كان الطريق رملياً موحشاً، تصطف أعمدة الهاتف على جانبيه علامةً وحيدةً على وجود حياة. وحين تعطل محرك الشاحنة فجأةً، لم يفكر السائق طويلاً. فقد صعد فوق السيارة وقطع أحد أسلاك الهاتف، ومن ثم أخبر دياب أن تلك هى الطريقة الوحيدة لتفادي موتٍ محققٍ في هذه الصحراء القاحلة، إذ يؤدي انقطاع شبكة الهاتف إلى تنبيه المسؤولين، فيبحثون سريعاً عن مكان العطل. وعلى صعوبة الدرب، وصل دياب، الذي عُرف لاحقاً بمصور الرئيس جمال عبد الناصر، إلى الواحة وأعد تقريراً مصوراً عن أهلها وتراثها لمجلة "آخر ساعة".
تلك الحكاية التي رواها الأب عن مغامرته ظلّت حيّةً في ذاكرة الابن، المصور الصحفي حسام دياب، الذي عاد سنة 1984 ليسلك الطريق نفسه لإعداد تقريرٍ لصحيفة الشرق الأوسط. أَسِرَته ألوان ملابس أهل الواحة وموسيقاهم، وعمارتهم المشيدة بمزيج الملح والطين الذي يسمى الكرشيف، والهوية الأمازيغية الصوفية التي منحت الواحة فرادتها داخل الجغرافيا المصرية. ومنذ زيارته الأولى، كرّس دياب الابن عدسته لتوثيق الحياة اليومية في الواحة، من بساتين النخيل والزيتون، لطقوس الزفاف داخل البيوت الطينية المتلاصقة في قلعة شالي التي كانت أكثر ما شَدَّه، وجلسات الرجال حول موائد الطعام بملابسهم التقليدية وعادات شرب الشاي والأكل، إلى النساء بملابس الزفاف المزدانة بحُليّ فضيةٍ محلية الصنع. وبعد كل زيارةٍ كان دياب يقارن لقطاته بالصور التي التقطها والده قبل ثلاثين عاماً.
ولم تنقطع زيارات حسام دياب الملقب "شيخ المصورين" في مصر، ولا استحضاره حكايات والده حسن عن الواحة وأهلها وهويتها البصرية الفريدة لخمس عقود. غير أن زيارته الأخيرة سنة 2020 بدت وكأنها تقطع خيط الذكريات، إذ تغيّرت الواحة كما تغيّر الطريق إليها. تحولت قلعة شالي إلى مقصدٍ سياحيٍ، وصارت الملابس والحُلي جزءاً من الفلكلور، وتراجع البيت السيوي التقليدي أمام البناء الإسمنتي العشوائي. كذلك شهدت الواحة تحولاتٍ اجتماعيةً وثقافيةً عميقةً، مع صعود تياراتٍ سلفيةٍ محافظةٍ أثّرت في ملامح الهوية الأمازيغية الصوفية، لتتشكل هويةٌ هجينةٌ تقترب في بعض ملامحها من قرى ومدنٍ أخرى خارج حدودها.
في زيارته الأولى للواحة في أغسطس 1938، وثّق عالم الآثار المصري أحمد فخري في كتابه "واحات مصر: واحة سيوة" الصادر بالإنجليزية في مارس 1973 وبالعربية في نوفمبر 1992، ما أحسّ به وما شاهده بعينه. إذ وجدها تختلف عن كلّ ما عرفه في مصر، سواءً في الدلتا أو الصعيد أو الصحراء. آنذاك كانت القوافل تقضي ثمانية أيامٍ أو تسعةً في الصحراء للوصول إليها من مدينة مرسى مطروح. ويصوّر فخري ما يخالج المسافرين إليها من سرورٍ عندما يرون أنفسهم على مقربةٍ من عيون المياه الجارية وحدائق النخيل والأشجار الأخرى التي تستقبلهم عند وصولهم إلى الواحة.
واستناداً إلى "مخطوط سيوة" الذي كتبه أحد زعماء عائلات الواحة، وثّق فخري في كتابه نشأة مدينة سيوة منذ العصور الوسطى. ويورد أن المدينة القديمة تعرّضت لاعتداءاتٍ من البدو من البربر والعرب، تكررت كل عامٍ في موسم حصاد البلح والزيتون. وقد تسبب ذلك في تضاءل عدد السكان حتى أصبحوا أربعين رجلاً ينتمون إلى سبع عائلات. فاختاروا موقعاً جديداً سنة 1203 وشيدوا فيه قريةً محصنةً فوق جبلٍ سمّوه "شالي" لحمايتهم من أعدائهم. و"شالي" كلمةٌ أمازيغيةٌ تعني "الوطن" أو "المدينة المسورة".
