هذا المشهد المكثف، الذي سجّله توفيق الحكيم في روايته "يوميات نائب في الأرياف" الصادرة سنة 1937، يستدعي إلى ذهني الهاتفَ الأسودَ العتيقَ في غرفة الضيافة بمنزل جدّي في أواخر تسعينيات القرن العشرين. لم يكن مجرد قطعة أثاثٍ قديمةٍ أو أداة تواصلٍ فحسب. فطيلة عقودٍ احتلّ الجهاز مكانه بثباتٍ، محاطاً بتوقيرٍ خاصٍّ، وسيلةَ الوصل الوحيدة بين أهل القرية والعالم الخارجي. حينئذٍ كان الهاتف قناةً تحمل في طيّاتها ثقلاً سياسياً لتتجاوز المكالماتِ العائليةَ إلى دوائر النفوذ والقرار.
على بُعد خطواتٍ، في بيت العمدة، كشفت ليالي الانتخابات البرلمانية الوجه الآخر من الهاتف. إذ تحولت خلالها غرفة الهاتف في دوّار العُمدية إلى مركز إدارةٍ غير معلَن: رنينٌ متواصلٌ وتعليماتٌ تتدفق بلا انقطاعٍ وعامل هاتفٍ لا يغادر موقعه. وحين يغيب العمدة، تُنقل إليه المراسيل أو الرسائل العاجلة القادمة من مركز الشرطة أو المديرية وأحياناً من وزارة الداخلية نفسها، حيث كان. وطيلة أعوامٍ اقتصر الهاتف في الريف على دائرةٍ محدودةٍ، محصوراً في دوّار العمدة أو قسم الشرطة، وقلّةٍ من الأعيان وكبار الموظفين.
شكلت هذه التفاصيل اليومية إدراكيَ الهاتفَ أداةً تستخدمها الدولة لمدّ نفوذها من العاصمة إلى القرى النائية. ومع تطور تقنيات الاتصال عبر العقود، تبدّل شكل الهاتف لكن وظيفته السياسية بقيت حاضرة.
منذ دخوله مصر قبل أكثر من قرنٍ، أعاد الهاتف تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن وخَلَقَ طبقاتٍ جديدةً من الامتياز والرقابة والعزلة الرقمية. ولم يكن أبداً محض جهازٍ في يد المواطن، بل امتداداً ناعماً للسلطة. ومع كلّ نقلةٍ تقنيةٍ يتحوّل الهاتف إلى وسيطٍ أكثر فاعليةً في ضبط الأفراد ومراقبتهم، من السيطرة البيروقراطية إلى الرقابة الخوارزمية.
تنقلت الرسائل عادةً بين وسائط متعددة. فانتقلت عبر التلغراف داخل الهند حتى الساحل، ثم حملتها السفن إلى مصر، ومن ثَمّ نُقلت برّاً داخل البلاد، قبل أن تكمل طريقها عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا، فتُرسل بالتلغراف إلى لندن.
وجدت بريطانيا آنذاك في المسار المصري عقدةَ اتصالٍ مركزيةً في شبكتها الإمبراطورية، ثَمّ شكْلَ نفوذٍ أوروبيٍّ متصاعدٍ يتخذ من التكنولوجيا أداة حكمٍ، بدأت بالتلغراف ثم اتسعت لاحقاً مع الهاتف. فمُدّ أول خطّ تلغراف بين القاهرة والإسكندرية سنة 1854 على يد شركة التلغراف الشرقية البريطانية. لم تكن مصر وقتئذٍ محتلةً عسكرياً ولا خاضعةً لوصايةٍ رسمية. بل عاشت البلاد وضعاً مركّباً: حكماً وراثياً لأسرة محمد علي وتبعيةً اسميةً للدولة العثمانية مع استقلالٍ إداريٍّ واسعٍ أخذ يضيق شيئاً فشيئاً تحت ضغط النفوذ الأوروبي. داخل هذا الهامش، تمدّد الحضور البريطاني والفرنسي عبر الامتيازات التجارية والمعاهدات والقروض، لتصبح البنية التحتية والمال العامّ ساحة نفوذٍ قبل أن تتحول إلى ساحة احتلالٍ مباشر.
اعترف العثمانيون بحكم أسرة محمد علي الوراثي مع الإبقاء على مصر ولايةً اسميةً تمتاز بوضعٍ خاص. فصدر فرمان مصر أو ما يُعرف بتسوية سنة 1841 التي أعطت محمد علي هامشاً واسعاً لإدارة الجيش والضرائب والمشروعات الكبرى. وفي عهد الحفيد عباس الأول الذي حكم بين 1848 و1854، ثم الابن سعيد باشا الذي حكم من 1854 إلى 1863، تحولت مصر عملياً إلى ساحة تنافسٍ إمبراطوريٍ بين بريطانيا الساعية لتأمين طريق الهند، وفرنسا الدافعة بمشروعاتٍ كبرى على رأسها قناة السويس.
