كيف تحوّلت اختبارات آيلتس وتوفل إلى طقسٍ اجتماعيٍّ لإنتاج القلق في العالم العربي

سنواتٌ من الدراسة والخبرة قد لا تكفي لعبور بوابة اختبارات آيلتس أو توفل. خلف الدرجات الرقمية، تتقاطع الفوارق الطبقية والتكاليف العالية والضغوط النفسية.

Share
كيف تحوّلت اختبارات آيلتس وتوفل إلى طقسٍ اجتماعيٍّ لإنتاج القلق في العالم العربي
الإنجليزية شكلٌ من "رأس المال الرمزي" | خدمة غيتي للصور

كانت عقارب الساعة تتحرك بتثاقلٍ يقضم الأعصاب. الغرفة مكيّفةٌ بدرجةٍ تقترب من الصقيع، وصوت نقرات الفأرة الإلكترونية وقرقعة لوحات المفاتيح يصنع إيقاعاً رتيباً يُشبه ما نسمعه في غرف العمليات الطبية. كنتُ أجلس وأفرك يديّ الباردتين، وعيناي شاخصتان نحو شاشة الحاسوب التي تعرض عدّاداً تنازلياً لا يرحم. سؤالٌ تلو آخر يظهر بسرعةٍ لا يمكنني استيعابها. أشرب كثيراً من زجاجة المياه التي سمحوا لي بإدخالها بصعوبةٍ، بعد أن أزالوا اللاصق عنها، تحسّباً لأي محاولات غشّ.

أمامي نصٌّ طويلٌ عن التنوّع الحيويّ في غابات الأمازون، تتبعه أسئلةٌ ملغومةٌ تتطلب ما يُشبه مهارة "القنص المعرفي" في ثوانٍ معدودة. كانت الأسئلة تمرّ تباعاً، فيما أعجز أحياناً عن الإجابة، أو حتى عن التعامل تقنياً مع الشاشة. وبجانبي كانت فتاة تحاول حَبس دموعها وهي تستمع إلى تسجيلٍ يتحدث فيه شخصٌ بلهجةٍ بريطانيةٍ سريعةٍ عن خطةٍ لتطوير السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، بحسب ما أخبرتني بعد الاختبار. كان ذلك في أحد المراكز المعتمدة لاختبارات اللغة الإنجليزية الدولية وسط القاهرة. لم يكن المشهد مجرد فحصٍ أكاديميٍّ عابرٍ لقياس الكفاءة اللغوية، بل كأنه طقس عبورٍ أو فحصٌ أمنيٌّ غير مرئيٍّ، له سلطة التأثير في مصائر الجالسين ومستقبلهم، على نحوٍ يذكّر بامتحانات الثانوية العامة.

بدا التوتر الذي كان يخيّم على المتقدّمين متجاوزاً الرهبة الدراسية المألوفة. هذا ما رأيته وسمعته من كثيرين، على اختلاف أهدافهم. فتاةٌ في الثانوية العامة ترغب في التقدّم لمنحٍ دراسيةٍ في الخارج، وآخر حصل على منحةٍ عن بُعد في ريادة الأعمال. فهنا قلقٌ يتصل بالمستقبل والحاجة إلى الاعتراف، يُضاف إليه العبء المالي الذي عشته بنفسي: ثمانية آلاف جنيه مصري، أي ما يعادل حينها مئة وخمسين دولاراً أمريكياً، بجانب بضعة آلافٍ أخرى دفعتُها لمدرّبةٍ استعداداً للاختبار. تمنيتُ لو أستطيع طمأنة نفسي بأنّ المال لا يهمّ، لكنه كان يعني لي الكثير. فقد شكّل عبئاً نفسياً إضافياً، إذ لم أكن أستطيع تحمّل تكلفة الاختبار مرّاتٍ عدّة إذا أخفقت في اجتياز الاختبار. كنت أتساءل: هل يمكن أن أخسر فرصتي بعدما وصلت إلى القائمة القصيرة لمنحة "تشيفنينغ" الدراسية البريطانية، بسبب عدم اجتياز اختبار "نظام تقييم اللغة الإنجليزية الدولي" (آيلتس)؟ وكانت الإجابة ببساطة، نعم. فقد عرفتُ أشخاصاً خسروا منحاً مهمةً بسبب درجاتهم في هذه الاختبارات. وكان ما يربكني أنّني درست أربع سنواتٍ للحصول على إجازة الآداب والتربية، ثم حصلت على دبلوم من الجامعة الأمريكية، حيث اختُبِرت لغتي الإنجليزية بالفعل. ومع ذلك، لم تكن هناك وسيلةٌ للاعتراف بكفاءتي اللغوية من دراستي السابقة، مع الاعتراف بشهادتي الجامعية وقبولها لاستكمال دراسة الماجستير في بريطانيا.

يتكرر هذا المشهد بملامح متشابهةٍ مع أشخاصٍ كثيرين في مدنٍ عربيةٍ مختلفة. فقد تحوّلت اختبارات اللغة الدولية، وعلى رأسها "نظام تقييم اللغة الإنجليزية الدولي" (آيلتس) ونظيره الأمريكي "اختبار الإنجليزية لغةً أجنبية" (توفل)، إلى ما يُشبه بوابات العبور الحدودية، تحرسها معايير وضعَتها مؤسساتٌ دولية. وأمام هذه البوابات، لا يقف المتقدّمون طلاب علمٍ فحسب، بل أشخاصاً يبحثون عن "صكّ غفرانٍ لغويٍّ" يتيح لهم الهجرة أو مواصلة التعليم العالي أو انتزاع فرصة عملٍ في شركاتٍ باتت تشترط إجادة الإنجليزية دليلاً على الكفاءة. لم تعد هذه الاختبارات مجرّد أدواتٍ لقياس المهارات اللغوية، بل أضحت جزءاً من منظومةٍ ثقافيةٍ واقتصاديةٍ تتداخل فيها معايير الكفاءة اللغوية مع الفوارق الطبقية والجغرافية، بما قد يحدّ من تكافؤ الفرص بين المتقدّمين. ما قد يجعل بعض المتقدّمين ينظرون إلى نتائجها حكماً على كفاءتهم وقيمتهم الشخصية، لا مجرد تقييم مهاراتهم اللغوية. وفي قلب هذه المنظومة يتشكل ما يمكن تسميته "اقتصاد القلق"، النموذج الذي تُستثمر فيه مخاوف الأفراد وحالة الشكّ لديهم، فتدفعهم إلى إنفاقٍ متواصلٍ للمال والوقت على خدماتٍ تَعِدُهم بتجاوز مخاوفهم.