شيّد الرجال الأربعون منازلهم على منحدر التل وأحاطوها بسورٍ متين البناء، ولم يجعلوا له سوى مدخلٍ واحد. وبعد مرور قرنٍ فتحوا باباً ثانياً في الجهة الجنوبية، وكان يُستخدم لمن كانوا يفضّلون تحاشي المرور أمام الأجواد (رؤساء العائلات) الذين كانوا يعقدون مجلسهم اليومي على مقربةٍ من مدخل المدينة الرئيس. ولأن الباب الجديد لم يكن معروفاً لغير أهل سيوة، فقد استخدموه للدخول أو الخروج سراً كلما حاق بمدينتهم المحصنة هجومٌ أو حصار. كذلك كانت العادة في الأصل تقضي بعدم السماح للنساء بالخروج من أسوار المدينة. لكن مع مرور الزمن سُمح لبعضهن بالخروج عبر مدخلٍ ثالثٍ في السور.
ومع الزيادة الكبيرة في عدد سكان سيوة، أخذت كل عائلةٍ تضيف طابقاً آخر إلى منازلها الأصلية، إذ لم يسمح الأجواد لأي شخصٍ ببناء منزلٍ خارج سور المدينة. وكانت المنازل تُبنى بالكرشيف، وهو طينٌ يؤخذ من الأرض المشبعة بالملح ويخلط أحياناً مع الحجر والرمل، وإذا جفّ أصبح شبيهاً بالإسمنت في صلابته. ولهذا ارتفعت بعض منازل سيوة القديمة إلى سبع طبقاتٍ أو ثمان.
وحتى القرنين السابع عشر والثامن عشر، ظلت الواحة مستقلةً لحدٍّ ما، لا تدفع ضرائب للسلطات في القاهرة ولا لغيرها. لكن في سنة 1820 وصل جنود والي مصر حينئذٍ محمد علي باشا بهدف إخضاع سيوة للسلطة المركزية في القاهرة. وهو ما حدث حقاً، فكان أن خضعت الواحة أول مرةٍ لسلطةٍ خارجية. ومنذئذٍ أحسّ السِيويّون بالأمان. لذا سمح مجلس الأجواد سنة 1826 لمن أراد من الأهالي ببناء منازل لهم خارج أسوار المدينة.
غير أن حاكم الواحة آنذاك موسى بوبيشي، الذي وصفه فخري في كتابه بالرجل الذكي، وضع قيوداً صارمةً على بناء البيوت الجديدة أسفل الجبل الذي بُنيت فوقه المدينة القديمة، ليضمن للسكان الحياة في منازل صحيةٍ تنال نصيبها الكافي من الهواء والضوء. فنصّ على ألا يقلّ عرض الشوارع الرئيسة عن عشرين ذراعاً (نحو أربعة عشر متراً)، وأن يكون عرض الشوارع الجانبية اثني عشر ذراعاً، وألا يقلّ عرض الأزقة عن ثمانية أذرع. وخطط لبعض الميادين، وحرّم أن يرتفع أي منزلٍ أكثر من طابقين.
وهكذا استمرت كثيرٌ من العائلات في السكن في مدينة شالي المحصنة حتى سنة 1926، حين أُجبروا على مغادرتها بسبب هطول أمطارٍ غزيرةٍ استمرت ثلاثة أيام. وبحسب فخري، انهار كثيرٌ من المنازل وتصدّع الباقي بسبب الأمطار. وأصابت الواحةَ لاحقاً أمطارٌ غير مسبوقةٍ في ديسمبر 1930 وفي مطلع 1970، ما غيّر طبيعتها العمرانية جزئياً نحو البناء الخرساني. وذلك لأن الكرشيف يتأثر بشدةٍ بهطول المطر الشديد، وهو أمرٌ نادرٌ عادةً في سيوة ذات الطبيعة الصحراوية.
جاليري صور حسام دياب 1984
في حديثه مع الفراتس عند مدخل مدينة شالي القديمة، استعاد راجح تلك الذكريات قائلاً: "في الصحراء يصلي الناس صلاة الاستسقاء طلباً للمطر، أما أهل سيوة فيدعون ألا تمطر أبداً خوفاً على بيوتهم الطينية".
في ذلك الوقت، لم يكن السِيويّون على علمٍ بالبناء الخرساني، فاستعانوا بأبناء قرى وادي النيل. وبحسب راجح، جاء كلّ بنّاءٍ بثقافته وهويته في البناء والألوان، دون مراعاة العوامل المناخية وحرارة الصحراء. وكانت العملية أشبه بقصٍّ ولصقٍ: قصٍّ من وادي النيل ولصقٍ في سيوة، وكأنّ ما يصلح في كفر الشيخ والبحيرة والمنصورة يصلح في سيوة. وأضاف: "ألوان مزعجة لم تعتدها العين، أزرق وأحمر، ووردي أصبحت البيوت كلها شكل وقالب واحد، بعد أن كان البيوت صناعة يدوية، لا بيت يشبه الآخر".
