اجتماعياً.

بهذا الشكل أدّت عملية الكرامة وظيفتها قبل أن تنتهي سنة 2017. فاستنزفت العملية القوةَ المدنية المسلحة في حرب قُتل فيها حوالي عشرين ألف شخص، بينهم أكثر من ثمانية عشر ألف مدني وألفي عسكري، وأحد عشر مستشاراً أجنبياً، وألفاً وسبعمئة من قوات عربية، وفق وثيقة مسربة وردت في تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة إلى رئيس مجلس الأمن في 5 سبتمبر 2018. بالإضافة إلى ذلك فكك حفتر التحالفاتِ الواسعة، فأصبحت القيادات الرئيسة في جُلها تدين بالولاء للعائلة لا للمؤسسة العسكرية. وقبل أن تبدأ مغامرة حفتر في حربه على طرابلس في 2019، كان قد أنجز أخطر مراحل حكمه، أي تحويل تحالف حربٍ واسع إلى سلطة مركّزة لا تحتمل الشركاء.


لم يكن تعامل خليفة حفتر مع اتفاق "الصخيرات"، الموقَّع في ديسمبر 2015 برعاية بعثة الأمم المتحدة بين أطراف النزاع، تعاملاً سياسياً بالمعنى المتعارف عليه. جاء الاتفاق بعد حرب أهلية واسعة بين عملية الكرامة التي قادها حفتر شرقاً، وعملية "فجر ليبيا" سنة 2014 التي قيل إنها كانت رداً على الكرامةِ غرباً. وتشكل معسكر في الشرق يستند إلى شرعية مجلس النواب، ومعسكر في الغرب يستند إلى المؤتمر الوطني. 

كان من المفترض أن يكون الاتفاق بمثابة الإطار السياسي الذي صُمِّم لإنهاء الانقسام الليبي بعد 2014، عبر إنشاء مجلس رئاسي وحكومة وفاق وطني واستمرار مجلس النواب مجلساً تشريعياً موحداً وتحول المؤتمر الوطني إلى مجلس استشاري، وإعادة توحيد المؤسسات السيادية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، تحت سلطة مدنية منتخبة أو توافقية. 

يعدّ الاتفاق نموذجاً لمنهجية حفتر في إدارة التفاهمات، فهو يقبلُ بها مظلةً مؤقتة ثم يفرّغها من مضمونها متى اقتربت من تقييد مشروعه. إذ تعامل معه حفتر منذ لحظته الأولى ترتيباً خارجياً يمكن استخدامه لكسب الوقت، لا إطاراً ملزماً لإعادة بناء الدولة. قبوله الضمني بالاتفاق لم يترجم إلى أي خطوة عملية نحو دمج قواته أو القبول بقيادة مدنية، بل على العكس، استُخدم مجلس النواب في طبرق المنبثق عن المسار السياسي لتكريس شرعية موازية تحمي استقلال حفتر العسكري.

ظهر هذا السلوك في مرحلة ما بعد 2016، حين عُيّن المهدي البرغثي وزيراً للدفاع وفرج قعيم وكيلاً لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني. فبدلاً من التعاطي مع هذه التعيينات جزءاً من تسوية وطنية شاملة، تعامل معها حفتر تهديداً مباشراً لمركز قراره، وسارع إلى تحييد أصحابها سياسياً وعسكرياً. وفي الوقت نفسه شارك في مسارات تفاوض متعددة رعتها الأمم المتحدة ودول إقليمية، من لقاءات باريس في 25 يوليو 2017 إلى باليرمو في 13 نوفمبر 2018 وأخيراً أبوظبي في 29 مارس 2019، أي قبل هجومه على طرابلس بخمسة أيام. وقدّم حفتر نفسه في هذه المفاوضات طرفاً منفتحاً على الحل السياسي. وعلى الأرض كان يوسّع سيطرته العسكرية في الشرق والجنوب، ويعيد تشكيل قواته بمعزل كامل عن أي إشراف مدني ويقوم بتحضيرها للسيطرة على طرابلس.

بلغ هذا التناقض ذروته عشية هجومه على طرابلس في 4 أبريل 2019. فبعد أشهر من الانخراط في تحضيرات ما سُمّي بالحوار الوطني الجامع، الذي كانت البعثة الأممية تعتزم عقده في غدامس في نفس الشهر، التقى حفتر في الرجمة حيثُ قاعدته شرق بنغازي بكل من المبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش لمناقشة ترتيبات الحل السياسي. غير أن هذه اللقاءات لم تكن في منطق حفتر، سوى جزء من إدارة الوقت وطمأنة المجتمع الدولي. إذ أطلق هجومه على العاصمة في اليوم ذاته الذي كان فيه غوتيرش في ليبيا، معلناً نهاية التزامه بأي مسار سياسي لا يمنحه السيطرة الكاملة.

