لم تكن هذه الحادثة حالة منفردة في ليبيا، لاسيما مع تصاعد خطابٍ يناهض المهاجرين منذ مطلع العام. ففي مقطعٍ آخر نقلته قناة الحدث في 19 فبراير 2026 على صفحتها "الحدث الليبي"، يظهر عددٌ من الرجال والأطفال وهم يهتفون في وجه مهاجرين سود البشرة بقولِهم: "لا سوداني لا تشادي، نوض روّح [قم وارحل] من بلادي"، في حين يظهر المهاجرون حزانى وهم يغادرون الحديقة المحاذية ميدان الشهداء وسط العاصمة طرابلس تحت وابل الهتافات العنصرية.
تابعتُ طويلاً هذا الخطاب الذي يناهض المهاجرين، عرباً كانوا أم سوداً من جنوب الصحراء الكبرى، وتبيّن لي أنّه لم يكن حكراً على العامة من الناس. بل أصبح جزءاً من خطابٍ سياسيٍ يعتمد تبسيط الأمور من جهةٍ وتحويل الهجرة إلى فزاعةٍ وأداة نزاعٍ أو طموحاتٍ سياسيةٍ من جهةٍ أخرى. إذ تناقلت وسائل الإعلام في مارس 2025 أنّ بدر الدين التومي، وزير الحكم المحلي السابق بحكومة الوحدة الوطنية، ناقش ملف توطين المهاجرين مع نيكوليتا جيوردانو، نائبة المبعوثة الأممية إلى ليبيا للشؤون الإنسانية. ومع أنّ حكومة الوحدة الوطنية نفت حدوث النقاشات عبر منصّاتها المختلفة، إلا أنّ هذا لم يمنع شخصياتٍ سياسيةً من استغلالها، أبرزهم خالد المشري، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة. إذ نقل الصحفي جمال جوهر في تقريره "دعوات ليبية لطرد 'المهاجرين' مع تصاعد مخاوف من التوطين"، الذي نُشِر في صحيفة الشرق الأوسط في 11 مارس 2025، عن المشري "رفضه القاطع لمحاولات بعض المنظمات الدولية الدفع باتجاه توطين المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا".
وهكذا يتمدّد خطاب "لا للتوطين" في ليبيا ليصبح إجابةً سهلةً عن أسئلةٍ معقّدةٍ فيمن هو المسؤول عن تدفق المهاجرين وتفاقم الجريمة المنظمة. بل يمتد إلى الخوف من تهديد هوية البلاد وتركيبة مدنها السكانية. يُجاب عن كلّ ذلك بالكلام عن "مؤامرة التوطين". يُنتج هذا الطرح خوفاً عاماً عند قطاعات الشعب، فهو يسقِط الفوارق بين المهاجر واللاجئ وحتى المهرِّب، ويساوي بين شبكاتٍ محليةٍ عابرةٍ الحدودَ وجماعاتٍ إجرامية. ويسْتدرّ وجداناً وطنياً جريحاً لتبرير تخوين الخصوم السياسيين واستهداف المدافعين عن الحقوق. والأهم أن هذه الطروحات تُعفي مؤسسات الدولة من مساءلةٍ عميقةٍ حول سوء الإدارة، وتُخفي مصالح اقتصاديةً لشبكات تهريبٍ اتّسعت إبان سنوات الاضطراب السياسي والاجتماعي في ليبيا.
ومع أنّه لا وجود لنظيرٍ مستقرٍ لهذا التعريف في القانون الدولي أو في أدبيات الحماية الدولية، غير أن المشرّع الليبي استحدث استعمالاً وطنياً خاصاً بإصداره القانون رقم 24 لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا. إذ عرّف المصطلح بأنه "العمل على إدخال الأجانب إلى ليبيا بقصد البقاء فيها واتخاذها موطناً دائماً لهم ويعتبر من قبيل التوطين إعادة الأجانب إلى ليبيا بعد خروجهم واجتيازهم الإقليم الليبي"، وهو استعمالٌ محليٌّ يعبّر عن توسّعٍ في المقاربة الزجرية داخل التشريع الليبي. فالقانون المذكور لم يؤسس نظاماً قانونياً مستقلاً، إنّما قدّم نفسه مكمّلاً لقانون "مكافحة الهجرة غير الشرعية" رقم 19 لسنة 2010، مع الإحالة كذلك إلى قانون تنظيم دخول وإقامة الأجانب رقم 6 لسنة 1987.
أخفى هذا التكامل التشريعي مفارقةً قانونية. إذ كان قانون 2010 يجرّم دخول أو إقامة غير النظاميين وما يتصل بهما من أفعال التهريب والإيواء، في حين وسّع قانون 2023 دائرة الاشتباه لتشمل حالاتٍ قد تقع حتى في إطار دخولٍ قانونيٍ أو إقامةٍ انتهت مدّتها، عبر ربطها بنيّة "التوطّن". وبهذا يمكن أن تتحوّل الحالات التي أمكن التعامل معها على أنّها مخالفاتٌ إداريةٌ يمكن تسويتها بموجب قانون تنظيم إقامة الأجانب، إلى شبهاتٍ جنائيةٍ أوسع تحت عنوان التوطين. ولذلك لم تنشغل الأدبيات القانونية كثيراً ببحث مشروعية مصطلح التوطين بقدر ما انشغلت بآثار هذا التراكب التشريعي، وما يخلقه من توسيعٍ للتجريم وتحويل التوصيف القانوني لبعض أوضاع الإقامة والعمل والبقاء بعد انتهاء المدة، وفق ما أكدته دراسة فتحي عقيلة، الأستاذ في كلية القانون بجامعة بنغازي، بعنوان "الشرعية الأخلاقية لقوانين الهجرة غير النظامية [. . .]" والمنشورة سنة 2025.
أما في الواقع، فما يوصف في الخطاب الشعبي والسياسي في ليبيا بالتوطين، يُفهم بأنه حديثٌ أو اتهامٌ بوجود سياسةٍ وطنيةٍ رسميةٍ أو حتى سياسة أمرٍ واقعٍ تفرضها الدولة لمنح المهاجرين غير النظاميين صفة "المواطنة" والحصول على أوراقٍ مدنيةٍ رسميةٍ مثل الرقم الوطني وجواز السفر.