وسط هذا التنافس، دشّنت بريطانيا شبكة تلغراف لإحكام سيطرتها على خطوط الاتصال مع الهند. وسعت لندن إلى مدّ خطوطٍ بحريةٍ تربط الهند بمصر، بالتوازي مع تطوير شبكة التلغراف داخل البلاد. توسعت الشبكة سريعاً. وبحلول سنة 1863 بلغ طول خطوط التلغراف في مصر 582 كيلومتراً، ثم قفز إلى 6,450 كيلومتراً سنة 1872، متجاوزاً ما أُنجز في عدّة دولٍ أوروبيةٍ آنذاك. وفي سنة 1878، بلغت كثافة خطوط التلغراف في مصر مئتين وستة عشر كيلومتراً لكل ألف كيلومتر مربع، مقابل سبعة وسبعين كيلومتراً في فرنسا. وتجاوزت كثافة الخطوط بالنسبة لعدد السكان نظيرتَها في فرنسا، بحسب ما أورده فلاديمير لوتسكي في كتابه "مودرن هيستوري أوف ذي أرَب كانتريز" (تاريخ البلدان العربية الحديث) الصادر سنة 1969.
في مارس 1876، حصل ألكسندر غراهام بِل على براءة اختراع الهاتف. وبعد أقلّ من عامين افتُتحت أول بورصةٍ هاتفيةٍ تجاريةٍ في نيو هافن بولاية كونيتيكت بالولايات المتحدة. وبحلول سنة 1880، بلغ عدد المشتركين في خطوط الهاتف في الولايات المتحدة نحو 47,900 مشتركٍ، في مؤشرٍ مبكرٍ على قدرة التقنية الجديدة على التحول السريع إلى بنيةٍ تحتيةٍ جماهيرية.
دخل الهاتف مصر سنة 1881، قبل الاحتلال البريطاني بعامٍ واحد. وكما حدث مع التلغراف قبل ثلاثة عقود، لم تكن مصر متأخرةً في تلقّي التقنية، بل من أوائل المناطق غير الأوروبية التي استقبلتها. مُدّ أول خطّ هاتفٍ بين القاهرة والإسكندرية بعد سبعة وعشرين عاماً من مدّ أول خطّ تلغراف على المسار نفسه. وتكرّر نمط السيطرة ذاته، إذ منحت الحكومة المصرية الامتياز في البداية لشركة "إديسون بِل" الأمريكية، قبل أن ينتقل سريعاً إلى شركة الهاتف الشرقية البريطانية التي احتكرت تشغيل الخدمة.
تزامن دخول الهاتف مصر مع لحظة اضطرابٍ سياسي. إذ أعقبت عزل الخديوي إسماعيل بقرارٍ من السلطان العثماني تحت ضغط الدائنين الأوروبيين سنة 1879، وتولية الحكمِ خلفَه توفيق باشا، الأضعف والأكثر انصياعاً للنفوذ الأوروبي. في هذه المرحلة، مثّل الهاتف واجهة تحديثٍ تقنيٍّ تخفي في جوهرها وظيفةً أكثر عمقاً: تسريع نقل الأوامر وتحسين التنسيق العسكري والإداري وتعميق مراقبة المعلومات.
اعتمدت وحدة الاتصالات بالجيش البريطاني على وسائل ميدانيةٍ سريعةٍ إبان الحرب البريطانية على مصر سنة 1882، من بينها جهاز الهليوغراف الذي يرسل ومضات ضوء الشمس لإيصال الرسائل من نقاط الرصد إلى مواقع القيادة. ومدّت أسلاكاً ميدانيةً عبر أراضٍ محايدةٍ لتوجيه تحركات القوات، وبحسب وثائق متحف "رويال سيغنالز" البريطاني أسهمت تلك الوسائل في إرسال أول إشارة نصرٍ مباشرةٍ من ساحة المعركة.
غير أن الحرب كشفت أيضاً مخاطر الاعتماد على مسار اتصالٍ وحيد. إذ أدّت إلى إسقاط خطوطٍ برّيةٍ داخل مصر، ما أفضى إلى انقطاعاتٍ طويلةٍ عجزت خلالها الحكومة البريطانية عن التواصل مع مستعمَرتها الأكبر، الهند. ونقلت مجلة ذي إلكتريشيان البريطانية، إحدى أقدم الدوريات المهنية في مجال الهندسة الكهربائية وصناعة الكهرباء، أن هذه الانقطاعات أظهرت "ضرورة مضاعفة وسائل الاتصال ثلاث مرات".
ساعد الاحتلالُ على تسارع توسع الهاتف في مصر. امتدت الخطوط في سنة 1883 من القاهرة والإسكندرية إلى مدن الإسماعيلية وبورسعيد والسويس، وهي نقاط التحكم في قناة السويس، وإلى مراكز إداريةٍ وتجاريةٍ كبرى في الدلتا مثل الزقازيق والمنصورة وطنطا. لم يكن هذا التوزيع الجغرافي عشوائياً أو مدفوعاً بحاجات السوق المحلية، بل صُمم لخدمة أولويات سلطة الاحتلال، وربط مراكز السيطرة الإدارية والعسكرية، مع تهميش المساحات الريفية التي لم تمثل أولويةً إستراتيجية.
