للصورة مرتبةٌ معرفيّةٌ عالية، "سموّ معرفي" كما كتب الفيلسوف الأمريكي كيندال والتون سنة 1984 في مقالٍ بعنوان "ترانسبارنت بيكتشرز [. . .]" (الصور الشفافة [. . .]). هي مرآةٌ محايدةٌ للواقع، الأمر الذي يكسبها العلوّ المعرفيّ في عالم الأدلّة. وفقدان الصورة مكانتَها المعرفيّة، إثر تحدّي التزييف العميق المولَّد بالذكاء الاصطناعي، قد يكون طعنةً قاسيةً للإدراك تظهر آثاره في "العمى الإدراكي". وهو إرهاقٌ أو تشتتٌ معرفيٌّ لا إراديٌّ يكتسبه المرء إثر التعرّض المستمرّ للأخبار المزيّفة، حتى يصبح عاجزاً عن تقدير الوزن النوعي لكلّ دليلٍ مُتاح. تقنيّات الدعاية الجديدة تُغرِق ساحات النقاش برواياتٍ متناقضة، وتصعِّب الإجابة على بعضٍ من أبسط الأسئلة. ومع وفرة الصور والمعلومات، الصحيحة منها والمزيّفة، يصبح إدراكنا عرضةً للتشويش الذي يغيّر فهمنا الواقعَ. إذ يبني الزيف المتراكم وهماً يبدو واقعاً.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية طُبقت الخطط الدعائية التي استخدمتها أطراف الحرب تجارياً. ومن أوائل الأمثلة البارزة حملات بذور الشك التي كان يقودها موظفو العلاقات العامة بشركات التبغ الأمريكية في الخمسينيات، التي شكّلت نموذجاً مبكراً لحملات خَلق العمى الإدراكي. جاء ذلك بعدما بدأت الأبحاث الطبيّة تشير لوجود علاقةٍ أكيدةٍ بين التدخين وسرطان الرئة. تلخَّصت "استراتيجية التبغ" التي اتبعتها الشركات في الترويج لأفكارٍ وشعاراتٍ مثل "مُدخِّنٌ رحل عن الدنيا في الرابعة والثمانين من عمره، وشابٌ رياضيٌّ توفّي وهو في عشرينياته". حصل أيضاً تعويمٌ متعمّدٌ لباحثين وخبراء وأطباء، جُنّدوا لضرب الإجماع العلميّ وخلق نوعٍ من التوازن الكاذب، تحت شعار "سماع وجهات النظر كافة". نجاح الحملة جعل منها نموذجاً متبعاً في التلاعب بالرأي العام.
استراتيجيّة التبغ هي في العمق تلاعبٌ بالنزعة الموضوعيّة لدى الناس. تُخفَّض فيها مرتبة أدلّةٍ يجب أن تستحوذ على الاهتمام المركزيّ، ويُرفَع شأن أدلّةٍ يجب أن تُستبعد وتُهمَل. ولأنّ استراتيجيّة التبغ لا تسعى إلى الإقناع، بل إلى ضرب القدرة على الاقتناع، فهي نموذجٌ مثاليٌّ لإنتاج حالة العمى الإدراكي. يهون لدى الإرادة الإدراكية المشلولة تخفيض المرتبة الوقائعيّة للنتائج العلمية المحققة، ويسهل عندها الخروج من الإجماعات العلميَّة الموثّقة.
وإذا كانت استراتيجية التبغ أرست نموذجاً مبكراً للعمى الإدراكي وأساليبه، فإنّ هذا النموذج لا يزال يتكرّر اليوم بصورٍ أكثر تعقيداً وانتشاراً.
ولأن السيطرة على الإعلام الجديد عبر الاستحواذ والتجريم ليست حلاً ناجعاً، أُسّست "الدعاية الجديدة" على بثِّ الشكِّ العام والإرباك الشامل وتدمير المقدرة على التمييز. النتيجة هي ظهور العمى الإدراكي، ما يعني تراجعاً عامّاً في مجمل الطاقة الإدراكيّة الضروريّة لتقدير الوزن النوعي لكلّ دليل.