ويستعيد راجح تلك المرحلة، قائلاً إن أحد الجزارين من محافظة البحيرة واسمه عبد الستار، غيّر مهنته إلى مقاولٍ عندما رأى انتشار بناء البيوت الخرسانية. ويضيف: "كانت بيوت غريبة الشكل. آنذاك لم ينشغل بال السيويّين بالألوان الغريبة ولا شكل البيوت، بل بامتلاك بيوت خرسانية تقيهم شر الأمطار".
وهذا ما لاحظه أحمد فخري في آخر زيارةٍ إلى سيوة في مايو 1972. إذ إن الفجوة التي كانت تفصل دائماً بين سكان سيوة والواحات الأخرى وقرى وادي النيل أخذت تضيق تدريجياً. ووثّق فخري في كتابه "واحات مصر [. . .]" ملاحظته على الأطفال الذين كانوا يلعبون أمام منازلهم بملابسهم التقليدية الجميلة، فصار كثيرٌ منهم يرتدون الزيّ المدرسي الشائع في قرى وادي النيل. وهو ما رآه أقل جمالاً وأقل ملاءمةً لجوّ الواحة. ولاحظ كذلك ظهور عددٍ من المباني الخرسانية الحديثة في بعض مناطق سيوة، فبدت أنها تشوّه جمالها.
سنة 1977، وكان راجح قد بلغ العاشرة، استقبل أهالي سيوة الرئيس المصري محمد أنور السادات، بحضور مشايخ القبائل وممثلي الطرق الصوفية، التي يعددها الشيخ عمر بسبع طرق. يومها طالب المشايخ الرئيس بإنشاء طريقٍ يربط الواحة ببقية مدن مصر. ويروي راجح أن السادات ردّ قائلاً إن إنشاء الطريق سيستغرق أعواماً طويلةً، مقترحاً حلاً سريعاً يتمثل في تخصيص طائرةٍ عسكريةٍ تقلّ الأهالي مرتين أسبوعياً بتذكرةٍ رمزيةٍ قدرها 135 قرشاً، وأضاف: "تشوفونا ونشوفكم". لاحقاً شُقّ الطريق إلى سيوة، ومعه وصل الاستثمار والغرباء والتغيير السريع لما كوّن يوماً هويةً فريدةً للواحة.
كان على رأس الفريق العالمُ البيئيُّ منير نعمة الله، الحاصل على دكتوراه في الصحة البيئية من جامعة كولومبيا الأمريكية، وبصحبته المهندسان المعماريان رامز عزمي وعماد فريد. وحينئذٍ لم يكن السؤال الذي شغل الفريق معمارياً بقدر ما كان حول تمكين الناس من أن يعيشوا من الحفاظ على تراثهم لا من تدميره.
يحكي رامز عزمي للفراتس أن الفريق في الزيارة الأولى لسيوة أقام في فندق "عروس الواحة" الحكومي، وكان في حقائبهم رسوماتٌ مبدئيةٌ لقريةٍ بيئية. غير أنهم بعد زيارتهم قلعة شالي ودخولهم بيوتها القديمة، ومشاهدتهم حياة الأمازيغ عن قربٍ، مزقوا الرسومات. وأوضح عزمي أنهم اكتشفوا أنهم لم يفهموا العمارة السيوية: "أصابنا انبهار معماري بما شاهدناه في شالي". لهذا قضى فريق الخبراء قرابة عامٍ في دراسة العمارة السيوية على أرض الواقع، في محاولةٍ لفهم منطقها وخاماتها وأساليب بنائها.
أخبرنا نعمة الله أنه في إحدى الزيارات الميدانية لاحظ جبلاً في الواجهة لم ير مثله في حياته، وقد بدا سطحه مستوياً من الأعلى. كان ذلك "جبل جعفر". وقد دعا نعمة الله فريقه إلى وقف الزيارات التقليدية والتوجه إلى هذا الجبل. كانت المنطقة تضم ثمانية عشر بيتاً صغيراً يستخدمها الأهالي فقط في موسم حصاد البلح. وقد وافق الأهالي على بيع هذه البيوت، وكان التسعير من جانبهم قائماً على قيمة الزراعة فقط. أما الجبل فتنازلوا عنه مجاناً.
أول قرارٍ للفريق كان الحفاظ على البيوت الموجودة. يقول رامز: "لا تسوية للأرض، لا بلدوزرات [جرّافات]. الجبل هو الذي يوجّه الفكرة. لا كهرباء، ولا أقفال للأبواب". وكانت صور الرحالة الأوروبيين في بدايات القرن العشرين هي المرجعية التي استند إليها نعمة الله وفريقه في التصميمات. لكن بقي سؤالٌ عمّن سينفذ هذه التصميمات. وبحسب عزمي، بحثوا عن آخِر بنّاءٍ لبيوت الأمازيغ في سيوة القديمة ووجدوه رجلاً يُدعى حمزة. وبعد محادثاتٍ طويلةٍ وافق على العودة إلى المهنة، واستقطب جيلاً جديداً من البنّائين.
