بدلاً من وعدٍ بالحماية، أعلن الناتو في الشهر نفسه عن أربعة مشروعاتٍ مشتركةٍ في الأمن البحري، ومواجهة الطائرات المسيّرة، والدفاع ضد التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، ومكافحة الإرهاب. وأوضح الحلف أن هذه المشروعات تستهدف الاستفادة من القدرات القائمة لدى الشركاء وتسخيرها للإسهام في أمنه.
تكتسب هذه المعادلة أهمية متزايدة مع تحوّل شبكة الشراكات الخارجية إلى إحدى أدوات تكيّف الناتو مع بيئةٍ أمنيةٍ تتجاوز حدود أعضائه، بالتوازي مع الضغوط المتجددة على تماسكه الداخلي وتقاسم الأعباء. وبتتبّع تطورها، يتضح كيف وسّعت الشراكات حضور الحلف ومعرفته وقدرته على العمل مع جهاتٍ خارج عضويته، وأتاحت له الاستفادة من قدرات الشركاء وصِلاتهم الإقليمية، دون أن تمنحهم ضمانات الدفاع الجماعي المنصوص عليها في المادة الخامسة من معاهدة الحلف، أو حق المشاركة في صنع القرار الذي يظل محصوراً في إطار عضويته. وتكشف شراكات الناتو مع دول الخليج، لاسيما الكويت، إلى جانب شراكاته مع دول المحيطين الهندي والهادئ، عن مكاسب هذا المسار وحدوده.
تُحدّد معاهدةُ الحلف الإطارَ القانوني الذي يفصل بين التعاون مع الناتو والانضمام إليه، وتضبط نطاق الضمانات الدفاعية وآليات صنع القرار. فالمادة الخامسة من المعاهدة، تنصّ على أنّ الهجوم المسلح على طرفٍ أو أكثر، ضمن النطاق الجغرافي الذي تحدده المعاهدة، يُعد هجوماً على الجميع. أما المادة العاشرة، فتحصر دعوة الانضمام للحلف في الدول الأوروبية، شريطة موافقة جميع الأعضاء. ويشارك أعضاء الحلف في قرارات مجلس شمال الأطلسي، صاحب القرار السياسي في الحلف، فيما ينحصر دور الدول غير الأعضاء بالصفة في المشاركة في أنشطةٍ وبرامج محددة.
تمنح هذه الصيغةُ الناتو حزمةً من المنافع التخطيطية والعملية. فهي توسّع معرفته بالبيئات الأمنية الإقليمية عبر التواصل مع المسؤولين والخبراء المحليين، وتساعد على إعداد قواتٍ ومؤسساتٍ تستطيع العمل معه وفق إجراءاتٍ ومعايير تشغيليةٍ متقاربة. كذلك تتيح له الاستفادة من تسهيلاتٍ ميدانيةٍ، مثل العبور والاستضافة، وتعزز حضوره السياسي في مناطق تتنافس فيها قوىً متعددةٌ على النفوذ. وتختلف قيمة هذه المنافع باختلاف الشريك وطبيعة العلاقة معه، ويظلّ الحصول عليها مرهوناً بموافقة الدولة المعنية وتوافق المصالح.
في هذا السياق، يرى أستاذ دراسات الدفاع في جامعة كينغز كوليدج لندن، بينس نيميث، في دراسته المعنونة "فوروم تشويس آند كوهيجن [. . .]" (اختيار المنبر والتماسك في استجابة الناتو للحرب الروسية على أوكرانيا) المنشورة سنة 2026، أنّ تماسك الحلف خلال الحرب الروسية الأوكرانية ارتبط جزئياً باختيار إطار التعاون المؤسسي بما يتناسب مع طبيعة المهمة. فبينما ظلّت قضايا الدفاع الجماعي والردع والتوسّع والتنسيق الصناعي ضمن أطر الناتو، لجأت الدول الأعضاء إلى صيغ تعاونٍ مصغّرةٍ خارج أطره المؤسسية الرسمية لمعالجة ملفاتٍ أخرى، شملت التدريب والتخطيط للطوارئ وبعض ترتيبات الطمأنة الإقليمية. وتُعزى هذه الاختيارات، وفقاً للدراسة، إلى اعتباراتٍ تتعلق بتكلفة التوافق بالإجماع، ومخاطر التصعيد، والحاجة إلى إشراك شركاء من خارج الحلف، ومدى ملاءمة هياكل الناتو المتكاملة للمهمة المعنية.
ومع تعدد صيغ التعاون التي يلجأ إليها الناتو، اتجه الحلف إلى ترسيخ مكانة الشراكات ضمن تصوره الاستراتيجي لأمنه ومهامه. وقد شكّل "المفهوم الاستراتيجي" لسنة 2010 محطةً مهمةً في هذا المسار. إذ أدرج الأمن التعاوني ضمن مهام الحلف الأساس الثلاث، إلى جانب الدفاع الجماعي وإدارة الأزمات. وأكّد أن أمن الأعضاء يتأثر بالتطورات الواقعة خارج حدود الحلف، وأنه يستطيع بدوره التأثير فيها.