ارتبط تطوّر اختبارات اللغة الإنجليزية الدولية باتساع دورها في التعليم والعمل والهجرة. وقد مرّت هذه الاختبارات بمراحل من التطوير والتعديل، استجابةً لتغيّر الاحتياجات التعليمية والمهنية، قبل أن تكتسب مكانتها الحالية في المؤسسات الدولية.

تعود الجذور التاريخية لاختبار آيلتس إلى سنة 1963، بحسب دراسةٍ لجامعة كامبريدج بعنوان "كامبريدج إنغلش إكزام [. . .]" (امتحانات كامبريدج للغة الإنجليزية – الأعوام المئة الأولى) المنشورة سنة 2013، حين بدأ المجلس الثقافي البريطاني وجامعة برمنغهام تطوير "مجموعة اختبارات الكفاءة في اللغة الإنجليزية". طُبّق الاختبار للمرة الأولى على طلاب سنة 1965، واقتصر على قياس مهارتَي الاستماع والقراءة، دون الكتابة والمحادثة.

ظلّ هذا النظام معمولاً به حتى سنة 1980، حين حلّت محلّه "خدمة اختبار اللغة الإنجليزية" التي تألفت من ست وحدات. خُصّصت خمسٌ منها لمجالاتٍ بعينها، مثل العلوم الحياتية والدراسات الاجتماعية والتقنية والطب، فيما تناولت السادسة اللغة الإنجليزية العامة. لكنّ النظام الجديد واجه صعوباتٍ تنظيميةً حدّت من الإقبال عليه، فلم يتجاوز عدد المتقدّمين أربعة آلاف سنة 1981، وعشرة آلاف سنة 1985.

سنة 1989، ظهر اختبار آيلتس بصورته الجديدة بمشاركة ثلاث جهات: المجلس الثقافي البريطاني، ومؤسسة كامبريدج لتقييم اللغة الإنجليزية، وبرنامج التنمية الدولي للجامعات والكليات الأسترالية. واعتمد أربع مهارات: القراءة والكتابة والمحادثة والاستماع، ضمن نسختين، أكاديمية وعامة. وبحلول سنة 1995، بلغ عدد مراكز الاختبار حول العالم مئتين وعشرة، ووصل عدد المتقدّمين سنوياً إلى نحو ثلاثةٍ وأربعين ألفاً. وقد شهد الاختبار في السنة نفسها تعديلاً جوهرياً، تَمثّل في إلغاء النسخ التخصصية من قسمَي القراءة والكتابة ودمجها في نسخةٍ موحّدةٍ، فيما أُتيح للمتقدّمين أداء قسم المحادثة في يومٍ مختلفٍ عن بقية الأقسام، لتسهيل جدولة الاختبارات.

استمرت التعديلات في العقود التالية. ففي سنة 2001، تقلّص عدد المهام في قسم المحادثة وصارت معايير التصحيح أكثر تحديداً. ثم سنة 2005، استُحدثت النسخة الحاسوبية من الاختبار للمرة الأولى، إلى جانب تحديث معايير تقييم الكتابة. وأُطلقت سنة 2015 نسخةٌ مختصرةٌ باسم "اختبار مهارات الحياة"، تقتصر على مهارتَي المحادثة والاستماع، ولا تتجاوز مدّتها اثنتين وعشرين دقيقة. ومع مرور الوقت، اتسع انتشار آيلتس. تشير التقارير الرسمية الصادرة عن الجهات المالكة للاختبار إلى أنّ أكثر من أربعة ملايين اختبارٍ أجريت سنة 2026، في أكثر من مئةٍ وأربعين دولة.

أما اختبار توفل، فقد نشأ في الولايات المتحدة وبدأ تطبيقه سنة 1964، في سياق الحاجة إلى وضع معيارٍ موحّدٍ لقياس كفاءة الطلاب الأجانب في اللغة الإنجليزية. وجاء تطوير الاختبار بمبادرةٍ من مجلسٍ وطنيٍّ تأسس سنة 1962، وضمّ ممثلين عن أكثر من ثلاثين مؤسسة عامة وخاصة. ثم توّلت جمعية اللغات الحديثة إدارته أولاً، قبل أن تنتقل المسؤولية إلى مؤسسة خدمات الاختبارات التعليمية ومجلس الكليات سنة 1965. أصبح تدريجياً من أبرز الاختبارات المعتمدة للقبول الأكاديمي في الولايات المتحدة، ثم في جامعاتٍ ومؤسساتٍ تعليميةٍ حول العالم.

ومثل آيلتس، مرّ توفل بتحولاتٍ متعاقبة في بنيته وطرق تقديمه. فقد اعتمد في بداياته على الاختبار الورقي، الذي ركّز على الاستماع والتراكيب اللغوية والقراءة، قبل إدخال تقييم الكتابة نحو منتصف الثمانينيات. وفي سنة 1998، أُطلقت النسخة الحاسوبية. التحوّل الكبير كان سنة 2005 مع استحداث النسخة المعتمدة على الإنترنت، التي جمعت المهارات الأربع: القراءة والاستماع والمحادثة والكتابة. وأدخلت هذه النسخة مهام تجمع بين أكثر من مهارةٍ لغويةٍ، مثل قراءة نصٍّ والاستماع إلى محاضرةٍ ثم صياغة إجابةٍ، في محاولةٍ لمحاكاة استخدام اللغة في البيئة الأكاديمية. وقد شهد الاختبار تعديلاتٍ إضافية سنتَي 2019 و2023 استهدفت تقليص مدّته وتحديث بعض مهامه، قبل إطلاق نسخةٍ محدّثةٍ منه في يناير 2026.