خطّط الفريق لإنشاء فندقٍ ليكون مشروعاً ثقافياً لحفظ التراث الذي أوشك على الاندثار. يقول رامز إن الثقافة في مصر قوةٌ ومقاومةٌ، وإن ما فعلوه كان "نوعاً من المقاومة ضد التوسع الشنيع في الخرسانة المسلحة، الغول الذي ابتلع التراث في سيوة". ويتذكر ما سمعه حينها من السكرتير العام في محافظة مطروح عندما تقدموا بالأوراق للحصول على الموافقات الحكومية، إذ قال ساخراً: "لن تبيعوا طبق أومليت [فطيرة بيض] واحداً".
آمن عزمي وقتها بأن الإبقاء على هوية سيوة الطبيعية سيجذب فئةً مختلفةً من السائحين، سيأتون إليها ليشهدوا تجربةً جديدة. لدى عزمي خبرة أعوامٍ في أنماط البناء البيئي، وهو مشروعٌ يحلم أن يراه حقيقةً يوماً ما.
في هذا السياق، يتذكر أول لوحةٍ هندسيةٍ صممها للفندق الذي سمّوه بدايةً "فندق جعفر" ليصبح لاحقاً "أدرار أملال"، ويعني بالأمازيغية "الجبل الأبيض". سأله وقتها موظف محافظة مطروح عندما ذهب للحصول على رخصة البناء: "أين تسليح السقف؟ أين الحديد؟"، وقد اعتاد الموظف على مطالعة الرسم المعماري والإنشائي. قال له رامز عزمي ضاحكاً: "ليس لدي حديد، سأصنع السقف بجذوع النخيل". فطلب منه الموظف حساباتٍ إنشائيةً للبناء البيئي بديلاً للحديد. عندها استعانت الشركة بمهندسٍ إنشائيٍ محترفٍ لإعداد حساباتٍ دقيقةٍ تبرهن على قدرة جذوع النخيل على تحمّل ما يتحمله الحديد.
افتتح نعمة الله وفريقه الفندق سنة 1998، وسُعّرت الليلة الواحدة فيه بنحو ألفٍ وخمسمئة دولار. لكن لم يمنع ذلك من اجتذاب كثيرٍ من السياح الأجانب الراغبين في عيش تجربةٍ فريدةٍ وسط الطبيعة. كان من بينهم ملك بريطانيا تشارلز الثالث الذي زار الفندق حين كان ولياً للعهد سنة 2006 بصحبة زوجته كاميلا، ومكث فيه أربعة أيام. وتبعته ملكة بلجيكا وسفراء ووزراء خارجيةٍ من دول أوروبا وأمريكا، إضافةً إلى مطربين وممثلين ومشاهير من أنحاء العالم.
حينها بدأ الأمازيغ يشعرون برغبة الأجانب في العيش في بيوتهم القديمة المصنوعة من الطين والملح التي هُجرت. وعليه بدأ السكان المحليون في إنشاء نسخٍ مصغرةٍ من تجربة "أدرار أملال". واتضح للأمازيغ الذين تسارعوا في بناء منازلهم بالإسمنت، أن التراث كنز. ومنذئذٍ بدأت السياحة البيئية تتحول إلى أكبر قوةٍ تقاوم تدهور التراث. وهو ما رصده حسام دياب في زيارته الثانية للواحة.
الاختلاف الذي لمسه دياب بين سيوة التي زارها في الثمانينيات وسيوة التي رآها سنة 1998 كان حاضراً أيضاً في تفكير القبائل الأمازيغية في الواحة. يقول الشيخ عمر راجح إنه منذ نهاية التسعينيات بدأ القلق من اندثار عاداتهم، مضيفاً "شعرنا بحنين إلى البيوت الطينية، واللغة الأمازيغية تضعف عند الجيل الجديد، وكبار السن يرحلون ومعهم حكايات لا تُسجَّل، والغرباء يزدادون". ومن ثمّ وُلدت فكرة التوثيق، وبدأت سنة 1999 محاولات إنشاء جمعيةٍ أهليةٍ لحفظ التراث الأمازيغي.
وقتئذٍ تقدم راجح بطلب إلى وزارة التضامن الاجتماعي، التي أرسلت الأوراق إلى الجهات الأمنية، فجاء الرد بالرفض، مع دائرةٍ بالقلم الأحمر حول عبارة "اللغة الأمازيغية" التي كانت الجمعية تسعى إلى الحفاظ عليها من الاندثار. يقول راجح: "همّا يعتقدون أننا يمكن أن نرتبط بالأمازيغ في المغرب العربي".
بحسب راجح، تعرّف الأمازيغ في سيوة إلى جذورهم الأمازيغية من خلال موسم الحج، وكذلك من خلال زيارة وفدٍ ثقافيٍ جزائريٍ لوالده في التسعينيات، فاكتشفوا بالصدفة أنهم يتحدثون اللغة نفسها. ومنذ ذلك الحين بدأ أمازيغ سيوة يدركون أنهم فرعٌ من شجرةٍ كبيرةٍ ممتدةٍ في شمال أفريقيا. لهذا سافر راجح إلى الجزائر والمغرب وتونس ليتعرف إليهم عن كثب. لكن لم تتح للجميع الفرصة نفسها، فكان التعارف يتم عبر الإنترنت أو من خلال زياراتٍ متباعدةٍ يقوم بها أمازيغ من شمال أفريقيا إلى سيوة.
