جلست مع ابن خالتي على الكراسي البلاستيكية البيضاء قرب الباب المؤدّي إلى الصالون. انحنيتُ نحوه وهمستُ في أذنه قائلاً إنني سأستيقظ في أي لحظةٍ الآن. هزّ رأسه وقال إنه يعرف، فسألتُه عن مشاريعه وجدّي بعد رحيلي، فيما إذا كانا سيظلان هنا أم سينتقلان إلى مكانٍ آخر. قال أمين إن هذا منامي وعليه سيختفيان عندما أستيقظ.
هذا المنام واحدٌ من مناماتٍ عديدةٍ حضر فيها جدّي بعد وفاته، وهو الوحيد الذي قابلتُ فيه أمين. حلمتُ بهذا المنام تحديداً في يوليو 2017، أي بعد وفاة جدّي بعامٍ، وبعد وفاة أمين بعامين. دوّنتُه فور استيقاظي، لأنني رأيت في حضوره في ذكرى وفاة جدّي أمراً يستحق أن يُدوَّن لأتذكّره أبداً. ومنذئذٍ بتُّ أعود إلى هذا الحلم بانتظامٍ في نومي، غير أنّه في كلّ مرةٍ تظهر تفاصيل مختلفةٌ، مثل غياب أمين وحضور أناسٍ آخرين أعرف بعضهم ولا أعرف الباقي.
صارت الأحلام جزءاً من أيامي طيلة أعوامٍ، أعيشها وأدوّنها كلّ ليلةٍ، وقد خصصت دفتراً على منضدة السرير لها. بدايةً تجلّت لي علاقة الأحلام والكوابيس بانتقال الصدمة عبر الأجيال، التي تشكّلت داخل ذاكرةٍ عائليةٍ ليبيةٍ مرتبطةٍ بالاستعمار الإيطالي والحروب الأهلية والاقتلاع المتكرّر من المكان. ومنذ 2011، حين دخلت ليبيا طوراً مفتوحاً من العنف وتبدّل إيقاع الحياة الجماعي، صار النوم عندي مساحةً تتغيّر وتتحوّل. ومع الوقت ظهرت أشكالٌ متعدّدةٌ من الوعي والهروب خضتُها في مناماتي، منها تعاطي المهلوسات، قبل أن تستقرّ هذه المنامات في منطقةٍ وسطى بين النوم واليقظة، فيما يُعرف بِاسم "أحلام اليقظة". ومن هذه التجارب المتراكمة يظهر لي أنّ الحلم يتعدى كونه أثراً نفسياً عارضاً، إلى حيّزٍ معرفيٍ وعاطفيٍ أعيدُ فيه صياغة التاريخ في حين عجزت اللغة والوعي اليقظ عن احتوائه. إذ بالمنامات والهلوسات وأحلام اليقظة وما جاورها من تجارب، تحوّل نومي إلى أرشيفٍ حيٍّ للصدمة المتوارثة، وإلى وسيلةٍ لفهم استمرار التجربة السياسية والاجتماعية داخل الجسد والوعي.
كانت هذه المنامات أشبه برحلةٍ للتواصل مع أناسٍ آخرين في العائلة ماتوا. جدّي كان أيضاً مهتماً بالمنامات ويهوى تفسيرها. في صغري، كنتُ ممنوعاً من الجلوس معه وأمي حين تقصّ عليه مناماً راودها ويحين وقت تفسير الحلم أو تحليله. وقد صارت هذه الجلسات ملازمةً لأمي، خصوصاً عقب وفاة جدّتي المفاجئة في مارس 2000 حين كنت طفلاً، والفقد الذي ألمّ بأمي إثر ذلك. فكأن المنامات كانت المكان الوحيد الذي استطاعت فيه أمي التواصل مع جدّتي.
ولهذا لا يبدو مفاجئاً أنّني حين حلمتُ بجدّتي أول مرّةٍ بعد وفاتها بأشهرٍ قليلةٍ، وجدتُ أمي تناديني أثناء زيارتنا بيت جدّي لأقصّ على خالاتي ما راودني في الحلم. بقيَ ذلك الحلم في ذاكرتي حتى اليوم. إذ رأيتُ فيه نساءً كبيراتٍ في السنّ يسرن مهرولاتٍ في فضاءٍ شاسعٍ، يبدو لي اليوم مثل الصحراء، لكنّه ربما كان حينئذٍ مجرّد فضاءٍ واسعٍ تحيطه العتمة ولم أقدر على تمييز معالمه. على ذلك فالإشاعة التي انتقلت داخل العائلة تقول إنّني رأيتهنّ في الصحراء. لم يعنِ الأمر لي شيئاً إلّا في سنواتٍ لاحقةٍ، بعد زمنٍ طويلٍ صار لي فيه مناماتي الخاصّة وهوسي بها، وبدأت تراودني أحلامٌ شبيهةٌ بذلك الحُلم أرى فيها حقّاً أناساً من مختلف الأعمار، يجرون مهرولين في عتمة فضاءٍ شاسعٍ، وأنا ألحق بهم من دون أن أعلم السبب.
بين سنتي 2016 و2017، راودني المنام نفسه ستّ مرّات. وفي كلّ مرّةٍ كان يحضر بكامل تفاصيله، غير أنّني في المرّات الأخيرة بتُّ أميّز فيه وجه جدّي، أو وجه شخصٍ يشبهه. كان جدّي قد رحل عن عالمنا قبل برهةٍ، وكانت أمي تعاني الفقد نفسه الذي ألمّ بها بعد رحيل جدّتي. شعرتُ بواجب إخبارها عن هذا المنام، فذكّرتني على الفور بذلك الحلم الذي راودني أيضاً عند وفاة أمها. أخبرتني أنّ السبب الذي دفعها حينئذٍ إلى إخبار جميع أفراد العائلة عنه، وبالأخصّ جدّي، هو ارتباطه بحكاية نفيِ العائلة ومعظم سكّان مدينة هون، وسط ليبيا، إلى مدينة مصراتة عقب معركة قارّة عافية في أكتوبر 1928.
كانت معركة قارة عافية، على أطراف هون، بجنوب غرب ليبيا، واحدةً من آخر معارك المقاومة ضدّ التوسّع الإيطالي في غرب ليبيا. وتعود أسبابها الرسمية إلى تصاعد الاحتكاك بين الأهالي والقوّات الإيطالية نتيجة فرض السيطرة العسكرية ونزع الأراضي، وملاحقة المجاهدين وداعميهم. آنذاك كانت مدنٌ ونجوعٌ أخرى في محيط هون قد سقطت تباعاً، فتدفّق منها مجاهدون احتموا بالمنطقة والتحقوا بالمواجهة، ما قاد إلى الاشتباك المباشر مع القوّات الإيطالية المدعومة بالسلاح الثقيل.