لكنّ التحولات الأهم لم تقتصر على شكل الاختبارين ومحتواهما، بل طالت وظيفتهما أيضاً. فمع توسّع التعليم العابر الحدودَ، وتزايد ارتباط فرص العمل والهجرة بالقدرة على استخدام الإنجليزية، أصبحت نتائجهما معياراً تعتمد عليه المؤسسات في اتخاذ قرارات القبول والاختيار. وهنا يتجاوز النقاش دقةَ الاختبارات في قياس الكفاءة اللغوية إلى طبيعة سلطة نتائجها، ومدى تأثّر فرص المتقدّمين باختلاف ظروفهم التعليمية والاجتماعية والاقتصادية.

في سياق نقده هذا التحوّلَ، يستخدم ألاستير بينيكوك، أستاذ اللغويات التطبيقية النقدية في جامعة سيدني وأحد أبرز الباحثين في مجال اللغويات الاجتماعية والنقدية، مفهوم "تسليع اللغة" لوصف تحوّل الإنجليزية واختباراتها إلى منتجٍ رأسماليٍّ يدرّ أرباحاً ويخدم مصالح الدول الناطقة بها. ففي كتابه "ذه كلتشرال بوليتكس أوف إنغلش [. . .]" (السياسات الثقافية للغة الإنجليزية لغةً دولية) المنشور سنة 1994، يركّز بينيكوك في طرحه على بُعدين. "الإمبريالية اللغوية" التي تربط انتشار اللغة بالنفوذ السياسي والاقتصادي لبريطانيا والولايات المتحدة، ودور الاختبارات الدولية أداةً "حارسةً للبوابات" تساهم في الإدماج أو الإقصاء الاجتماعي وإعادة إنتاج اللامساواة.

أما ما تسوقه المؤسسات المنظمة للاختبارات من "تحديثاتٍ لضمان العدالة"، فيمكن النظر إليه من منظور أستاذ اللغويات التطبيقية وأحد المناهضين للهيمنة اللغوية روبرت فيليبسون. ففي كتابه "لينغويستك إمبرياليزم" (الإمبريالية اللغوية) الصادر سنة 1992، يراه تكريساً لفرض معايير دول المركز، بما قد يعمّق شعور أبناء باقي العالم بالنقص اللغوي.

وفي نقدٍ مشابهٍ، تذهب أستاذة التربية اللغوية إيلانا شوهامي في كتابها "ذه باور أوف تستس [. . .]" (سلطة الاختبارات [. . .]) الصادر سنة 2001 إلى مساءلة الصورة المحايدة التي تُقدَّم بها الاختبارات. فتصفها بأنها أداة هيمنةٍ وحارس بوابةٍ خفيٍّ يعيد إنتاج الفوارق الطبقية والجغرافية، تحت غطاء الحياد التقني.

بهذا، اتسعت وظيفة الاختبار وتجاوزت حدود القاعات الدراسية، ولم تعد مقتصرةً على قياس قدرة الطالب على متابعة المحاضرات الجامعية وفهمها. تحوّلت إلى وثيقةٍ رسميةٍ تطلبها سفارات بعض الدول ضمن إجراءات الهجرة، وتشترطها بعض مؤسسات التعليم العالي لمعادلة الشهادات أو القبول، وكذلك تعتمدها شركاتٌ عابرةٌ القارات معياراً أساساً في فرز المتقدّمين للوظائف. فنتجَ عن ذلك أنْ تجاوز دورُ الدرجة اللغوية تقييمَ الكفاءة إلى تحديد أهلية الفرد للوصول إلى فرصٍ قد تتوقف عليها مسارات حياته.


إذا كانت اختبارات اللغة الدولية قد أصبحت شرطاً للوصول إلى فرصٍ دراسيةٍ ومهنيةٍ مختلفةٍ، فإنّ القدرة على اجتيازها تبدأ غالباً قبل دخول قاعة الامتحان بوقتٍ طويل. فالمتقدّمون لا ينطلقون من نقطةٍ واحدةٍ، ولا تتساوى فرصهم في اكتساب اللغة أو الوصول إلى الموارد التي تساعدهم على الاستعداد.

يتيح مفهوم "رأس المال الثقافي" لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، في مقاله "ذه فورمز أوف كابيتال" (أشكال رأس المال) المنشور سنة 1986، فهم جانبٍ من هذه الفوارق. فالمهارات اللغوية والمؤهلات التعليمية ليست مجرّد إنجازٍ فرديٍّ محايدٍ، بل شكلٍ من أشكال رأس المال الذي يورَّث داخل الأسرة والطبقة مثلما يورَّث المال والممتلكات، وإن كان يظهر غالباً في صورة "موهبةٍ" أو "اجتهادٍ شخصيٍّ" قد يخفي أصله الطبقيّ.

وتظهر آثار هذا التفاوت في اختلاف جودة التعليم وإمكانية الوصول إلى التدريب المتخصص. تؤكد المدرّبة السورية لاختبار آيلتس هلا غنام، الحاصلة على ماجستير في طرائق التدريس، وجود فروقٍ بين الطلاب القادمين من المدن الكبرى وغيرهم، نتيجة تفاوت جودة التعليم وإمكانية الوصول إلى مدرّسين متخصصين. 

وفي حديثها مع الفراتس، تشير إلى اختلاف الظروف التعليمية بين خرّيجي المدارس الخاصة والحكومية، وما يترتب على ذلك من تفاوت فرص الاستعداد للاختبار. وتتمنى غنام خفض تكلفة آيلتس لأنّها قد تعيق بعض الطلاب، موضحةً أنّ الفروق المادية تظهر في إمكانية الوصول إلى الموارد التعليمية والتدريب المتخصص، وكذلك على عدد مرّات التقدّم للاختبار. تقترح غنام أيضاً إتاحة إعادة المهارة التي واجه فيها المتقدّم صعوبةً، مثل الكتابة أو الاستماع، بدلاً من إعادة الاختبار كلّه بمهاراته الأربع، وما يرافق ذلك من تكلفةٍ وضغطٍ نفسيّ.

