اعتقدتُ بدايةً أنّ هذه الفرصة تنطوي بلا شك على شكلٍ من أشكال النَصب، إذ انتشرت آنذاك مؤسساتٌ تدّعي الصلة بجهاتٍ حكوميةٍ لاستدراج الناس والاحتيال عليهم. إلى جانب ذلك، كانت الدولة المصرية تقلّص المجانية في كثيرٍ من الخدمات، فبدا غريباً أن تُعرض خدمة من هذا النوع بلا مقابل بينما ترتفع أسعار دورات اللغة الإنجليزية في سوقٍ تنافسي لتقديمها. على تشكّكي، سجّلتُ في الدورة، وفوجئتُ بأنّ إجراءات التسجيل اكتملت دون أن يُطلب منّي دفع أيّ مبلغ.
كانت الدورة مكثفةً طيلة أسبوعين، بمعدل خمسة أيامٍ أسبوعياً وأربع ساعاتٍ يومياً، وبعددٍ محدودٍ من الطلاب في الفصل وشرحٍ عالي الجودة. وزادت دهشتي بعد انتهائها حين بدأت شركاتٌ تعمل في مراكز الاتصال تتواصل معي لإجراء مقابلات عملٍ في وظائف قيل إنّ راتبها قد يصل إلى ثمانية آلاف جنيهٍ مصريٍّ (نحو خمسمئة وعشرة دولارات بسعر الصرف وقتئذ)، في حين كان حدّ الأجور الأدنى يقترب من ألفين وأربعمئة جنيهٍ مصريّ (حوالي 153 دولاراً).
علمتُ لاحقاً أنّ هذه الدورة جاءت ضمن برنامج "التأهيل من أجل التوظيف في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات وإسناد العمليات"، الذي أطلقته "هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات" التابعة لوزارة الاتصالات منذ سنة 2015. يتعاون البرنامج مع شركاتٍ خاصةٍ لتدريب طلاب الجامعات والخريجين على مهاراتٍ لغويةٍ وتقنيةٍ، مع تحمّل تكلفة التدريب وفق ترتيباتٍ ترتبط بتحقيق أعداد تدريبٍ محددةٍ ونسب توظيفٍ متفقٍ عليها بعد إتمامه. وكانت هذه الأكاديمية تندرج تحديداً ضمن مسار إسناد العمليات، إذ تتولى شركات تدريبٍ خاصةٌ إعداد الطلاب والخريجين في لغاتٍ مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية للعمل في وظائف خدمة العملاء داخل مراكز الاتصال.
ساهمت برامج "التأهيل من أجل التوظيف" – إلى جانب مبادراتٍ أخرى من وزارة الاتصالات مثل "حياة كريمة رقمية" وبرامج تأهيل العاملين في مراكز التواصل – في توفير فرص عملٍ خفضت البطالة عموماً. وخصوصاً بين الحاصلين على مؤهلاتٍ جامعيةٍ، إذ انخفضت من 21.6 بالمئة في 2015 إلى 13.2 بالمئة في 2024، وفقاً لبيانات البنك الدولي. ومهما ساهمت هذه الوظائف في تخفيف البطالة على المدى القصير، إلّا أن لها تكلفةً خفيّةً على المديَيْن المتوسط والبعيد تتمثّل في هدر رأس المال البشري. لاسيما مع انتقال أعدادٍ متزايدةٍ من خريجي الجامعات من تخصصاتٍ مختلفةٍ إلى وظائف خدمة العملاء، إما لندرة الفرص في مجال دراستهم أو رغبةً في عائدٍ ماديٍ أفضل. وهنا فإن طاقاتٍ بشريةً متعلّمةً تُستنزف في أعمالٍ منخفضة القيمة المضافة، لا تسدّ فجوةً حقيقيةً في سوق العمل، بل قد تُعيد إنتاج اختلالاته وتعمّقها.
بدا تصريح فريدمان إعلاناً عن بداية نجاح مساعي الحكومة الهادفة لتوسيع قطاع خدمات الاتصال منذ تأسيس وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات سنة 1999 بما يدعم مجتمع المعلومات ويشجع الاستثمار الأجنبي المباشر. عرّاب هذا التحوّل كان أحمد نظيف، أول وزير اتصالاتٍ مصريٍ وهو الذي أصبح سنة 2004 رئيساً للوزراء.
في بحثٍ لمها حسين وشريف كامل من الجامعة الأمريكية في القاهرة، بعنوان "إكسيد: بايونيرنغ ذا كونتاكت سنتر إندستري إن إيجيبت" (إكسيد: ريادة صناعة مراكز الاتصال في مصر) منشورٍ سنة 2008، ذُكر أن نظيف صاحب رؤية تأسيس شركة "إكسيد" التي غدت لاحقاً باكورة مراكز الاتصال وخدمات العملاء عابرة الحدود في مصر. ويشير الباحثان إلى دور نظيف، سواءً خلال وجوده في الوزارة أو لاحقاً في رئاسة الوزراء، في إطلاق حزمة إصلاحاتٍ أسهمت في تنمية القطاع. من بينها تحرير سوق الاتصالات عبر إنهاء احتكار الشركة المصرية للاتصالات وفتح المجال لتعدد المشغلين، إلى جانب خفض تكلفة الاتصالات.