انتهت المواجهة بمجزرةٍ وإعداماتٍ ميدانيةٍ، أعقبها انتقامٌ واسع النطاق تمثّل في ترحيل عددٍ كبيرٍ من أهالي هون قسراً إلى مدن الساحل، في محاولةٍ لكسر حاضنة المقاومة الاجتماعية وتفكيك البنية المحلية، عقب الاشتباه في وجود تواصلٍ بين مشايخ المدينة وحركة المقاومة. وارتبطت هذه السياسة بممارساتٍ متزامنةٍ في شرق ليبيا خلال المرحلة نفسها، إذ هُجِّرت قبائل بأكملها من الجبل الأخضر، حاضنة المقاومة في برقة، إلى معسكرات اعتقالٍ ضمن سياسةٍ هدفت إلى كسر المجتمعات باقتلاعها من جغرافيتها ثم إبادتها. وهو ما تناوله علي عبد اللطيف حميده، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة نيوإنغلاند في الولايات المتحدة، في كتابه "الإبادة الجماعية في ليبيا"، المترجم للعربية سنة 2023.
توارثت عائلتي صدمة ذلك الترحيل، حتى وإن لم يحضر دائماً في اجتماعاتهم وأحاديثهم. غير أن هذا الماضي المكبوت كان ليجد طريقه للسطح عبر أحلام بعض أفرادها ممن عايشوا الصدمة جهاراً ومن ولدوا بعدها ولم يعايشوها على الأرض. وكأن التجربة انتقلت بين الأجيال وتركت تأثيرها على وعيهم، أو بالأحرى لاوعيهم.
لهذا تأصيلٌ علميٌ وكُتبت عنه بحوثٌ متعددةٌ منها دراسةٌ للباحثتين الأمريكيتين في الطب النفسي العصبي، راشيل يهودا وإيمي ليرنَر، بعنوان "إنترجينيريشينال ترانزميشن أوف تروما إفِكت [. . .] "انتقال آثار الصدمة بين الأجيال [. . .] " سنة 2018. الدراسة مراجعةٌ شاملةٌ لعقودٍ من الأبحاث السريرية والنفسية على أبناء ناجين من المحرقة النازية لليهود، يعانون من أعراضٍ نفسيةٍ شديدةٍ، مع أنهم لم يواجهوا الأحداث الصادمة مباشرة.
توضح يهودا وليرنَر أن الدراسات الأولى حول الصدمة المتوارثة، في غياب تفسيرٍ حيويٍ واضحٍ آنذاك، اعتمدت غالباً على مقارباتٍ نفسيةٍ وسلوكيةٍ لفهم انتقال الأثر من جيلٍ إلى آخر. وتذكر الباحثتان أن هذه التفسيرات ركزت على ما يحدث في العائلة باعتبارها فضاءً وجدانياً يعيد إنتاج الصدمة بالسلوكيات غير اللفظية وتمثيلات الخوف والحزن غير الواعية. الناجون من الصدمة يفرّون من أعراضها عبر أنماط تواصلهم اليومي. فيتحول الطفل إلى وعاءٍ داخليٍ يحتضن التجارب المؤلمة التي لم يستطِع الوالدان معالجتها أو التصالح معها أو التعبير عنها.
وتشيران أيضاً إلى أن الباحثين ميّزوا بين الاضطرابات النفسية التي تنتقل مباشرةً من الآباء إلى الأبناء، وتلك التي تنشأ استجابةً من الطفل لأعراض والديه وسلوكياتهم. أو ما يمكن تسميته "عدوى الصدمة" التي عايشها الآباء فانعكست وجدانياتٍ أو سلوكياتٍ التقطها الأبناء وتماهوا معها، بل وشعروا بوطأتها فأثرت في سلوكياتهم وتصوراتهم هم أيضاً.
وبينما يبقى الحلم غالباً خارج التنظيرات الأكاديمية في دراسة شهادات الناجين وأحفادهم، إلا أن فويتشيخ أوفتشارسكي، أستاذ العلوم الإنسانية في جامعة غدانسك، حاول تقديم مقاربةٍ دقيقةٍ تربط الصدمة المتوارثة بالمنامات ضمن أكثر مجالات التعبير كثافةً وحميمية. ففي مقاله (بوستمِموري دريمِنغ [. . .]) "منامات ما بعد الذاكرة [. . .]" المنشور سنة 2023، يقول أوفتشارسكي إنّ دراسات الصدمة العابرة للأجيال ركزت طويلاً على آليات الانتقال النفسية والاجتماعية، بينما بقي الحلم خارجَ مركز الاهتمام على حضوره المتكرر في شهادات الناجين وأحفادهم. ولهذا فإنه حاول إعادة الاعتبار للمنام مجالاً تتكثّف فيه آثار الصدمة، لاسيما لدى الجيلين الثاني والثالث من أبناء الناجين. ومن هذا المنطلق يعرّف "منامات ما بعد الذاكرة" بكونها "رؤى ليلية تتأثر بالتمثيلات الثقافية لأحداث تاريخية مهمة". وقد حاجّ بأن "الذكريات المنقولة عبر الأجيال للحرب يمكن أن تؤثر في أحلام الأحفاد [الذين لم يعيشوا هذه الحرب]، وأحياناً تجد في تلك الأحلام المساحة الوحيدة الممكنة للتجلّي".
بهذا المنطق يصبح حُلمي عن الصحراء حلقةً من حلقات استيعاب صدمة عائلتي إبان الاستعمار الإيطالي. وبهذا المنطق أيضاً أمكنني تحليل مناماتي اللاحقة، والتي ارتبطت بطريقةٍ أو أخرى بما حدث معي منذ أن خرجتْ عائلتي من ليبيا بداية الألفية، بعد أن كانت جزءاً من المعارضة الليبية في الداخل. وأيضاً أمكنني استيعاب هذه المنامات لاحقاً وعلاقتي معها منذ أن انتفضَ الشعبُ الليبي في 17 فبراير 2011 مطالباً بتنحي معمر القذافي عن السلطة، وما تلا ذلك من حروبٍ أهليةٍ متلاحقة.
حين كنّا نستيقظ في صباحات تلك الأيّام، كنتُ أُعدّ القهوة وأجلس مع سراج في الشرفة الصغيرة بالطابق الأوّل للتدخين وتبادل الحديث عمّا انتابنا من أحلام. أخبرني سراج حينها أنّ الأحلام لم تكن تراوده مطلقاً في الماضي، لكنّها صارت حاضرةً وواضحةً وتبقى عالقةً في باله عند استيقاظه، حتى بدت واقعاً يصعب عليه التعامل معه. كانت تلك الأحلام تدور كلّها حول ذكرياته منذ الطفولة. بدت بنغازي، مسقط رأسه، في أحلامه كما عرفها صغيراً في الثمانينيات، وفي عطلات الصيف التي كان يقضيها هناك. لكنّه لا يرى فيها بشراً، بدت مدينةً خالية كأنّها انعكاس للأخبار التي كنّا نسمعها حينذاك، عن رتلٍ قادمٍ أرسله القذافي لبنغازي لتدميرها في مارس 2011، بينما يفرّ الناس منها خوفاً من بطش النظام.
