ومهما بدا اختيار"شارع مالقة" عفوياً، إلا أنّ الترشيح أثار تساؤلاتٍ، لأن مريم التوزاني زوجة المخرج المغربي نبيل عيوش، ووراء ذلك جدلٌ ما فتئ يُثار عن دوام اختيار أفلام عيوش ودائرته لتمثيل المغرب.
تحصّلت التوزاني على دعمٍ من المركز السينمائي المغربي في صناعة الفيلم بمبلغٍ قدره ثلاثة ملايين ومئتا ألف درهمٍ (ثلاثمئة وأربعين ألف دولار تقريباً). ولهذا وجد نقّاد سينمائيون اختيار الفيلم امتداداً لنمطٍ متكررٍ يفضّل أعمال عيّوش ودائرته دون منافسةٍ عادلةٍ مع تجارب أخرى. من هؤلاء النقاد فؤاد زويرق، الذي كتب في ذلك منشوراً على حسابه بفيسبوك، عادّاً ما حدث خللاً بنيوياً في آلية الاختيار داخل دوائر صنع القرار السينمائي الرسمي التي تعيد إنتاج الأسماء نفسها. وطرح آخرون تساؤلاتٍ عن السينما الموجهة لإرضاء الأجنبي، أكثر من انغراسها في أسئلة المواطن المغربي.
بدراسة تاريخ السينما المغربية، يبدو أنّ هذا النمط يلائم حضورها وعلاقتها بالسلطة. فمنذ دخولها البلاد نهايات القرن التاسع عشر، وُظِّفت السينما أداةً لبثِّ الدعاية الاستعمارية الفرنسية. وقد ورثت دولةُ الاستقلال منذ الخمسينيات جزءاً من مؤسسات المستعمِر ووظائفه وقوانينه دون ترجمتها لسيادةٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ مستقلة. نتج عن هذا علاقةٌ حذرةٌ بين السلطة والسينما، لاسيما المستقلة. فاحترز السينمائيون المستقلون واندفعوا نحو الرقابة الذاتية، فيما حاولت الدولة احتواء بعض التجارب النقدية بآليات الدعم المادي وتحويله آليةً للضبط أو تطويعه لصالحها. ومنذ صعود الملك محمد السادس سنة 2000 وُظِّفت السينما أداةً دبلوماسيةً ضمن استراتيجيةٍ شاملةٍ لإدارة صورة المغرب داخلياً وخارجياً. واستخدمت الرمزية في خدمة السلطة، التي تستثمر أحياناً في الدعاية وفي احتواء التوترات الاجتماعية وإدارة الاختلاف، دون أن يتاح لها أن تتشكل فضاءً حرّاً مستقلاً يعالج الأسئلة الاقتصادية والسياسية الجوهرية إلا نادراً. بهذا تشكّل سينما عيوش مثالاً عن السينما المصنوعة على مقاس الدولة، تتجرأ في النقد الاجتماعي دون أن تخاطر بنقاش البنى السياسية.
لم تُفضِ لحظة الاستقلال سنة 1956 إلى قطيعةٍ حقيقيةٍ مع هذا الإرث الثقيل. فقد حافظت السينما على طابعها الفرنسي ولم يُترجم التحرر السياسي إلى استقلالٍ ثقافيٍ، فاستمر المركز السينمائي المغربي في أداء وظائفه دون مراجعةٍ، كما ينوّه المخرج السينمائي عزيز زروقي في مقاله "مجيء السينما الوطنية بعد الاستقلال بالمغرب" المنشور سنة 2025. يشير زروقي أيضاً إلى أنّ اهتمام دولة الاستقلال ظلّ موجهاً نحو "الأنباء المصورة" للأنشطة الملكية والمناسبات الرسمية، إلى جانب إنتاج أفلامٍ دعائيةٍ صريحةٍ كفيلم "مبادئ، منجزات وأهداف" للمخرج عمر غنام سنة 1960. وإنتاج أفلامٍ أخرى سنة 1962 خُصّصت لتوثيق حياة محمد الخامس وإنجازاته وبدايات حكم الحسن الثاني.
أخذ الأمرُ ما يقرب عقداً من الزمن حتى بدأت تتشكل ملامح سينما مستقلة. فأُنتِج فيلم "وشمة" سنة 1970 للمخرج حميد بناني، الذي يتناول سيرة فتىً في رحلته نحو التمرد على أعراف المجتمع. تلت الفيلمَ أفلامٌ أخرى للمخرج سهيل بن بركة هي "ألف يد ويد" سنة 1972، الذي يتناول قضايا العمّال في الصناعات التقليدية. وفيلم "حرب البترول لن تقع" سنة 1974، الذي يرصدُ بدايات المطامح الأمريكية في النفط العربي بتواطؤ السياسيين، ليدمج الفيلمان السياسيَّ والفنيَّ ويعبّرا عن تجربة مخرجهما الفكرية.
ما يميّز تلك المرحلة انتشار العمل التعاوني الجماعي في إخراج الأفلام وإنتاجها، بمعزلٍ عن دعم المركز السينمائي المغربي. قدمت هذه الأعمال نفسها أفلاماً تخييليةً تُسائل المجتمعَ المغربيَّ وبنياته، وضمّنت النقد الاجتماعي والسياسي في الخطاب السينمائي. غير أن هذا النقد ظل في الغالب محدود الأفق أو غامضاً، أو أُجهض في سياقٍ اتسم بالقمع والإقصاء وهيمنة مناخ الخوف.
