هذه المشاهد، على اختلاف تفاصيلها وخصوصيتها الغزية، ليست معزولة عن تجارب عاشتها مجتمعات أخرى حين تعرّضت لصدمات جماعية مفاجئة. ومثل هذه اللحظات تكرّرت في أماكن عدة حول العالم، أبرزها رواندا والبوسنة، حيث وجد الأفراد أنفسهم أمام خسارات مشتركة أعادت تشكيل علاقتهم بالمكان وببعضهم البعض. في مثل هذه السياقات لا تُروى القصصُ فعلاً فردياً أو مجرد تفريغ عاطفي، بل محاولةً لفهم معنى ما جرى، وللتأكيد على استمرار الانتماء إلى العالم وإن كان هذا العالم متصدّعاً.
تُسبب الصراعات العنيفة عادةً تفككاً وانهياراً في الشبكات الاجتماعية التي تمنح الدعم المجتمعي وتوفر للحياة استمراريتها. تتجاوز أسئلة التعافي حدود المقاربات الفردية وأنماط العلاج النفسي العيادي التقليدي، وقدرتها على الاستجابة للألم الجماعي الواسع. وتشير تجارب بلدان عاشت حروباً طويلة، مثل رواندا والبوسنة وجنوب إفريقيا، إلى مسارات للتعامل مع هذا النوع من الأذى تنطلق من استعادة الفاعلية للأفراد عبر الجماعة وبناء معنى مشترك يمكن للناس الاستناد إليه مرجعاً. وهو ما يؤكد عليه علم النفس التحرري. وفي بيئات لا زالت تتولد فيها إرهاصات الحرب وتتكرر الصدمات، مثل غزة اليوم وسوريا في سنوات الحرب، يكون التعافي الفردي نادراً في أساسه. فالتعافي عملية اجتماعية وسياسية بقدر ما هي نفسية، وإن كانت دورة الصدمات وتجددها تعيق تحقيق ذلك.
في ربيع سنة 1994، شهدت رواندا واحدة من أسرع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث. اندلعت الأحداث في سياق صراع سياسي وعرقي بين قبيلتي الهوتو والتوتسي. إذ استهدفت جماعاتٌ مسلحة من متطرفي الهوتو أقلية التوتسي وبعضاً من الهوتو. دعمتْ السلطة آنذاك وإعلامها الموالي الجماعاتِ المتطرفة في هجومها عقب سقوط مروحية الرئيس جوفينال هابياريمانا، وهو من الهوتو ووصل لحكم البلاد سنة 1973 بانقلاب عسكري. فانتشرت أنباء أن الحادث كان عملية اغتيال. خلال نحو مئة يوم، قُتل نحو مليون وسبعين ألف شخص، فيما اتُهم نحو مليوني شخص بالمشاركة في الإبادة من إجمالي عدد سكان بلغ ستة ملايين آنذاك، حسب اللجنة الوطنية الرواندية لمكافحة الإبادة الجماعية. انهارت البنى الاجتماعية في القرى والمدن، ولم يقتصر العنف على المواجهات المسلحة، بل اتّخذ طابعاً شاملاً داخل المجتمعات المحلية نفسها. تشير دراسات عدة إلى هذه الحقائق، من بينها دراسة "سوسايتل هيلينغ إن رواندا" (التعافي المجتمعي في رواندا [. . .]) لألكسندروس لوردوس وآخرين، المنشورة سنة 2021 عن مجلة الصحة وحقوق الإنسان الصادرة عن جامعة هارفارد.
انتهت الإبادة، لكن أثرها لم ينته في حياة الناجين. عاد كثيرون إلى منازلهم فوجدوا أشخاصاً من محيطهم الاجتماعي بما في ذلك الجيران متورطين في أعمال القتل. وفقد آخرون عائلاتهم كلها في فترة زمنية قصيرة. لذا برزت تحديات ليست في توثيق ما حدث وحسب، بل في كيفية العيش مع معرفة ثقيلة يصعب على الأفراد تحمّلها بمعزل عن محيطهم الاجتماعي. فالضرر لم يقتصر على الصحة النفسية ورأس المال البشري والبنية التحتية والموارد المجتمعية المتاحة، بل امتد ليشمل جروحاً مجتمعية عميقة. وقد أدّى الأثر المجتمعي والاقتصادي وحجم الصدمة الهائل إلى ما يمكن تسميته "الصدمة الجماعية" أو "الأمة المصدومة"، وفق الدراسة نفسها.
