الاتحاد العام التونسي للشغل.. العقبةُ الباقية في طريق سيطرة قيس سعيّد

تتعامل قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل مع قيس سعيّد على أنه يعترف بوجودها، فيما نظام الديمقراطية المباشرة الذي يبشّر به لا يقرّ بهذا الدور.

Share
الاتحاد العام التونسي للشغل.. العقبةُ الباقية في طريق سيطرة قيس سعيّد
سوء فهمٍ لطبيعة نظام قيس سعيّد | خدمة غيتي للصور

استدعت الرئاسة التونسية في نوفمبر 2025 جوزيبي بيروني سفير الاتحاد الأوروبي بتونس. وعقب اللقاء أصدرت الرئاسة بياناً تعلن فيه أن الرئيس قيس سعيّد أبلغ بيروني "احتجاجاً شديد اللّهجة إزاء عدم الالتزام بضوابط العمل الدبلوماسي والتعامل خارج الأطر الرسمية المتعارف عليها في الأعراف الدبلوماسية''. جاء الاحتجاج عقب يومٍ واحدٍ من لقاءٍ جمع بيروني بنور الدين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، في مقرّ المنظمة النقابية. 

أظهرت خطوة قيس سعيّد ضيقَه الشديد بمكانة اتحاد الشغل رغم تحركات سعيّد الواسعة للسيطرة على كلّ أوجه السلطة والسياسة في تونس منذ انقلابه على المؤسسات الدستورية في 25 يوليو 2021. فجاء احتجاجُه على تصرفات بيروني تعبيراً عن مدى تدهور العلاقة بينه وبين الاتحاد.

تطورت العلاقة بين نظام قيس سعيّد والاتحاد العام التونسي للشغل منذ يوليو 2021 من تعايشٍ حذرٍ إلى صراعٍ متزايد العداء. أظهر الصراعُ التحولَ الاستبدادي الأوسع في تونس والأزمة الاجتماعية التي تعاني منها البلاد. بموازاة ذلك دخل الرئيس في عمليةٍ منظمةٍ لتفكيك كل الأجسام الوسيطة والهيئات المستقلة، بدايةً من الإطاحة باستقلال القضاء ثم الأحزاب السياسية والصحافة، والسيطرة على الإعلام العمومي. يوضّح ذلك معاداةَ سعيّد كلَّ أشكال الأنظمة الوسيطة في المجتمع، وسعيَه إلى بناء علاقةٍ مباشرةٍ بين "القائد والشعب"، وهي من صميم رؤيته الشعبوية للسياسة.

في المقابل ظل اتحاد الشغل يطالب بالحوار مع السلطة بلا جدوى. ولأن الاتحاد يمثل كياناً صعب التفكيك لتجذره الشعبي والمؤسسي، بدأ النظام مصادرة أوراق قوّته عبر عزله عن دوره النقابي، ثم تجريده من قوته المالية، وفرض ترتيبٍ جديدٍ داخل القطاع العام يستهدف تفكيك قوة نقاباته الرئيسة. في المقابل بدت قيادة الاتحاد غير واعيةٍ بطبيعة النظام الجديد، فهي لا تزال تتعامل مع طبيعته الاستبدادية مستخدمةً الآليات والخطاب نفسيهما اللذين استخدمهما الاتحاد في مواجهة أنظمة الحبيب بورقيبة أو زين العابدين بن علي. 

أدى ذلك إلى نشوب أزمةٍ داخل الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه، بين خطٍ لا يريد التصعيد وخطٍ معارضٍ يسعى للمواجهة، ما جعل إدارة الاتحاد الصراعَ أكثر ارتباكاً. وبهذا يجسد هذا الصراع البنيوي بين رئاسةٍ مركزيةٍ استبداديةٍ متزايدةٍ، وحركةٍ عماليةٍ راسخةٍ تاريخياً تُدافع عن استقلالها، تحوّلاً جذرياً في طبيعة العقد الاجتماعي في تونس.


قبل شهرٍ من انتخابه رئيساً في أكتوبر 2019، زار قيس سعيّد مقرّ الاتحاد العام التونسي للشغل والتقى أمينه العام نور الدين الطبوبي. وعندما خرج صرّح لجريدة الشعب الناطقة باسم الاتحاد، أن "تصوراته لا تختلف عن تصورات قيادة الاتحاد"، وأنه "لم يجد فوارق في وجهات النظر، التي بدت متطابقةً في مختلف القضايا". 

استقرت العلاقة بين الطرفين على هذا الحال حتى 25 يوليو 2021، عندما أقال الرئيس حكومةَ هشام المشيشي وجمّد عمل البرلمان وأمر الجيش بإغلاق مقرّه، أو ما سمّته الرئاسة "التدابير الاستثنائية" حينها. وعلى عكس بعض الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، التي رفضت هذه الإجراءات، كان موقف الاتحاد العام للشغل أكثر تعقيداً. إذ أبدى في بيانٍ له دعماً حذراً للتحرك الطارئ في سياق الأزمة الصحية التي كانت تعيشها البلاد جراء تفشي جائحة الكورونا. 