وعلى مدار عشرة أعوامٍ من 1999 حتى 2009، لم يملّ راجح، الذي آلت إليه شياخة القبيلة بعد وفاة والده سنة 1996، من محاولات الحفاظ على التراث بشكلٍ غير رسمي. وخلال عمله في مركز مدينة سيوة مسؤولاً عن العقود والمشتريات، طلب من محافظ مطروح عبد الحميد الشحات، عندما زار سيوة في أواخر التسعينيات، أن يشترط على المستثمرين الالتزام بالبناء بالكرشيف التقليدي للحصول على عداد الكهرباء. وافق المحافظ، لكن احتيل على القرار بطلاء البيوت بمادة "الأوكسيد" المُصنَّعة التي تعطي اللون البيئي نفسه.
ثم سنة 2009 نصح أحد الأصدقاء الشيخ عمر بعرض فكرة الجمعية على "جمعية كوسبي" الإيطالية، وهي منظمةٌ غير حكوميةٍ تعمل منذ سنة 1983 على تمكين المجتمعات المحلية. وقد أثمر هذا الجزء. فبعد الحصول على التصاريح الحكومية استطاعت الجمعية تسجيل تراث الأمازيغ الشفهي في سيوة من خلال مشروعٍ موّله الاتحاد الأوروبي حمل اسم "سيوة طنجة من أجل تراث أفضل"، استكمالاً لمشروعٍ مشابهٍ كانت المؤسسة قد بدأته في طنجة بالمغرب.
وفي سبيل المشروع، وثّق شباب وفتيات الواحة تسجيلاتٍ صوتيةً ومصورةً مع كل من تجاوزوا الستين من العمر، ليسجّلوا أي كلمةٍ عُدّت تراثاً. بعدها عُرضت هذه المواد على لجنةٍ مرجعيةٍ للتراث من أمازيغ سيوة، كان على رأسها الشيخ عمر راجح، لتثمر هذه الجهود التي استمرت عامين عن أرشيفٍ ضخمٍ للتراث اللامادي. وليفتتح المشروع رسمياً بداية سنة 2011.
بهذا استمرت محاولات راجح للحفاظ على الهوية الأمازيغية، لكن أكثرها إحباطاً له كانت عندما قرر أحد رؤساء مجلس مدينة سيوة "تجميل" الآبار الرومانية الباقية. وكانت خطة هذا الرئيس تقضي بتغطية الأرضيات بالسيراميك، وهي خامةٌ حديثةٌ قد تشوّه الهوية البصرية للآبار وتطمس طابعها التاريخي. ومرةً أخرى، عندما زار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الواحة سنة 2023، وطلب من المحافظ التنسيق مع جهاز التنسيق الحضاري لإعداد مقايسةٍ لطلاء بيوت سيوة كلها بالمواد البيئية المميزة للواحة للحفاظ على هويتها البصرية، بدا الأمر مجرد حماسٍ مؤقت. يقول الشيخ عمر: "مصر كلها تعرضت للمسخ، سواء في الريف أو في الصعيد، ولن يفرق مع النظام كثيراً مصير واحة صغيرة على الحدود".
جاليري صور حسام دياب سنة 1998
غير أن التشويه البصري لم يكن وحده ما وضع سكان الواحة أمام تحدياتٍ هوياتية. فدخول السلفية لسيوة مطلع التسعينيات ساهم في إحداث تغيراتٍ ثقافيةٍ ودينيةٍ كذلك، بعدما كانت الصوفية تراثاً راسخاً فيها.
وُلد الشيخ مدني سنة 1944، وتوفي في سبتمبر 2024 بعد مسيرة امتدت أكثر من نصف قرنٍ في الدعوة والعمل الاجتماعي. وشيّعه أهالي الواحة في جنازةٍ حاشدةٍ حضرها معظم سكان سيوة. وقد كان اعتُقل عقب اغتيال الرئيس السادات سنة 1981، وقضى نحو عشرة أشهرٍ في السجن، تعرّف خلالها إلى دعاةٍ آخرين.
بعد خروجه من السجن عاد مدني إلى سيوة أكثر إصراراً على نشر دعوته، لكن بأسلوبٍ اتسم – وفق بعض تلامذته – باللين والتدرج. وبحسب مسلم، مع أن الشيخ مدني كان بالأصل عاملاً في مسجد سيدي رحيم إلا أنه تولّى الخطابة فيه أيضاً، ثم في جامع الرمل، قبل أن ينتقل سنة 1986 إلى مسجد آل سعود (الحاج عزمي). وظل الأمر كذلك حتى بنى مسجده الخاص في منطقةٍ نائيةٍ أسماها منطقة "أبو بكر الصديق"، بعد أن كانت تُسمى "الطبو"، وهي كلمةٌ يعتقد أن لها أصولاً أمازيغية. وكان مدني أول من سكن المنطقة وتبرع بالأرض، ومن ثم أسهمت والدته في تمويل بناء المسجد الذي افتتح سنة 1989.