لذلك ظهر العلاج الاجتماعي الجماعي. لم يكن العلاج جلساتٍ علاجية سريرية، بل لقاءات اجتماعية جماعية تهدف إلى تذكر الأحداث وإعادة بناء الروابط التي تفكّكت بالعنف. يجتمع المشاركون عادة في مجموعات من عشرة إلى خمسة عشر شخصاً، مع دعم ميسّرين من المجتمع نفسه. ويستمر البرنامج عادة خمس عشرة جلسة أسبوعية مدة كل منها ثلاث ساعات. تمر هذه الجلسات بمراحل متسلسلة تشمل السلامة والثقة والعناية والاحترام والتوجيه نحو حياة جديدة والتذكر بهدف إعادة الثقة والمشاركة الاجتماعية بشكل تدريجي. تشير دراسة "التعافي المجتمعي في رواندا" إلى أنّ أثر هذه الدوائر لا يقتصر على تخفيف الأعراض النفسية، بل يشمل إعادة ترتيب شعور الأفراد بالانتماء. فالإنسان الذي فقد عائلته يجد نفسه، ولو مؤقتاً، ضمن جماعة تعترف بما مرّ به وتشارك تجربته.
لكنّ التجربة اللافتة كانت لجوء الدولة إلى المحاكم المحلية والقائمة تاريخياً، والتي تسمى "غاشاشا". لم يكن هدفها الأساس العقاب، بل الاعتراف بما حدث وجمع الشهادات وتحقيق مستوى من العدالة الرمزية والمجتمعية. وتشير دراسة بعنوان "هيلينغ سيكوسوشال تروما إن ذا مِدست أوف تروث كوميشنز [. . .]" (التعافي النفسي الاجتماعي في سياق لجان الحقيقة [. . .]) منشورة سنة 2011 في مجلة "دراسات الإبادة والوقاية"، إلى أنّ محاكم غاشاشا لاقت في بدايتها ترحيباً واسعاً من مختلف فئات المجتمع من الهوتو والتوتسي. رأى فيها الناس فرصة لاستعادة الحقيقة ومعرفة مصير الضحايا والاعتراف بالجرائم وتحقيق شكل من العدالة المجتمعية والشفاء النفسي الجماعي. وانخرطَ السكان المحليون في هذه التجربة، إذ شاركوا في انتخاب القضاة المحليين ديمقراطياً. وأسهم السجناء في الكشف عن أماكن ضحايا، ما ساعد في ترميم بعض العلاقات المتصدعة بين الجيران. كذلك اعتُبرت غاشاشا في مرحلتها الأولى مقاربة بديلة واعدة للنماذج القضائية المستوردة المعتمدة على القياسات القانونية البحتة والبحث الجنائي، لأنها اعترفت بالطابع الجماعي للصدمة النفسية ولم تقتصر على الفرد. غير أنّ هذا المسار الذي بدا إيجابياً لم يصمد طويلاً. فمع مرور الوقت تحوّلت غاشاشا من عملية يقودها المجتمع إلى نهج مفروض من الأعلى مرتبط بتوجهات حكومية، ما أضعف مصداقية العملية. وتؤكد الدراسة أن هذه المحاكم لم تكن علاجية بطبيعتها، وأن أثرها النفسي ظلّ متفاوتاً بين الأفراد.