مُنِعَ مثلاً فيلم "أحداث بدون دلالة" الصادر سنة 1974 للمخرج مصطفى الدرقاوي. يوثّق الفيلم الحياة في المغرب إبان السبعينيات العصيبة، بعد محاولتيْ انقلاب فاشلتيْن. وبدا الفيلم من هيئته التقنية "عملاً مبهماً لا يحكي قصةً واضحةً، ولا تظهر في أيٍّ من مَشاهده صورة الملك، فيما اعتبره بعض السينمائيين المحافظين تركيباً خليعاً وتافهاً لمشاهد عبثيةٍ، حسب شهادة الدرقاوي نفسه"، كما يحكي الكاتب أيوب المزين في مقالتِه "أحداث بلا دلالة [. . .] خرافة سينمائية مغربية" المنشورة سنة 2020.
سبق ذلك نموذج المخرج أحمد البوعناني مثالاً على سياسات الإقصاء، فقد تحوّل فيلمه "الذاكرة 14" الذي بدأ العمل عليه سنة 1969 وخرج للجمهور بعدها بسنتين، من فيلمٍ روائيٍ طويلٍ يحكي سيرة الأربعة وأربعين عاماً من الحماية الفرنسية إلى عملٍ قصيرٍ بعد اقتطاعاتٍ رقابيةٍ واسعة. إذ تدخّل المركز السينمائي في تحريره والرقابة عليه، كما يحكي البوعناني في كتابه "الباب السابع: قصة السينما المغربية" المترجم إلى العربية سنة 2022. يقول: "قامت مديرية المركز، التي كانت عدم ثقتها بي غير مبرَّرةٍ [. . .] باقتطاع أجزاءٍ هامةٍ من الفيلم بلا رحمة. وخلال مدةٍ تزيد عن شهرٍ، كلّ صباحٍ، تمّ عرض المونتاج الأول [. . .] وكنت مضطراً لشرح أبسط العلاقات بين المقاطع". هكذا وجد البوعناني نفسه في مواجهة منظومة رقابةٍ قويةٍ ستمنعه من الإخراج أعواماً بسبب وسمِه بالشيوعية.
وعلى كلِّ هذه المحاولات لم تكن السينما المستقلة تياراً معلناً أو مدرسةً ذات بيانٍ مؤسس. إذ كان دعم الأفلام وترخيصها وعرضها يمرّ بقنواتٍ رسميةٍ تجعل منه مشروعاً مراقباً قبل أن يكون تعبيراً فنياً حراً. وداخل هذا الإطار، ولدت هذه السينما بحثاً عن هوامش للفعل ولغاتٍ بديلةٍ تسمح بقول ما لا يقال مباشرة.
تزامن تطور هذه السينما مع صراعٍ سياسيٍ حادٍّ بين الملكية وقوى المعارضة، إذ برزت تياراتٌ يساريةٌ ومثقفون جعلوا من السينما أداة مقاومةٍ رمزية. وهو ما يتحدّث به طارق المحمودي، الباحث في المعهد العالي للفنون والحرف بقابس التونسية، في مقاله "السينما المغربية 1970–1990 [. . .]" المنشور سنة 2023. يذكر المحمودي أن ملامح سينما وطنيةً عُرفت بِاسم "سينما المؤلف" تشكلت بين 1970 و1980، كان لها نزعةٌ واقعيةٌ وفكريةٌ ذات بعدٍ جماليّ. دخلت تلك السينما في صدامٍ متكررٍ مع السلطة، معلنةً إمكانية تحوّل السينما فضاءً للسؤال لا محض أداةٍ للدعاية. ويضيفُ إن الجامعة الوطنية للأندية السينمائية، التي تأسست سنة 1973، ساهمت في الترويج لهذا النموذج بتنظيم العروض والنقاشات. غير أن خلفيتها اليسارية وضعتها في مواجهةٍ مباشرةٍ مع النظام، ما دفع الدولة إلى إنشاء مؤسساتٍ موازيةٍ لإعادة ضبط الحقل السينمائي.
مع هذا لم يكن موقف الدولة المغربية من السينما رفضاً مطلقاً، فقد تعاملت بمنطقٍ انتقائيٍ دقيقٍ يوازن بين الخوف من قوّتها النقدية والإغراء الكامن في طاقتها الرمزية. فالملك الحسن الثاني، الذي ربطته علاقةٌ شخصيةٌ بالسينما منذ شبابه، كان يدرك هذه الازدواجية فيرتاد قاعات العرض ويشاهد السينما الفرنسية ويستقبل نجوم الفن السابع فاعلين دبلوماسيين، كما يوضح الكاتب أمين نمر في مقاله "حكايات الحسن الثاني مع أشهر نجوم الفن السابع"، المنشور سنة 2022. في هذا الإطار لم يكن تنظيم مهرجان السينما الإفريقية سنة 1977 قراراً ثقافياً فنياً بريئاً، وإنما خطوةً محسوبةً في سياقٍ سياسيٍ إقليميٍ مشحونٍ تزامَن مع بداية النزاع المغربي الجزائري على الصحراء الغربية. تحولت السينما قوةً ناعمةً تبني التحالفات السياسية، ما منح المغرب حضوراً ثقافياً دولياً.
ظلت السينما المستقلة على علاقةٍ إشكاليةٍ مع السلطة حتى بدايات الانفراج السياسي في التسعينيات، الذي تميز بإنشاء الحسن الثاني المجلسَ الاستشاري لحقوق الإنسان وإصدار عفوٍ سياسيٍّ سنة 1994 ومشاركة المعارضة اليسارية في الحكومة سنة 1998، سعياً لطيّ صفحة "سنوات الرصاص" بين الحكومة والمعارضة التي امتدت من 1960 حتى 1990.