ويذكر البحث خطواتٍ اتُخذت حينئذٍ لتعزيز تنافسية مصر في مراكز الاتصال، منها تخفيض أسعار المكالمات الدولية لأوروبا وأمريكا الشمالية إلى حدود 0.07 و0.05 دولار للدقيقة بالتوالي، بعدما كان معدل كلفة الاتصال في التسعينيات لأوروبا ما بين 1.8 إلى 2.1 دولاراً في الدقيقة وللولايات المتحدة 2.1 دولاراً في الدقيقة، فضلاً عن تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التقنية. وعُبّر عن ذلك رمزياً بنقل مقر الوزارة إلى مجمع "القرية الذكية" غربي القاهرة لتكون مساحةً جاذبةً الشركاتِ الخاصةَ.
إلى جانب هذه الإصلاحات، تكشف وثيقةٌ ترويجيةٌ أعدّتها الحكومة المصرية للمشاركة في معرض "تيليكوم وورلد 2006" التابع للاتحاد الدولي للاتصالات، والذي أقيم في هونغ كونغ، عن منطقٍ اقتصاديٍ أكثر مباشرةً في تسويق مصر موقعاً مناسباً للتعهيد. ووفقاً للوثيقة فإنّ تعويم العملة سنة 2003 خلق مزيجاً يجمع بين عمالةٍ ماهرةٍ وتكلفةٍ منخفضةٍ، بما جعل مصر جذابةً للشركات الأجنبية الباحثة عن خفض النفقات من دون التضحية بجودة الخدمة.
هذه المميزات دفعت القطاع إلى تحقيق صادراتٍ من خدمات تقنية المعلومات بلغت نحو مئتين وخمسين مليون دولار سنة 2005. وشجّعت الحكومة على رفع قيمة الصادرات إلى 1.1 مليار دولار بحلول سنة 2010 عبر التوسّع في القطاعات الرئيسة وعلى رأسها "خدمات التعهيد"، أي الاستعانة بمصادر خارجيةٍ لأداء الوظيفة والإنتاج. ولتحقيق ذلك، أُنشئت سنة 2004 هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات ذراعاً تنفيذياً لوزارة الاتصالات، لتتولى جذب الاستثمارات ودعم شركات التقنية وتدريب الكوادر.
تولّت الهيئة الوليدة لاحقاً برامج تدريب الشباب للعمل في مراكز الاتصال، ومن أوائل تلك المبادرات برنامج "إديو إيجيبت" الذي أُطلق مع السنة الدراسية 2007-2008، وهَدَفَ إلى تجهيز طلاب الجامعات للانخراط في خدمات التعهيد، عقب اتفاق تعاونٍ وُقّع في 30 ديسمبر 2007 بين وزارة الاتصالات ووزارة التعليم العالي.
وبحسب ما نُقل عن أمين خير الدين، المستشار الاستراتيجي وعضو مجلس إدارة هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات آنذاك، خرّجت هذه البرامج نحو خمسة آلاف طالب في عاميها الأولين، مع طموحٍ بتزويد سوق العمل بنحو عشرين ألف خريجٍ سنوياً بحلول سنة 2011. وأشاد البنك الدولي بهذه التجربة. وفي السياق نفسه، أشار خير الدين إلى أنّ إنشاء القرية الذكية ومجمع مراكز الاتصال في منطقة المعادي في القاهرة، المعروف بِاسم "كول سنتر بارك"، كان يُفترض أن يستوعب عند التشغيل الكامل سنة 2012 نحو أربعين ألف مَقعدٍ لتقديم الخدمات. وسرعان ما انعكس هذا الزخم على صورة مصر في السوق العالمية، إذ تقدمت مصر في مؤشر "كيرني" لجاذبية مواقع التعهيد إلى المركز الرابع عالمياً سنة 2011.
جاءت ثورة يناير سنة 2011 لتفرض اختباراً صعباً على تصاعد هذه الصناعة الناشئة. فقد أدى غياب الاستقرار والوضع الأمني المُضطرب بين سنوات 2011 و2013 إلى تباطؤٍ مؤقتٍ في الاستثمارات الجديدة، واضطرت بعض الشركات إلى تجميد خطط التوسّع. ومع ذلك، يشير تقريرٌ نُشر سنة 2016 لمؤسسة "أكسفورد بيزنيس غروب" إلى أنّ قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مصر حافظ على قدرٍ ملموسٍ من المرونة في مواجهة الاضطراب السياسي والاقتصادي الكلي الذي أعقب سنة 2011.