وعلى الإشكالات التي رافقت مسار محاكم غاشاشا لاحقاً، تبيّن تجربة رواندا أن مسارات التعافي بعد الإبادة لا يمكن اختزالها لا في أدوات علاجية فردية ولا في آليات عدالة وحدها. فالشهادة والاعتراف واستعادة الروابط الاجتماعية أسهمت، بدرجات متفاوتة، في كسر العزلة التي خلّفها العنف الجماعي، مع بقاء الحاجة قائمة إلى مقاربات علاجية أخرى. وبهذا المعنى لا يبدو الشفاء عملية نفسية محضة، بل مساراً اجتماعياً سياسياً يتشكّل عند تقاطع الذاكرة والاعتراف، وإعادة إدراج الفرد داخل جماعة تعترف بما جرى وتحمله تجربةً مشتركةً.
وإذا كانت تجربة رواندا أظهرت أنّ التعافي بعد الإبادة لا ينفصل عن الحيّز العام والشهادة والاعتراف الجماعي، فإن مساراً مشابهاً، وإن بأدوات مختلفة، ظهر في البوسنة والهرسك. إذ اصطدم الناجون أيضاً بحدود المقاربات الفردية في مواجهة ذاكرة تشكّلت داخل عنف سياسي جماعي طويل الأمد.
توقفت الحرب مع توقيع اتفاقية دايتون في نوفمبر 1995 وبموجبها قُسمت البلاد إلى كيانين. ولاحقاً سنة 1999 أنشئت مقاطعة برتشكو ذات حكم ذاتي خاص متعددة القوميات ولا تتبع لأي من الكيانين. وبعد توقف الحرب حمل الناجون روايات ثقيلة، بعضها لم يُقَل، وبعضها لم يجد من يسمعه. وعندما بدأت محاولات العلاج الفردي بدا أنّ الأدوات النفسية المتاحة، بمعناها العيادي الغربي، لا تتناسب مع حجم المأساة ولا مع طبيعتها الجماعية. وهو ما تُظهره دراسة بعنوان "بيرسونال آند بوليتيكل: بوست تراومتك سترس [. . .]" (الشخصي والسياسي: اضطراب ما بعد الصدمة [. . .]) المنشورة سنة 2021، في نقدها تطبيقَ نماذج علاج الصدمة في سياقات العنف السياسي والحروب الأهلية. إذ تبرز محدودية التركيز الحصري على الفرد في التعامل مع ذاكرة جماعية مكسورة وسياق اجتماعي لم يلتئم بعد.
من هذه الحاجة برزت تجربة "تستيموني" (الشهادة)، وهي مقاربة قوامها رواية الناجين تجاربَهم كاملة وتوثيقها في شهادات مكتوبة. وبحسب دراسة بعنوان "تستِموني سايكوثيربي إن بوسنيان ريفيوجيز" (العلاج النفسي عبر سرد الشهادة لدى اللاجئين البوسنيين) منشورة سنة 1998 عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، يستند هذا الأسلوب إلى نظريات ترى أن الصدمة الجماعية لا تقل أهمية عن الصدمة الفردية، وأن سرد التجربة الشخصية ضمن سياق اجتماعي جديد يسمح بإعادة تنظيم الذاكرة الفردية وربطها بتاريخ جمعي أوسع. بهذا المعنى لا تُستخدم الشهادة فقط لاستعادة الحدث أو تخفيف أعراضه، بل لتطوير فهم مشترك للتجربة والهوية المجتمعية يعزز بناء السلام والثقة الاجتماعية. بهذا لا يعد الفرد حاملاً لتجربة الحرب شأناً خاصاً، بل جزءاً من سردية أوسع، يشكّل الانخراط فيها خطوة أساس في مسار التعافي. وتوفّر الدراسة أدلة أولية تشير إلى أنّ العلاج النفسي القائم على الشهادة يؤدي إلى تحسّن في أعراض الصدمة والاكتئاب، إضافة إلى تحسّن أداء الناجين الوظيفي، ما يجعل الشهادة أداة علاجية واجتماعية في آن واحد.