من جهتي، كانت الأحلام محصورةً في العودة المتخيَّلة إلى وسط البلاد في طرابلس بعدما غادرتُها إلى بريطانيا مع عائلتي سنة 2005. كنت أحلم برفاقٍ أراهم ما يزالون صغاراً، وحين أتبعهم يختفون، وحين يظهرون مجدّداً ويقتربون منّي أفزع منهم فأبتعد وأجري، وأشعر بثقل قدميّ فأدّعي الموت وأستيقظ. في كلّ هذه المنامات ثمّة أعلامٌ خُضرٌ ترفرف، كأنها العلم الليبي وقتئذٍ، وعقارب ساعاتٍ تشير إلى الصفر وتدقّ. لا أعلم ماذا يعني الصفر الذي رأيته هناك، لكن ربما يكون انعكاساً لما كنتُ أسمعه عن اقترابِ "ساعة الصفر"، المصطلح الذي انتشر في الحربِ الأهلية معلناً قرب انتهاء الحرب.
كنتُ أحكي لسراج عن هذه المنامات، وأبحث في وجهه عن أيّ تفسيرٍ أو تحليلٍ، متيقّناً أنّها ليست مجرّد مناماتٍ بقدر ما هي رؤىً، وأنّ الأصدقاء القدامى يتبعونني. وكان سراج يستمع إلى مناماتي وهواجسي وهو يدخّن في صمتٍ، ربما شارداً في حلمه الذي حكى عنه منذ قليلٍ، أو في علاقته بحلمي الذي قصصتُه للتوّ.
تلك الأيام كانت أول مرّةٍ أرى فيها مناماتٍ تتشابك مع الواقع. وكانت محصورةً في ليبيا وكأني أعود إليها. في كلّ مرّةٍ كنتُ أفكّر وأنا داخل الحلم أنّ هذه العودة حقيقيةٌ وليست حلماً، إلى أن أستيقظ.
العودة إلى ليبيا في المنام بدت مشوبةً بالتوجّس وكأنها ترجمةٌ لقلق النهارات. ذلك لأنّ ليبيا كانت تعني لي طرابلس، بحكم ولادتي وعيشي فيها الأعوام الأربعة عشر الأولى من حياتي، ولأنّ طرابلس كانت ما تزال قابعةً تحت سيطرة كتائب القذافي بلا إنترنت، وبلا أيّ وسيلةٍ للتواصل مع من أعرفهم هناك.
هكذا – كما يرد في "كتاب النوم" للكاتب والمترجم المصري هيثم الورداني الصادر سنة 2017 – بدا أن المنام ارتبط بالفعل السياسي إذ هو ممارسةٌ تعيد تعريف ما يعنيه "الفعل". فبدل أن يظلّ محصوراً في الشارع أو الخطاب العامّ أو الصدام المباشر، تمدّد ليشمل ما يجري في طبقات الوعي العميقة، حيث تعاد صياغة الخوف والغضب والأمل والانتظار. وهو ما يجعل المنام جزءاً من بنية الفعل السياسي يمكّن الشخص من إعادة الدخول إلى العالم من زاويةٍ أخرى قد لا تكون متاحةً له على أرض الواقع.
هذا "التفاوض مع الأحلام" كان عنوان نصٍّ ذاتيٍّ نشره سراج على مدوّنته في 22 يونيو 2013. كان النص مراجعةً لما عشناه معاً في 2011، عن تلك اللحظة الليبية في زمنٍ اختلط فيه الواقع بالخيال وصار الحلم مركبةً جماعيةً، فظهر استجابةً جماعيةً لضغطٍ أخلاقيٍّ وعاطفيٍّ هائلٍ أعيدَ فيه تعريف الإنسانية تحت وطأة الدم والأمل معاً.
جوهر النص منامٌ بقيَ مع سراج أعواماً منذ 2011. فأثناء الحرب كان يعيش يومه مقسوماً بين نهارٍ يعمل فيه مهندساً، ومساءٍ تطوّع فيه لإيصال الإغاثة والمساعدات للناس المنكوبين في الحرب في ليبيا. يقول سراج إنّ "المعادلة كانت بسيطة. لكي تعمل بكفاءةٍ لا بد لك أن تتجرد بالكامل من إنسانيتك وتحوّل كلّ شيءٍ إلى أرقام. كان لا بد لنا أن نختار من نساعده بالقليل الذي نملكه. وعندما نختار من نساعد نعلم يقيناً بأننا تركنا آخرين ليواجهوا مصيرهم وحدهم".
في إحدى الاتصالات لم يستطع سراج تقديم المساعدة لشخصٍ بدا أنه يحاول الحصول على مساعداتٍ للأطفال. انفلت الغضب من الطرف الآخر وقال لسراج إنّ "دماء هؤلاء الأطفال في رقبته". لأول وهلةٍ، كما كتب، لم يُعِر سراج الجملة اهتماماً كبيراً إذ لم يمُت أحدٌ بسبب عجزه يومئذ. لكنه يستمر في الكتابة بقوله: "لكنّي أعلم يقيناً بأن هناك من ماتوا في أيامٍ أخرى بسبب عجزي وعجز غيري [. . .] تذكرتُ في عجالةٍ قصة أطفال الحضانات الذين قضوا بسبب قصف قوات النظام لمولدات المستشفى في إحدى المدن ثم ذهبتُ إلى النوم ليبدأ كابوسٌ ما يزال يلاحقني إلى اليوم".
كان كابوس سراج يبدأ دائماً في ساحةٍ مدرسيةٍ، حيث يوجد أطفال لهم وجوهٌ بلا ملامح، يعلو نحيبهم كلما اقترب منهم. يحاول سراج جمعهم في صفوف. وكلما اكتمل صفٌّ ينهمر الرصاص من جهةٍ ما، فيسقط الأطفال ويشتد نحيب من تبقّى. ينتهي الحلم دوماً بصعود العويل تدريجياً حتى يبلغ حدّه الأقصى. بقيَ الحلم يزوره مرّةً كلّ عدّة أسابيع، ويقول عن ذلك: "ها نحن في 2013، وما زال يجثم عليّ كل حينٍ وآخر، ولكن أحياناً أنتصرُ على الكابوس. لا أعني بذلك بأنني أمنح الأطفال وجوهاً أو أوقف القتل. لا يا عزيزي. انتصاري هو أن يتوقف النحيب والعويل. منذ فترةٍ استطعتُ أن أقنعهم بأنهم إن ماتوا بأدبٍ سأشتري لهم الحلوى. أحياناً تنجح هذه الحيلة ويمر الكابوس بوطأةٍ أخفّ، وأحياناً يزداد النحيل والعويل".
تحوّل كابوس سراج مع تكراره إلى حيزٍ بالإمكان فيه التفاوض مع الأحلام. ومن هنا يتبدّى الحلم مكاناً تُعاد فيه صياغة القدرة عبر إدارة الألم نفسه، فيحضر كما لو أنه مكمّلٌ لما كان يجري في يقظته خلال تلك السنوات، أي على مواصلة البقاء في المأساة بأقل الانهيارات، وعلى إيجاد مسافةٍ داخليةٍ تسمح له فيها بالاستمرار.