والحقيقة أنه لا وجود لمثل هذه السياسة، لا على مستوىً رسميٍ أو غير رسميٍ من أطرافٍ حكوميةٍ رسمية. إذ لا يمكن للحكومات الليبية تبنّي مثل هذه السياسة بفعل الضوابط التشريعية والعقبات التنفيذية، فمع قانون تجريم توطين الأجانب المشار إليه سابقاً، يجرّم القانون رقم 19 لسنة 2010 الدخول غير القانوني للبلاد ويعدّ المهاجر غير الشرعي مرتكباً جرماً يستحق الحبس أو الغرامة.
بهذه الضوابط القانونية، لا تتجاوز حالات تجنيس غير الليبيين كونها حالات تزويرٍ يمكن تصنيفها جرائم جنائيةً لم تُظهِر فيها تحقيقات مكتب النائب العام وجودَ أثرٍ حكومي. إذ كشفت كلّ التحقيقات أنّ جرائم التجنيس المسجّلة انخرط فيها عددٌ من موظفي السجل المدني والجوازات بعد أن تلقّوا رشىً لتسهيل تسجيل أجانب على أنّهم مواطنون ليبيون، إما بمنحهم أسماء مواطنين ليبيين فعليين كانوا قد توفّوا أو مُنحوا قيوداتٍ جديدةً عبر التلاعب في منظومة الرقم الوطني، كما تكشف تحقيقات النيابة العامة التي نقلها الصحفي خالد محمود في صحيفة الشرق الأوسط في تقريره "النيابة الليبية تكشف متورطين في 'تزوير الجنسيات'" المنشور في ديسمبر 2025.
على ذلك، وبمتابعة وتحليل ما نُشِر سنة 2025 والشهريْن الأولين من 2026 على صفحة مكتب النائب العام على فيسبوك، نلاحظ مؤشراتٍ خطيرةً تبرّر شيئاً من مخاوف التوطين في البلاد. فبيانات النائب العام المعلَنة تسجل سبعاً وأربعين قضيةً مفصلةً مرتبطةً بتزوير بيانات السجل المدني في أكثر من خمسةٍ وعشرين فرعاً للسجل المدني. شملت التحقيقات 246 قضيةً، ورصد النائب 3130 واقعة تزوير أوراق. وقد زاد عدد المتهمين في هذه القضايا عن مئةٍ وثمانين متهماً، بينهم نحو خمسةٍ وتسعين موظفاً عمومياً، مع تورط أجانب من عدّة جنسياتٍ أبرزها المصرية ثم التشادية والتونسية والمغربية والنيجرية. بينما بلغ عدد المستفيدين الأدنى الذين وردت أرقامهم صراحةً 2560 شخصاً حصلوا على أرقامٍ وطنيةٍ أو مستندات مواطنةٍ نتيجة التزوير.
مع ذلك لم تكشف التحقيقات عن علاقةٍ بين الفروع المتورطة بما يثبت وجود تنظيمٍ رسميٍ يعمل على توطين الأجانب. وما تثبته هذه القضايا أكثر هو حجم الخرق الذي طال منظومة الرقم الوطني والسجل المدني بفعل موظفين فاسدين. وهذه مشكلةٌ ظهرت أشكالٌ أخرى منها في قطاعاتٍ مختلفةٍ، كما في بيانٍ لهيئة الرقابة الإدارية نقله عنها موقع بوابة الوسط في 23 أكتوبر 2017 بخصوص "إيقاف أكثر من مئة ألف رقم وطني لديهم ازدواجية في أكثر من وظيفة، تبدأ من وظيفتين وحتى ثماني وظائف لبعض الموظفين، كما أوقفت حوالي 1732 رقماً وطنياً من صغار السن لم تتجاوز أعمارهم السن القانونية". وهو ما يثبت أن حالات التزوير منتشرةٌ على نطاقٍ واسعٍ في الجهاز الإداري للدولة.
وهكذا يُثبت مُضيُّ مكتب النائب العام في التحقيقات، بالتعاون مع مكاتب مباحث السجل المدني والجهات الضبطية والعدلية، عدمَ وجود تآمرٍ منظّمٍ لتوطين الأجانب ومنحهم أوراق ثبوتٍ ليبية. فالنائب اتخذ إجراءاتٍ بخصوصهم فور نفاذ العدالة إلى البيانات والمعلومات الضرورية وإجراء التحقيقات اللازمة. ولا تعدو عمليات التلاعب أن تكون استغلالاً لضعف مؤسسات الدولة، لا تآمراً منها. فكفاءة هذه المؤسسات في إدارة ملف الهجرة محدودةٌ، إذ تظهر في فشلها في حماية الحدود وتنظيم الهجرة ووجود الأجانب داخل الأراضي الليبية، وفي تورط بعض الأشخاص داخلها في جرائم تهريبٍ واتجارٍ بالبشر، وفي الاستجابة للضغوطات الأوروبية واتخاذ سياساتٍ ساهمت في تكدّس أعداد المهاجرين بشكلٍ غير منظمٍ، ما ساهم في إشعار الناس برعبٍ من تكدس المهاجرين الحضري في الأحياء.
وعلى تعقّد منظومة الهجرة غير النظامية هذه، ثمة تياراتٌ في ليبيا تسعى إلى تبسيط المسألة بكونها مؤامرةً تُحاك لتوطين هؤلاء داخل ليبيا، بمعنى جعلهم مواطنين يساوون الليبيين في الحقوق.
مع منتصف سنة 2024 عاد هذا الخطاب بانتظامٍ واتساعٍ أكبر وتزامن مع زيارات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى ليبيا، وتبنّته جهاتٌ من الشرق والغرب معاً، وإن اختلفت دوافعها ومواضع توظيفه. ففي 29 مايو 2024 قال فتحي التباوي، وزير الدولة لشؤون الهجرة غير الشرعية بالحكومة الليبية ببنغازي، في تصريحاتٍ صحفيةٍ رصدها موقع "أخبار ليبيا 24"، إن محاولات توطين المهاجرين، مباشرةً كانت أو مبطنةً، مرفوضةٌ تماماً، واصفاً المسألة بأنها قضية أمنٍ قومي. وهو موقفٌ أكده في المنطقة الشرقية أيضاً النائب البرلماني يوسف العقوري، رئيس لجنة الخارجية والتعاون الدولي بمجلس النواب، إذ أكد في ورشة عملٍ نُقلت وقائعها عبر موقع الساعة 24 في 1 أغسطس 2024 موقف المجلس الذي يرفض توطين المهاجرين. وشدد المجلس على الموقف نفسه في بيانٍ نُشر على موقعه الرسمي في يوليو 2023. وبعدها بأسابيع، نقل موقع "الجزيرة نت" في 10 يوليو 2024 عن عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة الوطنية، رفضه توطين المهاجرين، مع حديثه عن وجود نحو 2.5 مليون أجنبيٍ في البلاد وأن ليبيا تحولت من بلد عبورٍ إلى "بلد توطين".