يبقى ثمّة فرق جوهري بين تجربة البوسنة وتجربة رواندا، يتمثل في فضاء المحاكمات. فبعد الحرب شهدت البوسنة محاكماتٍ واسعة لجرائم الحرب، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في لاهاي، أو من محاكم محلية لاحقاً. غير أنّ دراسات في مجال العدالة الانتقالية تشير إلى أنّ هذه المحاكمات أسهمت في إرساء مبدأ المساءلة القانونية، لكنها ظلت محدودة الأثر مجتمعياً. فقد أظهرت دراسات عدّة، منها دراسة "ترانزيشنل جاستس أند ركونسيلييشن إن بوسنيا-هيرزيغوفين" (العدالة الانتقالية والمصالحة في البوسنة والهرسك) لرولاند كوستيتش المنشورة سنة 2012 عن جامعة أوبسالا السويدية، أن هذه المحاكمات كانت بعيدة جغرافياً ورمزياً عن حياة الناس اليومية. وأنها كانت إجراءات قانونية متخصصة داخل فضاءات مؤسسية مغلقة، لا مساحات عامة يشارك فيها المجتمع في سرد ما جرى وفهمه. لذلك ظل العدل حاضراً حكماً قضائياً، لكنه لم يتحول بالضرورة إلى تجربة اعتراف جماعي قادرة على إعادة بناء رواية مشتركة عن العنف الذي عاشته المجتمعات المحلية.
وفي مقابل عدالةٍ ظلت منفصلة عن التجربة الاجتماعية اليومية في البوسنة، تطرح تجربة جنوب إفريقيا سؤالاً مختلفاً عن كيفية عبور المجتمع إلى المستقبل من دون أن يمنح ماضيه موقعاً يفرض سطوته على الحاضر ويعرقل تحقيق السلم الأهلي.
في هذا السياق أُنشئت لجان الحقيقة والمصالحة هيئاتٍ مؤقتة مستقلة، تُمنح صلاحيات للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في فترات نظام الفصل العنصري. تمثّل دورها في جمع الشهادات من الضحايا والجناة والشهود وتنظيم جلسات استماع علنية أو مغلقة وتوثيق أنماط العنف وأسبابه وصولاً إلى إصدار تقارير نهائية تتضمن توصيفاً لما جرى وتوصيات للإصلاح المؤسسي وجبر الضرر. لم تكن هذه اللجان بديلاً عن المحاكم، بل آلية موازية تهدف إلى كسر الصمت الرسمي عن الماضي وإنتاج رواية عامة تعترف بالانتهاكات وتضعها في سجل الدولة، بما يسمح بإدارة الانتقال السياسي وتجنّب العودة إلى العنف. كذلك لم تُنشأ هذه اللجان برنامجاً علاجياً، ولم يُقدَّم عملها تدخّلاً نفسياً. غير أنّ الدراسة المُشار إليها سابقاً توضح أن لجان الحقيقة والمصالحة حظيت بإشادة واسعة من ممارسي الصحة النفسية لأنها مصدرٌ محتملٌ للشفاء النفسي. وتبيّن الدراسة أنّ عمليّة الاستماع العلني إلى الشهادات والاعتراف الرسمي بالانتهاكات أفضت إلى آثار نفسيّة اجتماعيّة غير مقصودة لدى بعض المشاركين، مع أنّ الهدف المعلن للجنة ظلّ سياسياً وقانونياً بالدرجة الأولى. وتشدد الدراسة على ضرورة التمييز بين الشفاء الفردي والشفاء الجماعي، وعلى أنّ ما يُنظر إليه شفاءً قد يبقى مرتبطاً بعوامل ثقافية اجتماعية، وليس فقط عمليّات علاجية نفسية بحتة.