الضجة المضلّلة تزرع بذور الشك وتعزّز الفتنة وترهِق معلوماتياً. لا تسعى إلى دفع نوعٍ معيّنٍ من الأدلّة إلى الواجهة، بل تقليل جودة الأدلة المطروحة في الساحة. الأمثلة حيّة في وسائل التواصل الاجتماعي حيث الحسابات الوهمية بأسماء مزيّفةٍ يديرها إمّا بشر حقيقيون أو أداة للذكاء الاصطناعي لإظهار دعمٍ أو رأيٍ زائف. تُسمَّى هذه الحسابات في مجالات الحروب المعلوماتية وحملات التأثير على الانترنت "الدمى الجَوربيّة". وهي تَحقن مرتكزات الرأي العام بالشكّ، وتُغرق الإنترنت بالشائعات الفاضحة ونظريّات المؤامرة.
الجهة الأشهر في إنتاج حسابات التصيّد والدمى الجوربيّة هي "وكالة أبحاث الإنترنت"، من مقرّها في مدينة سان بطرسبرغ الروسية. الوكالة نشطَت، وفق بحث داوسون وإينيس، في مجالَيْن. الأول التأثير على الانتخابات الأمريكية والتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت) سنة 2016. والثاني التأثير على الرأي العام المحلّي الروسي. صِلات الوكالة بالكرملين صعبة الإنكار، لأن مؤسِّسَها رجل الأعمال ذي الخلفية العسكرية يفغيني بريغوجين، القائد السابق لمجموعة فاغنر الأمنية الخاصة. كان بريغوجين صديقاً شخصياً للرئيس فلاديمير بوتين، قبل أن يُقتل في حادث تحطم طائرةٍ في أغسطس 2023 بعد أن قاد تمرّداً عسكريّاً فاشلاً ضدّ بوتين في يونيو من السنة نفسها.
المنتج التلفزيوني والكاتب البريطاني الأوكراني بيتر بوميرانتسيف، الذي سبق أن عمل في وسائل إعلام روسية، قدّم شهادةً حيَّةً عن آليات عمل العمليّات الإعلامية الروسية في كتابه "ناثينغ إز ترو أند إيفري ثينغ إز بوسيبول" (لا شيء حقيقي وكل شيء ممكن)، الصادر سنة 2014. لاحظ بوميرانتسيف سمتَيْن أساسيتين في سلوك الإعلام الروسي: تنوعٌ منضبطٌ للآراء لصالح بوتين وتناقضٌ محيّرٌ في تغييرٍ يوميٍّ للقصة الحكوميّة. لا حاجة لخطِّ إقناعٍ إعلاميٍّ متماسكٍ لصالح الحكومة، ولا مشكلة في تغييرٍ يوميٍّ في الرواية الرسميّة. يستخدم التلفزيون الرسمي الروسي نفس تقاليد البرامج النقاشيّة الغربيّة، ولكن معارضي الحكومة يَظهرون دمىً تقول كلاماً لا يشكِّل أيّ تهديدٍ للنظام. وعلى امتداد الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، كانت رواية بوتين تتغيّر يومياً. فتارةً يقول: لا وجود لجنودٍ روسٍ في شبه جزيرة القرم، المنطقة التي ضمّتها روسيا سنة 2014، وتارةً يتحدّث عن حماية العرق الروسي من الإبادة الجماعيّة والتهديد النازي، وتارةً يستحضر حدود الاتحاد السوفييتي مدافعاً عن الحق التاريخي بتوحيد الأرض.
ويكاد الإعلام الروسي ينشر يومياً تقارير تؤكّد زيف فكرة الديمقراطيّة، وتشهّر بالمنظّمات غير الحكوميّة التي تدعم سرّاً الحركات الاحتجاجية، وتسخر من فكرة الإعلام الموضوعي. ببثّ هذا الشك وتكريس قناعة أنّ لا شيء حقيقياً، ولا شيء يمكن أن يصدَّق، تعمِّم الدعاية الجديدة العمى الإدراكي. فبدلاً من النقاش يجب تدمير أسس طاولة النقاش. وبدلاً من مواجهة الحكم يجب تحويل المحكمة إلى مسخرة.