عندما تحركت قوات خليفة حفتر باتجاه طرابلس في 4 أبريل 2019، سُوِّقَ للهجوم منذ ساعاته الأولى أنه "عملية أمنية" تستهدف "تطهير العاصمة من الجماعات المسلحة"، كما أعلن حفتر في بيانِ الحرب. وقد أدار حفتر الحرب لتكون امتداداً لمنطق التحالفات المؤقتة الذي طبع مشروعه منذ 2014.

اعتمدت القوات المهاجِمة على خليط من وحدات الشرق، وعلى رأسها كتائب "طارق بن زياد" و"106"، وعلى مجموعات من المنطقة الغربية استقطبها حفتر قبيل الهجوم. في ترهونة، جنوب شرق طرابلس، شكّلت قوات "الكانيات" بقيادة محمد الكاني الثقل البشري الأساس، وتحولت المدينة إلى قاعدة خلفية ومركز إمداد رئيس. في الزنتان شاركت مجموعات مسلحة إلى جانب حفتر على رأسها العقيد إدريس مادي. وفي ورشفانة، غرب طرابلس، اتفق مع مجموعات تعرف بتأييدها نظام القذافي مثل خالد أبوعميد، قائد ما يعرف بجيش القبائل، ومسعود الضاوي، آمر اللواء 26. أما في غريان، جنوب طرابلس، اعتمدت قوات حفتر على تفاهمات سريعة مع مجموعة عادل دعاب، أهم القيادات الثورية بالمدينة، الذي سمح بدخول قوات حفتر للمدينة دون مواجهة.

في هذه المرحلة برز أيضاً الدور الخارجي عبر قوات المعارضة السودانية والتشادية التي قاتلت في صفوف حفتر منذ اليوم الأول، كما يوضح تقرير لجنة الخبراء في الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن في مارس 2021. وعزز حفتر التدخل الأجنبي بدور الطيران المسير الذي انطلق من قاعدة الجفرة وسط ليبيا وقاعدة الخادم بالقرب من بنغازي بقيادة أجنبية. وبعد أن كادت قواته تواجه انهياراً حقيقياً في بعض المحاور، تدخلت روسيا عبر عناصر شركة فاغنر التي انتشرت في محاور جنوب طرابلس وقدّمت دعماً حاسماً في القنص والتخطيط والدفاع. هذا التدخل لم يُعلن رسمياً، لكن أثره الميداني كان واضحاً وساهم في تثبيت خطوط تماس جديدة ومنع سقوط القوات المهاجمة. في المقابل مثّل هذا الوجود نقلة نوعية في الصراع، فلم تعد الحرب شأناً ليبياً داخلياً، بل ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى دولية.

على الطرف الآخر جاء التدخل التركي ليغيّر موازين القوى. فبعد توقيع مذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية مع حكومة الوفاق في نهاية 2019، قدّمت تركيا دعماً عسكرياً مباشراً شمل الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والخبراء العسكريين. مع تصاعد التدخل الخارجي للجانبين تحولت حرب طرابلس إلى حرب استنزاف مفتوحة. سقط مئات القتلى من المدنيين وقُصفت أحياء سكنية ووقعت حوادث صدمت الرأي العام، مثل قصف الكلية العسكرية في 3 يناير 2020. على ذلك، استمر الخطاب الرسمي للقيادة العامة لقوات حفتر في تقديم الحرب "ضرورةً وطنية"، مع تحميل الخصوم مسؤولية الضحايا واعتبار أي انتقاد داخلي أو دولي جزءاً من "حملة تشويه". إذ صرّح الناطق الرسمي أحمد المسماري في مؤتمر صحفي بعد أيام من الحادثة: "الاستهداف الجوي للكلية العسكرية في طرابلس، من عمل تنظيمات مثل داعش والقاعدة والإخوان المسلمين لا تريد قوة أمنية محترفة تحمي حدود البلاد. ولهذا السبب استهدفت الكلية العسكرية في العاصمة". 