بدأت الاستثمارات في مجال التعهيد بالتعافي مع مناخ الاستقرار السياسي في البلاد بعد سنة 2014. وقد صاحب ذلك تبنّي رؤيةٍ اقتصاديةٍ تتضمن التحوّل الرقمي، وعاودت شركاتٌ عالميةٌ التوسّع في مصر. فعلى سبيل المثال، استقطب مجمع مراكز الاتصال في المعادي ثماني عشرة شركةً جديدةً في 2014، محققاً عائداتٍ بلغت ثلاثة مليارات جنيهٍ مصري. وقد يفسر هذا التوسع السريع، كما خلصت دراسةٌ أعدتها شركة "أفاسانت" الرائدة في مجال الأمن السيبراني والبرمجيات سنة 2015، بأنّ تكلفة عمليات التعهيد في مصر وقتئذٍ كانت أقلّ بنحو 30 بالمئة من تكلفتها في المغرب، وأقلّ بنحو 40 بالمئة منها في دول أوروبا الشرقية. وبحسب الدراسة نفسها، أصبحت مصر حينئذٍ منافسةً قوية للهند في تكاليف تشغيل مراكز الاتصال.
استغلت مصر هذه الميزات للتوسّع في تقديم خدمات مراكز الاتصال، عبر التوسّع في برامج تدريب طلاب الجامعات وخرّيجيها، مع إطلاق برنامج "التأهيل من أجل التوظيف في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات وإسناد العمليات" سنة 2015.
في الوقت نفسه، توسّعت الدولة في جذب الشركات وتشجيعها على العمل في مصر، مع السعي إلى نشر صناعة التكنولوجيا خارج العاصمة. فبعد نجاح "القرية الذكية" في القاهرة، خُطط لإنشاء مجمعاتٍ تقنيةٍ إقليميةٍ في عدة محافظات. وأُطلق مشروع "سيليكون واحة" لتطوير مناطق تقنيةٍ في مدنٍ كبرى مثل الإسكندرية وأسيوط وبني سويف والمنصورة وبرج العرب، افتُتح بعضها بدءاً من سنتي 2015 و2016، لخلق فرص عملٍ في مجال التعهيد وخدمات التكنولوجيا لشباب الأقاليم بدلاً من حصرها في القاهرة. أُنشئت مثلاً منطقةٌ تقنيةٌ في أسيوط توفر آلاف الوظائف في مراكز خدمة العملاء للشركات العالمية. واستهدفت مبادرة "حياة كريمة رقمية" أبناء القرى المصرية المدرجة ضمن مشروع "حياة كريمة" الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي مطلع 2019 لتحسين المستوى المعيشي للفئات الأكثر حاجةً، لتوفير فرصٍ وظيفيةٍ لشبابها في مراكز الاتصال بعد تدريبهم.
كذلك أدى تحرير سعر صرف الجنيه سنة 2016 ومن ثمّ انخفاض قيمته، إلى زيادة الميزة التنافسية لمصر بجعل تكاليف التوظيف بالعملة المصرية أرخص كثيراً عند احتسابها بالدولار. ووفقاً لمؤشر كيرني لجاذبية مواقع الخدمات العالمية صدر في 2016، أصبحت مصر الأولى عالمياً في عنصر الجاذبية المالية ضمن معايير المؤشر. وقد شجع ذلك مزيداً من الشركات على دخول السوق المصرية أو توسيع عملياتها القائمة، حتى إنّ بعض الشركات العالمية اختارت مصر بديلاً أقل تكلفةً من الهند لتأسيس مراكز اتصالٍ جديدة.
أسفر هذا المسار عن توسّعٍ كبيرٍ في القطاع، إذ بلغت صادرات خدمات التعهيد الرقمية التي تشمل مراكز الاتصال 4.8 مليار دولار سنة 2025، من إجمالي صادراتٍ رقميةٍ قُدرت بنحو 7.4 مليار دولار في العام نفسه، وفق ما أعلن وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات السابق عمرو طلعت في ديسمبر 2025. وارتفع عدد الشركات العاملة في قطاع التعهيد في مصر إلى مئتين وأربعين شركةً في العام ذاته، مقارنةً بنحو تسعين شركةً قبلها بثلاثة أعوام. وإلى جانب ذلك، حققت مصر سنة 2023 المركز الثالث عالمياً في مؤشر "الثقة" التابع لشركة "رايان للاستشارات الاستراتيجية"، للدول المقدمة لخدمات التعهيد الخارجي للعملاء.
لم يَبْقَ التوسع مقصوراً على السوق الرسمي، على ضخامته، فقد برز على الهامش وبالتوازي سوقٌ غير رسميٍ حرٍّ ساهم هو أيضاً في توفير فرص عملٍ في مجال خدمات الاتصال لخريجين جامعيين من تخصصاتٍ متباينة.
ويوضح مهند أنّ التوظيف في هذه الشركات يتم غالباً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيما مجموعاتٍ على منصة فيسبوك. أشهرها "إيجيبت كولد كولرز آند كلوزرز"، وهي مجموعةٌ تضم أكثر من ثمانين ألف عضوٍ، تُنشر فيها مئات الإعلانات الوظيفية يومياً. ويشير إلى أنّ بعض العاملين في هذا المجال، وبسبب ما لَقَوْه من استغلالٍ، أنشَؤوا مجموعةً مناظرةً بِاسم "إيجيبت كولد كولرز أند كلوزرز 2.0"، بهدف توفير فرصٍ أكثر عدالةً والتوعية بحقوق العاملين.