ربما من هنا يبدأ الحلم في الانفتاح على سؤالٍ آخر سيطفو لاحقاً، على الأقل بالنسبة لي. فإن كان المنام قادراً على حمل هذا الثقل وحتى تنظيمه في صورٍ بصريةٍ، فكيف يعيد الحلم ترتيب ما تبقى من الذاكرة أثناء انتقاله إلى فضاءٍ لغويٍّ جديد؟ أي فضاءٍ جغرافيٍ جديدٍ تحكمه لغةٌ جديدةٌ، وهو في حالتي بريطانيا.
غير أن هذا التصوّر، على شيوعه، لا يصمد طويلاً أمام ما تقترحه دراسات المنامات. إذ تشير عالمة النفس ديردري باريت، في حوارِها مع "ذا هارفارد غازيت" سنة 2022 بعنوان "ذا لانغوِج أوف دريمز" (لغة الأحلام)، إلى أن ثمة علاقةً بين لغة الحلم والاندماج اللغوي. فقد يظهر الحلم بلغة الطفولة عند استحضار العائلة أو الذاكرة الأولى، فيما تحضر اللغة المكتسَبة في منامات العمل أو العلاقات التي نشأت في فضاءٍ لغويٍّ جديدٍ، من دون أن يعني ذلك انتقالاً كاملاً أو نهائياً للوعي من لغةٍ إلى أخرى. وتنقل باريت عن بعض الحالمين أن اللغة الأصلية تعود بقوةٍ في المنامات ذات الحمولة العاطفية، في حين تظهر اللغة الجديدة في الأحلام العملية أو التجريدية.
كانت الإنجليزية في صغري لغةً صعبة. لم أنسجم قطّ مع تعلّمها منذ المراحل المبكّرة في المدرسة الإعدادية وصولاً إلى انتقالي مع أبويَّ وإخوتي للعيش في بريطانيا في عمرٍ مبكّر نسبياً. وقد لعبت رغبتي في أن أكون كاتباً منذئذٍ دوراً في هذا النفور. فقد ارتبطت الكتابة لديّ دوماً باللغة العربية، في حين ظلّت الإنجليزية محصورةً في المعاملات اليومية الضرورية. وربما بوعيٍ أو من دونه، كنتُ أحمي لغتي العربية بالمحيط الذي شكّلته حولي، وبالاستمرار في الكتابة والقراءة بها، مكتفياً بعلاقاتٍ وقراءاتٍ محدودةٍ باللغة الإنجليزية.
كذلك كان ثَمّة أملٌ دائمٌ في أنني سأرجع إلى ليبيا في أقرب وقتٍ، وأن هذه الحياة في الغربة ليست سوى محطة. فصار بقائي في بريطانيا مسألة وقتٍ لاستكمال أوراق الإقامة والجنسية على أن أعود بعدها إلى ليبيا في غضون أعوامٍ قليلة.
غير أنّ تداعيات سنة 2011 وما تلاها حوّلت هذا الهدف تدريجياً إلى خيال. ومنذ أواخر 2012 تحديداً بدا لي أنّ الحلم الثوري قد تبدّد، وأن دخول ليبيا في حربٍ أهليةٍ بات مسألة وقت. رافق ذلك شعورٌ كاملٌ بالعجز تسلّل حتى إلى الكتابة نفسها، وأبعدني في لحظةٍ عن كلّ ما يخصّ ليبيا التي صارت مرتبطةً بمواقع التواصل الاجتماعي وعلاقاتٍ افتراضيةٍ بَنَيْتُها منذ لحظة الثورة مع جيلٍ جديدٍ من الكتّاب والنشطاء.
غير أنّ النهاية الفعلية لحلم الثورة عندي والتأكيد القاطع على دخول ليبيا نفقاً مظلماً كانت في أواخر يونيو 2014 حين اغتال مسلحون الناشطةَ سلوى بوقعيقيص داخل بيتها. وقد جاء مقتلها ضمن سلسلة اغتيالاتٍ استهدفت ناشطين سياسيين في بنغازي ودرنة وطرابلس، وكان إيذاناً بنهاية الأمل في أن تقود الانتفاضة الليبيين إلى برّ الأمان، أو إلى تحقيق حلم إقامة دولة العدل والحرية.
يومئذٍ، كنتُ مرتحلاً في رأسي تحت تأثير جرعةٍ كبيرةٍ من مخدر "إل إس دي" أو "الأسيد" عندما تناولتُه أول مرّة. وهو مصنّف من المهلوسات، ويؤثر على العواطف والمشاعر يحدث تداخلٌ بين الذاكرة والواقع، وقد يؤدي إلى حالةٍ من الانفعال والشعور الزائف بالقوة والطاقة.
كانت تلك بداية مرحلةٍ جديدةٍ في حياتي هي مرحلة المهلوسات، إذ كنتُ أتعاطى هذا العقار كل يومٍ تقريباً. في البداية بدا الأمر مستحيلاً. فالأسيد، شأنه شأن عديدٍ من المهلوسات، لا يعمل عند تعاطيه يومياً. غير أنّني اكتشفت عبر البحث أنّ بالإمكان تفعيل تأثيره عبر مضاعفة الجرعة في اليوم التالي. فإذا تناولتُ قطرةً منه في يومٍ، أتناول قطرتين في اليوم الذي يليه، وأربعاً في اليوم الذي بعده، ثم ثمانية، وهكذا.
في تلك الأيام أيضاً صرتُ أتردّد على تجمّعاتٍ سكنيةٍ بديلةٍ غير مرخصةٍ انتشرت بكثرةٍ في حيّ كامدِن، شمال غربي لندن. كانت هذه التجمعات تأوي جمعاً غفيراً من أشخاصٍ يعيشون على هوامش المجتمع. قضيتُ في كل واحدةٍ منها أوقاتاً طويلةً من يومي، جلّها تحت تأثير الأسيد. وكنتُ أنام في ساعاتٍ مبكّرةٍ من الصباح، وأفيق في وقتٍ متأخّرٍ من الظهيرة.
حين دخل ديسمبر 2014 كنتُ بالكاد أرى الشمس، أو أخرج من التجمعات السكنية في ضوء النهار. بل أكتفي بالخروج فور استيقاظي عندما تحلّ العتمة عند الساعة الرابعة والنصف عصراً تقريباً، في تمشيةٍ اعتدتُها صعوداً من كامدِن حتى أصل إلى حيّ وست هامستد، شمال غربي لندن أيضاً. في تلك السنوات صرتُ أتحدّث بالإنجليزية أكثر من العربية، إلى أن اختفت العربية في لحظةٍ ما من حياتي اختفاءً شبه كامل. زد على ذلك أنّ المنامات انقطعت كلّياً بفعل المخدّرات.
حلّت رحلات الهلوسة محل المنامات، إذ شاركتُ في حفلاتٍ سرّيةٍ أُقيمت في أبنيةٍ مهجورةٍ داخل الأحياء الصناعية الواقعة في ضواحي لندن شتاءً، وفي غاباتٍ على أطراف العاصمة صيفاً. وفّرت تلك الحفلات أجواء هلوسةٍ من موسيقى وزينةٍ وأضواءٍ، وامتدت زمنياً بين أربعٍ وعشرين ساعةً في المواسم الباردة، ويومين أو ثلاثةٍ في المواسم الدافئة والعُطل.