غير أن المفارقة الأشد إرباكاً تمثلت في أن هذا الخطاب الرسمي، الذي قدّم نفسه سدّاً في وجه "التوطين"، تعايش مع سياساتٍ تُنتج عملياً ما يراه كثيرٌ من الليبيين شكلاً من أشكال استقرار المهاجرين القسري داخل البلاد. فبينما كانت الحكومات والوزارات والأجهزة الأمنية تتحدث عن منع التوطين، كان خفر السواحل الليبي والقوات المرتبطة به شرقاً وغرباً يعترضون قوارب المهاجرين غير الشرعيين في عرض البحر ويعيدونها قسراً للتراب الليبي، وفق ما أكد تقرير لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة المقدم في 2026. وقد انتبه الصحفي داود علي في صحيفة الاستقلال لهذا التناقض في الخطاب في تقريرٍ نشره قبل عامٍ بعنوان "منافع مادية وسياسية.. ما سرّ مناورة الدبيبة بملف توطين المهاجرين بليبيا؟"، جاء فيه ما نقله الصحفي عن إذاعة فرنسا الدولية بأن حكومة عبد الحميد الدبيبة تتبّع ما وصفته الإذاعة أنها "لعبة المزدوجة في التعامل مع ملف الهجرة"، إذ تشتكي من تزايد أعداد المهاجرين غير النظاميين في البلاد، في حين تطالب الاتحاد الأوروبي بضخ المزيد من الأموال مقابل الاحتفاظ بهم ومنع وصولهم إلى السواحل الأوروبية. وهي لعبةٌ أجادها خليفة حفتر، الذي أصبح ذا أهميةٍ في الحسابات الأوروبية، لاسيما إيطاليا.
تعاملت إيطاليا عملياً مع الطرفين معاً. إذ زارت ميلوني طرابلس وبنغازي في مايو 2024 والتقت عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر في إطار مسعىً إيطاليٍ لتعزيز التعاون في قضايا الطاقة والهجرة. ثم اتضحت حدود هذا التوازن في يوليو 2025، عندما مُنع وفدٌ أوروبيٌ رفيع الشأن من دخول بنغازي بعدما أصرّت السلطات الشرقية على ترتيباتٍ تمنحها اعترافاً سياسياً ضمنياً، كما نقلت رويترز في 8 يوليو 2025. وتدعم هذه الوقائع ما ذهب إليه أنس القماطي، مدير معهد الصادق للأبحاث، في مقاله بصحيفة الغارديان "باور ويذاوت آ ثرون [. . .]" (قوة بدون عرش: كيف يتحكم خليفة حفتر بليبيا) المنشور في 5 مارس 2026، من أن أوروبا، مهما اعترفت بالحكومات أو أنكرت، لا تستطيع عملياً تجاوز الرجل الذي يملك النفوذ الفعلي على كثيرٍ مما يهمها في ليبيا: الساحل ومسارات الهجرة، وأدوات الضغط. وبذلك نشأ تناقضٌ بنيويٌ بين خطابٍ رسميٍ يعلن عن رفض "التوطين"، وممارسةٍ ميدانيةٍ تُبقي أعداداً متزايدةً من المهاجرين داخل ليبيا وتعيد تدوير الأزمة في فضائها الداخلي.
كان مارس 2025 اللحظة التي خرج فيها خطاب "لا للتوطين" من مجال مناقشات وتنابز الطبقة السياسية إلى المجال العام. فتحوّل المصطلح من أداة تحذيرٍ سياسيٍ إلى وقود تعبئةٍ شعبية. فقد أعلنت قوى وأحزابٌ وشخصياتٌ عامةٌ عن رفضها القاطع ما سُمّي آنذاك محاولات توطين المهاجرين. فأصدر كلٌّ من تجمع الأحزاب الليبية والتحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني بياناتٍ بالخصوص. وترافقت هذه الموجة مع الجدل الذي أثير حول ما نُسب إلى وزير الحكم المحلي السابق بدر الدين التومي بشأن مناقشة ملف التوطين مع نيكوليتا جيوردانو.
ومع ذلك لم يحُل النفي دون اتساع الموجة، إذ صار الاتهام كافياً لإطلاق سلسلةٍ من البيانات والمواقف. ففي 10 مارس 2025 دعا عضو مجلس النواب علي الصول إلى التعبير عن رفض التوطين عبر الوقفات الاحتجاجية. وخرج المفتي الصادق الغرياني في تصريحٍ متلفزٍ على قناة التناصح في 12 من مارس 2025 يحذّر فيه من "المخططات الغربية لتوطين المهاجرين". وفي الموجة ذاتها أعلن رئيس الحكومة الليبية بالشرق أسامة حماد في 15 مارس 2025 عن رفض ليبيا القاطع أيّ محاولةٍ لتوطين المهاجرين غير الشرعيين "تحت أيّ مبرر أو ذريعة"، محذراً من التغيير السكاني وتهديد السيادة. وفي هذا المناخ، صارت مقترحات إدماج المهاجرين رسمياً في سوق العمل والهجرة والإيواء والوجود الأجنبي كلماتٍ تتدافع جميعها نحو معنىً واحدٍ هو "مؤامرة التوطين".