أخبرنا مهند أيضاً أن أغلب الجهات التي توظف عبر هذه المجموعات هي شركاتٌ صغيرةٌ ومتوسطةٌ لا تمتلك عادةً مقرّاتٍ على الأرض، ويُدار عملها بالكامل عبر الإنترنت. ولا تمتلك بالغالب سجلاتٍ ضريبيةً، على ما تجنيه من أرباحٍ كبيرة. ويذكر أنّ صاحب الشركة قد يحصل من المشغّل الأجنبي على ثمانية دولاراتٍ للساعة، ثم يوظف العامل المصري مقابل 2.7 دولار للساعة، وأحياناً بأقل من ذلك. وهو ما يعادل مئتي دولار أو أربعمئةٍ في الشهر يُدفع بالجنيه المصري ليظهر وكأنه مبلغٌ كبيرٌ، في حين يقلّ كثيراً عمّا يحصل عليه صاحب الشركة. هذا مع انعدام الضمانات الوظيفية مثل التأمين الصحي أو العقود الملزمة قانونياً، حسب مهند.
ولا يقتصر أثر هذا النموذج على تفاوت الأرباح وغياب الضمانات، بل ينسحب أيضاً على الفئات الشابة التي تنخرط فيه بحثاً عن دخلٍ سريع. من بينهم عبد الرحمن، طالب طب الأسنان في جامعة القاهرة، الذي عمل نحو ستة أشهرٍ في خدمات الاتصال لتحسين دخله ومحاولة ادخار المال لشراء أدواتٍ لا توفرها له الجامعة. نظر عبد الرحمن إلى هذه الوظيفة عملاً مؤقتاً، شأنه شأن كثيرٍ من الطلاب، إلى حين التخرّج والالتحاق بتخصصه. غير أنّه فوجئ بوجود طبيب أسنانٍ متخرّجٍ يعمل معه في الشركة نفسها، لأنه لم يجد فرصةً مناسبةً للعمل في تخصصه.
ولم يكن ما فاجأ عبد الرحمن حالةً استثنائية. فبحسب "مسح خريجي التعليم العالي في مصر 2021" الصادر عن منظمة العمل الدولية، يرى 32 بالمئة من الخريجين أن الوظائف التي يشغلونها لا تتطلب في الواقع تعليماً جامعياً، فيما يصف 64.1 بالمئة من العاملين الشباب أنفسهم بأنهم في حالة "فائض مهارات"، أي تتجاوز مؤهلاتهم ما يُطلب منهم أداؤه في وظائفهم.
وتدعم هذه الصورةَ نوران الخولي من الجامعة الأمريكية في القاهرة في رسالتها للماجستير بعنوان "إديوكيشن–أوكيوبيشن ميسماتش أمونغ يونيفرسيتي غرادجويتس إن إيجيبت" (عدم تطابق التعليم مع الوظيفة بين خريجي الجامعات في مصر) المنجزة سنة 2022. إذ تشير إلى أنّ 20.1 بالمئة من الحاصلين على تعليمٍ جامعيٍ وما فوق يعملون في وظائف تتطلب مستوىً أقلّ من مؤهلاتهم. بل تُظهر دراستها أنّ النسبة قد تكون أعلى من ذلك، وترتفع إلى 53 بالمئة بين الذكور، وهم يمثلون الأغلبية في سوق العمل.
وتبدو هذه النتائج متوائمةً مع توسّع مراكز التعهيد في مصر في جذب خريجي الجامعات، بالتزامن مع ضعف الفرص المتاحة في تخصصاتهم أو تدنّي مردودها المالي. فمراكز الاتصال، خاصةً في مستوياتها الأساس، لا تتطلب عادةً سوى مهاراتٍ لغويةً وانضباطاً إجرائياً، في حين تُهمَل بقية المهارات المعرفية والمهنية التي اكتسبها الطالب في سنوات الدراسة.
وهذه المفارقة ليست مصريةً خالصةً، بل تتكرر في دولٍ تبنّت النهج نفسه في التوسّع في التعهيد بوصفه حلاً سريعاً لبطالة الخريجين، ويبرز منها رومانيا والفلبين والهند.
وتلفت الدراسة إلى أن العاملين في مراكز الاتصال يصفون عملهم بأنه لا يتناسب مع شهاداتهم أو مهاراتهم. إذ نادراً ما تُستخدم تلك المعارف في وظائف معظم إجراءاتها روتينيةٌ صارمةٌ وتحكمها تعليماتٌ تفصيليةٌ، مع هامشٍ محدودٍ للإبداع والاستقلالية. يُضاف إلى ذلك توجيهٌ تقنيٌ مكثّفٌ لمسار العمل يجعل الموظف أقرب إلى منفّذٍ لمهامّ محددةٍ سلفاً.
مثالٌ آخر يأتي من الفلبين، وترصد الباحثة الفلبينية من جامعة كيوتو اليابانية، ما ريناروث دي كارلوس، هذه الظاهرة في دراستها بعنوان "نيرسنغ غرادجويتس ووركينغ إن ذا بي بي أو إندستري" (خريجو التمريض العاملون في صناعة التعهيد) المنشورة سنة 2018. وتشير الدراسة إلى اتجاهٍ متزايدٍ بين خرّيجي التمريض لعدم الاستمرار في ممارسة مهنتهم بعد التخرج، وتوجههم بدلاً من ذلك للعمل في مراكز الاتصال ضمن قطاع التعهيد، مستفيدين من إجادتهم اللغة الانجليزية المرتبطة بطبيعة دراستهم وتدريبهم.