وقد حلّت المهلوسات لديّ محلّ المنامات لسببين. الأوّل أنّ بقائي مستيقظاً ساعاتٍ طويلةً أو أياماً جعل نومي إما إغماءً أو فقداناً للوعي. وبهذا صار قفزةً في العدم لا أرى فيها شيئاً، ولا أتذكّر أيّاً من مناماتي، إن كنتُ قد رأيت فيها حلماً أصلاً. أمّا السبب الثاني فهو أنّ الهلوسات كانت تحقّقاً مشوَّهاً للمنامات في اليقظة. فما كان يحدث في النوم، في تلك المنطقة الآمنة بين الوعي واللاوعي انفجر في الواقع تحت تأثير المهلوسات. صار العالم المادّي يتصرف كما تتصرف الأحلام، فصرت أعيش أحلاماً مفتوح العينين، لا أقدر على الاستيقاظ منها.
في رحلات الهلوسة تلك تحوّل الشارع إلى ممرٍّ رمزيٍّ، وتبدّلت الوجوه إلى أقنعةٍ، وصار الجسد وسيط عبور. وهو ما يشبه ما تفعله المنامات. غير أنّ الفرق بين الحالتين أنّ المنامات تترك أثرها صباحاً ذكرى باهتةً، في حين تفرض المهلوسات أثرها فوراً وبعنف.
أذكرُ ذاتَ "رحلةٍ" في إحدى الحفلات في الغابة أنّني كنتُ واقفاً في مساحةٍ خضراء مكتظّةٍ بالبشر الجالسين والمستلْقين للاستجمام. كانت الموسيقى الإلكترونية تمتدّ كطبقةٍ شفّافةٍ فوق المكان، والناس من حولي كأنّهم خرجوا للتوّ من فيلم رسومٍ متحركة. شعورٌ خفيفٌ بالأُلفة أصابني وأنا أحدّق في المشهد وأفكّر أنّني رأيتُ كلّ هذا من قبل. ربما هكذا أدركتُ لاحقاً أنّ أحد الأسباب التي جذبتني إلى تلك التجارب كان الحاجة إلى استعادة وظيفة الحلم نفسها، وزعزعة الواقع بالقدر الكافي لرؤية ما يخفيه. وفي المنفى، حين تتعطّل المنامات الطبيعية بفعل القلق والاقتلاع والذاكرة المثقوبة، أصبح الواقع صلباً وخانقاً، وصارت المهلوسات عندي محاولةً يائسةً لفتح نافذةٍ تجعل الواقع يحلم نيابةً عنّي.
مع مرور الوقت وتراكم رحلات الهلوسة، صار التشابه بين الحلم والرحلة فَجّاً. فما كان في البداية تشابهاً في الصور واختلالاً في الزمن، صار لاحقاً يعتمد أيضاً على البنية السردية نفسها. فرحلة الهلوسة والحلم يبدآن بلا مقدّماتٍ واضحةٍ، ويتحركان بمنطقٍ داخليٍ مكتفٍ بذاته (وكأنها قصةٌ فيها حبكةٌ ما)، وينتهيان من دون خاتمةٍ محدّدة.
وكان ثمة ما يمكن تسميته "رحلات سيئة" مرادفةً للكوابيس أثناء النوم. ومثل الكوابيس، كانت الرحلات السيئة تضعني داخل عالمٍ مكتفٍ بذاته لا يكون الخوف فيه عارضاً جانبياً، بل بنيةً كاملةً وتوتّراً ممتدّاً وإحساساً بأنّ هناك شيئاً ما خاطئاً لا يمكن إصلاحه. فلا مهرب ولا حتى تفسير لما يحدث أثناء حدوثه.
المفارقة أنّ رحلات الهلوسة ارتبطت دوماً باللغة الإنجليزية. حتى حين استخدمتُ المخدّرات مع أصدقاء يتحدّثون العربية، كان يصعب عليّ التحدّث بها وأنا تحت تأثير المهلوسات. ولم أستوعب أنّ العربية بدأت تتسرّب منّي إلا في أعوامٍ لاحقةٍ حين انتقلتُ للعيش في تونس في فبراير 2025 ووجدتُ صعوبةً في التحدّث بها. ومع ذلك، ظلّت الكتابة بالعربية أمراً يسيراً، إلى حدّ أنّ الكتابة صارت الفعل الوحيد المرتبط بتواصلي مع اللغة العربية.
وحين عادت الأحلام تراودني بعد أعوامٍ من توقّفها بفعل المخدّرات، بدا لي من الصعب أن أعرف فور استيقاظي بأيّ لغةٍ كنتُ أحلم. لم يتّضح ذلك لي إلا أثناء أوّل "حلم يقظة" عشته.
في لحظةٍ ما التفتُّ فرأيتُ سراج بيت المال قادماً على مهلٍ من جهة محطة القطارات. وما إن وصل إلى حيث أجلس في المقهى حتى التقت عيوننا، فتبادلنا السلام ودعوته للجلوس وارتشاف القهوة معي. قال سراج إنّه على عجلةٍ من أمره، لكنه لبّى الدعوة وجلس معي بعض الوقت.
لم ألتقِ بسراج منذ زمنٍ طويل. وخلال لقائنا كانت تحضرني صورُنا ونحن جالسان على شرفة شقّة غازي القبلاوي نتحدّث عن مناماتنا وعن أحلام الثورة، في زمنٍ صار بمقدورنا أن نسمّيها الحرب الأهلية الأولى، كنايةً عن الحروب الأهلية التي تلتها بين الثوّار الليبيين.
في غمرة الكلام سألتُه عن أسرته وأحوالهم. قال إنّ الجميع عادوا إلى المهجر بعد أن استقرّوا بضعة أعوامٍ في بنغازي عقب الثورة. فلأنهم عائلةٌ تعود أصولها إلى مصراتة صار صعباً عليهم أن يبقوا في بنغازي اليوم، وقد تحدثوا عن تصاعد خطاب كراهيةٍ بسبب الحرب ضدهم.
سألني لماذا أغلقتُ مدوّنتي "مرشابيدي" التي كنتُ أنشرُ فيها قصصيَ القصيرة. قلتُ له إنّه لم يعد لديّ ما أكتبه، وإنّ وجودها صار عبئاً لم أعد أحتمله. سألتُه عن مدوّنته وعن الكتابة، فقال إنّه لم يكتب منذ زمنٍ طويلٍ، وإنّ كلّ ما يفعله الآن هو العمل. سألتُه إن كان يحلم هذه الأيام، فقال إنّه يرى مناماتٍ كثيرةً كلّ ليلةٍ، وهي مناماتٌ مزعجةٌ في جلّها لكنه أحياناً يستمتع بليالٍ بلا منامات. ثم سكت قليلاً، قبل أن يسألني عن مناماتي هذه الأيام. قلتُ له إنني لم أعُد أحلم. وبعد وقتٍ، أضفتُ أنّني وجدتُ في المخدّرات أفضل وصفةٍ للتوقّف عن الحلم، وأنني صرتُ أفضلَ من دونها.