ساهم الانفتاح النسبي حينئذٍ على اقتصادِ السوق وثقافة المهرجانات السينمائية في جعل السينما تتخذ شكلاً أكثر تدويلاً وأقلّ سرّيةً، فأصبح التمويل الأجنبي والعرض في المهرجانات الدولية وسائلَ اكتسابِ شرعيةٍ رمزية. يقول الناقد السينمائي فريد بوجيدة في مقاله "السينما المغربية بين تأكيد الذات والحضور الاجتماعي" المنشور سنة 2014 إنّ السلطة فتحت بعض النوافذ في وجه مواضيع كانت محرّمةً، وارتفع حجم الإنتاج والدعم وتحسنت البنيات التحتية نسبياً.
في هذا الجوّ برزت أفلامٌ حاولت الإمساك بنبض المجتمع دون الاصطدام بالجدار السياسي مباشرة. ففي سياق المصالحة مع ماضي الانتهاكات الحقوقية، ظهر ما سمّاه بوجيدة "سينما القضية". وبهذا اتسمَت المرحلة بأعمالٍ مستقلةٍ أجرأ وأحدّ، كأفلام المخرج سعد الشرايبي، خاصةً فيلمه "نساء ونساء" الصادر سنة 1997 والذي أحدث ضجةً كبيرةً بالمغرب إذ كان من أول الأفلام المغربية التي عاينت عن قربٍ حياة المرأة المغربية العصرية والاضطهاد والعنف الذي تعاني منه في المجتمع.
على أهميةِ الانفتاح وما خرج من رحمه من تجارب بدت متجاوزةً القيودَ الماضيةَ، ظلّت السينما محكومةً بسقفٍ سياسيٍ ورقابةٍ ذاتيةٍ تبدأ من كتابة النص وتنتهي في غرفة التحرير. وبهذا بقيت بعيدةً نسبياً عن مساءلة اللحظات الحاسمة من تاريخها المعاصر. يشير الكاتب المتخصص بالسينما، عبد الله ساورة، في مقاله "السينما بالمغرب" المنشور سنة 2005 إلى أنّ الرقابة المؤسسية ممثلةً في المركز السينمائي المغربي عمّقت هذا الإحساس بالاختناق. يظهر ذلك جلياً عند الاقتراب من جراحٍ لم تتحول بعد إلى ذاكرةٍ مفتوحةٍ، مثل اغتيال السياسي المعارض المهدي بنبركة سنة 1965. وكان بنبركة اختُطف من مكان عمله في باريس وعُذب وقُتل، فوُجهت أصابع الاتهام لعناصر من المخابرات المغربية والشرطة الفرنسية، وسط شكوكٍ بتورط مسؤولين مغاربةٍ كبارٍ بالحادث.
لم تختفِ هذه الرقابة باعتلاء الملك محمد السادس عرش المغرب سنة 1999، لكنها تحولت إلى منظومةٍ أعقد تتداخل فيها اعتبارات السوق والدعم وصورة البلد. لذلك لم تعُد السينما المستقلة تُعرف فقط بمناهضة الدولة، بل بسعيها الدائم إلى توسيع حدود الممكن فنياً، وصياغة توازنٍ هشٍّ بين الحرية والتفاوض. فهي سينما ولدت من الهامش وتعلمت أن تجعل منه فضاءً لإنتاج المعنى، لا مجرد موقعٍ للإقصاء.
في هذا المناخ، تحديداً في ديسمبر 2001، تأسس مهرجان مراكش الدولي للفيلم نموذجاً لتوظيف السلطة السينما واجهةً للتعبير عن حداثية الدولة، بأمرٍ من الملك. ونُظّمت الدورة الأولى بإشراف دانيال توسكان دو بلانتييه، المنتج الفرنسي وصديق الملك، مستلهماً نموذج مهرجان "كان" الفرنسي. وتميّزت الدورة بحضور نجومٍ عالميين وطابعٍ تجاريٍ راقٍ. وفي سنة 2002 أنشئت مؤسسةٌ غير ربحيةٍ للمهرجان تحت اسم "مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش"، برئاسة شقيق الملك الأمير مولاي رشيد، لتوفير إطارٍ مؤسسيٍ يتيح تطوره واستمراريته وإشعاعه. وضمّت هيئة إدارتها أعضاء مقربين من الملك من وزراء ورؤساء كبرى الشركات الوطنية، لضمان التمويل المستمر. حددت المؤسسة أهداف المهرجان ورسائله الثقافية المركزية.
استثمر المغرب مكانة مراكش وجهةً مدهشةً وجذّابةً لصنّاع السينما الغربيين، كما يشرحُ نيك دينيس، الباحث في قسم علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية بجامعة ميلانو بيكوتشا، في مقاله "موروكان سيتي فيستِفالز [. . .]" (مهرجانات المدن المغربية، الدبلوماسية الثقافية والفاعلية السياسية والحضرية) المنشور سنة 2021. فيقول إنّ المهرجان وفّر بديلاً عن الدوائر الأوروبية المألوفة ولفت انتباه صنّاع السينما العالميين إلى السينما الوطنية الناشئة. وهكذا استفادت الدولة من "ادعاءاتٍ رسميةٍ حول حرية التعبير الثقافي. في حين يقدم المهرجان جسراً ثقافياً بين الأمم، ويتيح الولوج إلى الثقافة عبر عروضٍ مجانيةٍ في ساحة جامع الفنا [بمراكش]، في محاولة تميّزٍ عن نظائره الغربية النخبوية".