لا تَظهر الدعاية الجديدة في بيئةٍ فيها سيطرة شديدة على المعلومات، بل في مناخٍ معرفيٍّ فوضويٍّ يقوِّض الثقة بالمؤسسات ويسيِّس النزعة إلى الموضوعيّة ويفرِّغ الخبرة المستقلّة من مضمونها. تقود الدعاية الجديدة إلى تشكيل هوياتٍ اجتماعيةٍ مُصمتةٍ مُغلَّفةٍ بوسمَيْ "نحن" و"هم" مستخدمةً العمى الإدراكي. وخطاب "نحن وهم" ورد مراراً في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياق هجومه الدائم على "الدولة العميقة" و"الأخبار المزيفة". كذلك استخدم مناصرو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أيضاً ضمائر الهوية الجوهريَّة للتشكيك بآراء الخبراء الذين كانوا يشيرون إلى العواقب الاقتصاديّة الناجمة عن هذا الخروج. "هم" كانت "بيروقراطيو بروكسل"، النخبة "المنفصلة عن الواقع"، التي تريد أن تعلّم الناس العاديين ما هو الأفضل لهم.
من أبرز الأمثلة السياسية الأخرى لإنتاج العمى الإدراكي ظاهرة "الاستشارات الوطنيّة" في المجر. فقد كان حزب "فيدس" بزعامة رئيس الوزراء فيكتور أوربان يستشير شعبه بطريقة مضللة، حسبما ورد في تقريرٍ للباحثتَين أغنيس باتوري وسارة سفينسون نشر سنة 2019، بعنوان "ذه يوز أند أبيوز أوف بارتيسيباتوري غوفرننس باي بوبيولست غوفرنمنتس" (استخدام واستغلال الحكومات الشعبوية للحوكمة التشاركية). الاستشارات الوطنيّة مجموعةٌ من الأسئلة ترسَل إلى منزلِ كلّ مواطنٍ مجريٍّ مصمَّمةً للحصول على إجاباتٍ معروفةٍ مُسبقاً، بهدف خلق إجماعٍ شعبيٍّ زائفٍ عن سياسات الحكومة. وتشوه حكومة أوربان بهذه الاستشارات صورة المعارضين وتشيطن كلّ مختلِف.
مثلاً، يقول سؤالٌ ضمن استشارةٍ مرسَلَةٍ إلى منازل المواطنين سنة 2017: "بروكسل تريد إجبار المجر على إدخال مهاجرين غير شرعيين. هل من واجب الحكومة المجرية احتجاز هؤلاء المهاجرين حفاظاً على سلامة الشعب المجري؟". سؤالٌ آخر بهدفٍ مبطن، يجرِّم البطالة أخلاقيّاً بالصياغة التالية: "هنالك من يعتقد أنّ البلاد يجب أن تساعد العاطلين عن العمل بمنحهم عملاً بدلاً من إعانات، وآخرون يصرِّون على أنّ الإعانة هي الحلّ لمسألة البطالة. ما الحل برأيك؟". أو السؤال الذي يدعم السوق الرأسمالي المتحرر من أي ضوابط: "هنالك من يعتقد أنّ الدولة يجب أن تقيِّد احتكار الشركات الخاصّة الكبرى، في حين يرى آخرون أنّ هذا غير ضروري. والسمكة الكبيرة، بشكلٍ طبيعي، تأكل السمكة الصغيرة. فما رأيك؟". أو السؤال الذي يقصي المهاجرين بنبرته: "هل توافق على أنّ الحكومة مُلزَمةٌ أخلاقيّاً بدعم العائلات المجرية الصغيرة والضعيفة والأمّهات المقبلات على الولادة، بدلاً من تخصيص الأموال لدعم المهاجرين؟".
كل أسئلة الاستشارات الوطنية كانت موجَّهةً ضدّ المنظّمات غير الحكوميّة وهيئات الاتحاد الأوروبي. "هُم" هنا بروكسل التي، وفق رواية الحكومة المجرية، "تريد إجبار المجر على السماح بدخول مهاجرين غير شرعيين رغم وقوع هجماتٍ إرهابيةٍ متكررةٍ في أوروبا". و"هُم" أيضاً ما تسمّيه الحكومة "خطة سورس"، في إشارةٍ إلى الملياردير المجري الأمريكي جورج سورس. وتزعم أنها تهدف إلى "دفع ثقافات ولغات الدول الأوروبية إلى الخلفية، لتسهيل اندماج المهاجرين غير الشرعيين". الاستشارات الوطنية لا تهدف إلى إقناع المواطنين بروايةٍ معينةٍ عن الأحداث، بل تسعى باتّجاه بناء إجماعٍ شعبيٍّ قائمٍ على العبث بالأدلة. وانطلاقاً من الاستشارات الوطنية سعت الحكومة المجرية لإصدار قوانين استثنائيَّةٍ مثل قانون المنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً سنة 2021، الذي يجبر كلّ منظمة تتلقّى تمويلاً أجنبياً أن تكتب علناً على منصاتها الإلكترونية بأنّها "ممولة من الخارج".