تتضح هذه الفجوة أكثر في تجربة الشابة الفلسطينية سلمى محمد، التي خاضت اختبار توفل سعياً للحصول على منحة فولبرايت الأمريكية، وهي منحة برنامجٍ للتبادل الأكاديمي تموّله الحكومة الأمريكية ويتيح للطلاب الأجانب متابعة دراساتهم العليا في الولايات المتحدة. فسلمى درست في مدارس حكوميةٍ، ولم تحظَ بتأسيسٍ لغويٍّ قويٍّ منذ الصغر، فيما لاحظت أنّ كثيرين ممن اجتازوا الاختبار تلقوا تعليمهم في مدارس خاصةٍ وفّرت لهم أساساً لغوياً لم يُتَح لها.

لكنّ الفجوة، بحسب سلمى، لا تقتصر على مستوى اللغة، إذ يحظى خرّيجو المدارس الخاصة بفرصٍ أوسع للوصول إلى المعرفة أيضاً. وعلى خلاف من يستطيعون قراءة النصوص بلغاتها الأصلية، تضطر سلمى أحياناً إلى الاعتماد على ترجماتٍ رديئةٍ لأنها لا تستطيع دائماً قراءة المصادر بلغتها الأصلية. وتكشف تجربة المتحدثة عن بُعد يتجاوز معرفة القواعد والمفردات، ويتصل بمفهوم "رأس المال الثقافي المتجسد" لدى بورديو في مقالته. فالمهارات والعادات والاستعدادات المعرفية التي تتراكم، عبر سنواتٍ من التعلّم والممارسة، يصعب اكتسابها أو تعويضها في فترةٍ قصيرة.

في مقابل سلمى، تبرز تجربة الفلسطينية فرح فراج أثرَ التأسيس اللغوي المبكر في تيسير الاستعداد للاختبار دون الحاجة إلى دوراتٍ مكلفة. تقول فرح للفراتس إنّ النتيجة التي حققتها استندت إلى تعليمٍ مدرسيٍّ قويٍّ منذ الصغر، تعلّمت فيه القواعد والإملاء وكتابة الفقرات والمقالات وفهم النصوص، وعززته لاحقاً بالقراءة الحرّة ومشاهدة المسلسلات والاستماع إلى الأغنيات بالإنجليزية. وحين خاضت الاختبار، وجدت أنّ مواد التحضير المجانية التي يوفّرها المجلس الثقافي البريطاني كافيةٌ لها، ولم تحتَج إلى الالتحاق بدوراتٍ تدريبية. 

لكنّ فرح تتحفظ على تعميم تجربتها، إذ تدرك أنّ مستوى تدريس الإنجليزية يتفاوت تفاوتاً كبيراً حتى بين المدارس الفلسطينية نفسها، وأنّ خلفيتها التعليمية منحتها أفضليةً في مرحلة التأسيس لا تتوفر للجميع. وبذلك، لا يتحوّل الامتحان من أداةِ قياسٍ محايدةٍ للكفاءة اللغوية فحسب، إنما أيضاً كاشف عن تفاوتاتٍ طبقيةٍ وتعليمية. فالاختبار موحد، لكنّ رأس المال الثقافي الذي يحمله المتقدّم إليه ليس كذلك.

بالعودة إلى سلمى، فإنها — ومع إقرارها بأثر التأسيس اللغوي المبكر — تتحفّظ على إصدار أحكامٍ عامةٍ بشأن فرص النجاح، رافضةً القول إنّ كلّ من تعلّموا اللغة مبكراً هم بالضرورة الأكثر عبوراً. فتجربة كلّ شخصٍ مختلفة، وتتأثر بعوامل اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وتعليميةٍ متشابكة. فهي تربط إحباطها أحياناً بعوامل تتجاوز كفاءتها الشخصية أو اجتهادها، مثل الظروف السياسية المحيطة بفرص الدراسة في الولايات المتحدة، ورفض تأشيرات عددٍ من الفلسطينيين.

يظهر تفاوت الفرص أيضاً في جانبٍ آخر من الاستعداد كثيراً ما يَغيب عن النقاش، وهو الوقت المتاح للتحضير. فسلمى، التي كانت تعمل بدوامٍ كاملٍ أثناء استعدادها للاختبار، تصف تلك الفترة بأصعب فترات حياتها. كانت تنجز متطلبات المنحة وتختار الجامعات، وتحاول في الوقت نفسه اقتطاع ساعاتٍ للدراسة، دون أن يتوفر لها الوقت الكافي. وتقول إنّها أدركت، بعد فوات الأوان، أنّ اختباراً بهذا الحجم يحتاج إلى تفرغٍ حقيقيٍّ ليس متاحاً للجميع. وهنا قد تتيح القدرة على التفرّغ لبعض المتقدّمين أفضليةً لا ترتبط بمستواهم اللغوي وحده، إنما بظروفهم المعيشية وقدرتهم على تحمّل تكاليف التفرّغ.

تتسع هذه الفجوة حين تتداخل الظروف الاقتصادية مع الموقع الجغرافي. فالأشخاص القادمون من محافظاتٍ بعيدةٍ عن المراكز الحضرية الكبرى يواجهون عقباتٍ إضافية، قبل أن يجلسوا أمام شاشة الاختبار. تبدأ بصعوبة الوصول إلى مركزٍ معتمد أو عدم توفّر مواعيد مناسبةٍ فيه، وتمتدّ إلى تكاليف السفر والإقامة التي لا تدخل في الرسوم المعلَنة.

هذا الأمر خبرته اللبنانية جنى، عندما أرادت أن تختبر توفل بهدف الهجرة إلى الولايات المتحدة سنة 2018. فقد اضطرّت لتحمّل تكاليف السفر إلى تركيا لعدم توفّر مواعيد في المراكز المعتمدة في لبنان، بينما الوقت يداهمها. تقول في حديثها مع الفراتس إنها ترى، من تجربتها، أنّ الاختبار يقيس الكفاءة اللغوية بمعزلٍ عن الظروف التي سبقت دخوله. وتؤكد أنه لا بدّ من النظر إلى الفوارق التي تحيط بالمتقدّمين قبل أن يجلسوا أمام شاشة الاختبار.