بحلول أبريل ويوليو 2025 لم يعد خطاب "التوطين" مجرد مادةٍ للتعبئة والتجييش، بل تحوّل إلى مسوّغٍ لاتخاذ إجراءاتٍ مؤسسيةٍ مباشرةٍ بحقّ منظماتٍ إنسانيةٍ ودولية. فقد اتخذ جهاز الأمن الداخلي إجراءاتٍ ضد عددٍ من هذه المنظمات، مثل منظمة الإغاثة الدولية والمجلس النرويجي للاجئين، بدعوى علاقتها بمخططات توطين المهاجرين، قبل أن يوضح مكتب النائب العام، في كتابه المؤرخ 16 يوليو 2025، أنه لم يصدر أيّ قرارٍ قضائيٍ بوقف نشاط المنظمات المذكورة، وأن معالجة المعوقات يجب أن تتم عبر الجهات المختصة قانوناً بالإذن والإشراف على عملها. وهو ما رحّبت به المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، في بيانها الصادر في 19 يوليو 2025، معتبرة أن القيود السابقة لم تستند إلى أساسٍ قانونيٍ واضح.
وعلى ذلك تمدّد الخطاب من دائرة السجال السياسي والأمني إلى المجال الاجتماعي. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بما تقوله الأحزاب والوزارات والسلطة التشريعية، بل بما تفعله الجماهير حين تُستثار بهذه اللغة. خرج الليبيون في مظاهراتٍ سلميةٍ ضد وجود المهاجرين غير الشرعيين، كما حدث في طرابلس ومصراتة بداية الأمر. لكن المظاهرات أصبحت أعنف بعد أن حطم المحتجون في مصراتة في سبتمبر 2025 سوقاً عشوائياً للأفارقة وطردوا من بداخله، مطالبين بإغلاقه وترحيلهم، بالإضافة إلى ما جرى في الحادثتين اللتين أشرنا إليهما في بداية المقال. تظهر أثر تكرار الخطاب على المجال العام، وفقده طابعه المجازي، وانقلابه إذناً اجتماعياً ضمنياً بالكراهية والإقصاء والعنف.
استثمر هذا الخطاب أيضاً فاعلون رأوا فيه أداةً للصعود السياسي أو تصفية الحسابات أو تعزيز الحضور الجماهيري. وفي هذا السياق برزت انتصار القليب، رئيسة مفوضية المجتمع المدني السابقة، التي كانت بدورها في صراعٍ قانونيٍ حول موقعها. استخدمت القليب خطاب التوطين والتحذير من المهاجرين في سياقٍ تصعيديٍ ساهم، كما أشارت الحقوقية منى توكا في تصريحٍ لموقع "إندبندنت عربية" في أكتوبر 2025، في تغذية موجةٍ من العنف اللفظي والجسدي ضد المهاجرين وحتى ضد ليبيين سود البشرة. وهنا تتضح إحدى أخطر وظائف هذا الخطاب، في أنه لا يكتفي بصناعة "آخر" خارجيٍ يُخشى منه، بل يمتد أحياناً ليعيد فرز المجتمع على أسس اللون والأصل والاتهام والولاء، وهو ما حدث أيضاً مع الجاليات العربية في ليبيا.
كان للفلسطينيين في ليبيا نصيبٌ من هذه الهجمة ومن توظيف خطاب "لا للتوطين" سياسياً. ومع أن تعداد الفلسطينيين المقيمين في ليبيا رسمياً لا يتجاوز سبعين ألف شخصٍ، وفقاً لتقرير المركز الفلسطيني للإحصاء والجاليات في الدول، إلا أنّ منصة "فالصو لرصد خطاب الكراهية والأخبار الزائفة" رصدت في تقريرها الصادر في 15 أكتوبر 2025 حملة تضليلٍ موجهةً ضد الجالية الفلسطينية، على خلفية تقريرٍ من شبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية في مطلع مارس 2025 زعم أنّ الرئاسة الأمريكية درست خطة نقل ما يقارب مليون فلسطيني من غزة إلى ليبيا. وزعمت الشبكة أنّ الولايات المتحدة ناقشت الخطة مع القيادات الليبية مقابل الإفراج عن الأموال الليبية المجمدة.
قوبلت هذه المزاعم بتفنيدٍ من جانب حكومة الوحدة الوطنية، وبرفضٍ رسميٍ وشعبيٍ قاطعٍ وموحدٍ أن تُحوَّل البلاد إلى وطنٍ بديلٍ وتُصفّى القضية الفلسطينية. ومع ذلك رصد تقرير منصة "فالصو" دعواتٍ إلى إقفال السفارة الفلسطينية وطرد السفير الفلسطيني، إلى جانب منشوراتٍ صوّرت الفلسطينيين جزءاً من تهديدٍ سكّانيٍ وسيادي. ووثّقت المنصة تداول ادعاءاتٍ مضللةً من بينها ادعاءٌ يزعم وصول ألفٍ وثمانمئة أسرةٍ فلسطينيةٍ إلى مطار مصراتة. ويكشف ذلك أن خطاب "لا للتوطين" لم يكن مجرد تعبيرٍ عن مخاوف من الهجرة غير النظامية، بل تحول أيضاً إلى وعاءٍ واسعٍ لضمّ فئاتٍ أخرى إلى مجال الشبهة العامة عبر الشائعة والتحريض الرقمي.
أهم ما يتجاهله تيار رفض التوطين هذا هو تاريخية ملف الهجرة، وتعقّده منذ بدايات ظهوره في عهد العقيد معمر القذافي.
في منتصف التسعينيات استقر العدد عند حدود 409 آلاف سنة 1995، قبل أن يتراجع إلى نحو 359.5 ألفاً بحلول تعداد 2006. وعلى هذا الانخفاض النسبي في المرحلة الأخيرة، فإن عدد غير الليبيين ظلّ أعلى بكثيرٍ من مستواه في بداية الفترة. إذ زاد بأكثر من سبعة أضعاف مقارنةً بسنة 1964. ويبيّن هذا المسار أن الهجرة إلى ليبيا اتخذت منحىً تصاعدياً قوياً في السبعينيات والثمانينيات بفعل طفرة دخل النفط ومشاريع البنية التحتية، وزيادة الطلب على العمالة المهاجرة للعمل في مجالات الخدمات المختلفة وخاصةً الزراعة والبناء. ثم اتجهت إلى الاستقرار النسبي مع بداية الألفية، مع بقاء كتلةٍ سكانيةٍ وافدةٍ ذات حجمٍ معتبرٍ ضمن بنية البلاد السكانية.