وبحسب الدراسة، بدأت هذه الظاهرة مع نشوء فائضٍ كبيرٍ في أعداد خريجي التمريض، سواءً المرخّصين أو غير المرخّصين، نتيجة تراجع وتيرة التوظيف الخارجي للممرّضين في كلٍّ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في منتصف العقد الأول من الألفية. إذ تشير إحصائيات الجمعية الرسمية لقطاع تكنولوجيا المعلومات وإدارة عمليات الأعمال في الفلبين، إلى أنّ إيرادات التعهيد بلغت سنة 2024 نحو 38 مليار دولار، وأن أنشطة مراكز الاتصال تمثّل 83 بالمئة من إجمالي إيرادات القطاع.
ولا تفسّر الدراسة هذا التحوّلَ نتيجةً مباشرةً أو وحيدةً لغياب فرص العمل في التمريض داخل البلاد، إذ إن كثيراً من دارسي الاختصاص يختارون هذا المسار أساساً بهدف الهجرة والعمل في الخارج. ويعزّز ذلك ما تنقله الدراسة من أن 2 بالمئة فقط من الممرضين المرخّصين أفادوا بأنّ سبب عملهم في مراكز الاتصال هو "عدم العثور على وظيفة ممرضين".
لذا تحذّر الباحثة من تقلّص المعروض من الممرضين في سوق العمل الداخلي، إلى جانب تآكل المهارات. وتشير إلى أنّ نحو 92 بالمئة من أفراد العيّنة التي قابلتها لا يخططون للعودة إلى مجال التمريض، إمّا بسبب مزايا المجال الجديد، أو لأنهم فقدوا جزءاً من المهارات التي تمكّنهم من العودة إليه. وبذلك يصبح الاستثمار في تعليمهم أقلّ جدوى حين ينتهي بهم المطاف في وظائف لا تتطلّب ما اكتسبوه في كليات التمريض.
ولا تقتصر المشكلة على خريجي التمريض. في دراسةٌ أعدتها الفلبينية مونيكا ميلشور، المتخصصة في الإدارة العامة والتنمية، بعنوان "سيرفيينغ ذي إكستنت آند ويدج كونسكوينسز أوف إيديوكيشن-جَب ميسماتشيز [. . .]" (مسح مدى وأثر عدم التطابق بين التعليم والعمل على الأجور في سوق العمل الفلبيني) نُشرت سنة 2022 كشفت الباحثة أن نحو 40 بالمئة من العاملين في الفلبين يحملون مؤهلاتٍ أكاديميةً تفوق ما تتطلبه وظائفهم، ويحصلون على زيادةٍ بالأجر لا تتجاوز 5 بالمئة مقابل التعليم الجامعي.
الهند، عملاق مراكز الاتصال عالمياً، تقدّم بدورها مثالاً آخر على هذه الظاهرة. ففي كتاب "ديد رينغرز [. . .]" (المتطابقون: كيف يغيّر التعهيد الطريقة التي يفهم بها الهنود أنفسهم)، يوضح الباحث بعلم الاجتماع، شهزاد نديم، كيف أسهم العمل في مراكز الاتصال في إنتاج ما يشبه "بروليتاريا ذوي الياقات البيضاء". ويقصد بهم شريحةً واسعةً من الشباب الجامعيين الذين يؤدّون مهامّ نمطيةً لا تستغلّ إمكاناتهم الحقيقية. ويربط ذلك بخيبة أملٍ متزايدةٍ ومللٍ من أعمالٍ روتينيةٍ متكررةٍ تفتقد الإبداع، وتغذي شعوراً بأنّ المؤهل الجامعي لا يجد مساره الطبيعي داخل سوق العمل.
أمّا المثال الأخير فيأتي من المغرب. يتناول أستاذا علم الاجتماع، سعد الدين إيكمان وأمل بوصبع، في بحثهما "بريكاريتيه دو لامبلوا دي جون [. . .]" (هشاشة عمل الشباب: حالة العاملين في مراكز الاتصال [. . .]) المنشور سنة 2018، الفجوة بين مستوى تعليم العاملين وطبيعة الأعمال التي يؤدونها. ويشير البحث إلى أنّ كثيراً من هؤلاء يصفون مهامهم بأنها روتينيةٌ ومملةٌ وأحياناً "مُهينة". وأنها لا تُشبع نهمتهم فكرياً أو تعليمياً، حتى وإن كانت أجور بعضهم تفوق المعدل الوطني نتيجة فارق العملة. كذلك يورد البحث أنّ أكثر من 80 بالمئة من المستطلَعين صرّحوا بأنّ هذه الوظيفة لم تكن يوماً وظيفة أحلامهم، ويتخذونها وظيفةً مؤقتةً فرضتها الضرورة، لا مساراً مهنياً يرغبون بالاستقرار فيه.