ومع أنّ هذه الحملات المنظمة لتعمية الإدراك وجدت أدواتٍ أوسع، بفضل التقنية الاتصالية الحديثة، إلا أن جذورها أبعد في التاريخ.
تَستخدم هذه الحسابات تقنيات في النشر تهشِّم كل الأدلة عبر "النشر المتزامن وإعادة نشر المحتوى القديم، ونسج رواياتٍ ملفّقةٍ للتأثير على الرأي العام". فَحَصَ فريق التحقق في "بي بي سي" خمسين ألف منشورٍ، أكثر من 60 بالمئة منها مكتوبةٌ من خارج سوريا، خاصّة من "إيران والعراق واليمن ولبنان". ويوثِّق التقرير أيضاً تلاعباً منسَّقاً من برامج آلية أو حملاتٍ ممنهجة، "لإغراق النقاش بسيلٍ من المنشورات المكررة والموجهة".
العمى الإدراكي وَلّد النسخة السورية من ضميرَي "هم" و"نحن". رُصِدَ أكثر من مئة ألف تعليقٍ منذ نوفمبر 2024 وحتّى تاريخ نشر التقرير، مصدرها حساباتٌ موجودةٌ في السعودية وتركيا، وتضمَّنت "عبارات مسيئة ضدّ العلويين". إحدى الدلائل التي يقدّمها التحقيق على أنّ هذه الحسابات موجَّهةٌ، التدقيق في أسمائها التي تأتي غالباً مزيجاً عشوائياً من أرقامٍ وحروف.
انتشرت نهاية سبتمبر 2025 على وسائل التواصل الاجتماعي صورةٌ مزعومةٌ لجنودٍ سوريين عراةٍ محاطين بجنودٍ إسرائيليين، مع الادّعاء بأنّ الجيش الإسرائيلي أجبرهم على خلع ملابسهم، فيما بدا أحدهم مرتدياً ملابس داخلية نسائية. حصدت الصورة عشرات آلاف المشاهدات والتفاعلات، وشاركها ناشطون بارزون، قبل أن يتبيَّن أنّها مزيفةٌ وصُنعت بأداة الذكاء الاصطناعي "غروك".
وهنا لا تقتصر خطورة الصورة المضلِّلة على أثرها الآني في توجيه الانفعالات الجماعية، بل تمتدّ إلى ما تكشفه من قابليةٍ واسعةٍ للانخداع أمام المحتوى الزائف. من هذه النقطة يمكن الانتقال إلى فهمٍ أعمق لآلية هذا الانخداع، للآلية النفسية والبنيوية التي يتبلور منها العمى الإدراكي.
في تفاصيل التجربة، تقسَّم مجموعةٌ من الكلاب إلى قسمَيْن ويوضع كلّ قسمٍ في صندوقٍ منفصل. صعقت الكلاب في الصندوقَيْن بسلسلةِ صعقاتٍ كهربائيةٍ تصل إلى أجسادها عبر أسلاك. في الصندوق الأول يوجد زرٌّ قرب رؤوس الكلاب بضغطه توقِف الكلاب الصعقات. أما في الصندوق الثاني فلا تتوفر أيّ إمكانيةٍ لتجنّب الصعقات. فتصبح الصعقات في الصندوق الأول قابلةً للإيقاف، بينما هي حتميّةٌ و"قدرٌ طبيعيٌّ" عند كلاب الصندوق الثاني.