انتهت حرب طرابلس بانسحاب قوات حفتر من غرب ليبيا في منتصف 2020. لكن الهزيمة العسكرية لم تُقدَّم للرأي العام هزيمة، بل أطّرتها دعاية حفتر "إعادة تموضع" فرضتها تدخلات خارجية، كما جاء على لسان المسماري في مؤتمر صحفي عشية الانسحاب من طرابلس في 21 مايو 2020. 

قبل انتهاء العملية ذاتها صُفِّيَ بعضَ الحلفاء المؤقتين مثل خالد أبوعميد بتاريخ 20 أغسطس 2019 ومسعود الضاوي بتاريخ 23 مايو 2019. وفور انتهاء مهمتها، تنكر حفتر لقوات الكانيات قبل أن يبدأ الهجوم عليها إعلامياً بعد أشهر قليلة على منصاتهِ الإعلامية. على رأس هذه المنصات قناة ليبيا الحدث التي سمحت لضيفها الإعلامي محمد محيسن بانتقاد الكانيات وذكر جرائمهم، وذلك بعد تصفية زعيمهم محمد الكاني وعدد من مرافقيه في 27 يوليو 2021. بهذا المعنى كشفت حرب طرابلس أن نموذج السلطة القائم على هندسة الولاء والتحالفات المؤقتة يصلح للاستيلاء التدريجي، لكنه ينهار عندما يُختبر في مواجهة متكافئة مفتوحة وتحت أعين العالم. 

شكّل وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، وانطلاق ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف مطلع 2021، لحظة اختبار حقيقية لمشروع حفتر بعد فشل معركة طرابلس. في تلك اللحظة بدا واضحاً أن البيئة الدولية، ولاسيما بعثة الأمم المتحدة لليبيا، تسعى إلى إعادة هندسة المشهد عبر بوابة سياسية تُخفّف من مركزية الفاعل العسكري. فبرز لأول مرة منذ 2014 قطبٌ آخر في المنطقة الشرقية بهامش حركة مستقل عن حفتر، وهو عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب.


كانَ مجلس النواب قد اتخذ من طبرق، أقصى شرق ليبيا، مركزاً له بعد توتر الأوضاع وصعود الخلافات في شرعيةِ الانتخابات التي أدت إليه منذ 2014. فاستفادَ حفتر من وجوده في مناطقِ نفوذِه، حتى يبرر شرعيةَ الحربِ التي يخوضها بشراكةٍ مع عقيلة صالح.

استفاد عقيلة صالح من بنية مسار جنيف نفسها. في ملتقى الحوار السياسي الذي انعقد برعاية الأمم المتحدة في جنيف ساهم مجلس النواب في منح الثقةِ السلطةَ التنفيذية الجديدة، التي تسمى حكومة الوحدة الوطنية، ما أعاد الاعتبار للشرعية التشريعية بعد سنوات من هيمنة حفتر العسكرية. هذا التوازن المؤقت جعل بعض دوائر الشرق ترى عقيلة قادراً على كبح طموحات حفتر ، لاسيما مع ترشح عقيلة لعضوية المجلس الرئاسي في فبراير 2020 ضمن قوائم الحوار السياسي، كما هو موثق في بيانات بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، ومحاولته تقديم نفسه رجل تسوية لا رجل حرب.

لكن حفتر تعامل مع هذه اللحظة فترةَ سماح لإعادة ترتيب أدوات السيطرة. ومنذ الأشهر الأولى لعمل السلطات المنبثقة عن حوار جنيف والممثلة في المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بدأ عمل حفتر على تفريغ مسار جنيف من محتواه من دون مواجهة مباشرة مع الأمم المتحدة أو إعلان قطيعة صريحة. جوهر هذا العمل كان عدم احترام مخرجات الحوار التي نصت على أن يكون المجلس الرئاسي حاملاً صفة القائد الأعلى، وبالتالي مسؤولاً عن تنظيم القوات المسلحة ومنح الترقيات والرتب. لكن حفتر أعلن عدم التزامه به وعدم انصياعه لأي سلطة سياسية غير منتخبة وذلك في كلمة ألقاها في 23 أغسطس 2021 بمناسبة عيد تأسيس الجيش الليبي. 