تبدو التجربة المصرية استنساخاً آخر لهذا الواقع. إذ يواجه كثيرٌ من خريجي الجامعات تحدياتٍ مماثلةً لنظرائهم في رومانيا والفلبين والهند والمغرب في إيجاد وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم أو مع المقابل المادي المرجوّ، وينتهي المطاف بكثيرٍ منهم للعمل في قطاع مراكز الاتصال. حتى صار الأمر جزءاً متعارفاً عليه، بل يبدو نمطياً، في الحياة اليومية المصرية. ويعكس ذلك ما يمكن اعتباره فجوةً مزمنةً بين التعليم والوظيفة تجعل كثيراً من العاملين يشعرون بأنّ ما درسوه وما يتطلعون إليه مهنياً لا يجد مكانه الطبيعي داخل بيئة العمل الروتينية في خدمة العملاء. ومن هؤلاء، عبد الرحمن، الذي أخبرنا بشعوره أن لتكوينه التعليمي غايةً تتجاوز أن يجيب عن استفسارات العملاء أو يتعامل يومياً مع مشكلات الإنترنت التي يشتكي منها العملاء روتينياً.
إلا أن المعضلة المرتبطة بفائض التعليم لا تنتهي بالفجوة بين المؤهل الجامعي وطبيعة العمل في مراكز خدمات الاتصال، إنما أيضاً في الفجوة بين الأجور المتوقعة من المهنة الأصلية التي درسها الخريج وبين ما تقدمه وظائف مراكز الاتصال من دخلٍ فوريٍ أعلى نسبياً في حالاتٍ كثيرة.
قابلنا جينيفر مايكل، رئيسة فريق اللغة الفرنسية في شركة "كونسنتركس" في مصر، وهي خريجة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالشعبة الفرنسية، وحاصلةٌ على درجةٍ مزدوجةٍ من جامعة السوربون عبر اتفاقية شراكةٍ أكاديمية. ومع ذلك، بدأت جينيفر العمل في خدمة العملاء منذ كانت طالبةً لتحسين دخلها، ثم ترقّت بعد التخرج إلى منصبٍ إشرافي.
قالت جينيفر للفِراتْس إنها رفضت فرصاً للعودة إلى مجالها في العلوم السياسية بسبب الفارق الكبير بالرواتب مع ما تتقاضاه في عملها الحالي، مضيفةً أنّها تحاول الحفاظ على صلةٍ بمجالها عبر أنشطةٍ جانبيةٍ.
وأشار عبد الرحمن إلى منطقٍ مشابهٍ داخل سوق طب الأسنان، إذ يتجه كثيرٌ من الخريجين إلى العمل في خدمة العملاء بعد التخرج رغم الاستثمار الكبير في تعليمهم، بسبب تكدس سوق العمل والمنافسة الشديدة التي تجعل العائد المادي أقلّ مما يتوقعه الخرّيج. ولم يكن غريباً، وفق عبد الرحمن، أن يرى صيادلةً يعملون معه في خدمة العملاء، إذ قد يصل راتب موظّف خدمة العملاء المتحدّث باللغة الإنجليزية إلى ثمانية عشر ألف جنيه (نحو 342 دولار)، في حين يحصل الصيدلي حديث التخرج على نحو أحد عشر ألف جنيه (تقريباً 209 دولار)، ويصل راتب من يمتلك خبرةً إلى أربعة عشر ألف جنيه (266 دولار).
ومثلما هي فجوةٌ بين المؤهل العلمي والوظيفة في مراكز الاتصال، فإن فجوة الأجور في مراكز خدمات الاتصال المصرية لها ما يشابهها أيضاً في الفلبين والهند والمغرب.
تشير ماريا ريناروث دي كارلوس في دراستها إلى أنه بينما يتقاضى الممرضون في المستشفيات الخاصة رواتب متدنيةً قد تصل إلى ستة آلاف بيزو فلبيني (نحو مئة دولار) شهرياً، فإنّ العاملين في مراكز الاتصال كانوا يتقاضون ما بين خمسة وعشرين وثلاثين ألف بيزو فلبيني (نحو خمسمئة وستمئة دولار أمريكي).
ويطرح شهزاد نديم في دراسته المفارقة نفسها في حالة الهند. إذ يوضح أنّ الخريج الجديد في تخصص التجارة قد يحصل، إذا عمل محاسباً مبتدئاً في شركةٍ محليةٍ، على راتبٍ يتراوح بين ثلاثة وأربعة آلاف روبية شهرياً (نحو ثلاثة وثلاثين إلى أربعة وأربعين دولاراً)، ويُعدّ محظوظاً إن وصل إلى سبعة آلاف روبية (نحو ثمانين دولار). في المقابل، يتراوح الراتب المبدئي في مراكز الاتصال بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف روبية شهرياً (نحو مئتين إلى مئتين وخمسين دولاراً أمريكياً).
ويقدم مثال المغرب نتيجةً مشابهة. إذ تذكر دراسة إيكمان وبوصبع، أنه مع أنّ موظفي مراكز الاتصال الذين توظفهم الشركات الأوروبية في المغرب يتقاضون رواتب أقلّ من نظرائهم الأوروبيين، فإنّ هذه الرواتب تظلّ أعلى من المعدل الوطني للأجور داخل المغرب، وهو ما يعزّز جاذبية القطاع بديلاً سريعاً نسبياً.