طوّرت كلّ مجموعةٍ من الكلاب سلوكاً مناسباً لصندوقها. سرعان ما أسّست كلاب الصندوق الأول للمهارة الإدراكيّة بأن الصدمات تتوقَّف بنطحِ الزر، في حين تتلقاها أجساد كلاب الصندوق الثاني بصمت. كذلك أصبحت كلاب الصندوق الأول سريعةً في استجابتها، لدرجة أنّها تضرب رأسها بزرّ التثبيطِ في اللحظة الفاصلة بين سماع صوت الإنذار والصعقة الكهربائيّة. في حين لا تطوّر كلاب الصندوق الثاني حتّى مهارةَ تَوقُّع الصدمة للاستعداد البدنيّ لها. كلاب الصندوق الأول تتعلَّم أنّ أفعالها تحدث فرقاً، في حين كلاب الصندوق الثاني تعرف أن لا دور لإرادتها في إيقاف الصدمة، وتحسب أن احتماليّة الإيقاف بالاستجابة تساوي احتماليّة الإيقاف بعدم الاستجابة.
غيّر الباحثان شروط التجربة وعدّلا تعديلَين، فقد استُبدل الصندوقان بصندوقٍ واحدٍ كبيرٍ مقسومٍ إلى حجرتَيْن بحاجزٍ قصير. وضُمت إلى التجربة مجموعةٌ ثالثةٌ من الكلاب لم تشارك في المرحلة السابقة من الاختبار. داخل الصندوق الكبير تُصعق جميع الكلاب صعقةً كهربائية في الحجرة المؤذية، ويمكنها تجنّبها بسهولةٍ عبر القفز فوق الحاجز إلى الحجرة الآمنة. الغاية من إدخال مجموعةِ ضبطٍ ثالثةٍ من الكلاب قياس مقدار التشوّه السلوكيّ وشدّة الانحراف الذي أحدثته ظروف المرحلة الأولى لدى كلاب المجموعتين السابقتين.
النتائج كانت مفاجئة. فكلاب المجموعة الأولى التي تعلّمت أنّ الصعقات الكهربائيّة خاضعةٌ للسيطرة وقابلة للتجنّب، وكلاب المجموعة الثالثة التي انضمّت حديثاً إلى التجربة قفزت فوراً من الحجرة المكهرَبة إلى الحجرة الآمنة. أما كلاب الصندوق الثاني، التي تعلَّمتْ ونشَأت على قناعة أن الفعل وعدم الفعل سواء وأن الإصابة حتمية، بقيت عاجزةً مكانها ولم تحاول حتى القفز. ظلَّت تتلقى الصعقات وتحدِّق في الحجرة فيما بدا اكتئاباً نَزَع الإرادة منها.
انطلاقاً من تجاربهما، عرَّف العالمان الأمريكيّان الاكتئابَ البشري السريري أنه حالةٌ معرفيّةٌ يطوّرها المكتئب، وفحواها فقدان الثقة بتأثير الفعل الذاتي. فإثر التعرّض إلى تجاربَ مؤذيةٍ سابقةٍ، لم يكن ممكناً السيطرة عليها وقتها، تُصاب الإرادة باكتئاب. وبوجود التزييف العميق الذي يخلط بين الواقع والوهم، تُصاب إرادة الإدراك باكتئابٍ معرفيٍّ يفقد به المرء القدرة على تقييم المشهد العام للأدلة. كذلك إثر الاستقبال المستمر للأخبار المزيفة والمعلومات المتناقضة والصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، تتحطّم هِمّة تشكيل أيّ رأيٍ في العموم. ويصبح الأعمى إدراكيّاً، مثل كلاب الصندوق الثاني، عاجزاً عن التحرّك واعتناق الدليل المناسب، حتّى لو كان الأمر متناولاً وسهلاً. ومع ذلك ليس كلّ فقدانٍ للإحساس بالدليل عمىً إدراكيّاً. فهناك حالاتٌ طبيعيةٌ تظهر فيها الحساسية تجاه الأدلة فروقاً، حسب الخبرة والمعرفة.
أما النوع الحميد الثاني فهو الحساسية المفرطة تجاه الأدلة التي عادةً لا تجذب انتباه الشخص العادي. فليس الفضول اللجوج دائماً فضيلة وقد يكون المرء مفرطاً في الاهتمام بأمورٍ لا تعنيه، وليس ملزماً بتشكيل أي معتقداتٍ حولها.