ومع أن قيادة الاتحاد لم ترفض خطوة الرئيس، إلا أنها أكّدت على ضرورة اتخاذ ضماناتٍ دستوريةٍ في مقدّمتها الابتعاد عن المركزية المفرطة. وبهذا نادت قيادة الاتحادِ الرئاسةَ إلى ضبطِ مدّة تطبيق هذه "الإجراءات الاستثنائية والإسراع بإنهائها حتّى لا تتحوّل إلى إجراءٍ دائم". ودعت الرئاسةَ لاحترام الحقوق والحريات "بما فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية دون تجزئةٍ مع الاحتكام إلى الآليات الديمقراطية والتشاركية في أيّ تغييرٍ سياسيٍ في إطار خارطة طريقٍ تشاركية".

أظهرَ هذا التناقضُ أمرَيْن، أوّلهما اهتمام الاتحاد بالاستقرار، لاسيما وأن الأزمة السياسية المتمثلة في تناحر القوى داخل البرلمان المنتخب سنة 2019 كادت أن تؤدي إلى انفجارٍ اجتماعي. أمّا الثاني فهو حذرُ قيادة اتحاد الشغل من مساعي قيس سعيّد نحو الانفراد بالسلطة. لكن بعد أيامٍ قليلةٍ، تحوّل حذر الاتحاد إلى قلقٍ حقيقيٍ عقب إصدار الرئيس مرسوماً في 22 سبتمبر 2021 يسند فيه لنفسه جميع السلطات. حذرت قيادة الاتحاد في بيانٍ لها بعد يومين من مرسوم سعيّد من "مخاطر تجميع السلطات في يد رئيس الدولة في غياب الهياكل الدستورية التعديلية". 

أعطى ذلك المرسوم قيس سعيّد صلاحياتٍ هائلةً مكّنته من إعادة تشكيل هياكل السلطة. حلّ الرئيس في فبراير 2022 المجلس الأعلى للقضاء واستبدلَ به مجلساً قضائياً عيّن هو أعضاءه. وفي مارس من العام نفسه حلّ سعيّد البرلمان نهائياً، ثم حلَّ الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في أبريل، وأعاد تشكيلها لتضم سبعة أعضاء يعيّنهم الرئيس. وفي 30 يونيو نشر سعيّد مسوّدة الدستور الذي صاغه منفرداً فاعتُمِدَ بالاستفتاء في 25 يوليو 2022، وسط مقاطعةٍ واسعة. وفي سبتمبر 2022، أصدر مرسوماً بتعديل القانون الانتخابي. 

أقرّ قيس سعيّد جميع هذه الإجراءات منفرداً، دون أيّ مشاركةٍ من الأحزاب أو المنظمات المدنية أو اتحاد الشغل. وفي بيانٍ له في يوليو 2022 قال الاتحاد إن "الجمهورية الجديدة" التي بناها سعيّد تعتريها "نقائص وإخلالاتٌ كثيرةٌ وجوهرية"، وإن دستورها يعيق "بناء دولة القانون والمؤسسات وإرساء نظامٍ سياسيٍ مدنيٍ ديمقراطيٍ اجتماعيٍ قائمٍ على الفصل بين السُّلَط والتوازن بينها وحماية الحقوق والحرّيات وإنفاذها". وبهذا يمكن القول إن موقف الاتحاد بدأ دعماً حذراً للانقلاب، وتحوّل إلى شكوكٍ عامةٍ وتباعدٍ صامتٍ بين الطرفين منذ لحظة استفتاء 2022.

تدهورت العلاقة بين الطرفين مع بداية 2023 بتسارعٍ، بموازاة نزوع النظام إلى سياساتٍ أكثر قمعية. بدايةً من شهر فبراير 2023، أطلقت السلطات حملة اعتقالاتٍ واسعةً طالت ناشطين سياسيين ورجال أعمالٍ وصحفيين معارضين، من بينهم القيادي النقابي أنيس الكعبي بسبب دعوته إلى إضرابٍ في مؤسسة الطرقاتِ السيارة، المؤسسة الحكومية التي تسيّر شبكة الطرقات البرّية. وفي اجتماع قيادة الاتحاد اتهم الطبوبي الرئيسَ باستهداف الاتحاد وتحريض الرأي العام على منتسبيه. واستنكر المكتب التنفيذي في بيانٍ له منتصف فبراير 2023 ما سمّاه "حملات الاعتقال العشوائية التي طالت العديدين وما شابها من خروقاتٍ قانونيةٍ وتجاوزاتٍ إجرائيةٍ ومحاولات تلفيق التهم وحملاتٍ تشهيريةٍ في ظلّ التعتيم الكامل وغياب أيّ معلومةٍ رسميةٍ عن طبيعة التهم ومآلات التحقيق". وفي الشهر نفسه اتخذت حكومة سعيّد خطوةً تصادميةً أخرى بطرد إستر لينش، الأمينة العامة لنقابات العمال في الاتحاد الأوروبي، بعد أن ألقت كلمةً في تجمعٍ احتجاجيٍ للتضامن مع القيادي المعتقل أنيس الكعبي. فشهدت هذه المرحلة تطور العلاقة بين السلطة والاتحاد، من التعايش المتوتر إلى الصراع العلني.


بحلول بداية سنة 2024، لم يعد الاتحاد العام التونسي للشغل مستعداً لتقاسم المساحة مع مشروع سعيّد السياسي دون ضماناتٍ واضحةٍ للاستقلال الذاتي والمشاركة الفعالة. وعلى مدار السنة استمر تدهور العلاقات بين الطرفين في ظلّ أزمةٍ سياسيةٍ أنتجت حملات اعتقالٍ واسعةً لسياسيين وأزمةً اقتصاديةً فاقمتها ديونٌ خارجيةٌ حان موعد سدادها. فأوقفت الحكومة في فبراير 2024 التفاوض مع قيادة الاتحاد على حقوق الموظفين في القطاع العام.