لا تفسّر الفوارق، في التعليم والموارد والوقت، وحدها اختلاف فرص المتقدّمين في اختبارات اللغة الدولية. فثمة مشكلةٌ أخرى يواجهها من يخوضونها مراراً، من دون بلوغ الدرجة المطلوبة، تتمثل في تحوّل فارقٍ ضئيلٍ في الدرجة إلى حاجزٍ يفصل بين سنواتٍ من الدراسة والبحث وفرصةٍ أكاديمية أو مهنيةٍ قد لا تتكرر. يصبح هذا الفارق أعقدَ حين يكون بلوغ الدرجة المطلوبة محدداً بمهلةٍ زمنيةٍ أو شرطٍ عمريّ، فلا تبقى الفرصة متاحة إلى أجلٍ غير محدود.

يتبيّن ذلك في تجربة المصرية لمياء، وهي مهندسة تصميمٍ داخليّ بخبرةٍ تتجاوز عشرين سنة بين مصر والسعودية. حين تقدّمت لمياء لاختبار آيلتس سنة 2016، بهدف الهجرة إلى أستراليا أو نيوزيلندا، كانت تستهدف درجة 6.5 بحسب ما تتذكره من متطلبات المسار الذي كانت تسعى إليه. حصلت لمياء على ست درجات، ولم تُعِد المحاولة آنذاك. واليوم، ترى أنّ باب هذا المسار أُغلق نهائياً، لا بسبب اللغة وحدها هذه المرّة، بل بسبب عامل السنّ أيضاً.

تظهر معضلةٌ مشابهةٌ في المسار الأكاديميّ، وإن اختلفت الظروف. تكشف تجربة حسين من الأردن، الحاصل على ماجستير في الأنثروبولوجيا من جامعة اليرموك في الأردن، جانباً من الفجوة بين كفاءة المتقدّم والنتيجة التي يشترطها النظام. يقول حسين للفراتس إنّه خاض اختبار آيلتس في الأشهر الأخيرة أربع مرّات، وكان يحصل على درجة 6.5، حتى وصل إلى مرحلةٍ لم يعد قادراً فيها على تحمّل تكلفة محاولةٍ خامسة. فقد بلغت رسوم الاختبار الواحد مئةً وسبعين ديناراً أردنياً، أي ما يقارب مئتين وأربعين دولاراً أمريكياً. 

كانت صدمته كبيرةً حين قارن هذه النتيجة بأول مرّةٍ خاض فيها الاختبار، قبل نحو عشر سنوات، حين حصل على ست درجات. لم تتجاوز الزيادة نصف درجة، مع ما يصفه بتطوّرٍ كبيرٍ في قدراته اللغوية تلك الفترة، من ترجمة كتابٍ ومراجعته لغوياً إلى مواصلة القراءة والبحث وإنجاز الماجستير. ويشرح حسين: "كنت أرغب في التقديم على الدكتوراه، ورغبتُ في زيادة علامتي من 6.5 إلى 7. وتكلّفت الكثير من الأموال، منها الاستعانة بمدرّب، ولم أستفد كثيراً لأني حصلت على 6.5 أيضاً".

يضيف أنّه استعان بصديقٍ راجَع معه مواد الاختبار ستّ مراتٍ قبل دخوله، إلى جانب مدرّبه الذي أخبره بأنّ مستواه لا يقلّ عن 7.5. كذلك حاول البحث عن طرقٍ أخرى لرفع درجته، منها طلب إعادة تصحيح قسم الكتابة، لكنّ النتيجة لم تتغير خلافاً لما أخبره به بعضهم عن احتمال ارتفاع الدرجة نصف نقطةٍ بعد إعادة التصحيح. ويقول إنّه تقدّم إلى نحو خمس وعشرين جامعة في أوروبا وبريطانيا، وقُبل في عددٍ من برامج الدكتوراه، لكنّ شرط اللغة ظلّ عائقاً أمامه.

يختصر حسين إحباطه بالقول: "شعرت أنّ الدولة المستقبلة لا تراني مؤهلاً، بل مجموعة من الأرقام الصماء في شهادةٍ لغوية". ويضيف: "هي امتحانات بوابة عبور. أعرف الكثير من الأصدقاء نوابغ، ولا تصحّ لهم الفرص بسبب الشرط اللغوي. الدرجة العالية في الامتحان لا تعني أبداً أنّك أفضل".

هذا الاختزال للمؤهلات والخبرات في أرقامٍ يتقاطع مع ما يصفه عالم الاجتماع البريطاني ستيفن بول في كتابه "إديوكيشن بي إل سي" (مشروع التعليم)، الصادر سنة 2007، "سلطة الأرقام والأداء المعياري"، حين تُنتزع القيمة الإنسانية والمهنية للفرد وتُختزل في درجةٍ معياريةٍ واحدة. تصبح اختبارات اللغة هنا آليةً لتنظيم حركة البشر عبر الحدود وفق مصالح المركز الغربيّ. فهي تعمل مصفاةً ناعمةً تسمح بمرور "النخبة الممتثلة" للمواصفات الغربية، بينما تُبقي على آخرين خارج الفرص المتاحة، حتى وهم بخبراتٍ أكاديميةٍ أو مهنيةٍ لا تُظهرها الدرجة اللغوية وحدها.

لا تقتصر هذه المفارقة على فرص الهجرة أو القبول في الجامعات الأجنبية. فحين يُشترط اختبارٌ دوليٌّ للحصول على منحةٍ في بلدٍ عربيٍّ، أو للعمل في مؤسسةٍ محليةٍ داخل مجتمعٍ يتحدث العربية، يظهر مدى تغلغل هذه المعايير في سياسات التعليم والتوظيف حتى داخل المجتمعات العربية. على سبيل المثال، تشترط جامعة الملك سعود في السعودية على المتقدّمين لبرنامج الدكتوراه في قسم اللغة العربية الحصول على درجة آيلتس 4 أو ما يعادلها حداً أدنى. ويبدو أنّ هذه الاختبارات نجحت في خلق قناعةٍ لدى شريحةٍ من الناس بأنّ الوصول إلى الحياة المنشودة والاعتراف المهني والترقي، يظلّ متعذراً من دون المرور عبر بواباتها.