قال لي سراج يومها إنّه تعرّف مؤخراً على ما يُسمّى "أحلام اليقظة"، وهي حالةٌ يكون فيها المرء داخل الحلم لكنه واعٍ بحدوثه قادراً على ملاحظته، وربما التدخّل فيه من دون أن يستيقظ. كانت تلك أول مرةٍ أسمعُ فيها بهذا النوع من الأحلام. وقد شرح لي أنّ الوصول إلى هذه الحالة لا يحدث مصادفةً، بل يتطلّب تدريباً طويلاً على الوعي بالنوم نفسه، وعلى التشكيك في الواقع قبل الانغماس فيه.
قال إنه حاول أن يتمرّن عليها لكنّه لم ينجح. فلكي يصل المرء إلى حلم اليقظة كان عليه أن يدوّن كل منامٍ يراوده فور استيقاظه، وأن يتوقّف عن التدخين ساعاتٍ قبل الخلود إلى الفراش. وقبل النوم عليه أن يدرّب وعيه على سؤالٍ واحدٍ فقط يردّده بإصرار: هل أنا مستيقظٌ الآن أم أحلم؟ ومن بين التمارين التي حدّثني عنها كذلك القيام بحركاتٍ غريبةٍ داخل الحلم أو قبله، كأن يحاول دفع إصبعه في راحة يده الأخرى. فإذا اخترق الإصبع الجلد فذلك دليل على أنّه يحلم. مغزى الفكرة، كما قال، أن تتحوّل هذه الاختبارات إلى عاداتٍ تلقائيةٍ تظهر من تلقاء نفسها داخل الحلم وتكشف عن طبيعته.
حين حان وقت الرحيل، راقبتُ سراج وهو يبتعد بخطواتٍ بطيئةٍ متّجهاً نحو محطة الأنفاق. ظللتُ أتابعه بعينيّ إلى أن اختفى بين العابرين. لم يكن في المشهد ما يوحي بأنّه وداع، ولا ما يشي بأنّ اللقاء لن يتكرّر. لكن في أغسطس 2018، عرفتُ أنّ سراج قد توفّي بعد أسبوعٍ من تعرضه لنوبةٍ قلبية. ومنذئذٍ كلما عدتُ إلى ذلك العصر الشتوي إلى المقهى، وإلى الحديث عن الأحلام وأحلام اليقظة، بدا لي المشهد وكأنّه ينغلق على نفسه بهدوءٍ، مثل حلمٍ ينتهي من دون أن يترك وراءه إشارةً واضحةً على نهايته. على ذلك ظلّت فكرة أحلام اليقظة هذه حاضرةً في بالي.
تُعرّف الموسوعة البريطانية أحلام اليقظة أو الأحلام الجليّة أو الأحلام الواعية، بأنها حالة حلمٍ يدخلها النائم ويستيقظ فيها وعيه داخل الحلم نفسه، ويُدرك الحالم أن ما يعيشه يحدث الآن في فضاء النوم. وتتفاوت تجارب من يعيش التجربة بين من يكتفي بالمراقبة الهادئة، ومن يشارك فيها مشاركةً فعّالةً تُعيد ترتيب المشهد وتُبدّل مساراته، أو تختبر الإرادة داخل عالمٍ متخيَّل. وأحياناً يبقى الوعي حاضراً بالقدر الكافي للتذكّر فقط قبل أن يستيقظ.
دفعني فضولي للبحث عن معاني أحلام اليقظة وعن الدراسات التي تناولتها. ودوّنتُ ملاحظاتٍ مأخوذةً من مدوّناتٍ ومواقع قديمةٍ على الإنترنت كانت مخصّصةً لهذا النوع من المنامات، وتعرض تمارين يُنصَح بالمواظبة عليها للوصول إلى تلك الحالة. في البداية حاولتُ الالتزام بهذه التمارين بضعة أيامٍ، فعدتُ إلى تدوين مناماتي بعد انقطاع أعوامٍ عنها. ومع هذه العادة بدأت الأحلام تعود تدريجياً. تزامن ذلك مع مرحلةٍ كنتُ قد توقّفتُ فيها عن تعاطي المخدّرات، وحاولتُ أيضاً الإقلاع عن التدخين. وبما أنّني صرتُ أتناول آخر سيجارةٍ بعد تناول العشاء قبل المغيب، أصبح سهلاً أن تمرّ ساعاتٌ طويلةٌ قبل النوم بلا تدخين.
غير أنّني لم أعزم على التمرين فعلياً والدخول إلى عالم أحلام اليقظة إلا بعد شهورٍ، حين سافرتُ إلى جزيرة تينيريفي الإسبانية في أرخبيل الكناري، وسكنتُ على شاطئٍ كان معظم قاطنيه من الرحّالة والشباب المتمردين على القيم المادية الاستهلاكية الغربية، وكنت الليبي الوحيد بينهم.
وصلتُ إلى هناك مصادفةً، وكان غرضي أن أبقى يومين فقط لأستجمع قواي بعد شهورٍ من الترحال، غير أنّني وجدتُ نفسي خلال أسبوعين أقطن كهفاً يطلّ مباشرةً على البحر. كان لذلك المكان أثرٌ بالغٌ في مناماتي حينئذ.
في تلك البقعة بدأت أعيش، ربما لقناعتي بتأثير ماء البحر على المنامات. وعاد ذهني لما قاله الكاتب البريطاني ويل سِلف في وثائقيٍّ بثّته هيئة الإذاعة البريطانية سنة 1998، بأنّ لوجود "كميّات كبيرة من الماء في مساحة ما" تأثيراً مباشراً على منامات الكاتب الذي يشتغل على الخيال. فعندما يحيط الماء الواسع بالإنسان، يتسلّل أثره إلى النوم قبل أن يبدأ الحلم. يستعدّ الجسد للاستسلام للنعاس، ويلتقط إيقاعَ حركةِ الماءِ المنتظمَ. يصير النوم أعمق وأطول نَفَساً، فتكتسب الأحلام طابعاً أكثر اتصالاً واستمراريةً وتزداد سعتها وهدوءها وقابليتها للتدفّق.
بالموازاة مع ذلك كانت التمرينات التي أمارسها تتحوّل يوماً بعد يومٍ إلى عاداتٍ يوميةٍ منتظمة. بدأ الأمر بتدوين المنامات فور استيقاظي، والتركيز على المواضع فيها التي قد تشكّل فرصةً ملائمةً لإدراك أنّني أحلم. بهذا التمرين تحوّل الحلم إلى مادةٍ مألوفة في وعييِ، وعزّز القدرة على تذكّر تفاصيله وإيقاعه، ووثق العلاقة مع عالم المنام حتى صار حضوره أكثر كثافةً في النهار.