لم تتوقف السلطات عند هذا الحد فاعتقلت الطاهر المزي، الأمين العام المساعد المسؤول عن القطاع الخاص في الاتحاد قبل ساعاتٍ من تجمّعٍ عمّاليٍ احتجاجيٍ كان سينعقد يوم 2 مارس 2024. وتوجهت الحكومة نحو إجراء تعديلاتٍ على قانون العمل رقم 27 لسنة 1966 دون مشاركة النقابات، الأمر الذي اعتبره الاتحاد في بيانٍ له في 3 يوليو "إقصاء صريح للشركاء الاجتماعيين، وتراجع غير مفهوم ولا مبرّر عن التقاليد المكتسبة للحوار الاجتماعي والقائمة على مبدأ التشاور الثلاثي بين الأطراف الاجتماعيين الثلاثة [العمال والحكومة وأصحاب العمل] والتي كانت مكرسةً منذ استقلال بلادنا". 

عزّز قيس سعيّد سلطته عبر تغييراتٍ مؤسسيةٍ همّشت بقية هيئات الحكم وهياكله وإدارة السياسة والمجتمع، لكنه مع ذلك لم يتخذ الاتحادَ العام التونسي للشغل عدوّاً كبيراً. إذ كان سعيّد منشغلاً في تصفية بقية الأنظمة الوسيطة مثل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وتحييد منافسيه في الانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2024. في المقابل ظلّت قيادة الاتحاد تطالب تارةً بفتح "حوار اجتماعي" مع السلطة، وتارةً بعقد حوارٍ وطنيٍ سياسيٍ أوسع، لكن بلا جدوى. وتجنب الاتحاد الصدامَ المباشر مع النظام، واقتصر دوره على تنظيم بعض المظاهرات المتفرقة والإدلاء بتصريحاتٍ ناقدةٍ في وسائل الإعلام. لكن سعيّد كان يتجاهل هذه الدعوات، ويسعى عبر سياسة تفكيك الأنظمة الوسيطة وعزلها إلى تحويل اتحاد الشغل إلى هيئةٍ مهنيةٍ محدودةٍ بدلاً من كونه فاعلاً اجتماعياً وسياسياً واسع النطاق والنفوذ.

استمرّت هذه التوترات طوال الشهور الأولى من سنة 2025، حتى وصلت الأزمة بين الطرفين إلى نقطة الحسم في 29 يوليو، حين أعلنت نقابة عمال النقل التابعة للاتحاد عن فشل المفاوضات مع الحكومة وقررت التوجه نحو إضرابٍ عامٍّ ثلاثة أيامٍ في قطاع نقل المسافرين البرّي. شكّل الإضراب نقطة توترٍ غير مسبوقةٍ، حاشداً مؤيدي النقابة – ومنهم اتحاد الشغل – ومؤيدي النظام على حدٍّ سواء. 

بلغ التوتر ذروته في 8 أغسطس، عندما هاجم محتجّون من أنصار الرئيس قيس سعيّد مقرَّ اتحاد الشغل في ساحة محمد علي الحامي بالعاصمة، مطالبين بتدابير عقابيةٍ ومحمّلين الاتحاد مسؤولية الاضطرابات العامة في البلاد. ردّت قيادة الاتحاد على ذلك بالشارع، ودعت العمال للتظاهر يوم 21 أغسطس. استجاب للدعوة حشودٌ كبيرةٌ مما أظهر استياءً شعبياً واسع النطاق من الأوضاع الاقتصادية والقمع السياسي، وهو ما يتفق مع ما جاء في مؤشر الحقوق العالمية للاتحاد الدولي لنقابات العمال في تقريره لسنة 2025، حين عدّ تونس ضمن الدول العشر الأكثر انتهاكاً لحقوق العمال وحرية العمل النقابي.

وشهدت الأسابيع الأخيرة من 2025 تطوراً متسارعاً في التحركات النقابية ضد السلطة. قررت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام للشغل يوم 5 ديسمبر تنفيذ إضرابٍ عامٍ في البلاد في 21 يناير 2026، وهو الإضراب العام الأول في عهد قيس سعيّد. وقال الاتحاد إن الإضراب من أجل "الدفاع عن الحقوق والحريات، وفي مقدمتها الحق النقابي [الحق في التنظيم] والحق في التفاوض من أجل تحسين الأجور والحفاظ على مكتسبات الحوار الاجتماعي''. تزامن ذلك مع نقاش الموازنة العامة وفرض الحكومة تعديلاتٍ على الرواتب دون الدخول في مفاوضاتٍ مع النقابة أول مرةٍ منذ 1973. في الوقت نفسه، واجهت المفاوضات الاجتماعية طريقاً مسدوداً، وهي جلسات تفاوضٍ سنويةٌ بين النقابة والحكومة لبحث مسائل زيادة الأجور في قطاعاتٍ مثل الخدمات المصرفية والتأمين. إذ سبق أن انتقد الاتحاد الحكومةَ في بيانٍ له في أول يوليو 2025 "عدم الجدية" وأشار إلى احتمالية اتخاذ إجراءاتٍ احتجاجيةٍ خارج المسار التفاوضي. 