لكنّ هذه المعضلة تتصل أيضاً بطبيعة المهارات التي تقيسها الاختبارات، وبمدى تأثر النتائج بقدرة المتقدّم على فهم آلية الاختبار والاستجابة لمتطلباته. فعند التحضير لهذه الاختبارات، يتعلّم المتقدّمون طرقاً محددةً لإدارة الوقت، والتعامل مع أنواع الأسئلة، وتنظيم الإجابات. وقد يلجأ بعضهم أيضاً إلى حفظ قوالب جاهزةٍ للكتابة، واستخدام روابط لغويةٍ نمطيةٍ، والاعتماد في القراءة على البحث عن الكلمات المفتاحية. ويمكن لهذه الأساليب أن تساعد في التعامل مع الاختبار، لكنّها قد تجعل النجاح مرتبطاً جزئياً بإتقان تقنياته إلى جانب امتلاك المهارات اللغوية نفسها.

ويمكن قراءة هذه المسألة في ضوء ما طرحه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه "ديسيبلين آند بانيش" (المراقبة والمعاقبة)، الصادر سنة 1975، بشأن الاختبار أداةً للسلطة الانضباطية. فالاختبار، في تحليله، آليةٌ لفرض المعيار وتطبيع الأفراد وجعلهم قابلين للمقارنة والقياس. ومن هذا المنظور، يمكن مساءلة الطريقة التي تتحول بها نتائج اختبارات اللغة إلى أرقامٍ تُستخدم لترتيب الأفراد وتحديد أهليّتهم للفرص، بالاهتمام بمدى التزامهم بهيكل المقال المكوّن من أربع فقرات، وقدرتهم على حشو الجمل بتركيباتٍ نحويةٍ معقدةٍ لإرضاء الخوارزمية أو المصحح البشريّ.

لكنّ تطبيق هذا التحليل على آيلتس أو توفل لا يعني أنّ الاختبار لا يقيس مهاراتٍ لغوية فعلية، بل يفتح النقاش عن العلاقة بين ما يقيسه والطريقة التي يقيس بها والقرارات التي تُبنى على نتائجه.

لا يتفق العاملون في مجال التدريب بالضرورة مع فكرة أنّ إتقان تقنيات الاختبار قد يطغى على الكفاءة اللغوية. تقول يسر إبراهيم، مدرّبة لغة إنجليزية وآيلتس مصرية منذ سنة 2007 وحاصلة على إجازة في الآداب في اللغة الإنجليزية من جامعة القاهرة، إنّ طرائق أداء الاختبار لا تكفي أبداً لتعويض ضعف اللغة. فالطالب الذي يعاني محدوديةً في حصيلة الكلمات ويرتكب أخطاءً متكررةً في القواعد، لن تنقذه أيّ طريقة حلّ، لأنّ هذه الأخطاء تؤثّر في الدرجة التي يحصل عليها. وبحسب يسر، تساعد طرق أداء الاختبار في مهارتَي الاستماع والقراءة، بينما الكتابة والتحدث لا مجال فيهما للمصادفة. فهما يُظهران جوانب أساس من مستوى المتقدّم.

تتفق هلا غنام مع هذا الرأي، مشيرةً إلى أنّ الحصول على درجةٍ مرتفعةٍ في آيلتس يتطلب مزيجاً من الكفاءة اللغوية الجيدة وفهم آلية الاختبار واستراتيجياته. فالطلاقة اللغوية تؤدي دوراً أساساً، لكن معرفة طبيعة الأسئلة وكيفية التعامل معها تساعد المتقدّم على توظيف قدراته أفضل. وفي المقابل، لا تستطيع استراتيجيات الاختبار وحدها تعويض ضعف المهارات اللغوية الأساس، وفق رأيها.

من زاويةٍ أخرى، ترى يُسر أنّ تصميم الاختبار نفسه يحتاج مراجعة. فالجمع بين أربعين سؤالاً في الاستماع وأربعين سؤالاً آخرَ في القراءة، ومهمّتَي الكتابة والتحدّث في نحو ثلاث ساعاتٍ متصلة، يجهد الطالب بما يمنعه من تقديم أفضل ما لديه. لذا تقترح تقليص عدد الأسئلة، وتصميم مستوياتٍ متعددةٍ للاختبار، بحيث لا يطالَب من يحتاج فقط إلى درجة 5 أو 5.5 بخوض اختبارٍ بالمستوى نفسه من الصعوبة الذي يحتاج إليه من يستهدف درجة 7 أو أعلى. وترى أنّ هذا النهج أعدل من نموذج "أداء اليوم الواحد" الحالي، الذي قد يتأثر بظروفٍ عابرةٍ لا علاقة لها بمستوى الطالب.

تظهر أهمية هذه الظروف في تجربة فرح فراج. ففي تجربتها الأولى سنة 2019، خاضت الاختبار ورقياً في قاعةٍ ضخمةٍ ضمّت أكثر من مئة متقدّمٍ، وكانت درجة الحرارة منخفضةً إلى حدٍّ أثّر في قدرتها على التركيز. تقول إنّها أنهت قسم الكتابة بسرعة، مدفوعةً برغبتها في مغادرة القاعة.

ومن هذه التجربة، ترى أنّ النتيجة النهائية ليست إظهاراً للمستوى اللغوي، بل محصلة تتقاطع فيها ثلاثة عناصر: الأساس اللغوي، ومعرفة طبيعة الاختبار، وظروف اليوم نفسه. فالشخص ذاته قد يحصل على درجة 6 في ظروفٍ سيئةٍ، ثمّ يحقق 7 و 7.5 في ظروفٍ أفضل، من دون أن يتغيّر مستواه في اللغة.

تذهب فرح أبعد من ذلك، فتشكّك في دلالة الفروق الرقمية حين تُستخدم النتائج شروطاً للقبول. ففي كثيرٍ من الحالات، بحسب ما تلاحظه، تكون وظيفة الاختبار التحقّق من بلوغ حدّ أدنى مثل 6 أو 6.5. وعندئذٍ، قد لا تمنح الدرجة 8 صاحبها أفضليةً إضافيةً على من حصل على 6.5، إذا كان كلاهما قد استوفى الشرط المطلوب. وهنا تظهر مفارقة: نظامٌ يعرض النتائج في درجاتٍ دقيقةٍ تصل إلى نصف نقطة، بينما قد تُختزل وظيفته الفعلية في بعض سياقات القبول إلى فرزٍ ثنائيٍّ بين "عبور" و"لا عبور".