يرى الشيخ عمر مسلم أن سيوة كانت "مليئة بالبدع من الممارسات الصوفية والموالد والزيارات للأضرحة". غير أن مدني لم يصطدم مباشرةً بهذه الموروثات، بل حاول تغييرها تدريجياً. ومن بين ما قام به استبدال حفلات الخمر والطبول بما سُمّي "الحفلات الدينية"، وكانت أول تجربةٍ له في زفاف نجله سنة 1991.
مرجع هذا التدرج هو أن الطرق الصوفية كانت جزءاً أصيلاً من موروث الأمازيغ في الواحة. وأدرك مدني مبكراً أنه لن يستطيع أن يقاوم وحده، فانتهج سياسة النفَس الطويل بإنشاء ثلاثة عشر مركزاً لإعطاء الدروس الوعظية لنساء الواحة، معتبراً أنهن مفتاح تغيير الأجيال الجديدة.
ووفقًا لمسلّم فلم يدخل الشيخ السلفي في أية معارك مع الأمازيغ الذين ينتهجون الصوفية، إذ تنتمي القبائل التي تشكل الجزء الشرقي من الواحة (الشرقيين) إلى الطريقة المدنية الشاذلية، التي تنسب للشيخ محمد حسن بن ظافر المدني، وظهرت في المدينة المنورة محل ولادة الشيخ. وقد ظهرت الطريقة في سيوة سنة 1887 موازنةً للحركة السنوسية التي تتبعها القبائل التي تسكن في الجزء الغربي من الواحة (الغربيين)، وهي حركةٌ تأسست على يد الشيخ محمد بن علي السنوسي، الذي زار الواحة سنة 1831.
لاحقاً، ومنذ بداية التسعينيات، عاد إلى الواحة جيلٌ جديدٌ من الدعاة السلفيين الذين درسوا خارجها. وعلى خلاف منهج الشيخ مدني القائم على التدرج واللين، اختار هذا الجيل أسلوباً أكثر حدةً في الدعوة، معتبرين أن كثيراً من ممارسات الصوفية ما هي إلا بدعٌ يجب التخلي عنها.
في مقابلته مع الفراتس، بدا الشيخ عبد الرحمن الدميري، شيخ قبيلة الزناين، إحدى القبائل الأمازيغية في سيوة وشيخ الطريقة المدنية الشاذلية منذ سنة 1999، حذراً في حديثه عن السلفية. إذ نفى أن يكون لها دورٌ في حلّ النزاعات داخل المجتمع المحلي، "نحن نحل مشاكلنا داخل القبيلة، والشيخ هو المسؤول". لكن بعد ساعةٍ من الحديث بدا أنّ تحفّظه قد تراجع، إذا قال: "السلفيون يريدون القضاء على الطرق الصوفية. قالوا للناس إن ما نفعله بدعة، والناس صدّقت".
تحدثت الفراتس كذلك مع فتحي، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه الحقيقي خشية زيادة التوتر داخل المجتمع المحلي، وهو أحد أتباع التصوف في الأربعينيات من عمره. قال: "لا يوجد بيت في سيوة لم يتأثر بهذا الانقسام"، في إشارةٍ للإنقسام بين السلفية والصوفية.
ويضرب مثالًا بمناسبة "عيد الصلح"، وهو احتفالٌ صوفيٌ أسسه الشيخ محمد حسن بن ظافر المدني، يقام في الليالي القمرية من شهر أكتوبر كل عامٍ بعد موسم حصاد البلح. ويجتمع خلاله أهالي الواحة ثلاثة أيامٍ في أجواءٍ من الذكر والطعام واللقاءات الاجتماعية، التي كثيراً ما تنتهي بزيجات بين العائلات. ويتذكر فتحي عودة الجيل الأول من السلفيين إلى الواحة في أوائل التسعينيات بعد دراستهم خارجها، فشكلوا عائقاً أمام هذه التقاليد.
يقول: "عادوا بأفكار لا تشبه سيوة. أرادوا أن ترتدي النساء السواد الكامل والنقاب، وجنّدوا زوجاتهم للدخول إلى البيوت وإقناع النساء بقواعد صارمة للفصل بين الرجال والنساء". ويضيف: "أنا أعيش في بيت والدي مع إخوتي وزوجاتهم. كيف يمكن تطبيق قواعد العزل هذه في بيت واحد؟".
أدى ذلك بحسب فتحي إلى شرخٍ داخل بعض العائلات، إذ اختار بعض الشباب السكن منفصلين عندما تعذر التوافق على القواعد الجديدة. ويستشهد بحادثةٍ شهيرةٍ في الواحة بين شقيقين من عائلةٍ واحدة: بكرين أبو عمير، أحد رموز التصوف، وشقيقه الأصغر محمد، أحد أبرز وجوه السلفيين. وقد بلغ الخلاف بينهما حد القطيعة، حتى إن الأخ الأكبر أوصى قبل وفاته بألا يتلقى شقيقه العزاء فيه ولا يقف على قبره.