وبحلول سنة 1900، امتدت شبكات الهاتف إلى معظم مديريات مصر، في توسعٍ سريعٍ واستثنائيٍ تشكّل أساساً وفق احتياجات الاحتلال.
وسط هذا السياق المشحون، سيطرت الحكومة المصرية على شبكات الهاتف والتلغراف.
وقبل اندلاع ثورة 1919 بأشهرٍ قليلةٍ اشترت مصر نصيب الشركات الأجنبية في شركة الهاتف الشرقية البريطانية التي تحولت فيما بعد إلى الشركة المصرية للاتصالات. وقد دفعت مصر 755 ألف جنيهٍ إسترلينيٍ، أيْ ما يقارب سبعمئةٍ وخمسين ألف جنيهٍ مصريٍّ آنذاك، للشريك الأجنبي، بحسب بيانات تسلسل الملكية المتاحة على الموقع الرسمي للشركة المصرية للاتصالات.
ووفق ما تذكره الباحثة جيهان رشتي في فصل مصر في كتاب "تيليكوميونيكيشنز إن أفريكا" (الاتصالات في إفريقيا) الصادر عن جامعة أكسفورد سنة 1999، فإن ملكية وتشغيل شبكات التلغراف والهاتف في مصر شهدت تحولاتٍ متتابعةً عكست طبيعة الصراع على بنية الاتصالات التحتية.
من الناحية القانونية، كانت الخطوط الرئيسة مملوكةً للحكومة المصرية عبر هيئة السكك الحديدية، وتُؤجَّر لشركة الهاتف مقابل 70 في المئة من الإيرادات. لكن عملياً، ظلّت شركة الهاتف الشرقية البريطانية المتحكّمَ الفعليَّ في الإدارة الفنية والتشغيل والصيانة والتوسع وتحديد الرسوم. ما شكّل نموذج سيطرةٍ أكثر دهاءً: سيادةٌ قانونيةٌ مصريةٌ شكليةٌ، مقابل تحكمٍ بريطانيٍ كاملٍ في جوهر بنية الاتصال التحتية.
وفي سياق هذا الصراع، تشير جيهان رشتي إلى أن الجيش البريطاني استولى سنة 1885 على خطوط التلغراف في جنوب الصعيد، قبل أن يعيدها في 1887 إلى مصلحة التلغراف والهاتف. ومع مرور الوقت، اتجهت الدولة إلى ترسيخ الملكية الحكومية المباشرة. فاشترت سنة 1918 جميع خطوط الهاتف والتلغراف، باستثناء عددٍ محدودٍ من المكاتب الصغيرة. وأنشأت لاحقاً إدارةً مستقلةً للتلغراف والهاتف. وأُديرت البرقيات المحلية عبر مكاتب تلغراف مملوكةٍ للدولة، شُغّلت إما بواسطة عمال السكك الحديدية أو من خلال محطات سككٍ حديدٍ مرخَّصة.
بدت الصفقة أوّل وهلةٍ مجرد نقل ملكية أصولٍ تجارية. غير أنها في ظلّ الاحتلال مثّلت استعادةً جزئيةً للسيادة على أعصاب الدولة. فالهاتف والتلغراف لم يكونا أدواتٍ تقنيةً محايدةً، بل مفاصلَ أساساً لإدارة الحكم، ونقل الأوامر الحساسة، وتثبيت السيطرة الأمنية، وتنظيم المراقبة وتدفق المعلومات. وبعد إتمام الشراء، أُلحقت هذه الأصول بمصلحةٍ واحدةٍ جمعت بين الاتصالات وبنية الدولة الحديدية، عُرفت بِاسم "مصلحة السكك الحديدية الحكومية المصرية والتلغراف والهاتف".
وفي مايو 1927، بلغت التحديثات ذروتها مع تدشين مبنى السنترال الجديد في قلب القاهرة، بحسب ما وثّقته مجلة اللطائف المصورة في تقريرٍ موسعٍ تصدّره عنوانٌ عريض: "واجهة دار التليفون الجديدة بالقاهرة". وأشارت اللطائف، وهي من أوائل المجلات المصورة في مصر، إلى أن المبنى صُمِّم ليكون مقراً مركزياً لإدارة الاتصالات. وفي الافتتاح أجرى الملك فؤاد أول مكالمةٍ رسميةٍ من داخل المبنى مستخدماً سماعةً مطليةً بالفضة. وكشفت المجلة أن "دار التليفون الجديدة" ضمّت وحدة بطاريةٍ مشتركةً طاقتُها الاستيعابية تقارب ستة آلاف خطٍّ، ما جعلها من أضخم المشروعات في عهد الملكية. إذ حلّ هذا المبنى محلّ السنترال اليدوي القديم، ووفّر نظاماً آليّاً يتيح للمشتركين الاتصال من دون تدخّلٍ مباشرٍ من الموظفين، وهو النظام الذي كان معمولاً به في الأنظمة اليدوية القديمة.