هذا ما يؤكد عليه إدريس القري، الناقد والباحث في الجماليات البصرية، في مقاله "مآزق السينما المغربية وآفاقها" سنة 2014. إذ يقول إنّ "إنشاء مهرجان مراكش الدولي للفيلم شكّل واجهةً وطنيةً ودوليةً للسينما، ودعايةً سياسيةً وسياحيةً غير مباشرةٍ، تكرّس صورة المغرب كدولةٍ مستقرةٍ وآمنةٍ مع التأكيد على أهمية السينما كقطاعٍ استراتيجيّ" لدعم هذه الصورة.
لكن صورة الانفتاح هذه كانت أمام تحدياتٍ أهمها تزامنها مع تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، التي يُتهم بها تنظيم القاعدة. وبهذا أصبح الاهتمام الرسمي بالفعاليات الفنية والثقافية ضرورةً استراتيجيةً لمواجهة من وُصِفوا بالإسلاميين والمتشددين، وإبراز المغرب بلداً منفتحاً مشجعاً الفنَّ والثقافة.
لكن أهم دورٍ للمهرجانات الفنية كان لعبها دور الثقافة المضادة. فشهدَت هذه الفترة طفرةً في الأشكال الإبداعية، مع تشجيعٍ واحتضانٍ رسميٍ للأشكال الحديثة والتعبيرات الشبابية غير المألوفة. فشكّلت "الهيب هوب" و"الروك" و"الميتال" أدواتٍ رمزيةً وجماليةً داخل الفضاء العامّ. أمّا في الصناعة السينمائية فتغيرت نظرة الدولة للفنان، دون التنازل عن سلطتها.
أصبحت آلية الدعم أداةً للنهوض بأوضاع الفن مع تنظيم مساره والتحكم فيه، فبدأت تظهر سينما مستقلةٌ اشتغلت داخل منطقٍ تفاوضيٍ، تستثمر هوامش الانفتاح دون القطيعة مع الدولة. تجلّى هذا التوجه عبر دعم أفلامٍ تتناول بعض المواضيع التي كانت مُحرّمةً، مثل "سنوات الجمر والرصاص"، الحقبة التاريخية المليئة بالصراعات السياسية والتوترات من 1960 إلى 1990. وهذا ما يفسّره كاتب النص عمر قرطاج في مقال "الفن والدولة" المنشور سنة 2012 بكونِه أداةً استعملته الدولة "لطيّ صفحات الماضي في الوعي الجمعي". ويقول قرطاج إنّه بمتابعة "بسيطة لسياسة المركز السينمائي المغربي [. . .] نلاحظ لمسة الدولة واضحة في الأفلام المدعّمة، ليس بطريقةٍ مباشرةٍ وصريحةٍ ولكن باختياراتٍ صريحةٍ، مستعينةً في ذلك بسلطة 'الانتقاء والتعديل' المتوفرة لها".
في هذا السياق برز نمط إنتاجٍ سينمائيٍ يُدعى "افعلها بنفسك"، كما أسمته آنماري إيدينز، الباحثة بدراسات الإعلام بجامعة ميتشيغان، في دراستِها "بروديوسِنغ بابلِك إنتليكتشوَلز [. . .]" (إنتاج المثقفين العموميين: تغيير المقاييس والنقد الاجتماعي في السينما المغربية) سنة 2017. ويعتمد هذا النمط من السينما على التمويل الأجنبي والإنتاج المشترك لتجاوز قيود الدعم العمومي. ومن الأمثلة التي عدّدتها إيدينز دلالةً على هذا النمط فيلم "ماروك" الصادر سنة 2005 للمخرجة ليلى المراكشي ويتناول التسامح المجتمعي المغربي تجاه الجالية اليهودية. إذ أُنجز بميزانيةٍ بلغت مليوناً وثمانمئة ألف يورو بتمويلٍ فرنسيٍ بعد أن رفض المركز السينمائي المغربي دعمه. ولم يكن الجدل الذي أثاره الفيلم مرتبطاً بمضمونه فقط، بل بمساره الإنتاجي العابر الحدودَ، الذي كشف عن محدودية الاستقلال الثقافي المحلي في مقابل انفتاح السوق الأوروبية.
توازى هذا مع بروز جيلٍ من السينمائيين الذين أعادوا تعريف السينما المستقلة من داخل شبكات إنتاجٍ دوليةٍ، مثل نور الدين الخماري وليلى كيلاني وفوزي بنسعيدي وحكيم بلعباس ومحمد مفتكر. برزت بعدها بقوةٍ السينما الوثائقية المستقلة، لاسيما مع تجربة المخرجة أسماء المدير، التي اشتغلت على الذاكرة والذات والتمثيل العائلي، ما حوّل الوثائقي لأداة مساءلةٍ سياسيةٍ غير مباشرةٍ للتاريخ الرسمي، كما تُوضِّح الكاتبة هدى الشماشي في مقالتها المنشورة في مجلة الفراتس سنة 2025 بعنوان "جيلٌ جديدٌ من المخرجات المغربيات [. . .]".
لم تخلُ هذه الانطلاقة من إشكالاتٍ، لاسيما مع تدخّل الدولة في تحريك القضايا السينمائية ولكن بطريقةٍ تختلف عن الدعاية السياسية. يقول فريد بوجيدة في مقاله إنّ أفلاماً كثيرةً أصبحت تشترك مع الدعاية في التطويع الاجتماعي، فيتحول "الفيلم إلى نوع من الدعاية المتخفية".