أظهرت هذه التطورات تصدع المفاوضات الثلاثية التقليدية، بين النقابات والحكومة واتحاد الصناعة والتجارة الذي يمثل أصحاب العمل، التي كانت تشكّل ركيزة علاقات العمل في تونس. فأنذر هذا بتصاعد خطر المواجهة بين الطرفين، ذلك أن إقصاء النقابة عن مسألة التفاوض في تونس يعدّ قتلاً لدورها وسيطاً بين الطبقة العاملة والسلطة، ما يترتب عليه إضعاف نفوذها. 

امتدت تأثيرات التناقض الرئيس بين الاتحاد ونظام سعيّد إلى داخل قيادات الاتحاد التي انقسمت بين جناحٍ يريد المضيّ في المواجهة مع السلطة، وآخر يريد تخفيف حدّة الصراع. فعقب إقرار الإضراب العام، أعلن الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي استقالته في آخر ديسمبر 2025، في سابقةٍ لم تحدث من قبل في تاريخ المنظمة. أبرزت هذه الخطوة الخلافاتِ الداخليةَ على كيفية التعاطي مع النزوع الاستبدادي لنظام سعيّد.

ويبدو أنّ الخلافات الداخلية تدور على قراراتٍ استراتيجيةٍ رئيسةٍ، لاسيما موعد المؤتمر العام للاتحاد وتنظيمه، وكيفية التعبئة للإضراب العام. ويبدو أن الأمين العام استقال بسبب رفضه الإضرابَ العام، أو خشيته من تحمّل نتائجه أمام السلطة، وبالتالي خَلق فراغٍ في قيادة المنظمة لكي لا تستطيع التعبئة للإضراب. وهو ما حدث عندما أعلن الاتحاد في 11 يناير عن إلغاء الإضراب العام. وبعد ثلاثة أيامٍ فقط سحبَ نور الدين الطبوبي استقالته. وقد سمحت القواعد التنظيمية الداخلية للاتحاد بسحب الاستقالة أثناء الفترة القانونية قبل إتمامها. خطوة سحب الاستقالة مكّنت من الحفاظ على استمرارية الاتحاد بتشكيله القائم. لكن هذا الارتباك جعل الاتحاد العام التونسي للشغل في موقفٍ ضعيفٍ أمام السلطة، لاسيما أنّ قيادة الاتحاد الحالية فقدت كثيراً من شعبيّتها منذ 2021، عندما عدّلت المادة 20 من اللوائح الداخلية للمنظمة بإلغاء الحدّ الأقصى لمدة ولاية القيادة التنفيذية. أنشأ التعديل معارضةً داخل الاتحاد، عُرِفتْ بعد ذلك باسم "المعارضة النقابية"، وَجَدَت استمرارَ الوجوه نفسها في قيادة الاتحاد خطوةً غير شرعية. 

كذلك يسعى سعيّد إلى إضعاف قوة الاتحاد بتعريض تماسكه المالي للخطر. فالاتحاد يستند في تمويله على الاشتراكات التي يدفعها العمال والموظفون، وهي اشتراكاتٌ تقتطعها الدولة تلقائياً، ومن ثمّ تحوّلها إلى حسابات الاتحاد. وتصدر الحكومة التونسية مطلع كل عامٍ تعميماً موجّهاً للوزراء عن الخصم من الرواتب لفائدة الاتحاد. لكن هذه السنة 2026 لم يصدر أي تعميمٍ، ما يعني أن الخصم التلقائي لم يعد قائماً وأن على الاتحاد جمع الاشتراكات من أعضائه مباشرةً، بكل ما يعنيه ذلك من عقباتٍ إداريةٍ وجهد. وقد أدانت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد، في اجتماعٍ لها يوم 10 فبراير، قرار إيقاف العمل بآلية الخصم المباشر والطارئ للاشتراكات النقابية، واصفةً إياه بالاعتداء "السافر" على الحق النقابي والدستوري، وبأنه محاولةٌ مكشوفةٌ للضغط على الاتحاد وإرباك هياكله.

في الوقت نفسه، تُبرز أزمة شرعيةِ القيادة الحالية، ومنها شرعية الاتحاد في تمثيل العمال، تحدياً مؤسسياً أكبر. فمع مواجهة تونس صعوباتٍ اقتصاديةً وقمعاً سياسياً وانعدام الاستقرار الاجتماعي، تضاءلت قدرة الاتحاد العام للشغل على العمل ممثلاً موحداً للعمال. هذه الوحدة التي كانت على مدى عقودٍ ماضيةٍ تمنحه موقع قوةٍ في الحوار مع السلطة وتأثيراً في قرارتها. لكن هذه الأزمة الداخلية التي برزت في اتجاه إلغاء الإضراب، تكشف عن سوء تقديرٍ فادحٍ من قيادة الاتحاد للنهج السياسي الذي يتعامل به قيس سعيّد، ليس مع النقابة فحسب بل مع جميع الكيانات الاجتماعية والسياسية المستقبلية في البلاد. وهو نهجٌ مختلفٌ تماماً عمّا عهده الاتحاد في تاريخ تعامله مع القيادة السياسية في البلاد منذ استقلال تونس سنة 1956.


لا يستمدّ الاتحاد العام التونسي للشغل قوّته من تمثيله الطبقةَ العاملةَ وحسب، بل من شرعيةٍ تاريخيةٍ مستمرةٍ منذ تأسيسه سنة 1946 على يد الزعيم النقابي فرحات حشاد. اغتيالُ الاستعمار الفرنسي حشاداً المفجعُ سنة 1952 كثّف من أسطورة المنظمة النقابية شريكاً أساساً في الكفاح ضد الاستعمار وتحقيق الاستقلال.