وتُظهر دراسة لجامعة كامبريدج بعنوان "ذا تروث أند ريكونسيلييشن كوميشن إن ساوث أفريكا [. . .]" (لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا [. . .]" منشورة سنة 2001، وتتناول الأثر النفسي للمشاركة في جلسات لجنة الحقيقة والمصالحة، أنّ الاعتراف العلني وسماع الشهادة داخل فضاء رسمي ارتبطا لدى بعض الناجين بمؤشرات نفسية متباينة منها ميل عدد من الضحايا إلى التسامح مع الجناة. لكن الدراسة تشير إلى أن لجان الحقيقة وحدها قد لا تكون كافية لخفض الأعراض النفسية أو تعزيز التسامح، بل لا بدّ أن تكون جزءاً من تدخلات علاجية شاملة ومستمرة للناجين الأفراد. وتؤكد الدراسة أن الاحتياجات النفسية للناجين من انتهاكات حقوق الإنسان في جنوب إفريقيا لم تُلبَ كفايةً من نظام الصحة النفسية القائم. وتلفت إلى أن توفير تدخلات صحة نفسية ملائمة ثقافياً وتستجيب لاحتياجات الناجين الخاصة تعدّ عنصراً أساساً مكمّلاً لعملية حقيقة ومصالحة فعّالة.
ما يمكن استخلاصه من هذه النتائج أن تحويل التجربة الفردية إلى سجلّ عام معترف به قد يمنح بعض الناجين إحساساً باستعادة الكرامة والفاعلية، لا لأن الألم يزول، بل لأن ما عاشوه لم يعد محصوراً في حيّز التجربة الخاصة. ففي هذا الإطار، تُسمَع الضحية وتُعرَّفُ حاملةَ تجربةٍ ذات معنى، ويُكشف الجاني ويُدفَع المجتمع إلى مواجهة ماضيه بدل الاستمرار في إنكاره.
لكن هذا الشكل من الاعتراف الجماعي يظلّ مشروطاً بوجود بنية سياسية ومجتمعية قادرة على تحويل الشهادة إلى سجل عام ذي أثر. وعندما يغيب هذا الإطار، كما في سياقات حرب مستمرة وتدمير ممنهج متجدد، لا يصبح السؤال عن كيفية مداواة الألم، بل أين يمكن للألم أن يُسمَع أصلاً.
تقول دراسة بعنوان "كولكتيف تراوما أند ذا سوشال كونستراكشن أوف مينينغ" (الصدمة الجماعية وبناء المعنى الاجتماعي) منشورة سنة 2018 من مركز هرتسليا متعدد التخصصات، إن تذكر الصدمات الجماعية يمكن أن يكسر الدورات القهرية ويساهم في التوفيق بين المجموعات ذات التاريخ المعقد وتقليل التوتر والعداء بينها. وتوضح أن العنف السياسي واسع النطاق لا يصيب الأفراد منفصلين، بل يستهدف الشبكات الاجتماعية والمعاني المشتركة التي تنظّم الحياة اليومية. ففي مثل هذه السياقات لا تكون الصدمة مجرد حدث نفسي داخلي، بل انهيارٌ في الإطار الاجتماعي الذي منح التجربة معناها. لذلك فإن التعامل مع الصدمة على أنها خلل فردي قابل للعلاج داخل حيّز علاجي مغلق، يغفل البعد الجوهري للجرح المتمثل في تفكك الجماعة التي كانت تحتضن الفرد وتساعده على فهم ما يعيشه.
ينتج عن هذا الافتراض تركيز قاصر على الأعراض الفردية، مثل القلق أو الكوابيس أو فرط الاستثارة، من دون الالتفات إلى تفكك النسيج الاجتماعي الذي كانت تُفهَم هذه الأعراض في إطاره. فالمشكلة لا تكمن في ما يشعر به الفرد، بل في غياب السياق الذي يتيح لهذه المشاعر أن تُفهم وتُسمّى وتُحتوى جماعياً، وفق ما تناقشه دراسة بعنوان "ذا بيرسونال أند ذا بوليتيكل: بي تي إس دي.." (الشخصي والسياسي: اضطراب ما بعد الصدمة) لأورلا مولدون وآخرين، منشورة سنة 2021 في مجلة "علم النفس السياسي". فمعالجة الفرد بمعزل عن محيطه تعني مطالبته بالتكيّف نفسياً مع واقع ما زال مختلاً، وإعادة تنظيم ذاته داخل عالم لم يستعد توازنه بعد.