ويضرب بوجيدة أمثلةً على ذلك فيلم "علي زاوا" الصادر سنة 2002 لنبيل عيوش ويحلل ظاهرة أطفال الشوارع في الدار البيضاء. تزامن الفيلم مع محاولات الدولة سنَّ سياساتٍ لمعالجة هذه الظاهرة والاهتمام بالطفولة. وكذلك فيلم "الغرفة السوداء" لحسن بنجلون، الصادر سنة 2004، ويتطرق لقصةٍ حقيقيةٍ لمعتقلٍ سياسيٍ سابقٍ وقضية حقوق الإنسان في حقبة السبعينيات. وقد تزامن الفيلم مع توجه الدولة نحو المصالحة مع ماضي انتهاكات حقوق الإنسان. وأخيراً فيلم المخرج أحمد بولان "ملائكة الشيطان" الصادر سنة 2007 ويتناول قصة أربعة عشر شاباً اعتقلتهم السلطات المغربية قبل تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003 بتهمة عبادة الشيطان، وتزامن الفيلم مع مرحلة تشجيع الحريات الفردية ومحاربة التيارات الإسلامية.
حتى المهرجانات الثقافية، التي أُنشئ 80 بالمئة منها بعد سنة 2000، أصبحت تُدار بهذا المنطق أيضاً، إذ تبنّى جُلّها توجهاً عالمياً علمانياً معاصراً. ما رأى فيه عمر بوم، الإناسي في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس، في مقال "فيستِفالايزِنغ ديسِّنت إن موروكو" (تسليع الاحتجاج عبر المهرجانات في المغرب) سنة 2012، تحويلاً للفنون والثقافة لتصبح "أداةً مركزيةً لتنظيم الاختلاف وإضعاف الحركات الاجتماعية، وتشذيب الحوافّ السياسية لأشكال التعبير الثقافي الجديدة". وهذا "بالتوازي مع تلميعٍ لصورة المغرب بلداً ليبرالياً ومحبّاً للحياة موجّهاً للاستهلاك الخارجي". ويتجلّى هذا أكثر في الجهود التي اتخذتها الدولة المغربية، وعلى رأسها الملك، في رعاية قطاع السينما منذ 2012.
فمنذ بداية الألفية وصولاً لسنة 2012، تبلورت هذه التحولات فيما شهده القطاع من إصلاحٍ في نظام الدعم وإلزام القنوات الرسمية بالمساهمة في الإنتاج، وإحداث صندوق دعم الإنتاج السمعي البصري. انعكس ذلك في ارتفاع وتيرة الإنتاج إلى حوالي خمسة عشر فيلماً سنوياً، ثم عشرين فيلماً سنة 2013. هذا إلى جانب انتشار المهرجانات السينمائية التي بلغ عددها حوالي سبعةً وخمسين مهرجاناً في مختلف جهات البلاد.
وقد واكبَ التوجّهُ الملكيُّ سياساتٍ حكوميةً متعاقبةً سعت – نظرياً على الأقل – إلى بلورة برامج خاصةٍ لدعم السياسات الثقافية عامة، والسينمائية خاصة. أصدرت مثلاً وزارة الاتصال في أكتوبر 2013 كتاباً سمّته "الكتاب الأبيض للسينما المغربية"، مثَّل خارطة طريقٍ تكثف رؤية الدولة هذا القطاع. دعا الكتاب لتوظيف السينما أداةً دبلوماسيةً وثقافيةً فاعلةً عبر إرساء شراكاتٍ مؤسساتيةٍ بين وزارة الاتصال ووزارة الشؤون الخارجية والتعاون، وإدماج الفيلم المغربي ضمن الأنشطة الثقافية للبعثات الدبلوماسية. وشدّد الكتاب على ضرورة تخصيص أيامٍ بالسينما المغربية في الخارج والترويج المتكامل للفيلم المغربي إعلامياً ومؤسساتياً ودبلوماسياً، وضمان حضوره المنتظم في المراكز الثقافية المغربية بالعواصم الأوروبية والعربية.
في محورٍ آخر من الكتاب حثّت وزارة الاتصال على تكثيف مشاركة السينما المغربية في المهرجانات الدولية الكبرى، بحضور المهنيين والمركز السينمائي ووسائل الإعلام الوطنية. وأكدت على ضرورة استضافة موزعي القنوات العالمية ومديريها في المهرجان الوطني للفيلم، بهدف تعزيز تسويق الأعمال المغربية دولياً. ودعت الوزارة لتشجيع إنتاج الأفلام الوثائقية التي تبرز المغرب وحضارته وقضاياه الوطنية، وتعزيز الدور الريادي للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش.
ولمأسسة هذا الاتجاه، سعت الدولة المغربية أيضاً لتحسين السياق التشريعي للسينما، فأصدرت القانون رقم 70.17 لسنة 2019 الذي أعاد تنظيم المركز السينمائي المغربي. ومنه أُرسيَ نظام دعمٍ عموميٍ متكاملٍ للإنتاج السينمائي والسمعي البصري، مكّن من تمويل مئات المشاريع وأسهم في بناء نسيجٍ إنتاجيٍ متنوعٍ ودعم المواهب الجديدة. فتحول هذا الدعم في الخطاب الرسمي إلى رافعةٍ للحداثة الثقافية، بتشجيع تعددية المواضيع وتنوع اللغات والهويات، وفتح المجال أمام أشكال تعبيرٍ سينمائيٍ مختلفة. ورفعت ميزانية الدعم إلى حوالي ستين مليون درهمٍ سنوياً (ما يقارب ستة ملايين دولار)، مع تنويع مصادر التمويل وتأهيل شركات الإنتاج وتشجيع استقطاب الإنتاجات الأجنبية.