على عكس أغلب الاتحادات العمالية العربية، تمكّن الاتحاد التونسي من الحفاظ على قدرٍ نسبيٍ من الاستقلال عن السلطة، كما يشرح الكاتب علي نور الدين في مقالتِه "الحركة النقابية العربية: وهنٌ شديدٌ بعد أدوارٍ تاريخية" المنشورة سنة 2023. وتتتبّع المقالة علاقة الاتحاد بالرؤساء التونسيين المتعاقبين منذ الاستقلال، بدايةً من عهد الحبيب بورقيبة الذي تمتعت علاقته بالاتحاد بمزيجٍ معقدٍ من التحالف العضوي والمنافسة الشرسة. 

سعى بورقيبة منذ البداية إلى احتواء المنظمة لتعزيز قبضته على السلطة، وفي سعيه هذا مرّت العلاقة بين الطرفين بأكثر من تحوّل. في البداية كان الاتحاد شريكاً في بناء الدولة، بمشاركتِه في "الجبهة القومية" التي خاضت انتخابات سنة 1956. وساهم بنشاطٍ في صياغة خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مثل مخططات الصحة والتعليم، على ما توضح الصحفية فريدة دهماني في مقالتِها "لأو جي تي تي في دو لا ريسيستونس" (الاتحاد العام التونسي للشغل يقاوم)، المنشورة سنة 2012. وتولّى في هذه المرحلة قياديون في الاتحاد مناصب وزراء وولاةٍ وسفراء. 

على ذلك بدأت التوترات في الظهور بين بورقيبة والاتحاد منذ دخول تونس طوراً اشتراكياً أطلق عليه اسم "التعاضد" في ستينيات القرن الماضي بقيادة الأمين العام السابق للاتحاد أحمد بن صالح الذي أصبح بمثابة رئيسٍ للوزراء، بسبب تولّيه عدّة حقائب وزاريةٍ أهمّها الاقتصاد والتخطيط والمالية. فاعتُقِل الأمين العام للاتحاد الحبيب عاشور سنة 1965 بسبب معارضته هذه السياسة، واستبدلت السلطة بالقيادة النقابية أخرى موالية. 

في بداية السبعينيات، ومع تحول تونس نحو الليبرالية الاقتصادية المُدارة تحت قيادة رئيس الوزراء الهادي نويرة، عاد الحبيب عاشور لقيادة الاتحاد. لكن السياسات الجديدة فرضت ضغوطاً على العلاقة بين الطرفين، بسبب توسع نقابات الاتحاد إلى القطاع الخاص، كما ينقل بلال كشوك أستاذ العلوم السياسية في جامعة أوتاوا الكندية، في دراسته "لي 'إنسيان' إيليت إيكونوميك إي لو شونجمون دو ريجيم أون تونيزي" (النخبة الاقتصادية 'القديمة' وتغيير النظام في تونس)، المنشورة سنة 2017. 

شهدت السبعينيات ارتفاعاً حاداً في تكاليف المعيشة بسبب التضخم وتحرير السوق. ويقول المؤرخ جويل بينين في كتابه "ووركَرز أند ثيفز" (عمّال ولصوص) المنشور سنة 2015، إنّ الأسعار زادت بنسبة 36 بالمئة بين سنتَيْ 1970 و1977، في حين لم ترتفع الأجور الحقيقية إلا بنسبة 7 بالمئة فقط. وبعد السنوات السبع، وقّع الاتحاد مع الحكومة "ميثاقاً اجتماعياً" في يناير 1977 يضمن زيادةً في الأجور. إلا أن الإضرابات استمرت، ما دفع قيادة الاتحاد إلى تغيير مسارها ودعم المضربين تحت ضغط القواعد العمالية. ليتخذ الصراع طابعاً سياسياً مباشراً عندما استقال الحبيب عاشور من اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم (الاسم الجديد للحزب الحرّ الدستوري الجديد) في يناير 1978، ردّاً على هجمات "جماعات الحزب المسلحة" – وهم مدعومون من الحكومة – على مقارّ الاتحاد الجهوية.

بلغت المواجهة ذروتها في 26 يناير 1978 عندما دعا الاتحاد لأول إضرابٍ عامٍّ بعد الاستقلال. فاندلع صدامٌ دمويٌ مع قوات الأمن وسُجن عديدٌ من القيادات النقابية التاريخية وفرض النظام قياداتٍ جديدةً مواليةً له عوضاً عنهم. ولا يزال هذا اليوم يُعرف في التاريخ السياسي التونسي بـالخميس الأسود، كما تشرح الصحفية أروى العبيدي في مقالتها "قصة خميس أحمر" المنشورة سنة 2023 على موقع "انكفاضة". وتشير التقديرات الحكومية إلى سقوط ستةٍ وأربعين قتيلاً في هذا الصدام، في حين قدّرت مصادر أخرى عدد الضحايا بين مئةٍ وخمسين وثلاثمئة قتيلٍ ونحو ألف جريحٍ، على حسب ما ينقل جويل بينين. 