غير أنّ هذه الرواتب المرتفعة نسبياً تحمل مفارقةً أخرى، فهي مغريةٌ للشباب في البداية، ثم تتحول إلى ضرورةٍ تدفعهم للاستمرار في هذا العمل من أجل القدرة على العيش وسط التضخم، حتى وإن ظلّ الدخل محدوداً مقارنة بتكاليف الحياة وتكوين أسرة. ففي مصر، مع أنّ راتب موظف خدمة العملاء باللغة الإنجليزية قد يصل إلى ثمانية عشر ألف جنيه، فإنّه يظلّ قليلاً عند تحويله إلى الدولار الأمريكي، أقلّ من ثلاثمئة دولار، بما يجعله بالكاد كافياً لتوفير حدٍّ أدنى من حياةٍ كريمةٍ، لكنه لا يفتح بسهولةٍ أفق الزواج وتكوين أسرة.
يبقى أنه لا يمكن اختزال تفشي ظاهرة "فائض التعليم في الوظائف" واتجاه الشباب إلى العمل في مراكز الاتصال بفجوتي الأجور والمؤهل العلمي، فثمّة إشكالياتٌ أعمق تتعلق بهيكلية التعليم العالي المصري قد تفسر عدم التوافق بين التأهيل الجامعي وسوق العمل.
هذا العدد الضخم من الخريجين يواجه سوق عملٍ محدوداً لهذه الوظائف، وفقاً لتصريح الرئيس نفسه. ولذلك يتجه عددٌ كبيرٌ من الطلاب والخريجين إلى وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، مثل مراكز الاتصال وخدمة العملاء. وينتج عن ذلك قدرٌ من الإحباط والشعور بالفجوة بين ما تعلّموه في الجامعة وبين ما يمارسونه في عملٍ يوميٍ روتيني. ولا تستفيد الدولة على النحو الأمثل من مليارات الجنيهات التي أُنفقت على تعليمهم في جامعاتها.
ويتفاقم هذا الإحباط بسبب ظروف العمل داخل القطاع، وعلى رأسها ارتفاع معدل تدوير العمالة. ومع أن علاء الخشن، رئيس شركة راية لخدمات مراكز الاتصالات، قد دافع عن شركات القطاع في مقابلته مع "العربية بيزنيس"، ونفى ما يُشاع عن ارتفاع معدل التدوير، معتبراً أنّ كثيراً من التنقلات داخل القطاع هدفها الاستفادة من نمو الصناعة والانتقال إلى فرصٍ أفضل، فإنّ شهاداتٍ سمعناها كانت أقرب إلى سردٍ معاكس.
يتضح هذا الواقع من تجربة حبيبة، طالبة العلوم السياسية، إذ اتجهت إلى هذه الوظيفة خلال سنةٍ إضافيةٍ من الدراسة خصصتها لاستكشاف سوق العمل مع انعدام فرصٍ في مجالها. تقول للفِراتْس إنها التحقت بشركةٍ تقدّم خدمات تواصلٍ مع العملاء لصالح شركةٍ تعمل في الإمارات، وكان الإعلان بأنّ التوظيف سيكون لموسمٍ يمتدّ عدة أشهرٍ مرتبطاً بالجمعة السوداء والتخفيضات الكبرى في شهر نوفمبر. وبسبب استمرار الطلب احتفظت الشركة بالعاملين، لكن من دون عقودٍ رسميةٍ ومع وجود منافسةٍ وضغطٍ دائمين بينهم. وكان "يُصفّى" الفريق دورياً، لتنتهي الحال بتصفيتهم جميعاً بعد عدة أشهر.
وترى حبيبة أنّ هذا التدوير يعكس أنّ العامل لا يملك شخصيةً مستقلةً داخل العمل ولا ينتمي للمكان. إذ يعمل بِاسمٍ مستعارٍ، وقد تُبدَّل عدة شخصياتٍ على الاسم نفسه في نظام الشركة، ويؤدي عملاً روتينياً لا مجال فيه للإبداع أو إبراز المهارات الشخصية، وهو ما يجعل تبديله سهلاً في أيّ وقت.
ما تحكيه حبيبة ليس مقتصراً على مصر، بل يظهر في سياقاتٍ مختلفة. ففي الدراسة التي تناولت القطاع في رومانيا، يذكر الباحث أنّ تدوير الموظفين وعدم الاستقرار الوظيفي من السمات الأساس لعمل الخريجين في قطاع خدمات الأعمال ومراكز الاتصال. ويضيف أنّ التنقل في هذا القطاع، على عكس الوظائف المستقرة التي يكون التقدم فيها عبر الترقي، يأخذ غالباً شكلاً أفقياً إلى أدوارٍ شبيهة.
وفي حالة المغرب، أشارت دراسة إيكمان وبوصبع إلى أنّ العمل في مراكز الاتصال يتميّز بمعدل تدويرٍ مرتفعٍ للغاية، وأن انتقال الشباب من مركزٍ إلى آخر يحدث تكراراً. وفي العينة التي تناولتها الدراسة، تبيّن أنّ نصف المشاركين، مع صغر سنهم، سبق لهم العمل في مركزين أو ثلاثة مراكز اتصالٍ مختلفة.