وعلى تعاقب الحكومات، استمر الرهان على السينما واجهةً ثقافيةً واقتصاديةً للبلد. ففي الجلسة الشهرية عن السياسات العامة في مجال الثقافة في يناير 2022، أكّد رئيس الحكومة عزيز أخنوش على الدور الاقتصادي والاجتماعي للسياسة الثقافية وأهميتها في تسويق صورة المغرب دولياً بلداً متسامحاً ومتعدداً.
بسبب ما بدا عليه من طابعٍ تسويقيٍ في أغلبه، لم يترجَم هذا الزخم إلى حركةٍ مجتمعيةٍ فعليةٍ حول السينما. يرى الناقد السينمائي حميد تباتو، في مقاله "السينما والمجتمع ومدارات الحرية بالمغرب" المنشور سنة 2016، أن التركيز على الكمّ بدل الكيف يندرج في إطار تسويق شكلٍ من "الحرية السائبة". وهي حريةٌ ترتبط بحداثةٍ تلفيقيةٍ تبنّتها الدولة لإفراغ مفهوم الحداثة من جوهره العميق. ونتيجةً لذلك يقول تباتو إنّ الخواء طغى على عددٍ كبيرٍ من الأفلام، فتعطلت الانشغالات الجادة بقضايا الحرية والديمقراطية في السينما المغربية.
تتقاطع هذه القراءة مع ما ورد في تقرير معهد بروميتثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان عن "السياسات العمومية الثقافية في المغرب" الصادر في ديسمبر 2015. أبرز التقريرُ بقاءَ الرهان قائماً على تحييد الثقافة وعزلها عن باقي مجالات الفعل الاجتماعي والسياسي، بفرض نموذجٍ ثقافيٍ لا يجعل من الحرية أو حقوق الإنسان أو الديمقراطية أفقاً مركزياً له.
فهدفُ السياسات الثقافية المركزيُّ ربما تحييد الثقافة ونزع بُعدِها النقدي، ومن ثمّ تحويلها إلى أداةٍ للضبط الرمزي وإنتاج الشرعية. وهو ما لخّصه الناقد والكاتب السينمائي محمد اشويكة في كتاب "السينما والمجتمع" الصادر سنة 2016 حين عدّ السينما المغربية الحديثة أداةً دعائيةً خاضعةً لتوجهات الطبقة السياسية السائدة. وقد شرح الكاتب أنه تظاهراً بالحداثة تطرّق بعض المخرجين إلى موضوعات "الثالوث المحرم" (الدين والسياسة والجنس). غير أن هذه المعالجات، على جرأتها الشكلية، ظلت في الغالب جزئيةً وانتقائيةً، لا تنفذ إلى الجذور العميقة للاختلالات الاجتماعية والسياسية ولا تشتبك مع نتائجها البنيوية. بهذا جُعل الدعم الحكومي المادي للسينما وسيلةً لدعم سرديات الدولة.
وهذا ما يوضحه تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2018 الخاص بالبرامج "الموجهة للنهوض بالصناعة السينمائية". ففي الدورة الأولى سنة 2017، وُزِّع مبلغٌ موحدٌ قدره ثلاثة ملايين درهمٍ (تقريباً 328 ألف دولار) على ستة أفلامٍ مستفيدةٍ من الدعم قبل الإنتاج. ويُعزى ذلك إلى غياب معايير تقييم انتقاءٍ واضحة. فمَحاضر لجنة الدعم غالباً ما تكتفي بذكر عنوان الفيلم والمخرج وشركة الإنتاج وقيمة الدعم، دون تقديم أيّ تعليلٍ فنّيٍ أو جماليٍ أو فكريٍ لاختياراتها.
وتكشف الأرقام الرسمية عن حجم التبعية البنيوية للدعم العمومي. ففي سنة 2020 أُنتج ثلاثة عشر فيلماً روائياً طويلاً، عشرةٌ منها استفادت من الدعم. وارتفع سنة 2021 عدد الأفلام الروائية الطويلة إلى ثلاثين فيلماً، دُعِم منها تسعة عشر. ما يعكس تذبذباً في السياسة التمويلية، لكنه يؤكد في الآن ذاته مركزيةَ الدعم في استمرار الإنتاج.
طالت الانتقادات أيضاً دعم المهرجانات السينمائية. فقد اعتبر بعض الفاعلين أن عدداً منها لا يستجيب للشروط المهنية والفنية لمهرجانٍ سينمائيٍ حقيقيٍ، وقد أسّسها أشخاصٌ لا صلة لهم بالسينما للاستفادة الخاصة من الدعم العمومي. أحد هؤلاء الفاعلين النائبة البرلمانية سلوى البردعي، عن حزب العدالة والتنمية، التي أثارت مسألة معايير دعم السينما في سؤالٍ شفويٍ لوزير الثقافة والاتصال مهدي بن سعيد في مارس 2025. وأشارت النائبة إلى موجة احتجاجاتٍ وسط السينمائيين، منتقدةً ما سمّاه البعض "التطرف الفرنكفوني" في قرارات لجنة الدعم، إذ يفضّل حسب هذه الانتقادات تمويل المشاريع المكتوبة بالفرنسية، مقابل تهميش الأعمال بالعربية.