ومع ذلك يمكن أن نفهم من تصريحات مسؤولين ليبيين آنذاك أن هذه الأعداد كانت تعبّر أساساً عن الإحصاءات الرسمية للمهاجرين النظاميين، ولا تعكس الحجم الفعلي للوجود الأجنبي في البلاد. فقد أوردت صحيفة القدس العربي في تقريرها "ليبيا تؤكد إعادة 31 ألف مهاجر غير شرعي إلى بلادهم في 2007"، المنشور 6 يونيو 2008، تصريحاً للعقيد عبد المنعم عياد، المسؤول بأمانة الداخلية الليبية (وزارة الداخلية آنذاك)، ذكر فيه أن ليبيا كانت تُقدّر عدد المهاجرين غير النظاميين بنحو مليون مهاجرٍ، أي نحو 20 بالمئة من عدد السكان. وأشار عيّاد إلى أن السلطات أعادت 64430 مهاجراً سنة 2006 و30940 مهاجراً سنة 2007 ، وهو ما يؤكد أن مسألة الهجرة غير النظامية لم تكن ظاهرةً طارئةً أو وليدة السنوات اللاحقة، بل كانت حاضرةً بوصفها تحدياً مبكراً منذ تلك المرحلة.
تصريحات العقيد عيّاد أكدت أن عمليات الترحيل التي نفذتها السلطات، على اتساعها العددي، لم تكفِ لمعالجة الظاهرة أو الحد من تدفقاتها. إذ أشار إلى أن وتيرة الإعادة لا يمكن أن تواكب أعداد الوافدين الجدد. ولفت إلى الصعوبات المرتبطة بضبط الحدود في ظل امتدادها مسافاتٍ شاسعةً براً وبحراً، وهو ما عكس حينئذٍ إدراكاً رسمياً بأن التعامل مع الهجرة يتطلب إمكاناتٍ أكبر وآلياتٍ أكثر فاعليةً للرقابة والسيطرة على الحدود، إلى جانب الإجراءات الإدارية والأمنية التقليدية.
يُفهَم من تصريحات عياد أنّ ليبيا ترى نفسها تتحمل عبئاً يتجاوز قدراتها الوطنية. إذ دعا إلى دعمٍ أوروبيٍ مباشرٍ لمواجهة تدفقات الهجرة، موضحاً أن الدولة الليبية طلبت مساعدةً ماليةً تُقدَّر بمليار يورو لتعزيز إمكاناتها في مراقبة الحدود وإدارة الظاهرة. وكان هذا الطرح متسقاً مع ما سبق أن عرضه العقيد معمر القذافي في القمة الأوروبية الإفريقية بلشبونة في ديسمبر 2007، عندما طالب بدعمٍ أوروبيٍ أكبر معتبراً أن ليبيا تقوم بدور حارس بوابة العبور نحو أوروبا. وتعكس هذه المواقف الرسمية آنذاك إدراكاً متزايداً لطبيعة الهجرة مسألةً تتجاوز الإطار الداخلي، وترتبط بالتوازنات والعلاقات مع ضفة المتوسط الشمالية. وهو ما مهّد لاحقاً لاتجاه الدولة إلى تشديد مقاربتها القانونية والتنظيمية للهجرة عبر سنّ تشريعات تجرّم الدخول والإقامة غير النظاميين وتنظم آليات التعامل مع الظاهرة.
هكذا تعامل القذافي مع ملف الهجرة ورقةً سياسيةً يمكن توظيفها في علاقته مع أوروبا خاصةً. لكن ما أخفاه النظام حقيقةً أن رجالاً منه، منهم أحد أبناء العقيد، كانوا إما منخرطين في أنشطة التهريب وإدارة مراكز الاحتجاز أو مقربين ممن ينخرطون في هذه الأنشطة، بحسب ما وثّقه الباحثان سلفاتوري كولوتشلو وسيمون ماسي، من جامعة كوفنتري، في دراسةٍ بتاريخ 7 أكتوبر 2007 عنوانها "آوت أوف أفريكا: هيومان تريد بتوين ليبيا آند لامبيدوزا"، (الخروج من أفريقيا: الاتجار بالبشر بين ليبيا ولامبيدوزا)، وهو ما يشير إلى العلاقة المركبة بين المهربين والسلطة ومراكز الاحتجاز والمال.
توضح الدراسة أنه مع تصاعد القلق الأوروبي من تدفقات المهاجرين منذ أواخر التسعينيات، بدأ الخطاب الليبي يقدّم البلادَ هي حاجز أوروبا الجغرافي المتقدم على الضفة الجنوبية من المتوسط. وبهذا كان الخطاب السياسي الليبي يرى أن ضبط هذا المسار البحري والصحراوي الشاسع ليس التزاماً أحادياً، بل مهمةً ذات كلفةٍ سياسيةٍ وماليةٍ ينبغي تقاسمها. وبهذا المعنى، لم يُطرح التعاون في مجال مكافحة الهجرة التزاماً تقنياً فحسب، بل جزءاً من صفقةٍ أوسع لإعادة صياغة موقع ليبيا في النظام الدولي بعد أعوامٍ من العزلة والعقوبات، لاسيما مع الحصار الدولي عليها فترة التسعينيات. إذ ربط نظام القذافي تعزيز الرقابة على الحدود واعتراض القوارب وقبول ترتيبات إعادة المهاجرين، بالحصول على مكاسب استراتيجيةٍ تشمل تطبيع العلاقات مع العواصم الأوروبية ورفع القيود السياسية وقيود استيراد السلاح واستقطاب الاستثمارات، وتأمين دعمٍ ماليٍّ وتقنيٍّ لتطوير منظومات المراقبة الساحلية والبرية.
هذا الربط تجسّد عملياً في سلسلة تفاهماتٍ ثنائيةٍ، قادتها إيطاليا خاصةً، وانتهت إلى إرساء إطارٍ مؤسسيٍ للتعاون الأمني والاقتصادي، كما يوضح كريغ داميان سميث، الأستاذ في جامعة تورنتو، في مقاله "هيستوريكال أمنيجيا أند يوروبينز ميغريشن ريليشنز وِذ ليبيا" (النسيان التاريخي وعلاقات أوروبا بالهجرة مع ليبيا) المنشور في موقع أوبن ديموكراسي في 2 يوليو 2017. يؤكد سميث أن أبرز تجليات هذا التعاون جاءَ في معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون بين ليبيا وإيطاليا الموقعة في 30 أغسطس 2008، مقابل حزمة تعويضاتٍ عن المرحلة الاستعمارية واستثماراتٍ قُدّرت بخمسة مليارات دولار على مدى خمسةٍ وعشرين عاماً، وقد نصّت بعض بنود تلك المعاهدة على تمويلٍ مشتركٍ لدورياتٍ بحريةٍ وتزويد خفر السواحل الليبي بزوارق ومعداتٍ ودعم أنظمة المراقبة. وبذلك تحولت الهجرة من ملفٍ أمنيٍ إلى رافعةٍ تفاوضيةٍ أُدرجت ضمن معادلةٍ أوسع، جمعت بين الطاقة والاستثمار وإعادة الإدماج السياسي والتعاون الحدودي.