كلّف بناء دار التليفون الجديدة ستةً وثمانين ألف جنيه،ٍ وتجاوزت نفقات تجهيزها مئتي ألف جنيه. وفي تعبيره عن رؤية السلطة الاستثمارَ في شبكة اتصالاتٍ قال الملك فؤاد إن البلاد قبل أن تتسلم الشبكة كان لديها عددٌ محدودٌ من الخطوط، توسّعت لاحقاً إلى مئةٍ وثمانين خطّاً، بإجماليّ طولٍ يصل إلى واحد وعشرين ألف كيلومتراً، في حين ارتفع عدد مراكز الهاتف من عشرين مركزاً إلى تسعةٍ وثمانين مركزاً، بما يعني أن التوسع لم يكن شكلياً، وإنما تمدداً في العصب الذي يربط العاصمة بالأطراف.
ظهر سنترال رمسيس، أو "دار التليفون الجديدة"، بواجهته الحجرية وارتفاعه الشاهق رمزاً لعصر تحديث البنية التحتية للاتصالات. لكنه كان أيضاً محطةً أساساً في مسار حكمٍ مركزيٍ سعى إلى وصل العاصمة بأكبر عددٍ ممكن من المناطق التي يتيح التليفون إدارتها عن قربٍ، بما يعزز النفوذ ويكرّس الهيبة الراسخة في عقل المواطن.

لم يقف هذا التوسع عند الإدارة، بل امتد إلى النشاط الاقتصادي. إذ تشير جيهان رشتي إلى أن شبكات الاتصالات سهّلت التواصل بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، ما جعل تحديثها جزءاً من أدوات إدارة الحكم والاقتصاد، لا مجرد خدمةٍ عامة. ونتيجة التحديثات التي أجرتها الدولة في البنية التحتية الخاصة بالتليفون، ارتفع الاستثمار فيها من سبعمئةٍ وثمانين ألف جنيهٍ مصريٍ سنة 1920 إلى مليوني جنيهٍ مصريٍ سنة 1930، وترافق ذلك مع زيادةٍ في الأرباح خلال المدّة نفسها من مئتين وعشرين ألف جنيه إلى سبعمئة ألف جنيه.
ساهمت تلك الاستثمارات في إدخال السنترالات الآلية. فدخلت القاهرة سنة 1926، والإسكندرية سنة 1935، ومُدّ خطٌّ تحت الأرض بين المدينتين سنة 1932، ما خفض زمن التأخير في وصول المكالمات إلى خمس دقائق، وهو تحسّنٌ كبيرٌ مقارنةً بالخطوط الهوائية والسنترالات اليدوية التي كانت تسبب تأخيراتٍ أطول بكثير. وقدّر تقريرٌ صادرٌ عن البنك الدولي سنة 1981 حول نشاط الهيئة القومية للاتصالات والعاملين فيها، أن إتمام المكالمة عبر الأنظمة اليدوية القديمة كان يستغرق ما بين ثلاث ساعاتٍ وستٍّ في بعض الحالات.
وصل عدد مستخدمي الهاتف في مصر سنة 1952 إلى اثنين وستين ألف مستخدمٍ من بين نحو اثنين وعشرين مليون نسمة. في دراسةٍ نشرها سنة 2009 بعنوان "جوينت فاميلي هاوسهولدز آند رورال نوتابلز إن ناينتينث سينشري إيجِبت" (الأسر الممتدة والشخصيات الريفية البارزة في مصر في القرن التاسع عشر) يقدِّر المؤرّخ الأمريكي كينيث إم كونو متوسط حجم الأسرة بنحو 6.3 أفراد. وهو ما يعني وجود نحو 3.5 مليون أسرةٍ، تمتلك 1.8 بالمئة فقط منهم هواتف. وإذا استُبعدت الخطوط المتركزة بطبيعتها داخل المصالح الحكومية وأجهزة الأمن والإدارة المحلية ومنازل العُمَد وكبار الملّاك، تتضاءل النسبة أكثر.
وتظهر الفجوة عند المقارنة بدولٍ سبقت مصر إلى الهاتف بأعوامٍ قليلة. ففي الولايات المتحدة، بلغت الكثافة الهاتفية نحو ثلاثةٍ وعشرين هاتفاً لكلّ مئةٍ من السكان سنة 1950. بما يعادل قرابة خمسةٍ وثلاثين مليون هاتفٍ، في حين سجلت المملكة المتحدة نحو تسعة هواتف لكلّ مئة نسمةٍ، أي ما يقارب أربعة ملايين ونصف المليون خطّ. وحتى فرنسا، الخارجة آنذاك من الحرب العالمية الثانية منهكةً ومتأخرةً نسبياً في مجال الاتصالات، كان هناك ملايين المستخدمين.