خلال ساعات اليوم مارستُ ما يعرف بفحص الواقع بمحاولة إدخال الإصبع في جسمٍ صلبٍ، مثل راحة اليد الأخرى. كنتُ أضع سبّابتي على راحة يدي الأخرى وأضغط ببطءٍ، وأراقب الإحساس الناتج. ومع تكرار هذا الفعل من المفترض أن ينتقل إلى المنامات بوصفه عادةً ذهنيةً تظهر تلقائياً في لحظة الحلم. وقبيل النوم درّبتُ وعيي على تسمية الحالة التي أنا فيها، فكنت أخبر نفسي بهدوءٍ أنّني مقبلٌ على النوم الآن، وأكرّر هذا الاستحضار كأنه تهيئةٌ ذهنية. ومع الزمن، كان من المفترض أن تتراكم هذه التمرينات لتنسج لغةً داخليةً مشتركةً بين اليقظة والمنام، فتغدو لحظة إدراك الحلم ممكنةً وسلسةً وقابلةً للتكرار.
هكذا في تلك الأيام راودني أول منامٍ أدركتُ فيه أنني أحلم. كنت محاصَراً بين أربعة كلابٍ، اثنان منها ينبحان عليّ ويقتربان والآخران يضحكان. في لحظة هلعي سألني أحدهما بلهجةٍ ليبية: "شنّ الجو؟"، وهي عبارةٌ قريبةٌ من "كيف الحال؟". وجدتُني في مكانٍ ما بين غابةٍ كثيفة الأشجار ومستودعٍ مهجورٍ، فتراجعتُ إلى الخلف حتى اصطدمتُ بحائطه. وفي لحظةٍ مباغتةٍ، استغللتُ فراغاً بين الكلاب واخترقته وبدأتُ أركض.
في ذلك الحلم كنتُ أرى الكلاب خلفي أحياناً، أو أجري وحدي أحياناً أخرى، لكنني أعرف أنها ما زالت تلاحقني. حين تثاقلت ساقاي وانغرست قدماي في الأرض، تذكّرتُ فجأةً أنّني كنتُ قبل قليلٍ مستيقظاً على السرير أمارس تماريني الليلية المعتادة. حينئذٍ عرفتُ أين أنا، فأحسستُ بسعادةٍ تغمرني والتفتُّ إلى غولٍ أزرق له رأسٌ صغيرٌ وجسدٌ ضخمٌ، ويقف أمامي متجمّداً وقد ارتسم الهلع على وجهه. فكرتُ في نفسي أني أحلم، وبدا أنّ الغول فهم الأمر، ففتح عينيه الجاحظتين وهزّ رأسه نفياً كأنّه يتوسّل ألّا أنطق بها. فتحتُ فمي محاولاً قولها، لكنّه كان متحجّراً. أخذتُ نفساً طويلاً ثم صرختُ "إني أحلم [. . .]". وما إن خرجت الكلمة حتى صار تكرارها سهلاً. هزّ الغول رأسه بخيبة أملٍ، فاختفت الغابة خلفه وبدأ كلّ شيءٍ من حولنا ينهار.
مع تكرار أحلام اليقظة، بدأتُ أمارس داخلها أفعالاً غريبةً لم تكن تخطر لي في اليقظة. أقفز من مبانٍ عاليةٍ باندفاعٍ كاملٍ، وأغوص في أعماق البحر وأجرب التنفس تحت الماء. أغيّر المشهد كلياً أمامي متى أحببتُ، وأضرب أناساً لا أعرفهم باستمتاع. في مرةٍ كنتُ في ميدان الشهداء، وسط طرابلس، فوقفتُ على منصّةٍ وصرتُ أنادي أسماء موتى أعرفهم علّني ألتقي بهم، لكنّهم لم يحضروا. في فضاء الأحلام هذا تعلّمتُ أنّ استمرار الحلم مرتبطٌ بالكتمان الداخلي، والإبقاء على المعرفة في مستوى الإحساس بلا تصريح، إذ أنّ التلفّظ بالحقيقة يسرّع الانتقال إلى اليقظة. ولهذا، كانت الفوضى تسود وأنا داخله.
ثم حدث في إحدى هذه المنامات أن وجدتُ نفسي جالساً خارج مقهىً في شارعٍ يعجّ بمحطّات القطار. كان الرصيف مزدحماً بالركّاب والمسافرين، والأصوات التي تُعلن عن الوصول والمغادرة كانت متداخلة. كنتُ أراقب العابرين حين رأيت سراج بيت المال قادماً. وحين وقعت عيناي عليه، عرفتُ أنّني في منام.
حين اقترب عزمتُه على سيجارة، فرفض بهدوءٍ وقال إنّه توقّف عن التدخين. جلس بقربي وسألتُه عن حاله فقال إنّ الوقت يمرّ بسرعةٍ وإنّ الجميع غادروا، وإنّه يعمل كثيراً ولا يكتب. سألني إن كنتُ ما زلتُ أكتب، فقلتُ إنّني أحاول. نظر إلى الطريق حيث تتقاطع المسارات، وقال إن موعد قطاره قد حان. راقبتُه وهو يبتعد كما رأيته آخر مرةٍ في الواقع، يمشي بخطواتٍ بطيئةٍ متّجهاً نحو المحطّة. ظللتُ أتبعه بعينيّ إلى أن اختفى بين العابرين. التفتُّ بعدها إلى الوجوه الفارغة التي تمرّ أمامي. كنتُ واعياً بأنني نائمٌ أنتظر رنين منبّه الهاتف كي أستيقظ.
وعلى محاولاتي، فإن أحلام اليقظة لم تكن تحدث كل ليلة. ما تغيّر هو أنّني كلّما التقيتُ في المنام بشخصٍ أعرفه ولم يعد موجوداً في الواقع، كنتُ أدرك فوراً أنّني داخل حلم. هذا ما حدث حين التقيتُ بجدّي وابن خالتي في الحلم نفسه الذي افتتحتُ به هذا النص، وما حدث حين رأيتُ سراج قادماً نحوي في الحلم. وهو ما تكرّر أيضاً بعد شهورٍ من وفاة جدّي وجدّتي من جهة أبي، في حين كانت ليبيا قد دخلت حرباً أخرى، إثر عدوان خليفة حفتر على طرابلس في أبريل 2019.
في تلك الأيام لم تعد المنامات جزءاً من ليلي. ومع ذلك كانت تباغتني فجأة. وحين يحضر الحلم يأتي جليّاً واضحاً وممتلئاً بصورٍ من الماضي في طرابلس. غير أنّ ملامح طرابلس التي كانت تأتيني في هذه المنامات اختلفت كليّاً عن صورتها في منامات سنة 2011. فبينما كانت طرابلس في المنامات القديمة تحضر على هيئتها التي عرفتُها في طفولتي وأعوام مراهقتي الأولى، كانت في المنامات اللاحقة تظهر كما لو أنّها من زمنٍ آخر لم أعشه وربما لم تكنه يوماً. ظهرت المدينة بعماراتٍ شاهقةٍ ناصعة البياض في ليلٍ معتم غالباً. وحتى في النهارات بدت الشوارع فارغةً من الناس، وكنتُ فيها دائماً تائهاً أبحث عن شيءٍ ما، أو أتنقّل فيها بلا وجهةٍ محدّدة.