على مستوى آخر بدأت مساعي التحكم في مجلس النواب. وهنا يظهر الدور المتصاعد لابنه بلقاسم الذي قدّمه منسّقاً سياسياً برلمانياً يعمل في الظل. بلقاسم لم يحتج إلى موقع رسمي داخل البرلمان، فنفوذه تشكّل عبر شبكة علاقات وضغوط مركّبة. وقد ظهرت كتلة محسوبة عليه داخل المجلس مع نهاية 2022 عبر جلسة بارزة عُقدت في غياب عقيلة صالح في جولة إقليمية. انتهت الجلسة إلى إقالة محافظ المصرف المركزي في بنغازي علي الحبري وبرئاسة النائب الأول لصالح، فوزي النويري. فاستغلّ بلقاسم والمحسوبين عليه ثغرة الفصل 37 في النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تعطي بعض صلاحيات رئيس المجلس لنائبه. وهذا ما يوضحه تقرير مطول للجزيرة نت بعنوان "هل يطيح أبناء حفتر بأكبر حلفائه في الداخل"، نُشِر في يناير 2024، ويربط هذا المسار مباشرةً بتمدّد نفوذ أبناء حفتر داخل المجلس. بذلك أصبح مجلس النواب ساحة تدار بالتوجيه والاصطفاف.

مع مرور الوقت تقلّص هامش عقيلة صالح نفسه. لاحظ ذلك المحلل السياسي كريم ميزران في مقال نشره مركز أتلانتيك كاونسل بعنوان "ذا إند أوف ليبياز فالس ستابيليتي" (نهاية فترة الاستقرار الكاذب في ليبيا). إذ أشار ميزران إلى أن عقيلة صالح "يمارس السلطة السياسية فقط بموافقة حفتر في الشرق". وفي صيف 2023 بلغ الصدام ذروته عندما أعلن عقيلة صالح بطلان مخرجات جلسة عُقدت في غيابه، وتقرر فيها إقالة رئيس هيئة الرقابة الإدارية ورئيس المجلس الوطني للتخطيط وتعيين آخرين مكانهما، بل وتسمية رئيس للمحكمة الدستورية العليا في بنغازي. 

لم تقف مؤشرات تآكل الهامش عند إدارة الجلسات في غياب عقيلة، بل امتدت إلى إعادة فتح ملف رئاسة البرلمان نفسه. إذ نقلت الجزيرة نت في تقريرها أنباء متداولة عن سعي أبناء حفتر لتغيير رئاسة المجلس منذ 2020، أكدها قبيل إحدى الجلسات النائب بدر النحيب في تصريحات تلفزيونية، متحدثاً عن عريضة تحمل توقيعه وتوقيع خمسة وثمانين نائباً للمطالبة بتغيير رئاسة البرلمان القائمة منذ 2014.

في هذا السياق بدأ الانقلاب العملي على مخرجات جنيف. لم يكن التراجع فجائياً، بل تراكميّاً. أولاً، عطّل حفتر تنفيذ بعض الالتزامات الجوهرية، خصوصاً ما يتعلق بتوحيد المؤسسات السيادية والعسكرية، كما يذكر الكاتب الصحفي عماد عنان في مقالته "ليبيا.. هل ينقلب حفتر على مخرجات الحوار السياسي"، المنشورة في موقع نون بوست في أغسطس 2021. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية نهاية 2021، استُخدم مجلس النواب لإغراق العملية في الجدل القانوني. فانبثقتْ خلافات حول شروط الترشح ومواعيد القوانين وأحقية بعض الشخصيات في الترشح، مثل ترشح سيف الإسلام، نجل معمر القذافي. ومع تعقد الإجراءات والجدل القانوني أقرّ مجلس النواب بأن انتخابات 24 ديسمبر 2021 لن تُجرى في موعدها وسط هذا التشابك القانوني والسياسي.

الخطوة التالية كانت نزع الغطاء السياسي عن حكومة الوحدة الوطنية تدريجياً، وهنا رضيَ عقيلة أن يكون أداةَ حفتر في هذا. فبدلاً من إسقاطها مباشرة، طعن عقيلة صالح في شرعيتها واتهمها في سبتمبر 2021 بعدم تنفيذ الاستحقاقات الموكلة إليها. ثم استخدم حفتر المجلسَ لاختيار حكومة بديلة في جلسة أثارت جدلاً واسعاً حول النصاب والتمثيل بحسب تقرير لوكالة الأناضول للأنباء بعنوان "لماذا يسارع حفتر وعقيلة لقطع الطريق على حكومة الدبيبة"، نُشِر في سبتمبر 2021. بهذا انقسمتْ السلطة التنفيذية مجدداً وعادت البلاد إلى نموذج الحكومتين، بما يسمح لمشروع حفتر باستخدام الحكومة الموازية أداة مالية وإدارية، ويُبقي التعامل الدولي معه أمراً واقعاً بحكم السيطرة الميدانية. واختير فتحي باشاغا، أهم شخصية واجهت حفتر في هجومه على طرابلس، رئيساً للحكومة في الشرق بعد أن ظهر علانية في جلسة صلح مع حفتر سنة 2021.