ظلّ الاتحاد العام للشغل تحت سيطرة الدولة المباشرة عدّة أعوامٍ حتى عُفِيَ عن القيادات التاريخية لاحقاً في الثمانينيات. لكن هذا لم يستمر طويلاً، إذ استجابت حكومة محمد مزالي سنة 1984 لتوصيات صندوق النقد الدولي بخفض الدعم عن الحبوب، ما أدّى لرفع أسعار الخبز بنسبةٍ وصلت إلى 108 بالمئة، فانتفض الشعب التونسي بدعمٍ من القواعد العمالية لتندلع ثورةٌ شعبيةٌ سُمِّيت "ثورة الخبز". 

تسارعت التوترات بين الحكومة والاتحاد مرةً أخرى سنة 1985، عندما رفض الاتحاد سياسة ربط زيادة الأجور بالإنتاجية بدلاً من تكلفة المعيشة. شنّت الحكومة هجوماً كاسحاً على المنظمة، فألغت اقتطاع الاشتراكات الآلي واحتلّت مقراتها، وسجنت قياداتها ونصبت قيادةً مواليةً لها وصفتها بقيادة "الشرفاء". واستخدم الحبيب بورقيبة آلياتٍ متنوعةً لتدجين الاتحاد، منها السيطرة المالية عبر جمع الاشتراكات مباشرةً من الرواتب، ومنح الامتيازات للنقابيين الموالين، والتدخل المباشر في اختيار الأمناء العامين وإقالتهم. تقول سيلينا براون، الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، في دراستها " آ كوا سيرف لي بارتي تونيزيان" (ما فائدة الأحزاب التونسية) سنة 2006، إنه على محاولات السلطة للسيطرة، إلا أنّ الاتحاد استمرّ في دورِه المضادِّ السلطةَ خاصةً في أوقات الأزمات، وتحوّل لملاذٍ للمعارضة السياسية في غياب التعددية الحزبية الفعلية.

مع ذلك لم يكن بورقيبة معادياً فكرة وجود الاتحاد منظومةً وسيطةً بين السلطة والطبقة العاملة. فحتى في أوقات الصدام، كان ينزع إلى السيطرة على المنظمة النقابية وليس عزلها. وظلّ الحالُ على ما هو عليه حتى صعود زين العابدين بن علي للسلطة سنة 1987.

في عهد بن علي تغيّرت أولويات النظام، ولذلك كانت العلاقة مع المنظمة النقابية أهدأ. اختلف بن علي عن بورقيبة في سعيه لإعادة تنشيط الاتحاد وتوحيده في بداية حكمه، بسبب التهديد الذي كانت تمثله الحركة الإسلامية (اسم حركة النهضة القديم). كانت أولوية النظام في تنفيذ اتفاقية برنامج الإصلاح الهيكلي الموقعة مع صندوق النقد الدولي. ولتجنب الصدام الذي حدث في 1978 ثم في 1985، دخلت قيادة الاتحاد المعاد توحيدها برئاسة إسماعيل السحباني في مقايضةٍ سياسيةٍ، إذ أعلن الاتحاد سنة 1992 تخلّيه عن معارضة برنامج الإصلاح الهيكلي مقابل السماح له بممارسة دوره في الوساطة بين السلطة والطبقة العاملة لتحقيق زياداتٍ في الأجور. 

حوّل هذا الاتحادَ إلى مؤسسةٍ إداريةٍ في قمّتها، لكن حيوية في قواعدها. ظلّ الأعضاء في الهرمية الوسطى والدنيا متمسكين بثقافة الصراع الطبقي، وعدّت سياسات الصندوق مشروعاً طبقياً يستهدف العمال، كما يشرح جويل بنين في كتابه سابق الذكر. في المقابل نجح بن علي في تدجين القيادة بالامتيازات، فدأبت على دعمه في جميع المحطات الانتخابية التي لم ينافسه فيها أحدٌ، وحصل في جميعها على نسبٍ تفوق 90 بالمئة. لكن على عكس بورقيبة الذي كان يتدخل في كل تفاصيل الاتحاد، سمح بن علي للقيادة بممارسة دور الوساطة، بشرط عدم التدخل في سياسات الدولة الاقتصادية والسياسية الكبرى. وبينما استخدم بورقيبة القوة المباشرة والقمع العلني للسيطرة على المنظمة النقابية، يشرحُ بنين إنّ بن علي عمل على الإفساد المالي وتصعيد القيادات الموالية، مع ترك هوامش نقابيةٍ مهنيةٍ لامتصاص الغضب. ومع ذلك كان الرجلان حريصَيْن على بقاء الاتحاد والحفاظ على شرعيته لخدمة أهدافهما في السيطرة على المجتمع.

عند اندلاع الثورة التونسية سنة 2011، شهد الاتحاد العام التونسي للشغل تحولاً جذرياً في دوره. إذ انتقل من منظمةٍ ذات قيادةٍ مُحيّدةٍ وقواعد مكبوتةٍ، إلى فاعلٍ سياسيٍ مركزيٍ ومحركٍ للانتقال السياسي. تشير نجاة ميزوني، الباحثة في جامعة باريس 8، في مقالتها "لأو جي تي تي، موتور دو لا ريفليسيون تونيزيان" (الاتحاد العام التونسي للشغل: محرّك الثورة التونسية)، المنشورة سنة 2012، إلى أنّ أعضاء الاتحاد ساهموا في الحراك الشعبي في حين كانت القيادة العليا مترددةً أو مهادنةً النظامَ. ففي المناطق التي شهدت اندلاع بدايات الثورة التونسية مثل سيدي بوزيد والقصرين وقفصة، فتح النقابيون المحليون مقرات الاتحاد للمتظاهرين، ما وفر غطاءً قانونياً وسياسياً للاحتجاجات لم يكن متاحاً لأيّ قوةٍ معارضةٍ أخرى. وقررت فروع الاتحاد الجهوية في بعض المناطق ذات الوزن العمالي والاقتصادي الكبير مثل صفاقس، تنفيذ إضراباتٍ كان لها دورٌ أساسٌ في تدهور تماسك نظام بن علي.