من هنا لا يُفصل النقاش في دعم الأفلام عن الجدل الذي تثيره أفلام المخرج نبيل عيوش. إذ يبدو نموذجاً لسينما تحظى بدعمٍ ماديٍ سخيٍّ ومنظومة إنتاجٍ ترى فيه واجهة "السينما الحداثية" ممكنةَ التسويق خارجياً. وفي الوقت نفسه تشعل نقاشاً حاداً ومتكرراً في الحدود الفاصلة بين الجرأة الفنية والاستفزاز الرمزي. وكأن الرجل تحوّل مع مرور السنوات من صاحب رؤيةٍ سينمائيةٍ إلى مرآةٍ رمزيةٍ تعكس النموذج الثقافي الذي ترغب الدولة في تصديره إلى الخارج. وما يزال يقف بأفلامه في منطقة التماسّ بين الهامش والمركز، وبين المسكوت عنه والرواية الرسمية، والقيم المحافظة وخطاب الدولة الحداثي.
هذا المسار ليس معزولاً أو ظرفياً. إنما يمتد زمنياً منذ اختيار أول أفلام عيوش "مكتوب" سنة 1998 وفيه يخوض البطل تحدياتٍ للانتقام ممّن اغتصبوا زوجته. مروراً بفيلم "علي زاوا" سنة 2000، وفيلم "يا خيل الله" سنة 2013 عن هجمات الدار البيضاء الإرهابية، ثم فيلم "غزية" 2017 الذي يتطرق للظلم الاجتماعي في المغرب، وبعدها فيلم "علّي صوتك" لدورة 2022 عن قصة مغنّي راب طموحٍ في أحد الأحياء الشعبية.
كذلك وقع اختيار المركز على أفلام زوجته مريم التوزاني ابتداءً من فيلمها "آدم" سنة 2019 الذي يتطرق لقضايا الأمهات العازبات ووضع المرأة عموماً في المغرب، و"القفطان الأزرق" في 2023 ويصور قصة امرأةٍ وزوجها المثليّ اللذين يديران متجراً للقفاطين، وأخيراً "شارع مالقة" لدورة 2026.
وهكذا يصل عدد الأفلام المختارة لزوجين سينمائيين إلى عشرة أفلامٍ في أقلّ من ربع قرنٍ، وهو رقمٌ غير مسبوقٍ في تاريخ السينما المغربية، وقد يصعب تفسيره فقط بمعيار الجودة أو الاستحقاق الفني.
في بداياته الأولى يبدو أن عيوش التقط بذكاءٍ مرحلة الانفراج السياسي الذي سمحت فيه الدولة بطرح مواضيع كانت محرّمة قبلاً، وبنوعٍ من الجرأة وبجرعةٍ أكبر من السابق. فحين أخرج فيلم "علي زاوا"، صار أول إعلانٍ عن توجهٍ سرديٍ يرى في مواضيع الهامش مادةً نبيلةً للتمثيل، ويقدم المغرب بلداً قادراً على النظر إلى جراحه الاجتماعية دون مواربة. وهي صورةٌ جذابةٌ جداً في أعين المهرجانات الدولية والمؤسسات الثقافية الغربية، كما يرى الناقد السينمائي مصطفى المسناوي، في حواره مع موقع الجزيرة نت سنة 2009. يقول: "إذا علم أيٌّ من المخرجين [المغربيين] بأن هناك مهرجاناً [صغيراً جداً] للأفلام التسجيلية في إسبانيا، أو إيطاليا، أو في فرنسا سيبذل كل جهده للمشاركة فيه بفيلمه". وهذه النظرة الغربية تكافئ الفن كلما اقترب من الفقر والعنف والتهميش، لا لأنها اختلالاتٌ بنيويةٌ مرتبطةٌ بالسياسات، بل لأنها حكاياتٌ إنسانيةٌ يمكن استهلاكها جمالياً.
ويرى الناقد السينمائي والصحفي المهتم بتاريخ السينما بالمغرب أحمد سيجلماسي، في تصريحٍ لموقع "مدار 21" سنة 2023 أن الأفلام التي تُنجَز بإمكانياتٍ محليةٍ وأجنبيةٍ تحضر فيها "بقوةٍ التيمات [الموضوعات] المفضلة لدى الجهات الغربية الداعمة أو المساهمة في الإنتاج". ومنها الجنس والمثلية الجنسية، والتطرف الديني، والفقر ومظاهر البؤس الاجتماعي.
تطورت مقاربة عيوش هذه لتصير أكثر صداميةً وجرأةً وإمكاناً للاستثمار الرمزي. ففي فيلم "الزين اللي فيك" الذي أثار ضجةً كبيرةً حين صدوره سنة 2015، لم يكتفِ عيوش بتصوير الدعارة ظاهرةً اجتماعيةً، لكنه عرض الجسد الأنثوي ساحةَ صراعٍ بين الفقر والسلطة والرغبة والنفاق الأخلاقي. فكان الفيلم صدمةً جماعيةً، لكنه ربما أسدى خدمةً للدولة التي تسعى لتكريس صورة الانفتاح والتقدمية وتشجيع حرية الإبداع.