وفي الأفراح، يقول فتحي إن السلفية تفخر بنجاحها في إنهاء الطقوس التقليدية. ويروي تجربته الشخصية في زفافه سنة 2013 حين أقام حفلاً شرعياً في المسجد يوم خميس استجابةً لرغبة أحد أقاربه المنتمين للسلفية، لكنه اشترط عدم حضور رموز السلفيين في الواحة. وبعد ذلك أقام مع أصدقائه احتفالاً تراثياً خلف الأبواب المغلقة على بُعد أمتارٍ من منزله. أُدّيت في الحفل الأغاني السيوية التقليدية على أنغام الطبلة والمزمار والدفّ والناي يومي الجمعة والسبت.
يرى فتحي أن بعض الأهالي بدؤوا يلجؤون إلى اللجنة الشرعية السلفية في محافظة مطروح للفصل في القضايا الشائكة بدلاً من الأعراف الأمازيغية المحلية. ويستشهد بقضايا الدية في حوادث القتل الخطأ، إذ يحدد العرف السيوي الدية بالفضة، بينما يعتمد السلفيون تقديرها بما يعادل مئة ناقة. ويقول "السلفية طمّعت الناس في الدية، لذلك يلجأ البعض إليها للحصول على تعويض مالي أكبر مما يحدده العرف".
يعتقد المتحدث كذلك أن تأثير السلفية امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من الأفراح التي اختُزلت من أسبوعٍ كاملٍ بطقوسها وأغانيها إلى يومين بلا روحٍ، إلى المآتم التي كانت تمتد ثلاثة أيامٍ لاستقبال المعزّين وأصبحت تُختصر فور دفن الميت. حتى اللباس لم يسلم من التغيير، حسبما يقول. فالعرف الذي كان يقضي بألا تغطي الفتاة وجهها قبل الزواج بدأ يتلاشى، واختفت وجوه الصغيرات خلف النقاب الأسود.
ويضيف فتحي أن تأثير السلفية تراجع لاحقاً بعد أن اختبر الأهالي مواقف التيار السلفي السياسية والاجتماعية، ليخرج المجتمع على حد قوله "تائهاً بين هويتين: لا هو سلفي بالكامل ولا صوفي كما كان".
ولم يقتصر هذا التأثير على النسيج الاجتماعي، بل امتد إلى سلطة شيوخ القبائل. ففي صيف 2018 كان الشيخ عمر راجح في طريقه إلى قرية الجارة الأمازيغية، التي تبعد نحو مئتي كيلومتر عن سيوة وتعيش بلا كهرباء ولا شبكة اتصالات، لحضور جلسة صلحٍ في حادثة قتلٍ خطأً وقعت بعد اصطدام دراجةٍ ناريةٍ بحمارٍ على الطريق الإسفلتي عقب غروب الشمس. لكن المفاجأة، كما يروي، كانت حضور شيخٍ سلفيٍ قادمٍ من الإسكندرية لإدارة جلسة الصلح.
ويقول راجح إن الجهات الأمنية، في بعض القضايا الكبيرة، تطلب من الأطراف المتخاصمة ترشيح شيوخٍ سلفيين من محافظاتٍ مثل مطروح أو الإسكندرية لاختيار أحدهم للفصل في النزاع.
ويروي تجربةً شخصيةً تعكس في رأيه طبيعة العلاقة بين الدولة والتيار السلفي أثناء تولّي اللواء علاء أبو زيد منصب محافظ مطروح بين سنتي 2014 و2018. يقول "كنا نجلس في اجتماعات المشايخ والعُمَد، وإلى جِواري مدير أوقاف مطروح ووكيل الأزهر، وعلى المنصة يجلس المحافظ، وإلى جانبه شيخ السلفيين في مطروح، علي غلاب. وعندما أسأل: لماذا يحدث ذلك؟ تكون الإجابة: لأن الشارع مع غلاب".
هذه التحولات المتراكمة ومتعددة الاتجاهات في هوية سيوة بدت أكثر وضوحاً في زيارة دياب الابن الثالثة للواحة سنة 2020، وتحديداً في حفل زفافٍ حضره أثناء الزيارة.
كان دياب قد قرأ عن أفراح الواحة وموسيقاها قبل زيارته لها. فقبل زيارته الثانية سنة 1998، قرأ كتاب "واحة سيوة وموسيقاها" المترجم للعربية سنة 1992 وأعدته الباحثة الموسيقية الألمانية بريجيت شيفر سنة 1936 بعد عدّة زياراتٍ للواحة بدأت سنة 1932. تمكنت حينئذٍ من متابعة حياة الأمازيغ اليومية عن قربٍ، ودراسة الحياة الموسيقية في الواحة من خلال تسجيلاتٍ صوتيةٍ قديمة على أقراصٍ صوتيةٍ دوارة.