لهذا السبب يظل أي تحسّن نفسي للفرد هشّاً ومؤقتاً ما لم يترافق مع استعادة حدٍّ أدنى من التماسك الاجتماعي في محيطه. وغالباً ما يتآكل التحسّن الفردي سريعاً عندما يعود الشخص إلى بيئة لا تزال تُنتج الخوف والعزلة وانعدام المعنى. فالتعافي لا يجب أن يكون مسؤولية الفرد وحده، في حين تبقى الشروط البنيوية والاجتماعية التي أفرزت الجرح قائمة بلا تغيير.
تتجلّى هذه المعضلة في ما يمكن تسميته "عزلة الغرفة المغلقة". فالجلسة العلاجية الفردية، على النمط العيادي الاستشاري، مهما بلغت دقّتها التقنية تعجز عن معالجة فقدان الجماعة أو ترميم الثقة الاجتماعية المنهارة. إذ لا تكمن المشكلة في الذاكرة وحدها، بل في استحالة حمل التجربة على نحوٍ منفرد. فالناجي من الحرب لا يحتاج فقط إلى من يصغي إليه، بل إلى أن يُسمَع صوته ضمن سياق يعترف به ويشاركه الألم ويعيد إدراجه في عالم لم يعد يشعر بالانتماء إليه.
من هنا يَضيق العلاج الفردي عن استيعاب صدمة الحرب، لا لأنه عديم القيمة، بل لأنه يعمل ضمن افتراضات لا تنطبق على واقع العنف الجماعي. فهو يفترض فرداً يمكن فصله عن جماعته، وتجربةً يمكن احتواؤها نفسياً بمعزل عن شروطها الاجتماعية. وفي سياقات مثل غزة وسوريا يغدو هذا الافتراض ذاته جزءاً من الإشكالية، لأنه يطلب من الفرد التعافي وحده، في حين أن الجرح جماعيٌ.
دفعت حدود هذه المقاربة الفردية باحثين وممارسين في سياقات عنف أخرى إلى إعادة التفكير في أسس العلاج النفسي نفسه، كما حدث بعد حروب أميركا اللاتينية في الثمانينيات، وما تبلور عنها فيما يطلق عليه "علم النفس التحرري".
هذا التحوّل يشكل أساساً علاجياً. فحين يعيش الفرد في بيئة مهدّمة ويعاني من فقدان البيت والعلاقات والشعور بالأمان، لا يمكن أن يقتصر العلاج على التدريب على إعادة تشكيل الأفكار. في هذه الحالات، كما تشير دراسة "الشخصي والسياسي: اضطراب ما بعد الصدمة"، يفشل العلاج الذي يعتبر الصدمة حدثاً داخلياً فقط، لأنه يغضّ الطرف عن حقيقة أن الجرح جزء من واقع سياسي واجتماعي، وليس حالة معزولة داخل دماغ الفرد. وبذلك يصبح تجاهل السياق شكلاً إضافياً من أشكال العنف، إذ يعيد إنتاج الصمت الذي فُرض على الناس منذ البداية.
من هنا يظهر مبدأ أساس في علم النفس التحرّري هو الوعي النقدي. وهو المفهوم الذي استعارَه مارتين بارو من المفكّر التربوي البرازيلي باولو فريري، وقد طوّره فريري في كتابه "بيداغوجي أوف ذا أوبريست" (تربية المقهورين)، المنشور سنة 1970. المقصود بالوعي هنا ليس المعرفة الأكاديمية، إنما إدراك أنّ الألم ليس ضعفاً داخلياً وأنّ المعاناة ليست فشلاً شخصياً، بل نتيجة ظروف أكبر من الفرد. فحين يفهم الإنسان موقعه داخل بنية القهر يستعيد شيئاً مهماً، هو القدرة على الفعل. هذا ما يصفه مارتين بارو في "علم النفس التحرّري" باستعادة الفاعليّة، أي أن يشعر الشخص بأنّ ما يحدث له ليس قدراً مغلقاً، وبأن له مكاناً في إعادة تشكيل حياته، وأنّ العالم ليس ثابتاً فوقه بل قابل للتغيير.