وهنا لعلها تتجلى وظيفةُ سينما عيوش غيرُ المعلَنة. فقد منعت الدولة عرض الفيلم داخلياً بقرارٍ من وزارة الاتصال آنذاك، مرجعةً ذلك إلى "ما يتضمنه من إساءةٍ أخلاقيةٍ جسيمةٍ للقيم وللمرأة المغربية ومسٍّ صريحٍ بصورة المغرب". لكنها لم تمنع ظهوره في الخارج ولا مشاركته في مهرجاناتٍ كبرى. كذا سمحت له بأن يصبح قضيةً، فأفردت له الصحف والإعلام القريب من السلطة، مثل "الصباح" و"الأحداث المغربية"، مساحاتٍ للدعم والتشجيع في مواجهة الغضب الشعبي، لاسيما من الإسلاميين والمحافظين.
الجدل نفسه صار دليلاً على حرية التعبير، وأضحى الفيلم شهادةً تقدّم بِاسم المغرب على أن هذا البلد ينتج سينما تُزعج وتُغضب وتُحرك النقاش. وهو ما يؤكده نزار الفراوي، الصحفي بوكالة المغرب العربي للأنباء، في مقال "'الزين اللي فيك' لنبيل عيوش.. جدل على تخوم أسئلة الحرية والابداع" سنة 2015. يقول إنّ الجدل "بهذا التقاطب الفكري، علامةٌ صحيةٌ على جسمٍ فنّيٍ ومهنيٍ حيٍّ ينبض بالأسئلة التي لا تهمه حصراً كقطاعٍ مستقلٍ بل تعني مقومات المشروع المجتمعي العام ومرجعياته".
جاء فيلمه "غزية" سنة 2017 ليرسخ هذا الدور في ترويج رواية الدولة. الفيلم يتحدث عن حكاياتٍ متقاطعةٍ وأجيالٍ مختلفةٍ تعيش تحت ضغط التقاليد الاجتماعية، دون توجيه اتهامٍ مباشرٍ للدولة أو لبنيتها السياسية، بل مع تركيزٍ مقنّنٍ على المجتمع أو الدين والثقافة باعتباره مصدر القمع الأول. وهو اختيارٌ ينقل مركز الثقل من السياسي إلى الثقافي. ففي مقابلةٍ صحفيةٍ على موقع كامبريدج في يناير 2024، سُئل عيّوش عن صعوبة توجيه نقدٍ للنظام، فكان جوابه أن "الأسهل التعبيرُ عن هذا النقد بهذه الصيغة بدل المباشَرة الفجّة" مبرّراً ذلك "أن صانعي الأفلام يتعاملون مع هذا يومياً، إنه جزءٌ من اللعبة".
حتى في عمله الأحدث "الكلّ يحبّ تودا"، يعود عيوش إلى نمط مواضيعه المرتبطة بالجسد الأنثوي، ولكن هذه المرة بالفن والغناء والحلم الفردي. تُصوّر المرأة في الفيلم كائناً يريد فقط أن يتحرر في مجتمعٍ لا يزال يفرض عليه حدوداً غير مكتوبة. بهذا يبدو الفيلم صدىً مباشراً لخطاب الدولة عن تمكين المرأة والانفتاح الثقافي ودعم الإبداع، دون أن يقترب من الأسئلة الاقتصادية أو القانونية العميقة التي تجعل هذا التمكين وارد التحقّق.
وهو الأمر الذي رأى فيه الناقد السينمائي محمد بنعزيز في حديثه مع الفراتس "مسألة عادية". لكن الإشكال حسب بنعزيز هو "في ضعف المعالجة الفنية والسينمائية للعمل [. . .] هناك مقاربةٌ سطحيةٌ ناتجةٌ عن عجزٍ ثقافيٍ وفنّيٍ، وهي كارثةٌ في السينما. ما دام السيناريست ليس قصاصاً فهو يجمع 'الكلاشات' [الملاسنات] والريلزات [الفيديوهات القصيرة] الأعلى مشاهدةً لكي يرصفها ويلصقها ويفترض أن مفعولها سيكون قوياً".
بهذه الطريقة لا يصبح نبيل عيوش مخرجاً معارِضاً بالمعنى السياسي أو مزعجاً بمعنى سينما النقد، بل مخرجاً على مقاس الدولة داخل الإطار المسموح. فنانٌ يُنتج صدمةً يمكن احتواؤها، ويثير جدلاً لا يهدّد البنية، ويمنح المغرب صورةَ بلدٍ يتجادل ويختلف ويعرض تناقضاته على الشاشة، دون أن يسمح لهذا الاختلاف بأن يتحول إلى سؤالٍ سياسيٍ جذري.
وعن هذا يقول الناقد السينمائي عبد الرحيم الشافعي في مقاله "سينما نبيل عيوش ومريم التوزاني تحت المجهر" المنشور سنة 2025، إنّ الدولة تستغلّ "هذا النوع من الخطاب السينمائي لتغذية صورة مجتمعٍ عربيٍ مأزومٍ يحتاج إلى إعادة تشكيلٍ، وكأن هذه الأفلام تُستعمل كسلاحٍ ناعمٍ يخدم أجنداتٍ خارجيةً أكثر ممّا يخدم تطور المجتمع من الداخل".
فالصورة المراد تسويقها أنّ الدولة تُخطئ لكنها تسمح بتصوير الخطأ. ولهذا تحديداً يبقى عيوش – ومن يدور في فلكه مثل زوجته – حاضراً ومدعوماً مادياً ورمزياً، ومثيراً الجدلَ معاً. إذ يؤدي دوراً سردياً أكبر، وهو تحويل التوتر بين الحداثة والتقليد إلى مادةٍ فنيةٍ ممكنة التصدير والاستهلاك.