في الداخل، انعكس هذا التحول في المقاربة الرسمية على السياسات التنظيمية. اتجهت الدولة الليبية إلى بناء إطارٍ قانونيٍ أكثر تشدداً تجاه دخول الأجانب وإقامتهم. فشددت الرقابة الحدودية وعززت أجهزة الهجرة وتنفيذ خطط لاعتقال ورحَّلت أعداداً كبيرةً من المقيمين غير النظاميين. وقد وثّقت تقارير حقوقيةٌ، كما يوضح كولوتشلو وماسي، ترحيل السلطات الليبية عشرات الآلاف من المهاجرين آنذاك في إطار سياسة الحد من وجود الأجانب غير النظاميين وتقليص تدفقهم نحو أوروبا، لتأكيد قدرة الدولة على ضبط الظاهرة مؤسسياً بما يعزز موقعها التفاوضي ويُظهرها شريكاً أمنياً لا يمكن تجاوزه في إدارة هذا الملف في حوض البحر الأبيض المتوسط.
اتضحت نتائج هذا التعاون في المؤشرات الرقمية لحركة العبور عبر المتوسط. ففي سنة 2008، وهو العام الذي شهد تفعيل الاتفاق وتكثيف الدوريات المشتركة وعمليات الإعادة، عبرَ نحو أربعين ألف مهاجرٍ من السواحل الليبية نحو إيطاليا ومالطا. غير أن الأرقام انخفضت بحدّةٍ في العام التالي إلى نحو أحد عشر ألفاً في 2009، ثم إلى قرابة أربعة آلاف وخمسمئة فقط في 2010. لكن هذا الانخفاض في أعداد المهاجرين العابرين نحو أوروبا انعكس على ازدياد أعداد المهاجرين غير النظاميين داخل ليبيا كما يوضح سميث في مقاله.
هكذا أسّس نظام القذافي لما يمكن وصفه بمنهجية السلطات الليبية في التعامل مع الهجرة. فبالإضافة إلى توظيف الملف على مستوى السياسة الدولية، جرّم نظام القذافي الهجرة غير النظامية قانوناً، واعتمد على الاحتجاز المؤقت والترحيل لاحقاً مع عدم القدرة على تطبيق القانون أو تنفيذ الترحيل باتساعٍ، وغياب الأرقام الصحيحة والموثقة نتيجة غياب حصر الهجرة غير الشرعية، وغياب نهج حوكمةٍ شاملٍ والاكتفاء بالتعامل الأمني مع الملف. هذه المنهجية استمرت حتى بعد سقوط النظام في أكتوبر 2011، على تعدد السلطات السياسية وانقسامها وتعدد الفاعلين في الملف.
ويكشف تقرير المنظمة الدولية للهجرة " أي أو إم" بعنوان "مايغرانتس كوت إن كرايسس: ذي آي أو إم إكسبيرينس إن ليبيا" (مهاجرون عالقون في الأزمة: تجربة المنظمة الدولية للهجرة في ليبيا) الصادر سنة 2012 عبور نحو سبعمئة وتسعين ألف مهاجرٍ من الحدود الليبية خلال أشهر الأزمة الأولى. وتوزع هؤلاء بين أكثر من مئتين وستين ألفاً عبروا إلى مصر، تسعون ألفاً منهم من جنسياتٍ أخرى غير المصرية، ونحو 345 ألفاً إلى تونس بينهم أقل من مئة وأربعين ألف تونسيٍ، وقرابة 212 ألف عائدٍ إلى دول جنوب الصحراء، إضافةً إلى أكثر من سبعة وعشرين ألفاً وصلوا بحراً إلى إيطاليا ومالطا. وباحتساب أن العدد التقديري للمهاجرين قبل أحداث الثورة قارب 1.8 مليون، وفقاً للتقرير ذاته، فإن خروج سبعمئة وتسعين ألفاً في مدةٍ وجيزةٍ يعني فقدان ما يقارب 40 إلى 45 بالمئة منهم في ليبيا.
كان يفترض أن تقدم الهجرة العكسية خدمةً للنظام السياسي الجديد. وذلك بتخفيف حدّة أزمة الهجرة وتهيئة الأرضية لحوكمةٍ مختلفةٍ لهذا الملف. إلاّ أن ضعف كفاءة السلطات الانتقالية باعتمادها على مجموعاتٍ قبليةٍ مسلحةٍ ومجموعات الثوار بغرض مراقبة الحدود الصحراوية والبحرية، أدّى بالنهاية للعودة التدريجية لأزمة الهجرة غير النظامية في ليبيا، بل وتفاقمها لاحقاً، خاصةً بعد انخراط هذه المجموعات في أعمال تهريب المهاجرين وجرائم الاتجار بالبشر وظهور فاعلين متعددين في الملف، كما يوضح بيتر كول، المحلل الخبير بالشؤون الليبية، في مقالته "فوضى خطوط الحدود؟ تأمين حدود ليبيا" المنشورة مع مؤسسة كارنيغي سنة 2012 .
عادت موجات الهجرة غير النظامية تدريجياً سنة 2012، ولكن مع تغيرٍ في نمط الهجرة. أصبح هدف الأغلبية العبور نحو أوروبا وليس البقاء في ليبيا. وبعد انطلاق الحرب الأهلية الليبية سنة 2014 استمر تدفق المهاجرين نحو البلاد، نظراً لازدياد إمكانية الوصول إلى أوروبا بفعل انخراط مجموعاتٍ مسلحة. فقد استطاع كثيرٌ منها الضغط للحصول على صفةٍ رسميةٍ بتشكيل مجموعاتٍ تتبع وزارة الدفاع تحت صفة حراسة الحدود وأخرى بشكلٍ فرديٍ أو جماعيٍ تدّعي عملها ضمن إطار "جهاز الهجرة غير الشرعية" (الجهاز المعني بمكافحة الهجرة غير النظامية في ليبيا)، وهو ما يوثّقه بيتر كول.