وثّقت شيفر في كتابها مكانة الموسيقى داخل الحياة الاجتماعية في سيوة، حيث يخصص الأهالي أغاني معينةً لمناسباتٍ بعينها. فأغنيةٌ تُنشد عند تنظيف الآبار، وأخرى عند إعداد نبيذ البلح، إضافةً إلى أغانٍ للعمل والأفراح وأخرى ذات طبيعةٍ دينية. وتخلص إلى أن لهذه الواحة الصغيرة وسط الصحراء حضارةً موسيقيةً واضحة المعالم. ووثّقت لأهمّ آلة نفخٍ في سيوة، وهي الناي، الذي يُستخدم دائماً مع الطبلة الأسطوانية. كذلك وجدت أن لكل فرقةٍ موسيقيةٍ آلاتها ومعزوفاتها. ناهيك عن اختلاف الموسيقى بين الجنسين، فموسيقى النساء مثلاً شابتها ألحانٌ بدت ذات طابعٍ غربيٍ، على حدّ وصفها.
نشرت بريجيت في كتابها عن طقوس الزواج في الواحة أيضاً، واقتبست لهذا مقتطفاتٍ مما كتبه الرحّالة الأوروبيون، مثل البريطاني تشارلز بلغريف، الذي عمل مساعداً لإدارة المناطق الحدودية في سيوة. ففي كتابه "سيوة: ذي أويسيس أوف جوبيتر آمون" (سيوة: واحة جوبيتر آمون) الصادر سنة 1923، قدم وصفاً دقيقاً لاحتفالات الزواج في سيوة، التي تستمر عدّة أيام.
ففي الليلة الأولى تذهب العروس صحبةَ عشرين فتاةً أو ثلاثين إلى عين ماءٍ تُسمى "طموسي"، حيث تخلع سلسلتها على نغمات الغناء وتستحم. ثم تعود مع صديقاتها لتخفيها أمها. وفي هذه الأثناء يكون الاحتفال قد بدأ بين أصدقاء العريس، الذين يتقدم معهم تحت أضواء المشاعل إلى بيت والد العروس طالباً يد ابنته للزواج. عندئذٍ تكون أسرة العروس مجتمعةً أمام الباب الذي تختبئ خلفه، ثم يحدث عراكٌ تمثيليٌ صغيرٌ، يُخرجون بعده العروس للعريس. عندها تمتطي العروس ظهر حمارٍ وهي في ثياب زفافها، وتتجه إلى بيت زوجها بصحبة أفراد الأسرتين وهم يغنون ويدقون الطبول.
وعندما تصل العروس إلى بيتها الجديد تُرفع عن ظهر الحمار وتُحمل إلى داخل المنزل، إذ يجب ألا تمسّ قدماها الأرض. ويقام احتفال العرس بعد يومين من ذلك. وخلال هذه الفترة يبيت العريس مع أصدقائه في الحديقة.
ما قرأه دياب وشاهده في زيارتيه الأولى والثانية للواحة اختفى تماماً خلال زيارته الثالثة. ولم يتبقَّ تقريباً أيّ مظهرٍ من ملامح الهوية الأمازيغية التي كان قد رآها من قبل. حتى الأفراح وعاداتها تبدلت بالكامل. وقد وثّق بكاميرته الفوتوغرافية مراسم الطعام التي تسبق الزفاف. وكان الاختلاف واضحاً منذ "شادر" الطعام الذي يديره مجموعةٌ من الملتحين، وصولاً إلى حفل الزفاف، حيث اختفت مظاهر الغناء والموسيقى.
اقتصر الحفل على تلاوة القرآن، تليها خطبةٌ لا تخلو من النكات والقصص الكوميدية يلقيها شيخٌ سلفيٌ، ثم مسابقةٌ دينيةٌ تتضمن مجموعةً من الأسئلة يحصل صاحب الإجابة الصحيحة فيها على هدايا. يلي ذلك عقد القران وقراءة الفاتحة.
بعدها يركب العريس سيارةً ويتجه إلى بيت العروس ليصطحبها، وتُطلق الشماريخ (الألعاب النارية) في السماء. وحسبما وثّق دياب، فاليوم التالي الذي جرت العادة أن يجتمع فيه العريس مع أصدقائه في أحد الحقول للاحتفال، تحوّل إلى خطبةٍ يلقيها الشيخ السلفي نفسه على الحاضرين.
لذا لم يشعر المصور الصحفي أن هذا الزفاف أمازيغيٌ على الإطلاق، بل يمكن وصفه بأنه "فرح شرعي" يمكن رؤية مثله في أسيوط أو الإسكندرية لا علاقة له بهوية المكان. يقول دياب: "حين يهيمن الخطاب السلفي لا يكتفي بتغيير الطقوس، بل يعمل على طمس الخصوصيات المحلية".
جاليري صور حسام دياب سنة 2020