بعد الإطاحة ببن علي، أعاد الاتحاد العام التونسي للشغل إصلاح نفسه داخلياً في مؤتمر ديسمبر 2011، الذي انتُخِب فيه مكتبٌ تنفيذيٌ جديدٌ بقيادة حسين العباسي. 

اتسمت العلاقة بين الاتحاد وحركة النهضة بعد صعودها إلى السلطة عقب الثورة بالتوتر الشديد، إذ اتهمت النهضة الاتحادَ بتعمّد تعطيل عمل حكومتها، في حين واجه الاتحاد اعتداءاتٍ من "رابطات حماية الثورة" المحسوبة على حركة النهضة سنة 2012. وحاولت النهضةُ اختراقَ الاتحاد عبر انتخابات النقابات الأساس التابعة له، أو دعم التعددية النقابية لتكون وسيلتها لضرب وحدة التمثيل العمالي وإضعاف احتكار الاتحاد العام التونسي للشغل المشهدَ النقابي. وهذا ما حدث سنة 2012 مع دعم النهضة منظمةَ "اتحاد عمال تونس"، التي يقودها الأمين العام السابق للاتحاد إسماعيل السحباني، كما توضح هالة اليوسفي الأستاذة في جامعة باريس دوفين، في كتابها "تْريد يونيونز أند أراب ريفولوشنز [. . .]" (النقابات العمالية والثورات العربية: حالة الاتحاد العام التونسي للشغل) المنشور سنة 2018. 

على هذه المحاولات، واجهت حركة النهضة صعوبةً في تحقيق اختراقٍ عميق. إذ كانت قياداتها تفتقر للثقافة النقابية وتملك تاريخاً طويلاً من العداء العقائدي للعمل النقابي، فكانت أدبيات الحركة السابقة تعدّه جزءاً من الثقافة الماركسية. حينئذٍ، وأمام تشتّت أحزاب المعارضة اليسارية والليبرالية، أصبح الاتحاد يتزعم ضمنياً جبهةً معارضةً حكمَ الإسلاميين. وعقب اغتيال شكري بلعيد، القيادي في الجبهة الشعبية اليسارية في فبراير 2013، ثم اغتيال رفيقه في الجبهة محمد البراهمي في يوليو من العام نفسه، أصبح الاتحاد يقود الوساطة بين حركة النهضة والمعارضة، ضمن ما عُرف بالرباعي راعي الحوار الوطني، الذي ضمّ أيضاً الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين. 

كان هذا التحالفُ المُحكم الذي أجبر القوى السياسية، وخاصةً حركة النهضة، على التراجع، مما أدّى إلى استقالة حكومة النهضة بقيادة علي العريض، وتشكيل حكومة كفاءاتٍ واعتماد دستور 2014. وقد حصل الرباعي راعي الحوار في العام التالي على جائزة نوبل للسلام. فأعطت هذه التجربة الاتحاد العام التونسي للشغل نفوذاً سياسياً واسعاً في تشكيل السلطة في البلاد، بما يتجاوز كثيراً دوره النقابي والاجتماعي.


على أساليب المواجهة المختلفة التي سلكتها الأنظمة السابقة ضد الاتحاد العام التونسي للشغل، فإن هدفها لم يكن إلغاء وجود المنظمة النقابية. على النقيض من ذلك، يُمثل نهج قيس سعيّد في التعامل مع المنظمة النقابية منذ 2021 قطيعةً هيكليةً مع هذا الإرث.

لا يسعى سعيّد إلى دمج الاتحاد أو ترويضه ضمن إطارٍ نقابيٍ، ولا يحاول استمالة قيادته. بل يتحرك ضد الاتحاد ضمن رؤيته الأوسع التي تناهض المنظوماتِ الوسيطةَ، والتي ترفض الهيئات والمنظمة والأحزاب والجمعيات والنقابات وتراها عقباتٍ غير شرعيةٍ لبناء علاقةٍ مباشرةٍ بين "الشعب والقائد". 

عبّر قيس سعيّد عن تلك الأفكار من قبل صعوده السلطة. ففي حملته الانتخابية صرحّ في مقابلةٍ صحافيةٍ مع صحيفة "الشارع المغاربي" في 12 يونيو 2019، أنه يسعى لإقرار تعديلاتٍ دستوريةٍ تحقّق مشروعه في "الديمقراطية المباشرة"، من أجل أن "ترتقي إرادة الأمة إلى مستوى أمانيها، فقد انتهى عهد الأحزاب. والشعب صار ينتظم بطريقةٍ جديدة". 