أدى هذا إلى انخراط المجموعات المسلحة في أعمال التهريب والاتجار بالبشر وأعمال السخرة والاستغلال الجنسي، كما أكد تقريرٌ من منظمة العفو الدولية "ليبياز دارك ويب أوف كولوجون [. . .]" (شبكة التواطؤ المظلمة في ليبيا: الانتهاكات ضد المهاجرين واللاجئين) المنشور في 2017. اشتغل أغلب هذه المجموعات من مناطق تمتد من زوارة على الحدود مع تونس مروراً بصبراتة والزواية، غرب طرابلس، والقره بولي والخمس، شرق طرابلس، وصولاً إلى طبرق وامساعد شرقاً على الحدود مع مصر. ويؤكد تحقيقٌ للصحفي فضل يوسف منشورٌ في ديسمبر 2025 في الفِراتْس بعنوان "إمبراطورية 'أبو سلطان' الوجه الخفي للإتجار بالبشر من مصر إلى ليبيا إلى أوروبا"، أن أشخاصاً مقرّبين من صدام حفتر، نائب ما يُعرف بالقيادة العامة للجيش الليبي، متورطون في التهريب.
بعد أن أصبح التهريب جريمةً منظمةً، ازدادت أعداد المهاجرين إلى ليبيا على نحوٍ غير مسبوق. هذا ما توضحه التقارير المتعددة من مصفوفة تتبّع النزوح "دي تي إم"، وهو فريقٌ متخصصٌ داخل المنظمة الدولية للهجرة يعمل على تتبّع أعداد المهاجرين والنازحين داخلياً، بمنهجيةٍ تقديريةٍ مبنيةٍ على نظامٍ معياريٍ مرنٍ يجمع بين تتبّع التنقل، ورصد التدفقات والتسجيل والمسوح، بهدف إنتاج تقديراتٍ كميةٍ دقيقةٍ حول أعداد السكان المتنقلين وتحركاتهم وخصائصهم.
بتتبع التدفقات نجد أنّ المصفوفة سجّلت أكثر من 621 ألف مهاجرٍ وفق جولة ديسمبر 2017، وهي أول ذروةٍ كبيرةٍ بعد استقرار المنهجية وتوسيع التغطية البلدية. بعد ثلاثة أعوامٍ، وفي ذروة جائحة كوفيد 19، انخفض العدد إلى أقلّ من ستمئة ألف مهاجرٍ وفق جولة فبراير 2020، متأثراً بإغلاق الحدود وتقييد الحركة وارتفاع البطالة بين المهاجرين. تغيرت الصورة جذرياً بحلول سنة 2025، إذ بلغ العدد أكثر من تسعمئة ألف مهاجرٍ وفق جولة أغسطس وأكتوبر 2025، وهو أعلى رقمٍ مسجلٍ منذ بدء القياس المنهجي. تعكس هذه القفزة تحوّلاً بنيوياً لا يرتبط فقط بالتعافي بعد كوفيد، بل أيضاً بعوامل إقليميةٍ مباشرةٍ مثل حرب السودان منذ أبريل 2023، والتحولات السياسية في منطقة الساحل جنوب الصحراء، واستمرار الطلب على العمالة في قطاعات البناء والزراعة والخدمات، لاسيما في شرق ليبيا وغربها الساحلي، في ظل استقرارٍ نسبيٍ خاصةً في عهد حكومة الوحدة.
لفهم دلالات هذا التوسع العددي، يجب ربطه بحركيات المسار بين ليبيا وإيطاليا. ففي الذروة بين سنتي 2014 و2016 بلغت أعداد الواصلين بحراً إلى إيطاليا مستوياتٍ مرتفعةً، تراوحت بين 120 و165 ألفاً كانت ذروتها في 2016، قبل أن تنخفض إلى 108 آلاف في 2017 بعد توقيع مذكرة التفاهم الليبية الإيطالية في 3 فبراير 2017، والتي نصت على تعزيز التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، ودعم قدرات خفر السواحل الليبي، وتطوير منظومات مراقبة الحدود ومراكز استقبال المهاجرين داخل ليبيا. وقد شكّلت هذه المذكرة الإطار الأساس للتعاون الثنائي بين البلدين في إدارة تدفقات الهجرة عبر المتوسط، قبل أن تُدمج لاحقاً ضمن مقاربة الاتحاد الأوروبي الأوسع الرامية إلى الحدّ من الهجرة غير النظامية عبر ما يُعرف بسياسة "تصدير ضبط الحدود" إلى دول العبور. فشهدت الفترة انخفاضاً في تدفق المهاجرين إلى ثلاثة عشر ألف مهاجرٍ فقط سنة 2018، ثم حوالي عشرة آلاف في 2019 متأثرةً بحرب خليفة حفتر على طرابلس، قبل أن تشهد شيئاً من الارتفاع مجدداً بحوالي خمسةٍ وعشرين ألفاً في 2020 بفعل قيود كوفيد 19.
بعد الجائحة عادت الأعداد للارتفاع إلى ثمانيةٍ وأربعين ألفاً في 2021 وحوالي خمسين ألفاً في كلٍّ من 2022 و2023، قبل أن تتراجع نسبياً في 2024 إلى نطاقٍ يقارب ثلاثةً وثلاثين ألفاً ثم صعدت إلى مستوى ثلاث وخمسين ألفاً بحسب التجميعات الرسمية. تُظهر هذه الأرقام أن مسار الهجرة لم يُغلق، بل أصبح متذبذباً ويتأثر بعوامل مختلفةٍ سياسيةٍ وجغرافية.
وعلى هذا التضخم، استمرت السلطات في إدارة ملف الهجرة بمثل سياسات نظام القذافي. إذ جرّمت الهجرة غير النظامية، لكنها أصبحت هنا في موقفٍ أكثر ضعفاً نتيجة عدم مساهمتها الفعلية في إدارة الملف، لاسيما مع ارتكاب المجموعاتِ المسلّحة التابعة لها كثيراً من جرائم التهريب والاتجار والتعذيب والاعتداء داخل مراكز الاحتجاز. وضع هذا الأمر السياسيين الليبيين في موقفٍ محرجٍ، مع ارتهانهم لقوى أجنبيةٍ، ما أضعف مواقفهم التفاوضية أمام الدول الأوروبية وخاصةً إيطاليا.