يوضح مارتين بارو في نصوص تحليلية له عن الصدمة والقمع السياسي أنّ الشفاء يبدأ حين يكفّ الفرد عن رؤية نفسه مشكلةً، ويبدأ برؤية المشكلة في الظروف التي عاشها. واللافت أن هذا الإدراك لا يظهر غالباً في جلسة فردية، بل في المساحات الجماعية حين يسمع الشخص قصته تتكرّر على لسان آخرين يعرفون شعوره تماماً. هناك فقط يشعر أنّ الألم ليس غريباً وأنّ الخوف ليس عيباً وأنّ ما حدث له جزء من تاريخ أكبر من شخصه. هذه الحركة من "أنا" إلى "نحن" ليست حركة عاطفية فقط، بل خطوة علاجية تعيد الإنسان إلى سياق ينتمي إليه، كما يناقش ذلك مارتين بارو ضمن تحليله لدور الجماعة في استعادة المعنى والفاعليّة.
كل هذا يقود إلى مبدأ أساس يميّز علم النفس التحرّري عن النماذج الفردية وهو أن الجماعة ليست مجرد خلفية للعلاج، بل هي جزء منه. بهذا المعنى لا يكون العلاج النفسي الجماعي في سياقات الحروب مجرد طريقة أخرى للتعامل مع الصدمة، بل فعلاً سياسياً يُعيد إنتاج العالم بطريقة تمكّن الناس من العيش فيه من جديد. فالألم نفسه سياسيّ المنشأ، وبتفكيك بنية القهر التي أنتجته يصبح جزءاً أساساً من عملية التعافي، لا مجرد عنصر جانبي. وبذلك يتحوّل العلاج من مجرد تقنية نفسية إلى مشروع لإعادة بناء الروابط، واستعادة القدرة على التأثير في الحياة، وإعادة ولادة معنى يواجه العنف بدل أن يسمح له بابتلاع الناس بصمت.
لكن هذا المسار ليس سهلاً في مناطق شهدت صراعات وحروب مثل غزة وسوريا، وهو ما يوضح التحديات القائمة أمام التعافي الجماعي هناك.
في غزة يتداخل الحدث العنيف مع تفاصيل الحياة اليومية، فلا تتيح استمرارية العنف للناس وقتاً لسرد تجربتهم. فلا يوجد هنا "ما بعد" واضح للصدمة، لأن الصدمة نفسها تُعاد صياغتها يومياً مع كل فقد جديد وكل تهجير وكل مشهد دمار. وبذلك لا يغدو الجرح مجرد ذكرى من الماضي، بل حالة متحوّلة تعيش مع الناس في حاضرهم.
في هذا السياق تغيب الشروط البنيوية التي تتيح إمكانية تعافٍ جماعي. فلا يوجد أمان مستقر، ولا إطار يحمي الذاكرة من الانقطاع، ولا فضاء يمكن للناس أن يجتمعوا فيه جماعةً قادرةً على النظر إلى ما حدث من مسافة نسبية. لذلك يبدو الحديث عن "الشفاء النفسي" سابقاً لأوانه وأقرب إلى ترف نظري ما دامت البنية التي تُنتج الألم تعمل بلا توقّف. ومن منظور علم النفس التحرّري، لا يمكن استعادة الفاعلية في واقع يُعاد فيه نزع القدرة على الفعل يومياً.
لا يعني هذا أنّ التعافي مستحيل، بل إن مساره مؤجّل ومشروط. ففي غزة لا يُرجَّح أن يبدأ التعافي من غرفة علاجية مغلقة، بل من اللحظة التي يُتاح فيها للمجتمع أن يسمع نفسه حين تتكوّن مساحة جماعية آمنة تسمح بتحويل التجربة من جرح متفرّق إلى معنى مشترك، ومن ألم معزول إلى ذاكرة يمكن حملها جماعياً.