العمى الإدراكي ليس فضولاً مفرطاً إزاء أدلَّةٍ غير ذات صلةٍ ، وليس غياباً لخبرةٍ تخصّصيةٍ، بل قصورٌ في الموازنة بين الأدلّة يمنع الشخص من الاستجابة المناسبة لأمورٍ بديهيّةٍ لها عواقب عامةٍ وخاصةٍ على حياته. مثل برامج الأحزاب السياسية وفعاليّة اللقاحات، والسؤال ببساطة عمّن ارتكب المجزرة.
ولا شيء يصقل أي مفهومٍ مثل التفكير في نقيضه المحتمَل. من هذا المنطلق يضيء مبدأ الوسط الأرسطي معنى العمى الإدراكي، إذ تتحقق الفضيلة عنده في التوازن بين النقص والإسراف. فإذا كان العمى الإدراكي نقصاً في الحساسية الإدراكية للأدلة، فإن نقيضه يكون الإفراط في تبجيل أيّ دليلٍ من دون تمحيص. هذا الإفراط يقود إما إلى جنون الارتياب، أو قبول العلم الزائف أو الشلل الإدراكي. فالتعامل مع الأدلة المتناقضة على أنها متساوية، يمنع بلورةَ أي موقف. وهكذا تنتهي الحالتان إلى العجز، عمى إدراكيّ لا يرى طريقاً، أو بصيرة مفرطة ترى طرقاً كثيرةً إلى حدّ الشلل.
وإذا كان العمى الإدراكي يعكس خللاً في التوازن بين القدرة على معالجة الأدلة وتقديرها السليم، فإن هذه المشكلة قد لا تكون مقتصرةً على العقل وحده. فالعواطف تساهم في عمليات التقييم المعرفي السريعة.
الفصل بين الفوريّة العاطفيّة والتصرّف المعرفي قد يؤدّي إلى انهيار المعرفة، إثر مشكلة التراجع اللانهائي. تخيَّل أن تقولَ لشخصٍ إنّ إيذاء طفلٍ أمرٌ خاطئ، فيسألك: "لماذا؟". فتجيب: "لأنّ الطفولة تحتلّ مرتبةً عاليةً في سلّم الحقوق الإنسانيّة". يعود ويسألك: "لماذا؟". فتجيب: "لأننا بشرٌ عقلانيون قادرون على فهم المعاناة الإنسانيّة". فيسألك مجدداً: "لماذا؟"، وهكذا إلى ما لا نهاية. المعرفة العقلانية تتجسّد في جوهر الفورية العاطفيّة، ويمكن أن نشعر بما هو صحيح من دون الحاجة إلى تبريرٍ منطقيٍّ لما نشعر به. هي تشبه حالة المتحدّث باللغة الأم الذي ينطق الجمل الصحيحة غريزياً من دون الحاجة إلى تحليل قواعد اللغة.
هنا يحصل التواصل الإدراكي الناجح إثر التكامل بين ثلاثةِ مستوياتٍ. الأوّل العضوية السليمة، أي وجود جهازٍ حِسيٍّ سليمٍ يعمل بالحدّ الأدنى مثل حاسّتَي بصر أو شمّ جيدتين. في المستوى الثاني الفورية العاطفيَّة، وهي حساسيّةٌ مضبوطةٌ معرفياً. أي أن ما تعرفه يَضْبِط ما تراه، وأنّ ما يبرز لك من الواقع امتدادٌ لخبرتك. مثلاً، أن تعرف الأم خطورة الوضع من نوع بكاء طفلها. في المستوى الثالث يحصل التحليل الواعي الكاشف حدودَ الفوريّة العاطفيّة وإمكاناتها. عندما ترسل لك عينُك صورةَ عصا مشوَّهة من منتصفها حتى أسفلها، كما لو تعرّضت لضغطٍ غير متناسق، ثمّ تُرسِل لك صورة العصا مغمورةً من منتصفها تحت الماء، فإنّك تأخذ مسافةً من المعطيات الحسية وتمنح الوزن النوعي المناسب لكلّ دليلٍ. أنت تدرك مسبقاً التأثير المشوِّه الذي تخلقه المياه على أشكال الأشياء، وبالتالي تفهم ما تراه.