بناءً على هذا المنطق، فإن الاتحاد العام للشغل ليس شريكاً، بل دخيلاً يجب تقويض شرعيته السياسية، لأنه يسعى إلى تمثيل جزءٍ من الشعب هو الطبقة العاملة. ولهذا تعيد السلطة إنتاج أساليب قمعيةٍ قديمةٍ في مواجهة الاتحاد. فتارةً تُضعِف قدراتِه الماليةَ أو تعتقل بعض العناصر النقابية الفاعلة، وكذلك تعزل المنظمة عن دورها في التفاوض باسم العمال. 

لا يمضي سعيّد نحو التفكيك الشامل كما فعل مع الجمعيات، ولا يحاول وضع الاتحاد تحت السيطرة، لأن ذلك قد يثير مقاومةً اجتماعيةً وسياسيةً وشعبيةً واسعة. بدلاً من كل ذلك يسعى سعيّد إلى نزع الشرعية عن الاتحاد بالتدريج، وذلك بالتشكيك في مدى تمثيله العمالَ ودوافعه في الخطاب العام واتهام قادته بالفساد، وتطبيع فكرة أن النقابات مسؤولةٌ عن الشلل الاقتصادي في الخطاب العام كما زعم في خطابه يوم 9 أغسطس 2025 بعد محاولات اعتداءِ أتباعه على مقرّ الاتحاد. وتهدف استراتيجية التآكل التدريجي هذه إلى إضعاف نفوذ الاتحاد المعنوي بدلاً من تدميره مؤسسياً.

لعلّ أهمّ ما يُميّز نهج سعيّد هو كونه هدّاماً دون أن يصنع بديلاً. فقد أضعف كلٌّ من بورقيبة وبن علي استقلالية النقابات مع الحفاظ على آليات التنظيم الاجتماعي. أما سعيّد، فيُفكّك هذه الآليات أو يتجاهلها دون استبدالها. ولم يُثمر خطابه السياسي عن المجالس المحلية و"الديمقراطية المباشرة" عن مؤسساتٍ قادرةٍ على إدارة الحوار مع الفئات الاجتماعية. ونتيجةً لذلك، يُولّد الصدام مع الاتحاد العام عدم استقرارٍ بنيويٍ حادٍّ في البلاد، إذ يتراكم الغضب الاجتماعي دون وساطةٍ، وتصبح السياسات الاقتصادية أكثر تعسفاً. فلا يجد النظام في النهاية سوى القبضة الأمنية لإدارة المجتمع.

في مواجهة هذا النهج المختلف، يكشف سلوك قيادة الاتحاد المتناقض عن سوء فهمٍ لطبيعة نظام قيس سعيّد. منذ سنة 2021، اتسم سلوك الاتحاد تجاه السلطة السياسية بالتذبذب والغموض. وبينما يُصوَّر هذا النمط أحياناً على أنه مرونةٌ، فإنه يكشف عن أن قيادة الاتحاد الحالية غير مستعدةٍ هيكلياً، وغير مدركةٍ القطيعةَ النوعيةَ التي يمثلها أسلوب الحكم الاستبدادي الذي انتهجه قيس سعيّد. وهو أقرب لعرض سوء فهمٍ استراتيجيٍ متجذرٍ في استمرار اعتماد القيادة على أطرٍ تفسيريةٍ موروثةٍ من تجارب استبداديةٍ سابقة. فقد أفرزت التجربة التاريخية ردّة فعلٍ موجهةً نحو دورات الضغط والتنازل والتصعيد المدروس، وافتراض أن الدولة تحتاج في نهاية المطاف وساطة النقابات لإدارة العلاقة مع العمال. لكن ما لم تدركه قيادة الاتحاد، على الأقل في السنوات الأولى من انقلاب 2021، هو أن نظام سعيّد سلطةٌ لا تقبل التفاوض.

لا يختلف قيس سعيّد عن سابقيه في درجة القمع، بل في فلسفته. إذ يرفض الوسطاء رفضاً قاطعاً ويُجرّد التمثيل الجماعي من شرعيته، ويحكم بالأحادية بدلاً من إدارة الصراع. وبالتالي فإن محاولات قيادة الاتحاد العام للشغل المتكررة للتناوب بين الحوار والضغط توحي باعتقادٍ ضمنيٍ بأن توازناً قابلاً للتفاوض لا يزال قائماً.


تستمر القيادة النقابية في التصرف كما لو كان من الممكن إجبار سعيّد، عبر الإضرابات أو الخطابات أو التنازلات الرمزية، على قبول حلٍّ وسط. وبدلاً من إعادة تعريف دورها في ظل نظامٍ شعبويٍ لا يعترف بالوساطة، تعود القيادة مراراً وتكراراً إلى أساليبها الموروثة، كالدعوة إلى الحوار أو التذرع بالمسؤولية الوطنية أو التهديد بالإضرابات العامة، دون وجود نظريةٍ واضحةٍ لكيفية تفاعل هذه الإجراءات مع مشروع سعيّد السياسي. 

ولعل أزمة الشرعية التي تعصف بالاتحاد تعزّز هذا التفسير. إذ لم يقتصر الخلاف الداخلي على المسائل الإجرائية فحسب، بل امتدّ ليشمل عجز القيادة عن صياغة خطٍّ سياسيٍ متماسك. ويُعزى هذا التشرذم غالباً إلى ضغوطٍ خارجية. هذا يعكس أيضاً تضارباً استراتيجياً في سلوك القيادة، التي تتصرف وكأن الماضي الاستبدادي يقدم دروساً قابلة للتطبيق في الحاضر، في حين تبدو تلك الدروس في الواقع مضلّلة.

اشترك في نشرتنا البريدية