لا تزال أزمة الهجرة على رأس أولويات الحكومة الإيطالية أثناء تعاملها مع الملف الليبي، وهو ما دفعها للتدخل للوساطة أثناء اتفاق الصخيرات بين الفرقاء الليبيين، والذي وُقِّع بوساطة الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات المغربية سنة 2015 ونتجت عنه حكومة الوفاق الوطني. التدخل الإيطالي كان بارزاً في الترتيبات الأمنية التي رافقت الملف، فكثيرون رأوا تعيين الجنرال الإيطالي باولو سيرا رئيساً للجنة الترتيبات الأمنية ببعثة الأمم المتحدة انعكاساً لنفوذ إيطاليا ودورها في اتفاق الصخيرات، ليتوج هذا النفوذ بعد أقل من عامٍ بتوقيع الحكومة الجديدة اتفاقاً مع إيطاليا يتعلق بالتعاون في ملف الهجرة. دعمت الحكومة الإيطالية ليبيا عبر برامج تدريبٍ لوزارة الداخلية وتحديداً إدارة أمن السواحل التابعة لوزارة الداخلية وخفر السواحل التابع لرئاسة أركان البحرية بوزارة الدفاع، وتزويدهم بزوارق بحريةٍ وصيانة زوارق ليبيةٍ مقابل عمل الحكومة الليبية على اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم قسرياً للشواطئ الليبية. وقد أضفى الاتحاد الأوروبي على هذا الاتفاق شرعيةً إقليميةً من خلال اعتمادها في سياسته للهجرة.
بالتوازي، ارتفعت أعداد المهاجرين المعادين إلى ليبيا بعد 2017 في إطار التعاون الإيطالي الأوروبي. فوفق تحديثات المنظمة الدولية للهجرة وتقاريرها الخاصة بالرصد البحري، زاد عدد المهاجرين المعادين إلى ليبيا من تسعة آلاف مهاجرٍ في 2019 إلى خمسةٍ وعشرين ألفاً سنة 2025. هذا يعني أن جزءاً مهماً من محاولات العبور لم يعد ينتهي بالوصول إلى أوروبا، بل بالاعتراض والإعادة إلى السواحل الليبية.
النتيجة البنيوية أن الزيادة في عدد المهاجرين داخل ليبيا بين 2021 و2025 لم تؤدِّ تلقائياً إلى زيادةٍ موازيةٍ في الوصولات النهائية إلى أوروبا، بل إلى نشاطٍ أكبر لشبكات التهريب من جهةٍ، وارتفاعٍ في عمليات الاعتراض والإعادة من جهةٍ أخرى. أي إن سياسات الاحتواء لم تُنهِ المسار، لكنها أعادت توجيهه، وحولت نسبةً معتبرةً من محاولات العبور إلى دورات اعتراضٍ واحتجازٍ داخل ليبيا، وهو ما وثقته تقارير منظمة الهجرة الدولية ووكالاتٍ أمميةٍ أخرى حول الأوضاع الإنسانية في نقاط الإنزال ومراكز الاحتجاز. بهذا المعنى، فإن التحول من 621 ألف مهاجرٍ في 2017 إلى 928 ألفاً في 2025 لا يمكن قراءته بمعزلٍ عن البيئة الإقليمية ومنها حرب السودان، ولا عن بنية الحوكمة البحرية بعد 2017 التي أعادت توزيع مخاطر المسار بدلاً من إلغائه.
تزامنت تدفقات المهاجرين مع تركيزٍ إعلاميٍ كبيرٍ من الإعلام الدولي بسردياتٍ تركز على ما يواجهه المهاجرون في ليبيا. إذ إن الإعلام الدولي، مثل مجلّة تايم في تقريرها "ليبيان سليف تريد" (تجارة الرقيق الليبية) المنشور سنة 2017، حمّل ليبيا المسؤولية الكاملة عن الأزمة في ظل انقسامٍ سياسيٍ وحالة احترابٍ، وهكذا خسرت ليبيا حرب السردية الإعلامية قبل أن تبدأها. اتُّهم الليبييون بالمساهمة في الاتجار بالبشر، وهو مصطلحٌ فهمه كثيرون في صورته القديمة بانتشار أسواق النخاسة، لكن جريمة الاتجار كما تعرّفها منظمة الأمم المتحدة المعنيّة بالمخدرات والجريمة المنظمة "يو إن دي أو سي" لا يتعدى "تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع [. . .] ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسراً، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرِّق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء".
كثيرٌ من هذه الأفعال كان موجوداً على نطاقٍ واسعٍ لكونها تلتصق أساساً بجرائم تهريب البشر ونقل المهاجرين. فقد أثبتت تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان سنة 2018، أن المهاجرين يواجهون الاحتجاز التعسفي والتعذيب والعمل القسري والابتزاز والاتجار بالبشر على يد جماعاتٍ مسلحةٍ وشبكاتٍ إجراميةٍ محليةٍ وأجنبيةٍ، من بينها عناصر مرتبطةٌ بأجهزةٍ رسميةٍ في جهاز الهجرة غير الشرعية.
هذه الأفعال لم تثبتها التقارير الدولية فقط، بل أثبتها النائب العام فيما بعد. فقد نشر مكتب النائب العام بيانات عن قضايا مرتبطةٍ باحتجاز مهاجرين وتعذيبهم وطلب فديةٍ منهم وتكوين عصاباتٍ لتهريب المهاجرين عبر الصحراء والسواحل الليبية، وفي سنة 2021 نشر "اللواء 444 قتال" صوراً وفيديوهات لاقتحامه مقرات جماعاتٍ تمتهن تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في مناطق جنوب بني وليد وحدود منطقة الشويرف ومزدة، جنوب شرق طرابلس. وقد أعلن جهاز المخابرات العامة سنة 2024 عن تفكيكه شبكةَ جريمةٍ منظمةٍ نيجيريةً تنشط في ليبيا في الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وغسل الأموال.