عندما حاول باشاغا في 17 مايو 2022 دخول طرابلس، اندلعت اشتباكات مسلحة راح على إثرها عشرات الضحايا المدنيين قبل أن ينسحب في اليوم نفسه "لتفادي التصعيد"، كما صرّح في اليوم نفسه. بعد أن ظل خارج العاصمة، صوّت مجلس النواب بداية على إيقافه عن العمل وإخضاعه للتحقيق في جلسة لم يحضرها عقيلة صالح ورفض مخرجاتها، وفقاً لتقرير الصحفي أسامة علي بعنوان "كواليس استبعاد باشاغا وصفقة حفتر والدبيبة"، نشِر في العربي الجديد. أدت الجلسة إلى إقالة باشاغا لاحقاً وتكليف أسامة حمّاد، وزير ماليته، بتولي مهام رئاسة "الحكومة الليبية" في شرق البلاد في 16 مايو 2023.

بهذا انتهت مرحلة الجزء السياسي من تفاهمات جنيف، لا بقرار دولي ولا بإعلان انسحاب، بل عبر تفكيك أدواتها من الداخل. ومع تحييد عقيلة صالح منافساً محتملاً واستخدامه أداةً أكثر منه فاعلاً مستقلاً، خاصة مع المحاولات العديدة لتغييره، ضبط حفتر مجلس النواب كاملاً. تهيأت الأرضية لتشديد القبضة الأمنية والمالية، وإحلال العائلة مركزَ القرار النهائي.


بعد تفريغ مسار جنيف والسيطرة الفعلية على مجلس النواب، انتقل مشروع حفتر إلى المرحلة الأهم في إعادة إنتاج السلطة، وهي تحويل الهزيمة العسكرية إلى تفوق طويل الأمد. هذه المرحلة لم تُبنَ على وهم استعادة طرابلس سريعاً، بل على تثبيت ما تحقق وإغلاق كل الفجوات التي كشفتها تجربة 2019. جوهر هذه المنهجية كان بسيطاً في منطقه قاسياً في تطبيقه، إذ لم يعد هناك مكان للشركاء أو مؤسسات مستقلة قادرة على المناورة خارج إرادة "القيادة العامة".

أول أركان هذا التعافي كان التشديد الأمني الكامل في الشرق والجنوب. فبعد سنة 2020 لم يعد ثمة حاجة إلى تسويات اجتماعية أو قبلية كما في بدايات عملية الكرامة. انتهت مرحلة التغاضي عن الأصوات الناقدة أو محاولة استيعابها. وبدلاً من ذلك، بدأ نمط  القمع الانتقائي عالي الرسائل. 

زادت حدة الاختفاءات القسرية بما في ذلك للنائبين سهام سرقيوة في 18 يوليو 2019 وإبراهيم الدرسي في 18 مايو 2024. وبدأت السلطات تعتقل الناشطين والصحفيين والشخصيات العامة مثل الناشط سراج دغمان الذي توفي بالسجن في 19 أبريل 2024، وفتحي البعجة الخبير الدستوري والدبلوماسي السابق في 1 أكتوبر 2023. 

لم يتساهل حفتر مع أي أنشطة تتجاوز الخطوط الحمراء، حتى أنه اعتقلَ أهم حلفائه في الجنوب الليبي. فوفقاً لما نقلته منصة فواصل الإخبارية في يناير 2025 اعتقلت قوة تابعة للقيادة العامة آمر لواء طارق بن زياد، اللواء عمر مْراجِع المِقِرْحي، لاتهامه بالتواصل مع سيف الإسلام القذافي. بينما داهمت الشرطة العسكرية منزلين لحسن الزّادْمَة، آمر الكتيبة 128 مشاة، في منطقة "السيدة عائشة" في بنغازي. وتأتي هذه الأحداث بسبب خلافات بين قيادة قوات حفتر المتمثلة في نجلي حفتر خالد وصدام مع عمر مراجع وحسن الزادمة، على أنّ الأزمة انتهت لاحقاً مع عمر مراجع بعد إطلاق سراحه بإعادته لمركزه.