استخدامات الهاتف في عهد جمهورية يوليو لم تختلف عن سابقتها. إذ استخدمته السلطة أداة تعبئةٍ سريعةٍ، تُحرّك شبكات النفوذ المحلي وتعيد توجيه الشارع خلال ساعاتٍ بما يخدم أهداف السلطة في قمّتها. ويقول الضابط المتقاعد عصام عبد المجيد، الذي شغل منصب رئيس وحدة المباحث في مركز العياط بمحافظة الجيزة سنة 1967، في حديث للفراتس، إنه تلقّى اتصالاً هاتفياً من رئيسه في العاشر من يونيو 1967 يطلب منه إبلاغ عُمَد القرى بضرورة حشد الأهالي للتظاهر ضد إعلان الرئيس جمال عبد الناصر التنحّي. ويضيف عبد المجيد أنه، بدافع غضبه من الهزيمة، قرر الامتناع عن إجراء تلك الاتصالات.
هذه الحكاية تأخذنا إلى الوضع الذي أصبح عليه التليفون في عصر جمهورية يوليو. إذ تبدّلت ملامح النظامين السياسي والاقتصادي، واشتدّت قبضة الدولة على قطاعاتٍ واسعة. أمّمت الجمهورية الناشئة قطاع الاتصالات سنة 1957 عبر كياناتٍ حكوميةٍ تولّت التشغيل والتسعير. وبموجب المرسوم الرئاسي رقم 709 لسنة 1957 تأسست "هيئة الاتصالات"، قبل أن تعدَّل أحكامها بالمرسوم رقم 457 الصادر لسنة 1966. ومع إطلاق برامج استثماريةٍ كبيرةٍ لاحقاً، برزت الحاجة إلى منح الهيئة استقلالاً مالياً وإدارياً أكبر، وتحديد مسؤولياتٍ أوضح لإدارتها وتشغيلها.
رافق بناءَ نظامٍ مؤسسيٍ جديدٍ مسارُ تحديثٍ تدريجيٍ لقطاع الاتصالات والصناعات المرتبطة بها. وتشير جيهان رشتي إلى تأسيس ثلاث شركاتٍ لتجميع الإلكترونيات في مصر. فيليبس لتجميع أجهزة الراديو سنة 1956، وشركة راديو الترانزستور العربية، ثم شركة النصر للتلفزيون سنة 1961. ولاحقاً تأسست شركة ساترون سنة 1969 لتوفير المكونات الكهربائية والإلكترونية، إلى جانب إنشاء مركزين بحثيين لتطوير المعدات ومعالجة المشكلات الفنية.
وعلى مستوى الشبكات، أُنشئ أول مركز اتصالات ذاتي التشغيل بنظام "كروس بار" سنة 1961، ودُشّنت أول بورصة تلكس سنة 1962، ثم شُغّل أول خطٍّ سلكيٍّ بحريٍّ يربط مصر بإيطاليا سنة 1972 بسعة أربعمئةٍ وثمانين دائرة. وبحلول سنة 1975، أُطلقت خدمة الهاتف اللاسلكي للسيارات في القاهرة، إلى جانب إنشاء شبكة وصلات بموجات قصيرة بين القاهرة والإسكندرية والسلوم لربط المحافظات. غير أن هذا التقدم التقني ظلّ محصوراً جغرافياً.
وتكشف أرقام تقرير البنك الدولي الصادر سنة 1981 عن واقعٍ مؤلم. فبحلول سنة 1978، كانت كثافة التليفون في القاهرة خمسة خطوطٍ لكلّ مئة نسمةٍ، وفي الإسكندرية ثلاثة خطوطٍ ونصفاً تقريباً. بينما في باقي البلاد أي الريف والمدن الصغيرة لم تتجاوز النسبة ثمانيةً وعشرين خطّاً لكلّ عشرة آلاف نسمة. بالأحرى، كانت فرصة سكان القاهرة في الحصول على خطّ هاتفٍ ثمانية عشر ضعف فرصة سكان الريف. والأسوأ أن ما يقرب من ألف قريةٍ مصريةٍ لم تتوفر فيها خدمة التليفون حتى نهاية السبعينيات.
ويرسم التقرير صورةً قاتمةً لجودة الخدمة خارج المدن الكبرى في الثمانينيات: أعطالٌ متكررةٌ وشبكاتٌ مكتظةٌ وتأخيراتٌ مزمنةٌ تجعل الاتصال العادي مهمةً شاقة. ففي بعض قرى المنوفية، استغرق الاتصال بالقاهرة أربع ساعاتٍ على الأقل. لم يكن هذا التفاوت خللاً تقنياً عابراً، بل نتاجاً لأولويات الحكم. فالهاتف في الريف خُطّط له أساساً لربط العاصمة بأجهزتها المحلية: العمدة ومأمور المركز وقسم الشرطة ومقر الاتحاد الاشتراكي، لا لخدمة الحياة اليومية للسكان. ومع ضعف الاستثمار، فقدت الشبكة قدرتها على مواكبة الطلب، إذ انخفضت "نسبة توفر الهاتف" من قرابة 96 بالمئة سنة 1968 إلى 49 بالمئة سنة 1978. وقفز عدد المتقدمين للحصول على خطٍّ من قرابة خمسة عشر ألفاً إلى أكثر من 373 ألف شخصٍ خلال العقد نفسه، ليصبح طابور الانتظار مساوياً تقريباً لحجم شبكة الاتصالات القائمة.