عندما تصبح الدرجة شرطاً للوصول إلى فرصةٍ دراسيةٍ أو مهنيةٍ، قد تتحول الإنجليزية في نظر بعض الشباب العربي من وسيلة تواصلٍ وأداةٍ للاطلاع على ثقافاتٍ أخرى وإنتاج المعرفة إلى شفرةٍ آليةٍ يجب فكّها للوصول إلى هدفٍ ماديٍّ واجتياز الاختبار. وقد يدفع ذلك بعض المتقدّمين إلى تفضيل الإجابات المألوفة التي تلائم معايير التقييم على حساب التعبير عن أفكارهم باستقلالية.

وحين تتحول اللغة إلى شفرة، تصبح معرفة مفاتيحها مهارةً قابلةً للبيع والشراء. فمتوسط تكلفة المحاولة الواحدة في معظم الدول العربية يبلغ ما يعادل مئتين وخمسين دولاراً أمريكياً إلى ثلاثمئة. وقد ترتفع النفقات الإجمالية مع شراء الكتب والاشتراك في المنصات الرقمية ودفع رسوم الدورات التأهيلية، التي قد تتجاوز أحياناً كلفة الاختبار نفسه. ناهيك عن أنّ المتقدّم قد يضطر إلى إعادة الاختبار أكثر من مرّة قبل بلوغ الدرجة المطلوبة.

تضيف فرح فراج، من واقع تجربتها في فلسطين، بُعداً آخر لمسألة الكلفة، إذ تصف رسوم الاختبار بأنّها مرتفعةٌ نسبياً مقارنةً بالدخل. وتلاحظ أنّ أثر هذه الكلفة لا يقتصر على حرمان غير القادرين من التقدّم، بل يمتد إلى تحويل التحضير نفسه إلى عمليةٍ محسوبةٍ بدقّة. فارتفاع الرسوم يدفع كثيرين إلى التأكد من جاهزيتهم جيداً قبل دفع المال ودخول الاختبار، ما يضيف ضغطاً نفسياً فوق ضغط الاختبار ذاته. ويصبح المتقدّم مطالَباً بالموازنة بين حاجته إلى المحاولة وخشيته من خسارة مبلغٍ قد يصعب تعويضه، إذا لم يحقق الدرجة المطلوبة.

وفي السياق ذاته، تقرّ يسر إبراهيم بأنّ رسوم الاختبار "مرتفعةٌ وتزداد سريعاً"، معربةً عن أملها في انخفاضها، لما تمثله من عائقٍ إضافيٍّ أمام المتقدّمين محدودي الدخل.

فوق هذه التكاليف، نشأت حول اختبارات اللغة صناعةٌ واسعةٌ من الخدمات والمنتجات التدريبية، يمكن النظر إلى جانبٍ منها "اقتصاداً للقلق". فحين ترتبط نتيجة الاختبار بمستقبل الفرد الدراسي أو المهني أو بخطط هجرته، يصبح الخوف من الفشل سوقاً محتملةً للكتب والدورات والتطبيقات والخدمات التدريبية.

لا يقتصر هذا النشاط على الجهات التي تطوّر الاختبارات أو تديرها، بل يمتدّ إلى شبكةٍ من مراكز التدريب والمعلّمين المستقلّين والمنصات الرقمية التي تستثمر في قلق المتقدّمين الساعين إلى بلوغ الدرجة المطلوبة، وتقدِّم خدماتها لهم. وبحسب بيانات مؤسسة "ماركت إنتيلو" لأبحاث السوق، المنشورة في يونيو 2026، بلغ حجم سوق اختبارات اللغة عالمياً 11.2 مليار دولار أمريكي سنة 2025، مع توقعاتٍ بتضاعفه إلى 21.5 مليار دولار بحلول سنة 2034.

وفي الفضاء الرقمي العربي، تنتشر إعلانات لمراكز تدريب ومعلّمين مستقلّين وتطبيقاتٍ تعليميةٍ تَعِد المتقدّمين بأسرار اجتياز الاختبار وطرقه المختصرة. وبعض هذه الإعلانات يوظف "لغة تخويفٍ" توحي بأنّ الإخفاق قد يهدد المستقبل المهني أو الدراسي، فيما يقدّم الدورة التدريبية طوقَ نجاةٍ وطريقاً مضموناً للنجاح. ففي إعلانٍ موجّهٍ إلى المتقدّمين لاختبار آيلتس في السعودية، تعرض منصة "غو آيلتس" مقارنةً بين طالبٍ أخفق في تحقيق الدرجة المطلوبة، فخسر المال وتأخر قبوله الجامعي، وآخر نجح من المحاولة الأولى بفضل خدمات المنصة. ويحذّر الإعلان من خسارة ألف وخمسمئة ريال سعودي على إعادة الاختبار، قبل أن يدعو المتقدّمين إلى الاشتراك في باقاته التدريبية تحت شعار "لا تخاطر بمستقبلك!". وعندما تُصاغ الرسالة بهذه الطريقة، يصبح المتقدّم أكثر عرضةً للضغط الناتج من الشكّ في كفايته والخوف من خسارة فرصةٍ قد لا تتكرر، ما يزيد إقباله على استهلاك المنتجات التعليمية أملاً في ضمان النتيجة.

تشير مدرّبة آيلتس هلا غنام إلى أنّ كثيراً من الطلاب يخافون من الاختبار أكثر مما يخافون من اللغة نفسها. فقد يكون مستوى الطالب اللغوي مقبولاً، لكنّ رهبة الاختبار قد تزيد قلقه وتؤثر في ثقته بنفسه وتركيزه أثناء الأداء، خصوصاً حين ترتبط النتيجة بمستقبله الأكاديمي أو المهني أو بخطط الهجرة. وهو ما يدفعه إلى بذل كلّ ما في وسعه لتحقيق النتيجة المرجوّة، وعلى رأس ذلك إنفاق مزيدٍ من الأموال.

هكذا، تمتد كلفة الاختبارات على المتقدّم إلى الوقت والجهد والضغط النفسي المصاحب محاولاته المتكررة. وفي منظومةٍ تتوقف فيها فرصٌ مهمةٌ على بلوغ درجةٍ محددةٍ، يصبح تحسين الذات مطلباً مستمراً، وتتحول الحاجة لإثبات الكفاءة إلى سوقٍ للخدمات والمنتجات التعليمية.