أما التعامل مع حسن الزادمة فقد جاء أشد نظراً لشدة الخلاف بينه وبين صدام على مناطق النفوذ الاقتصادي جنوب البلاد، وفقاً لما جاء في مقال للصحفي داوود علي "حلفاء الأمس.. كيف تغذي الخصومة بين حفتر والزادمة الصراع جنوب غرب ليبيا"، نشر في أبريل 2025 في صحيفة الاستقلال. ونتيجة لذلك حلّت القيادة العامة اللواء 128 ونقلتْ الزادمة في وظيفة إدارية في إدارة التفتيش بالقيادة العامة للجيش. 

الركن الثاني من أركان مشروع السيطرة، كان الاقتصاد الموازي. وفقاً لبحث صادر في نوفمبر 2023 نشرته منظمة ذا سينتري تحت إسم "ليبياز كليوباتريك بووم" (الإنفجار الكليبتوقراطي في ليبيا) ذكر أن الحكومة الموازية في شرق ليبيا استُخدمت أداةً لتوقيع الإنفاق وترسية العقود والتحكم في مفاصل الجمارك والضرائب والاقتراض المحلي. وفي الجنوب، حيث المسافات والحدود والأسواق المفتوحة، تداخل الأمن بالمال واعتمدت قوات حفتر على جبايات غير رسمية وإتاوات، واستفادت من أنشطة التهريب بمختلف أشكاله بما في ذلك أنشطة تهريب الوقود وفقاً لتقرير آخر نشر في نوفمبر 2025 من ذات المنظمة تحت إسم "إنسايد جوب ليبيا فيول سماغلينغ" (التواطؤ، تهريب الوقود الليبي). هذا الاقتصاد تحول إلى جزء من هندسة السلطة، فالمال يُستخدم لشراء الصمت ومكافأة الطاعة ومعاقبة التمرد.

في هذا السياق تراجعت القبائل من موقع الشريك إلى موقع المُدار. فوفقاً لشهادة محمد الحجازي تحوّل شيوخ القبائل إلى واجهات تُستدعى عند الحاجة، أو تُضبط عبر "منسقين" معتمدين لدى القيادة العامة. فأصبح من غير الممكن لقاء حفتر أو أحد أبنائه دون تنسيق مسبق مع شخصية مثل بِلْعيد الشيخي، الذي نصبه حفتر منسقاً للقبائل بالقيادة العامة. التجنيد لم يعد يمر عبر البنية القبلية، بل عبر الكلية العسكرية في توكرة، شرق بنغازي، والوحدات التابعة مباشرة لكتائب أبناء حفتر. بهذه الطريقة، انقطعت الحلقة التي يمكن أن تعيد للقبائل قدرة الضغط أو المساومة، وأصبح أي اعتراضٍ اجتماعي مكلفاً وغير قابل للتنظيم.

أما الركن الثالث وهو الأخطر، فتمثل في إحلال العائلة بديلاً عن المؤسسة. لم يعد الهدف بعد 2020 بناء جيش محترف متعدد المراكز، بل جيش موالٍ أحادي الرأس. هنا تصاعد دور الأبناء بمنهجية لا ارتجالية. طُبِّع حضور صدام وخالد تدريجياً في الصور والاجتماعات والملفات الأمنية الحساسة وفي إدارة الوحدات الأكثر تسليحاً. فكانت ترقية صدام من رتبة فريق إلى فريق أول ركن، وخالد من فريق إلى رتبة فريق أول، أداة تثبيت سياسي. فمن يملك السلاح الثقيل والقرار الأمني هو من يملك مستقبل المشروع.

هذا الإحلال لم يقتصر على الجيش فحسب. بل أُعيد تنظيم الإعلام ليخدم الرواية الجديدة، لتروّج القنوات التلفزية والصحف ومنصات التواصل الاجتماعي للاستقرار مقابل الفوضى، ولعائلة حفتر ضامنة الأمن. وقد لاحظت ذلك الصحفية الإيرلندية ماري فيتزجيرالد في دراستها التي نشرت في ديسمبر 2020 بعنوان "ميتيغايتينغ ذا إمباكت أوف ميديا ربيوربتينغ تيروريزم- ليبيا كيس" (الحد من تأثير التغطية الإعلامية للإرهاب: دراسة حالة ليبيا). القضاء والأجهزة الرقابية أُخضعت لمنطق "الملفات الانتقائية"، إذ لا يُفتح ملف إلا إذا خدم توازنات السلطة. وحتى دعم الأندية الرياضية وُظِّفَ ضمن اقتصاد الرعاية، كما يشير تقرير للصحفية كريمة ناجي نشر سنة 2024 تحت عنوان "الدعم المالي للأندية الرياضية الليبية [. . .] شغف أم كسب "ود انتخابي؟"على موقع إندبندنت عربي، إلى دور أبناء حفتر في دعم الأندية الرياضية وآثاره الاجتماعية والسياسية.