مع موجة الانفتاح الاقتصادي التي تسارعت منذ أواخر السبعينيات، سعت الحكومة إلى تخفيف الاختناق المتراكم في الطلب على الخطوط الهاتفية. راجعت لجانها الإقليمية قوائم الانتظار، وأعادت ترتيب الأولويات، مانحةً منذ نوفمبر 1980 أسبقيةً للمستشفيات والبنوك وشركات الاستثمار والبعثات الدبلوماسية. وخفّفت بعض القيود الإدارية بالسماح بنقل الخط داخل العائلة الممتدة، أو تخصيصه للمشتري عند بيع المنزل، وتقليص فترات حظر نقل الخطوط في مناطق مراكز الاتصالات الجديدة.
وعلى مستوى الخدمة العامة، أشار تقريرٌ من البنك الدولي إلى محدودية انتشار أكشاك الهاتف في المدن بسبب التخريب، والاعتماد بدلاً من ذلك على "مكاتب عمومية" داخل متاجر خاصة. أما في الريف، فتركزت الهواتف العمومية داخل مكاتب التليفون والبرق أو لدى وكلاء هيئة الاتصالات المحليين، الذين كانوا غالباً من تجار القرى. وفي الوقت نفسه، احتفظت البرقيات بمكانتها في المعاملات الرسمية وفي التهاني والتعازي والإعلانات الاجتماعية، باعتبارها أكثر موثوقيةً وأماناً من المكالمات الهاتفية، خاصةً في التعاملات التجارية.
وبحلول سنة 1994، قُدّر عدد الخطوط الهاتفية في مصر بنحو أربعة ملايين خطٍّ، دليلاً على التحول الواسع في بنية الاتصال. لكن هذا التوسع ترافق مع تصاعدٍ ملحوظٍ في قدرات المراقبة. ففي تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر لسنة 1991، كما نقلته منظمة "هيومن رايتس ووتش" سنة 1992، وُثّق امتلاك الأجهزة الأمنية قدراتٍ واسعةً على التنصت على الهواتف وفحص المراسلات ورصد النشاط السياسي للمعارضة والصحفيين والطلاب والجهات المهنية والأكاديمية، ما يجسّد محاولات احتواء آثار الاتساع المتزايد في شبكة الاتصال.
وفي أكتوبر 1993، دخل الإنترنت مصر عبر اتصالٍ أكاديميٍّ محدودٍ بين الجامعات المصرية ونظيراتها في فرنسا بسرعة 9.6 كيلوبت، وظلّ استخدامه محصوراً في النطاق البحثي. ومع ذلك، شكّل هذا التطور بداية تحولٍ أوسع في قطاع الاتصالات، الذي دخل مسار الإصلاح والتحرير منذ سنة 1998، مدفوعاً ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي انطلق سنة 1991، وبالتزامات مصر التجارية عقب انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، ولاسيما اتفاق الاتصالات الأساسية الذي صُدّق عليه سنة 2002، ما مهّد لتفكيك احتكار الدولة خدمات الاتصالات تدريجياً.
لكن التحول الاقتصادي لم ينهِ هاجس السيطرة. ففي نوفمبر 2002، أبرزت صحيفة "أخبار اليوم" ملامح مشروع قانونٍ للاتصالات كان مطروحاً للنقاش في مجلس الشورى (غرفة البرلمان الثانية آنذاك) تحت عنوانٍ لافت: "اللاسلكي ممنوع". تضمّن المشروع حظر استخدام الهواتف اللاسلكية بلا ترخيص ومصادرة الأجهزة المخالفة وتخويل السلطات حقّ مراقبة المكالمات عند الضرورة الأمنية وإلزام شركات الاتصالات بتوفير البنية الفنية اللازمة لذلك. هكذا سعت الدولة إلى إحكام الإطار القانوني الذي ينظم الاتصال المنزلي وتطويق أيّ أنماط تواصلٍ تتوسع خارج نطاق الرقابة، حتى في لحظة الانفتاح الاقتصادي وتحرير السوق.

وفي العام التالي، صدر قانون تنظيم الاتصالات فوضع الإطار القانوني الحديث للقطاع، ورسّخ صلاحيات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات باعتباره الجهة المنظمة والمشرفة على السوق. تزامن ذلك مع تصاعد ما عُرف بثورة المحمول منذ أواخر التسعينيات، بعد انتقال القطاع إلى نموذج التراخيص والمنافسة، ودخول مشغّلين مرخّصين إلى السوق، مثل موبينيل وفودافون، قبل أن تلتحق بهما شركة اتصالات مصر التي بدأت التشغيل التجاري في مايو 2007.