وفي الهند تنقل دراسة شهزاد نديم الصورة نفسها، إذ يصل معدل التدوير في وظائف الصوت مثل مراكز الاتصال، إلى 45 و50 بالمئة من إجمالي العمال. بل يذكر الباحث أنه سمع عن معدلاتٍ وصلت إلى 90 بالمئة في بعض المراكز.
وإلى جانب نسب التدوير المرتفعة، تأتي ضغوط العمل والإجهاد وطبيعته الشاقة، لتجعل هذه الوظيفة، رغم رواتبها الأعلى نسبياً مقارنة بالبدائل المحلية، واحدةً من أكثر الوظائف سيئة السمعة في كثيرٍ من الدول النامية.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الظروف السلبية لا تحدّ من توسّع القطاع أو من إقبال الخريجين عليه، ما يفرض النظر إلى العوامل البنيوية التي تدفع أعداداً متزايدةً منهم إلى هذا المسار رغم تكلفته المهنية.
وعلى المستوى الفردي، تشير الخولي إلى أنه رغم أن ذوي التعليم الزائد قد يحصلون على أجرٍ أعلى قليلاً مقارنةً بزملائهم الأقل تعليماً داخل الوظيفة نفسها، فإن عوائدهم تظلّ أقلّ بكثيرٍ من عوائد أقرانهم الذين يحملون المؤهل ذاته لكنهم يعملون في وظائف متطابقةٍ مع مؤهلاتهم في دولٍ أخرى. ويرتبط ذلك أيضاً بانخفاض الرضا الوظيفي، إذ يقلّل فائض التعليم من احتمالية شعور الفرد بالرضا عن عمله، ويعزز الإحساس بالفجوة بين ما استثمره من سنواتٍ في التعليم وبين ما يتيحه له الواقع المهني.
الخلل يتعدى الفجوة بين التعليم وسوق العمل، ليشمل دور الدولة في توجيه الخريجين نحو مسارٍ بعينه عبر سياساتٍ تشجّع قطاع التعهيد مصدراً سريعاً للعوائد الدولارية. فبالتوسّع في منح التراخيص، وجذب الاستثمارات، وربط برامج التأهيل باحتياجات هذا القطاع، أعادت الدولة تشكيل جزءٍ مهمٍّ من سوق العمل بما يخدم هذا النشاط.
ففي سنة 2025، وبعد عشرة أعوامٍ من وصول الرئيس السيسي للحكم، ارتفعت صادرات مصر من خدمات التعهيد، بحسب هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، إلى 4.8 مليارات دولار بعد أن كانت 1.6 مليار دولار في 2015، أي ما يقارب ثلاثة أضعافٍ في غضون عشرة أعوام. ساهم ذلك بانخفاض البطالة وزاد من الحصيلة الدولارية للدولة في ظلّ أزمة شحّ العملة الأجنبية. وهو ما شجّعها على زيادة الاستثمارات في هذا القطاع، فتوسّعت برامج التدريب مئتي ضعفٍ منذ 2019، بحسب الهيئة نفسها.
غير أنّ هذا الدعم من الدولة، الذي أتاح للشركات التوسع السريع، أدى إلى جذب كفاءاتٍ من تخصصاتٍ مختلفةٍ لا تقتصر على المجالات التي تعاني فائضاً في الخريجين. ففارق الأجور أصبح عاملاً حاسماً. ومثلما ذكر الخشن، فإن العمل في خدمة العملاء باللغة الإنجليزية يوفر راتباً يقارب ضعف حد الأجور الأدنى (ما يعادل أربعة عشر ألف جنيه تقريباً، وقد يصل في عدد من الشركات إلى عشرين ألف جنيه). ما جعل عدداً من خريجي الكليات التطبيقية مثل الطب والهندسة يلجؤون إلى هذه الوظائف في ظل قلة الفرص في سوق العمل، أو بسبب الفجوة بين هذا الراتب وما تطرحه وظائف تخصصاتهم. فمثلاً طرحت وزارة العمل المصرية سنة 2025 ثلاثين وظيفةً حكوميةً لخريجي الصيدلة براتب 9400 جنيه مصري. في المقابل يستطيع خريج الصيدلة ذو المستوى الجيد في الإنجليزية أن يعمل في خدمة العملاء بضعف هذا الراتب تقريباً.
هذا بدوره قد يفرض إعادة فتح ملف إرث التعليم العالي الحكومي الذي لا يتوافق على نحوٍ كافٍ مع طبيعة الوظائف المطروحة، خاصةً أن أغلبية طلاب الكليات النظرية متركزون داخل الجامعات الحكومية، بما يعني أن مركز الثقل في المشكلة يقع هناك. ومن ثم، يصبح النظر إلى هذه الجامعات ضرورةً، لا بهدف تقليص التعليم، وإنما لإصلاحه وتحسين مواءمته مع سوق العمل، وضمان أن يترجم الإنفاق العام الكبير إلى عوائد حقيقيةٍ في الإنتاجية والمهارات وفرص العمل المتطابقة، لا إلى "حلول سريعة" تعيد إنتاج الاختلال بصورةٍ أخرى.