خارجياً لم يُثبَّت واقع ما بعد 2020 عبر حلّ التناقضات الدولية المحيطة بليبيا، بل عبر إدارتها واستثمارها بنفعية عالية. فبعد فشل الهجوم على طرابلس، لم يعد حفتر في موقع "الحليف المنتصر" الذي يمكن فرضه على الجميع، لكنه تحوّل إلى حقيقة ميدانية لا يمكن تجاوزها في شرق البلاد وجنوبها، وهو ما دفع القوى الخارجية إلى إعادة ترتيب علاقتها به وفق منطق الاحتواء لا الحسم.

في هذا السياق كان الوجود الروسي التحولَ الأهم. تمركزت القوات الروسية في خمس قواعد رئيسة في الوسط والجنوب، حيث تمركزت في كل من الجفرة والقرضابية وبراك الشاطئ منذ تدخلها في الهجوم على طرابلس في سبتمبر سنة 2019، وفقا لتقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة لسنة 2019. وتمركز جزء من قواتها في قاعد الخادم شرق ليبيا بعد انسحابها من محيط طرابلس سنة 2020. أضف إلى ذلك حضور بحري متكرر لقوات الشركة في ميناء طبرق، أقصى شرق البلاد، وفقاً لمقال فرانك تالبوت، الزميل في أتلانتيك كاونسل، نشِرَ في ديسمبر 2025 تحت عنوان "رشاز موست إمبورتنت ميدل إيست بيس إز نوت وير يو ثينك" (أهم قواعد روسيا في الشرق الأوسط ليست في المكان الذي تظنه).

استمرت الإمارات الراعي المالي والسياسي والعسكري الأثبت لمشروع حفتر، لكن بدورٍ تغيّر شكله بعد 2020. فقد نشر الباحث عماد الدين بادي في أكتوبر 2022 مقالة على موقع أتلانتيك كاونسل تحت عنوان "ذي يو أي إي إز ميكنغ أ بريكاريوس شِفت إن إتس ليبيا بوليسي، هيرز واي" (الإمارات تُجري تحوّلًا حذراً في سياستها تجاه ليبيا وإليك الأسباب). أشار بادي إلى أنه بعد أن كانت أبوظبي شريكاً مباشراً في التصعيد العسكري حتى 2019، انتقلت إلى دور إدارة النفوذ. فقدمت دعماً مالياً غير معلن وساهمت في إعادة الإعمار في الشرق ورعت تفاهمات اقتصادية حساسة، أبرزها إعادة تشغيل الحقول النفطية. وسهّلت الإمارات ترتيبات مكنت حفتر من الاستفادة من الموارد عبر شركة خاصة لتسويق النفط تحت اسم "أركنو"، ودون الحاجة للسيطرة الرسمية على المؤسسة الوطنية للنفط. 

أما مصر فقد اتخذت موقفاً أكثر حذراً بعد 2020. بعدما دعمت حفتر بقوة في مرحلة الكرامة وحرب طرابلس، باتت تنظر إليه عقب الفشل العسكري من زاوية ضمان أمن الحدود الغربية ومنع انهيار الشرق الليبي، لا تمكينه من السيطرة على كامل البلاد. هذا الموقف ازداد تعقيداً مع تشابك الملفات الإقليمية، ولا سيما في السودان، حيث بات النفوذ الإماراتي المتداخل مع شبكات مرتبطة بحفتر، مصدر قلق مباشر للأمن القومي المصري الذي قال عنه حفتر يوماً في مقابلة مع قناة العربية سنة 2015 أنه يقدمه على مصلحة ليبيا.

لكن لحظة الحقيقة أثبتت أن المصالح الإماراتية ربما أهم منهما. فقد ساهمت قوات حفتر في تسهيل وصول الوقود والمعدات والمرتزقة لصالح قوات الدعم السريع السودانية المدعومة إماراتياً، كما أشار إلى ذلك تقرير لروبين دو كونيغ، الزميل في مبادرة غلوبال إنيشيتيف أغاينست أورقنايزد كرايم، تحت عنوان "ذي إلِسِت ترانسناشونال سبلاي تشينز سَستينِنغ سودانز كونفلكت" (سلاسل الإمداد العابرة للحدود غير المشروعة التي تُبقي الصراع في السودان قائماً)، ونُشِرَ في نوفمبر 2025. لذلك حافظت مصر على علاقتها بحفتر "الفاعل القائم"، لكنها لم تعد مستعدة لمنحه تفويضاً مفتوحاً لمغامرات جديدة.