ومع هذا الانتشار المتسارع، تحوّل الهاتف المحمول من خدمةٍ نخبويةٍ محدودةٍ إلى وسيلة اتصالٍ جماهيريةٍ واسعة. وهو ما فرض على السلطة تحدياً أمنياً جديداً، لا يتعلق فقط بتضاعف حجم الاتصالات بل بقدرة هذه الوسيلة على إعادة تنظيم المجال العام وتسريع وتيرة التفاعل خارج قنوات الرقابة التقليدية.
تحولت خطوط الاتصالات إبان ثورة 1919 إلى ساحة صراعٍ بين الشارع وسلطة الاحتلال. وتكرّر ما حدث في الثورة العرابية سنة 1882، حين استهدف الثوار خطوط الاتصال سعياً لتعطيل الغزو البريطاني الذي اعتمد على التلغراف في تنظيم الصفوف وتنسيق التحركات، وعلى السكك الحديد للنقل السريع، ثم على الهاتف لتسريع القرار. فعقب نفي سعد زغلول إلى مالطا في 8 مارس 1919، اندلعت الاحتجاجات بوتيرةٍ متسارعة. وتجلّت مركزية وسائل الاتصالات أداةَ حكمٍ مع إضراب عمال السكك الحديد والبريد والتلغراف والهاتف يومي 15 و16 مارس، إضافةً إلى عمليات التخريب الممنهجة التي قادها الثوار لهذه المرافق. إذ استهدفت قطع عصب السيطرة والإدارة، لأن توقف الشبكة يعني شلّ القدرة على التواصل، ومن ثمّ ضعف التنسيق وإرسال الأوامر.
بدا المشهد درامياً. لا قطارات تسير ولا هواتف تعمل ولا خطوط تلغراف تربط القاهرة بالمحافظات الأخرى. العاصمة التي تُدار منها البلاد تصبح في لحظةٍ واحدةٍ أقلّ قدرةً على إدارة أطرافها. لم يكن مجرد عطلٍ تقنيٍ مؤقتٍ، بل فعلاً سياسياً واعياً.
هنا تتضح المفارقة: الهاتف في يد الحكومة المصرية شكلياً باعتبارها سلطةً وطنيةً، لكنه بيد الحضور البريطاني واقعاً، فظلّ الهاتف أحد أدوات الحكومة التابعة للاحتلال لضبط المجال العامّ حين تشتدّ الأزمات. وفي المقابل، تعلّم الشارع بحدسٍ عمليٍّ أن السيطرة لا تتحقق في الميدان وحده، بل في قطع خطوط الاتصال أيضاً. بهذا المعنى يمكن قراءة الثورة العرابية ثم ثورة 1919 محطتين مبكرتين لصدامٍ مباشرٍ بين سلطةٍ تسعى إلى احتكار الاتصالات وبين مجتمعٍ يحاول انتزاع حقوقه ومقاومة أدوات الاستبداد، وعلى رأسها الاتصالات.
غير أن هذه المعادلة انقلبت في ثورة يناير 2011، فما كان يُمارس تاريخياً تكتيكَ مقاومةٍ تستخدمه الجماهير من أسفل، تحوّل إلى قرارٍ سياديٍّ اتخذته السلطة من أعلى حين انتقلت أدوات الاتصال إلى يد المجتمع. لعبت الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية دوراً محورياً في التعبئة والتنظيم، لتردّ الدولة بإجراءاتٍ استثنائيةٍ شملت قطع الإنترنت والاتصالات على نطاقٍ واسعٍ بالتزامن مع 28 يناير، من أجل شلّ قدرة المجتمع على التنسيق.
المفارقة أن الفعل واحدٌ، لكن الفاعل والغاية تبدّلا. ففي ثورتي 1882 و1919، حين احتكرت السلطة وسائل الاتصال، لجأت الجماهير إلى تعطيلها لكسر السيطرة. أما في 2011، وبعد أن باتَ الاتصال أداةً بيد الشارع، كانت الدولة هي من قطعت الشبكة، في مشهدٍ أقرب إلى لعبة قطٍّ وفأرٍ تاريخية: بالأمس تقطع الجماهير الاتصالاتِ، واليوم تقطعها الحكومة.
قطع الاتصالات لم يكن قراراً مرتجلاً، بل خطوةً أُعدّ لها مسبقاً، مع اختبار أدواتها بالتدرّج. فبحسب وثائق حكوميةٍ وقضائيةٍ نفذت الحكومة المصرية عدّة تجارب لقطع الاتصالات والإنترنت، بدأت في 6 أبريل 2008 حين أُنشئت "غرفة طوارئ" داخل سنترال رمسيس، بمشاركة ممثلين عن الدفاع والداخلية والاتصالات وشركات المحمول، وتضمّنت اختباراتٍ على الحجب وقطع الخدمة في نطاقاتٍ محددةٍ، إلى جانب تقييد الرسائل النصية.