غير أنّ غياب شروط التعافي الجماعي لا يتخذ الشكل نفسه في جميع السياقات. فبينما تتجلّى المأساة في غزة عبر استمرارية عنف كثيف يحاصر الحاضر، تأخذ في سوريا مساراً مختلفاً، تتبدّى فيه الصدمة عبر سنوات طويلة من التآكل البطيء، اعتقال واختفاء ونزوح وتهدّم بيوت. هذا الامتداد الزمني خلق ذاكرة متشظّية وجغرافيا منقسمة بين الداخل والشتات وروايات وطنية متوازية نادراً ما تلتقي. ومن دون ذاكرة مشتركة يصعب أن تتكوّن ساحة جماعية للمعنى، وهي شرط أساس لأي تعافٍ يتجاوز الفرد.
في هذا السياق لا يبدأ التعافي من معالجة الأعراض، بل من كسر الصمت. تظهر بذور هذا التحوّل حين يستعيد الناجون المكان الذي رَمَز للقهر، مثل دخول معتقلين سابقين إلى السجون التي احتُجزوا فيها، والسير في الممرات التي صودرت فيها أصواتهم، وإعادة تسمية الغرف التي كانت جزءاً من منظومة الصمت. هنا يتحوّل المكان من حامل الصدمة إلى حامل الذاكرة، ومن أداة هيمنة إلى فضاء يُعاد فيه امتلاك السرد. فمع غياب لجان حقيقة رسمية أو إطار وطني جامع، تشكّل هذه اللحظات مساحات بديلة للاعتراف. فهي لا تنتج عدالة مكتملة ولا تعافياً شاملاً، لكنها تخلق بداية ممكنة نحو اعتراف موزّع غير مركزي يبدأ بالتجمّع تدريجياً. من منظور علم النفس التحرّري، هذه الاستعادة الرمزية للمكان خطوة أولى في إعادة توزيع القوة داخل السرد، وفي تحويل الناجي من موضوع صامت إلى فاعل يملك قصته.
الخلاصة الواقعية أنّ التعافي في سياقات مثل غزة وسوريا ليس مهمة طبية خالصة، بل مشروع علاجي سياسي. فالشفاء لا يتحقق داخل الغرف المغلقة ولا عبر تقنيات نفسية معزولة، بل يبدأ حين يمتلك الناس القدرة على تسمية واقعهم وكسر الصمت المفروض عليهم وتفكيك بنية القهر التي صادرت أصواتهم أصلاً.
في هذه الظروف يصبح التعافي مساراً يتجاوز الإطار العلاجي التقليدي، لأنه يفترض استعادة القدرة على تسمية الواقع وكسر الصمت وإعادة إدراج التجربة الفردية في فضاء عام يعترف بها. فالناجي لا يستعيد فاعليته بمجرد تراجع الأعراض، بل عندما يتحوّل عبء شخصي صامت إلى حقيقة معترف بها ضمن الذاكرة والرواية الجماعية.
من هذا المنظور لا يبدأ التعافي حين يُطلب من الأفراد التكيّف مع عالم ما زال مختلاً، بل حين يُفتح المجال أمام الجماعة لإعادة بناء علاقتها بالحقيقة وبذاتها. فالمعاناة التي تبقى محصورة داخل النفس تظلّ جرحاً معزولاً، أما حين تُحكى وتُسمّى وتُدرج في سياق مشترك فإنها تفتح إمكانية إعادة ترتيب العالم بدل الاستسلام له. لا يكون العلاج النفسي بعد الحروب حينئذٍ مجرّد محاولة لتخفيف الألم، بل فعلاً يُعيد وصل ما انقطع بين الفرد وجماعته، وبين التجربة والمعنى. وحين تبدأ هذه الشروط بالتكوّن، ولو ببطء وعلى نطاق محدود، يأخذ التعافي شكله بدايةً لاستعادة القدرة على العيش في عالم لم يعد يُدار بالصمت وحده.