في المقابل شكّل التحول التركي أحد أكثر التطورات دلالة في مرحلة ما بعد 2020. فقد قالت نباهة تانريفردي، الزميلة في مؤسسة "ستيفتونغ ويسنشافت أوند بوليتيك"، في مقالها "فرُم تريبولي تو بنغازي: تُركيز إكسباندِنغ فوتبرِنت إن ليبياز فْراغمِنتِد لاندسكيب" (من طرابلس إلى بنغازي: اتساع النفوذ التركي في المشهد الليبي المُجزّأ) الصادر في سبتمبر 2025، إنّه بعد أن كانت تركيا الخصم العسكري المباشر لحفتر في طرابلس، فتحت مسارات تطبيع إقليمي أوسع مع الإمارات والسعودية ومصر، ما أتاح لها هامش حركة جديد في الشرق الليبي. استغلت تركيا منذ 2022 هذا الهامش للدخول اقتصادياً عبر ملف الإعمار الذي يديره بلقاسم حفتر عبر صندوق التنمية وإعادة الإعمار. فحصلت تركيا على عقود كبيرة في الشرق، إضافة إلى فتح قنوات تواصل أمني وعسكري غير معلنة مع صدام حفتر. 

المشترك بين كل هذه العلاقات هو أنها لم تُدر يوماً عبر مؤسسات الدولة الليبية، ولا عبر وزارة خارجية أو حكومة ذات سيادة، بل عبر دائرة ضيقة مرتبطة مباشرة بحفتر الأب ثم بالأبناء من بعده. هذا النمط حوّل صدام وخالد ومن حولهما إلى واجهة التواصل الفعلية مع الخارج، لا مسؤولين في دولة، بل ضامنين لأمر واقع أمني وعسكري. وهكذا لم يصبح الخارج داعماً لمشروع دولة في الشرق، بل شريكاً في إدارة توازن هش، يضمن مصالحه الآنية مقابل القبول بمنهج حكم يقوم على القوة والولاء، لا على الشرعية والمؤسسات.


في هذا السياق كله، لم يعد حفتر الأب بحاجة إلى خوض معارك جديدة. المطلوب كان تحصين ما تحقق ونقل مركز القرار بسلاسة. وهنا تصبح لحظة أغسطس 2025 مفهومة في سياقها الكامل. يبدو تعيين صدام حفتر نائباً للقائد العام وتعيين خالد حفتر رئيساً للأركان، إعلاناً رسمياً عن اكتمال الانتقال من "قيادة ثورية عسكرية" إلى نظام عائلي مُقنَّن. عبد الرازق الناظوري، العسكري المهني القديم، لم يعد مناسباً لهذه المرحلة، ليتحوّل من رئيس أركان القوات المسلحة إلى مستشارٍ للأمن القومي. فالمطلوب لم يعد خبرة ميدانية بقدر ما هو ولاء مطلق.

المفارقة أن هذا النجاح الظاهري يحمل في داخله بذور هشاشته. فحين تُستبدل المؤسسة بالعائلة، ويُستبدل العقد السياسي بالولاء الشخصي، يصبح الخطر الأكبر داخلياً لا خارجياً. بعد تحييد الخصوم وتفكيك الحلفاء وإخضاع القبائل، لا يبقى خصم محتمل سوى الصراع داخل البيت نفسه. فقد تبدأ مرحلة التنافس على الزعامة والاختلاف على توزيع الملفات، أو تضارب قراءة التوازنات الدولية بعد غياب الأب. هذه ليست نبوءة، بل منطق كل نظام بُني على "الانقلاب الصغير"، المنهج الذي نجح في ابتلاع الآخرين قد ينقلب على أصحابه عندما تصبح العائلة هي آخر تحالف قائم.

بهذا المعنى لا تمثل مرحلة ما بعد 2020 مجرد تعافٍ لمشروع حفتر، بل تحوّله النهائي إلى مشروع عائلة، تُدار فيه الدولة امتداداً للبيت، ويُدار الجيش ضمانة هذا الامتداد. أما السؤال المفتوح، الذي لا تجيب عنه قرارات أغسطس 2025، فهو هل يستطيع هذا المشروع الاستمرار بعد غياب الأب، أم أن المنهج ذاته سيعيد إنتاج لحظة الانكسار، ولكن هذه المرة من الداخل.

اشترك في نشرتنا البريدية