في إحدى تلك المنامات كنتُ في بيت جدّي أسير في الحديقة وأطوف حول البيت الواسع. كان حلماً مكتظّاً بناسٍ أعرف بعضهم، ولا أعرف معظمهم. وكان الجميع يطوفون مثلي حول البيت بلا وجهةٍ، ومن دون أن ينظر أيٌّ منهم إليّ. شعورٌ بالوحشة انتابني وقتئذ، ولم يتجلَّ تماماً إلا حين اقتربتُ من الحديقة، حيث الأشجار والنباتات التي كان يعتني بها جدّي. هناك وجدتُ جدّتي وجدّي من جهة أبي جالسين في طرف الحديقة تحت شجرةٍ وارفة. أدركتُ حينها أنني داخل حلم. ولمّا رأتني جدتي أقترب نادتني فسرتُ نحوها.
كانت جدتي تجلس على الأرض وجدّي إلى جوارها يبدو تائهاً، فيما بدت هي كأنّها تجلس بقربه لتعتني به. نادت عليّ مرّةً أخرى بقولها: "تعال يا محمد". وحين اقتربتُ أخبرتني أنّ عليّ أن أُخبر أبي أنّ كلّ شيءٍ بخيرٍ، وأنّها وجدّي بخيرٍ، وأنّ عليه ألّا يقلق عليهما. قلتُ لها: "حاضر يا يام [يا أمي]"، غير أنّها أمسكت بيدي وسحبتني بقوّة نحوها، وقالت إنّ عليّ أن أفعل ذلك وألّا أنسى. قلتُ مجدّداً: "حاضر يا يام". لكنها أصرّت على أهميّة الأمر ثم قالت إنّني بعد قليلٍ سأستيقظ وسأنسى كلّ هذا، لكن عليّ ألّا أنساه وأن أُوصل الأمانة. ثم تأكّدَتْ أني فهمت. هززتُ رأسي بنعم واستيقظتُ.
لم أفِ بالعهد الذي قطعتُه لجدّتي في المنام. فمع أنّني تذكّرتُ الحلم فور الاستيقاظ، وبقيتُ وقتاً طويلاً أفكّر في جدوى إخبار أبي به، إلا أن الأمر برمّته بدا ساذجاً وربما غير ملائم. وفكّرتُ زمناً طويلاً أنّه لو أرادت جدّتي حقّاً أن تخبره، لكان الأجدر بها أن تحضر في منامه هو وأن تقول له ذلك مباشرةً، لا أن توكل إليّ مهمّة نقل الرسالة. وبدا لي حضورها في منامي أمراً يخصّني أنا. فحين يظهر الموتى في أحلامنا، فإنّهم قد يظهرون ليعبّروا عمّا تركناه معلّقاً بتعلّقنا بهم، وعمّا لم نتمكّن من قوله أو فهمه في يقظتنا. تقول الباحثة آن جيرمين ومجموعة باحثين من جامعة بيتسبيرغ الأمريكية في دراسة عنوانها "دريم كونتنت إن كومبليكيتِد غريف" (محتوى الأحلام في الحزن المُعقَّد [. . .]) نُشِرت سنة 2013، إن الأحلام وسيلة للتعامل مع تجربة الفقد وتنظيم المشاعر المعقّدة المحيطة به. لذلك بدا لي حينها أنّ مشاركة حلمٍ كهذا مع أبي ليست تبليغاً لرسالةٍ وصلتني عليَّ أن أكون وسيطاً في إيصالها، بقدر ما هي كشفٌ لشيءٍ يحدث في داخلي أنا.
ثمّة سببٌ آخر لعدم وفائي بذلك العهد، وهو سببٌ لم أكن واعياً به في حينه لكنّه انكشف لي مع مرور الأعوام ومع التقدّم في العمر. أدركتُ أن أسرتنا كانت تتجنّب الخوض في الحديث عن العواطف، فشكّل هذا لغتها غير المعلَنة في إدارة الألم. كان هذا النمط حاضراً في بيتنا، ومتجسّداً خصوصاً في أبي. فهو رجلٌ يعرف كيف يحمي نفسه من الانهيار عبر الاستمرار، وكيف يعبر الأزمات من دون أن يسمح لها بأن تُسمّى أو تُناقَش. أبي يُنجز ويُوفّر ويتابع تفاصيلَ الحياةِ العمليةَ، فيما تُدفن الأسئلة العاطفية ومشاعر الفقد تحت طبقاتٍ من الواجب والانشغال، وربما الحسرة المؤجَّلة. هكذا تعلّم هو بدوره، كما تعلّمنا نحن، أنّ الحزن شأنٌ خاصٌّ لا يُتداول، وأنّ الألم يُحتوى ولا يُشارك. ومع مرور الزمن صار هذا التجنّب العاطفي جزءاً من هوية الأسرة، يمنح لنا إحساساً مؤقّتاً بالأمان، لكنه يؤجّل المواجهة ويعمّق الشرخ بين جيلين متجاورين. وفي هذا الشرخ تحديداً، يتعطّل انتقال الصدمة.
ذاتَ صباحٍ استيقظتُ من نومي، ولا أذكر الآن إن كنتُ قد حلمتُ بشيءٍ أم لا. غير أنّني أفقتُ وقد اتّخذتُ قراراً بضرورة إخبار أبي بالمنام الذي رأيتُه وبوصيّة جدّتي. كان الوقت مبكّراً، لكنني رفعتُ الهاتف واتصلتُ به، فردّ من فوره وبصوتٍ منخفض. ساد صمتٌ قصيرٌ ثم قلتُ له إنّ عليَّ أن أُخبره بمنامٍ رأيتُه قبل شهورٍ، وإنّ الأمر ظلّ عالقاً في ذهني ولم يعد ممكناً تأجيله. قصصتُ عليه المنام بتأنٍّ، وقلتُ أيضاً إنّني لم أُخبره وقتها، لكنّ شعوراً بثقلٍ لم يفارقني. قلتُ له إنّني لا أعلم إن كان ما فعلتُه صواباً أم لا، لكنّني شعرتُ أنّ عليّ أن أُسلّم الأمانة، بغضّ النظر عن كونها مناماً أم شيئاً آخر.
حين انتهيت، لم يقل أبي شيئاً في البداية، ثم جاءني صوته. كان مختلفاً مكسوراً، أو أقرب إلى همسٍ خرج بعد تردّدٍ طويل. قال: "بارك الله فيك"، ثم سكت. لم أقل شيئاً، ولم يُضِف هو شيئاً. بقيَ الصمت حاضراً كما لو أنّه كان في النهاية هو الرسالة.
ولهذا فإن المكالمة مع أبي لم تكن في الحقيقة لحظة إيصال الرسالة بقدر ما كانت شقّاً في جدار الصمت. إنه اعترافٌ، ولو متأخراً، بأن الفقد حدث. وربما لهذا ظلّ الصمت في آخِر المكالمة أبلغ من الكلام، لأننا أُخرجنا لحظاتٍ من نمط السكوت إلى مساحة الإصغاء. فإذا كان الليل يعيدنا إلى من رحلوا، فربما يجب أن نتعلّمَ الإصغاء إلى ما ظلّ عالقاً فينا.