يتجاوز أثر اختبارات اللغة البُعدَين الأكاديمي والمادي، ليمتد إلى الطريقة التي ينظر بها بعض المتقدّمين إلى أنفسهم. ففي بعض الأوساط العربية، تحوّلت الدرجة الرقمية الممنوحة في اختبارات اللغة في نظر بعض المتقدّمين إلى علامةٍ على المكانة الاجتماعية والمهنية. وبحسب ما خبرته بنفسي، بدأ السؤال لدى بعضهم يتراجع من "ماذا تعرف؟" إلى "كم حصلت في اختبار اللغة الدولي؟". وكأنّ ما راكمه الفرد من معرفةٍ وخبرةٍ لا يكتسب قيمته إلا بعد اجتياز هذا المعيار اللغوي.

قد يتجلى هذا الأثر في شعور بعض الأكاديميين والمهنيين بأنّ قدراتهم لا تكفي، على ما حققوه من إنجازات، أو في استمرار شكّهم في كفاءتهم بسبب عدم بلوغ درجةٍ بعينها. ويمكن فهم جانبٍ من هذه التجربة في ضوء ما يُعرف باسم "ظاهرة المحتال"، التي تناولتها الباحثتان بولين كلانس وسوزان إيمز في دراستهما المنشورة سنة 1978 بعنوان "ذه إمبوستر فينومينون إن هاي أتشيفينغ ويمن" (ظاهرة المحتال لدى النساء عاليات الإنجاز). تصف الدراسة شعور بعض الأشخاص، مع نجاحهم الأكاديمي والمهني، بأنّهم لا يستحقون ما حققوه أو أنّ الآخرين يبالغون في تقدير قدراتهم. ولا يعني ذلك أنّ كلّ من يخفق في اختبار اللغة يمرّ بهذه التجربة، لكنّه يتيح فهم الكيفية التي قد يتسلل بها التقييم الخارجي إلى تقدير الفرد ذاته، خصوصاً حين تتكرر الإخفاقات أو ترتبط النتيجة بفرصةٍ يصعب تعويضها.

وتقدّم تجربة سلمى مثالاً على هذا الأثر. تقول إنّها تعاملت في البداية مع نتيجة الاختبار بشكلٍ شخصيٍّ جداً، وشعرَت بأنّها حُكمٌ عليها إنسانةً، لا مجرد متقدّمةٍ لمنحةٍ، وأنّ المشكلة تكمن فيها هي. مرّت بفترةٍ صعبةٍ بعد التجربة، لكنّها بدأت مع الوقت تفصل تدريجياً بين قيمتها الشخصية ونتيجة الامتحان أو قرار المنحة. وأصبحت تنظر إلى ما حدث فرصةً لم تتحقق، لا حُكماً نهائياً على قدرتها، خاصةً بعدما رأت متقدّمين آخرين أكفاء لم يجتازوا الاختبار أيضاً.

هذا الفصل الذي تحقّق لدى سلمى مع مرور الوقت بين قيمة الذات ونتيجة الاختبار، ربما هو ما تفتقده منظومة الاختبارات الحالية في تصميمها. ففي إطارها النقدي لتقييم الكفاءة اللغوية، تدعو إيلانا شوهامي إلى تجاوز النظر إلى الاختبارات أدواتِ قياسٍ محايدةً، ومساءلة آثارها في الأفراد والمجتمعات. ومن هذا المنطلق، لا تكفي الدرجات الرقمية وحدها للحكم على كفاءة المتقدّمين، كذلك لا ينبغي أن تصبح "الموضوعية" المعلنة مبرراً لتجاهل ما قد تخلّفه هذه الاختبارات من آثارٍ إنسانية.

تزداد هذه الضغوط في بيئةٍ رقميةٍ تُعرض فيها الدرجات المرتفعة وشهادات النجاح باستمرار، فتتحوّل المقارنة بالآخرين إلى مصدرٍ إضافيٍّ للقلق والشكّ في القدرات. وقد يجد من لم يحقق الدرجة المطلوبة نفسه أمام شعورٍ بأنّه أقلّ من أقرانه، حتى حين يكون ذا معرفة وخبرة لا تختزلها نتيجة اختبارٍ واحد.


تكشف تجارب المتقدّمين لاختبارات اللغة الدولية في العالم العربي عن فجوةٍ بين وظيفتها المعلَنة أدواتٍ لقياس الكفاءة اللغوية، والدور الذي تؤديه حين تتحوّل نتائجها إلى شروطٍ حاسمةٍ للوصول إلى التعليم والعمل والهجرة. فالمشكلة قد تكمن في السياقات التي تتحوّل فيها هذه الاختبارات إلى أدواتٍ للفرز الاجتماعيّ، وأدواتٍ ناعمةٍ تعيد إنتاج علاقات القوة بين المركز والأطراف، وتكرّس التبعية الثقافية والاقتصادية عبر معايير تبدو محايدة.

تفتح هذه الظاهرة باباً لمراجعة الشروط التي تجعل شهادة لغوية بعينها معياراً للاعتراف بكفاءة أشخاصٍ بمعارف وخبراتٍ أكاديميةٍ ومهنية. فالإنجليزية تتيح فرصاً واسعةً للتواصل والوصول إلى المعرفة، لكنّ اشتراط اجتياز اختبارٍ دوليٍّ محددٍ لعلّه يحتاج إلى تبريرٍ يتناسب مع طبيعة الفرصة والغرض من التقييم.

بهذا، تحولت اللغة الإنجليزية — في ظلّ منظومة التعليم والعمل العابرة الحدودَ — إلى شكلٍ من "رأس المال الرمزي" الذي يُستخدم لفرز الأفراد وتحديد من له حق العبور نحو الفرص والحياة الكريمة، ومن يجب أن يظلّ قابعاً في خلفية المشهد. وحين تعامَل الدرجة اللغوية دليلاً نهائياً على الكفاءة، يصبح من السهل الخلط بين ما يستطيع الفرد فعله فعلاً، وما تسمح له شهادةٌ محددةٌ بإثباته أمام مؤسسةٍ ما.

اشترك في نشرتنا البريدية