في المستوى الثالث يحصل الاستيعاب، أي المعالجة الواعية لكافة المعطيات الحسية لاتّخاذ رد الفعل المناسب إزاءها. لكن المعالجة التي تربط دائماً نفس المعطى بنفس ردّ الفعل، أي التنبّؤ الصحيح المستمر، تختفي مع مرور الوقت وتصبح فوريّةً عاطفيةً بنزولها إلى المستوى الثاني. بمعنى آخر، تتحوّل ثلاثيّة المعطى الحسي والمعالجة الواعية ورد الفعل – بتكرارها المستمر — إلى ثنائية معطى حسي ورد فعل، إذْ تُختصَر الحاجة إلى المعالجة الواعية لتقليل العبء على النظام الإدراكي.
نميل دوماً لتوفير الطاقة واختصار الوقت وتقليل المعالجة، ونستنفز فقط في حالة الخطأ. الخطأ يحصل عند فشل ثنائيّةٍ فوريّةٍ عاطفيّةٍ ما، أي عندما لا يطابِق الواقعُ التوقعاتِ. عندها يعلَّق العمل بالفورية العاطفيَّة، وتُستدْعَى للفحص من المستوى الثاني إلى الثالث، ويُحدّثُ كل النظام الإدراكي للتكيّف مع الخطأ.
لهذا فالعمى الإدراكي ليس فشلاً في المستوى العضوي، أي المستوى الأول، بل فشلٌ في إسناد الوزن النوعي المناسب لكل دليل. وبالتالي في تطوير استجابةٍ عاطفيّةٍ فوريّةٍ سليمةٍ تجاهه. إنه فشل في الحراك الفعّال بين المستويين الثاني والثالث. ومع ترسيخ الدعاية الجديدة قناعاتٍ، من قبيل "لا أحد يعرف الحقيقة" و"كلّ المصادر متساوية في عدم المصداقية"، يعجز الأعمى إدراكياً عن تنمية غريزةٍ عاطفيةٍ سليمةٍ تمكّنه من حذف الأخبار المزيّفة تلقائياً، خصوصاً الصادرة عن مصادر غير موثوقة.
يبقى السؤال فيما إذا كانت الفوريّة العاطفيّة خاضعةً للسيطرة العقلانيّة بهذه البساطة، وإمكانية تحييد الأخبار من المصادر غير الموثوقة بسهولة.
صُممت الدراسة للتأمّل في أسباب شعبية الأخبار المزيفة، بقياس تأثيرها المحتمَل على الدماغ. للتجربة أربعة شروطٍ ومرحلتان، وشارك فيها ثلاثون شخصاً. في المرحلة الأولى تُعرض أمام المشاركين أربعة عناوين إخبارية ويُرفق كلّ عنوانٍ بعنصريْن، مصدر الخبر وصورة الشخص الذي يدور حوله. العنوان الأوّل خبرٌ صحفيٌّ مشحونٌ بعاطفيةٍ سلبيةٍ، مثل "لاجئ سوري اغتصب طفلة ألمانيّة". يرى المشاركون هذا الخبر المتوتّر مرّةً من مصدرٍ موثوق، ومرةً من مصدرٍ غير موثوق. أما العنوان الثاني، فخبرٌ صحفيٌّ محايدٌ عاطفياً، مثل "أستاذ في الفلسفة حضر مؤتمراً عن العقلانية في باريس". يرى المشاركون هذا الخبر الفاتر أيضاً مرةً من مصدرٍ موثوقٍ، ومرّةً من مصدرٍ غير موثوق.
بالتزامن مع عرض الحالات الأربع أمام المشاركين في التجربة، يُقاس النشاط الكهربائي للدماغ، فيُظهِر نوعَيْن من الاستجابة. الأولى عاطفيّةٌ ولحظيّةٌ ومباشرةٌ، والثانية تحكّميةٌ وعقلانيةٌ وتحليلية. المعالجة العاطفية أسرع من العقلانية. وبمجرّد تفعيل الاستجابة العاطفية، يُظهر الفص الصدغي للدماغ نشاطاً كهربائياً سريعاً، تَليه موجات التحكم العقلاني الناشئة من الفص الخلفي للدماغ. في موجات التحكّم العقلاني، يظهر المشاركون وهم يوجّهون أعينهم إلى المصدر والسياق والصورة والتاريخ، في محاولةٍ للسيطرة على تأثير الانفعال العاطفي.