وبعد انفجار ثورة يناير 2011، اتخذ الحصار شكلاً متدرجاً. في 27 يناير قيّدت الحكومة الرسائل القصيرة وخدمات الإنترنت على نطاقٍ واسع. ثم في 28 يناير جاء القطع الأكبر، واستمر حتى 31 يناير. ثم بدأت استعادة الإنترنت التدريجية في 2 فبراير. وكانت شركة "نور" استثناءً لافتاً. فالشركة التي تأسست سنة 1999 لتقديم خدمات الإنترنت للشركات والهيئات والمؤسسات، ثم وسّعت نشاطها لاحقاً ليشمل الأفراد، ظلّت المزود الوحيد الذي لم تُقطع خدمته، بعدما نُقلت إليه قنوات اتصالٍ تخصّ تداولات البورصة والأوراق المالية وبعض العمليات الاقتصادية.
وفي مواجهة هذا الحصار، أصدرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير تقريراً في الأول من فبراير 2011 عن قطع الاتصالات وثّقت فيه نماذج عمليةً لتحايل الجماهير على العزل المفروض، ليس بوصفها سردياتٍ بطوليةً بل آليّات تكيّفٍ واقعية. من أبرزها خدمة "سبيك تو تويت" التي طوّرتها فرقٌ من "غوغل" و"تويتر" و"ساي ناو" في أيّامٍ قليلةٍ وأتاحت نشر رسائل صوتيةٍ على تويتر عبر الاتصال بأرقامٍ دوليةٍ من أيّ هاتفٍ، حتى الخطوط الأرضية القديمة، دون الحاجة إلى الإنترنت. وبالتوازي استُخدمت خطوطٌ دوليةٌ أرضيةٌ ظلّت تعمل في بعض المناطق. كذلك لجأ آخرون إلى هواتف تعمل بالأقمار الصناعية، تأكيداً على أن معركة الاتصال كانت ولا تزال جزءاً لا يتجزأ من معركة السلطة.
ومع تحوّل الاتصال من مكالماتٍ ورسائل إلى منصاتٍ اجتماعيةٍ صار فيها الفيديو "المحتوى الأقوى"، اتسع نطاق الضبط من الشبكات إلى مستخدميها وصنّاع المحتوى. وتنفيذاً لقانون تنظيم الصحافة والإعلام، تعاملت السلطة مع الحسابات واسعة الانتشار، ولاسيما التي يتجاوز عدد متابعيها خمسة آلافٍ، بوصفها كياناتٍ إعلاميةً عرضةً للمساءلة أو الحجب وفق معايير عامةٍ وفضفاضةٍ مثل "نشر الأخبار الكاذبة" أو "التحريض على العنف" أو "التعدي على القيم الأسرية".
ومع التسارع التقني واتساع استخدام الهاتف المحمول، ظلّ الهاتف الأرضي ركيزةً أساساً في منظومة الاتصالات. وبلغ عدد مشتركيه نحو ثلاثة عشر مليون مشتركٍ سنة 2025، لاسيما أن خط الهاتف الأرضي هو العمود الفقري لاشتراكات الإنترنت.
ومع استهداف قانون تنظيم الاتصالات إنهاء احتكار "المصرية للاتصالات" الخدمةَ الثابتةَ بحلول يناير 2006، فإن الواقع سار في اتجاهٍ مغاير. إذ واصلت الشركة هيمنتها على بنية الشبكة التحتية، في حين بقيت المنافسة محدودة التأثير. وقد عكس الحريق الذي اندلع في سنترال رمسيس في يوليو 2025 حجم هذه الهيمنة، بعدما أدّى تعطّل المبنى، بعد قرابة قرنٍ على إنشائه، إلى انقطاعٍ واسعٍ في الاتصالات وتوقف خدماتٍ ماليةٍ وتقنيةٍ في مناطق متعددةٍ من البلاد.
ويتجلى هذا النمط منذ سنة 2016 مع منح تراخيص الجيل الرابع لمشغّلي المحمول الثلاثة (فودافون، وأورانج، واتصالات)، مقترنةً بما عُرف بتراخيص الخط الثابت الافتراضي. إذ أتاحت هذه الصيغة للمشغلين تقديم خدماتٍ ثابتةٍ عبر البنية الأساس للمصرية للاتصالات، من دون امتلاك شبكة نفاذٍ مستقلةٍ، ما جعلهم عملياً معتمدين على استئجار البنية التحتية بدل منافستها.
بهذه الكيفية استمرت السيطرة على مفاصل الاتصال باعتبارها امتداداً تاريخياً لمنطقٍ بدأ سنة 1918، لتظل الاتصالات رغم تعدد المشغّلين أقرب إلى "صولجان حكم". فمن يمسك بمفاتيح الشبكة يمتلك اليد العليا. وهو منطقٌ يتّسق مع سياقٍ يتراجع فيه المجال العامّ وتتصاعد فيه الاعتبارات الأمنية. وبدل أن يستقر الهاتف خدمةً عامةً تُحسّن حياة الناس، ظلّ ساحةً لصراعٍ طويلٍ، غالباً ما ينتهي إلى رابحٍ واحد.