في المرحلة الثانية من التجربة، يُخفَى عنصران مرفَقان للصورة، هما المصدر الإعلامي والخبر الصحفي. وتُعْرَض أمام المشاركين صور الأشخاص الأربعة فقط. فجاءت النتائج لافتة. في ثلاث حالاتٍ، عملت آلية المعالجة المزدوجة بفعالية، إذ تمكَّنت المرحلة التحليلية البطيئة من كبح تأثير الاستجابة العاطفية الفورية. أما الحالة الوحيدة التي تعطّلت فيها هذه الآلية، فكانت في الصورة المرتبطة بالخبر العاطفي المشحون سلباً، وتحديداً عندما كان مصدر الخبر غير موثوق.
النتائج بالغة الدلالة لأنها تلتقط ملمحاً من ملامح تأثير الأخبار المزيّفة العميق على التقييم العقلاني. فهي أحد أبرز منتجي العمى الإدراكي. وتكمن النقطة الحرجة في أنّ المعالجة المزدوجة نجحت في تحييد الخبر العاطفي المشحون سلباً عندما كان من مصدرٍ موثوقٍ، لكنها انحسَرَت وتراجعت عندما كان المصدر غيرَ موثوق. ربما يدفع هذا إلى التأمل فيما يمكننا تسميته "تأثير النميمة" على إدراكنا العميق. ثمة نزعةٌ خفيّةٌ داخلنا تجد متعةً في التلصّص الشخصي والنميمة الفضائحيّة. والنميمة المؤذية عن شخصٍ، خصوصاً عندما تكون صادرة عن مصدر غير موثوق، تعود إلى سطح الوعي ولو للحظة، عند رؤية الشخص لاحقاً.
مثلاً، الممثلة الأمريكية سكارليت جوهانسون، إحدى أبرز ضحايا الإباحية المزيفة، اشتكت مراراً مما يمكن أن يُسمَّى تأثير النميمة. قد يعرف الكثيرون أنّها ليست هي، بشحمها ولحمها، في فيديو إباحي مزيف انتشر على أنه لها. إلا أنّ التزييف يترك رابطاً نفسياً يستحضرُ ذلك الفيديو الجنسي في أذهان الجمهور عند حضورها الشخصي. على نحو مشابه، ومع إحساسنا بأن صورة الشرع في نيويورك قد تكون مزيفة، فإنّ المفارقة النمائمية والخلفيات المختلفة لسجل الرجل أو تاريخه السابق تؤثر على إدراكنا الصورةَ، وتُبقي في وعينا عناصر تجعل من الصورة المزيفة تبدو "معقولة" أو قابلة للتصور. الأخبار المزيّفة إحدى أهم مغذّيات العمى الإدراكي، العمى الذي صار يمكن أن يُقاس إما لغوياً عبر كلمة مثل "غالباً" أو رقمياً بنسبة 20 بالمئة.
ومع ذلك فشلت التقنيّتان في اكتشاف مقطعٍ مصوَّرٍ نُشِرَ مؤخّراً بكثافةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي لمدرب كرة القدم الإسباني بيب غوارديولا، دعا فيه لدعم الشعب الفلسطيني والتظاهر في إقليم كاتالونيا وإيقاف الحرب الإسرائيلية في غزة. فاخترق الفيديو حتّى الدفاعات الإدراكيّة لمحرري صحيفة "ماركا" الرياضية الإسبانية العريقة التي نشرته كما لو كان حقيقياً قبل أن يتبيّن أنه مصنوعٌ بالذكاء الاصطناعي.
يبقى أنه لا علاج لمشكلة العمى الإدراكي في الوقت الراهن، لكن التشخيص هو أوّل طريقةٍ للتعامل معه. التشخيص الذي يبدأ بالإمساك بشعور الريبة الداخليّ، الناجم عن العجز مثلاً عن الجزم بأنّ صورة الرئيس السوري أحمد الشرع الذي يأكل الفلافل في نيويورك مزيّفة أو كشف أن مقطع غوارديولا المصوَّر مولد بالذكاء الاصناعي.