مهّد هذا التوجه لإضفاء طابعٍ أكثر تحديداً على سياسة الشراكات، فجاءت وثيقة "الانخراط النشط في الأمن التعاوني: سياسة شراكة أكثر كفاءة ومرونة" الصادرة سنة 2011، لتحدد إسهام الشراكات في أمن الحلفاء، ودعم العمليات التي يقودها الناتو، وتعزيز الوعي بالتطورات الأمنية والإنذار المبكر. كذلك، دعت إلى مراعاة القيمة الاستراتيجية لكل شريكٍ عند تخصيص الموارد المحدودة، بما في ذلك مدى إسهامه في عمليات الحلف وقدرته على المساعدة في مواجهة التحديات الجديدة.
وبعد أن حدّدت وثيقتا 2010 و2011 وظائف الشراكات وأولوياتها، عادت الوثائق اللاحقة إلى هذه المسألة في ضوء التحولات التي طرأت على بيئة الحلف الأمنية. ففي "المفهوم الاستراتيجي للناتو" لسنة 2022 أشار الناتو إلى أن التطورات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ قد تؤثر مباشرةً في أمن المنطقة الأوروبية الأطلسية، وأكد أهمية تعزيز الحوار والتعاون مع شركائه فيها. ثم جاء "إعلان قمة واشنطن" بعدها بعامين ليؤكد هذه المكانة تأكيداً أكثر مباشرةً، إذ وصف الشراكات بأنها مهمةٌ لمهام الناتو الثلاث ولمقاربته الأمنية في جميع الاتجاهات، وربط توسيع علاقاته مع جهاتٍ خارج المنطقة الأوروبية الأطلسية بتحقيق الأمن المتبادل.
جديرٌ بالذكر أن هذه الشراكات تندرج أيضاً ضمن تحوّلٍ أوسع في طبيعة دور الحلف في العقود التي تلت الحرب الباردة. ففي دراسةٍ بعنوان "بوليتيكا بارتنيرستفا ناتو [. . .]" (سياسة شراكات الناتو [. . .]) المنشورة سنة 2024، ترى رئيسة قسم المشكلات السياسية الدولية في معهد بريماكوف للاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، إيرينا بروخورينكو، أن أزمة هوية الحلف بعد الحرب الباردة حملته على توسيع وظائفه عبر الشراكات، قبل أن تعيد حرب أوكرانيا إبراز طبيعته العسكرية. وتساعد هذه القراءة على فهم اتساع وظائف الشراكات دون افتراض أنها حلّت محلّ دور الحلف الدفاعي الأساس، إذ ظلّ توسيع التعاون خارج العضوية متزامناً مع استمرار الدفاع الجماعي في صلب مهامه.
وعلى مستوى دوافع الدول إلى الانخراط في هذه الشراكات، يوضح الباحث في تقنيات الدفاع وسياساتها في جامعة القوات المسلحة الألمانية في ميونخ، روبرت هيلبغ، في دراسةٍ بعنوان "واي دو ستايتس كوأوبرايت وذ ناتو" (لماذا تتعاون الدول مع الناتو؟) المنشورة سنة 2019، أن التعاون مع الفاعلين الإقليميين خارج المنطقة يساعد على إضفاء الشرعية على تحركات الحلف، وأن تأييد الشركاء الإقليميين يؤدي دوراً سياسياً في دعم تفويضات الأمم المتحدة وشرعنة عمليات الناتو خارج منطقته الجغرافية. وعليه يمكن للشراكات أن توسّع قدرة الحلف على العمل، ليس بتوفير الخبرات والموارد فحسب، إنما أيضاً عبر تعزيز القبول السياسي لتحركاته في البيئات الإقليمية المعنية.
ومع ذلك، تظلّ العلاقة غير متكافئةٍ من حيث السلطة وصنع القرار. فقد أبقت الترتيبات التي نظمتها وثيقة سنة 2011 القرار السياسي النهائي في يد مجلس شمال الأطلسي، مع إتاحة دورٍ للشركاء المشاركين في العمليات العسكرية في صياغة القرارات المتعلقة بها. وهكذا، تتسع فرص الشركاء للمساهمة في أنشطة الحلف، دون أن تصبح لهم مكانة أعضائه في صنع القرار السياسي العام.
في المقابل، أتاحت المبادرة التعاون في مجالاتٍ عمليةٍ شملت إصلاح قطاع الدفاع، ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والتخطيط للطوارئ، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وقد شكلت قابلية التشغيل المشترك أحد المحاور الأساس في هذا المسار. ويُقصد بها قدرة قواتٍ من دولٍ مختلفةٍ على الاتصال والتدرب والعمل وإسناد بعضها بعضاً وفق إجراءاتٍ ومعايير متقاربة. ولا تعني هذه المعايير أن جيوش الشركاء تصبح نسخاً من جيوش الدول الأعضاء، بل تهدف إلى تمكينها من العمل معاً رغم اختلاف تجهيزاتها وإجراءاتها التنظيمية.
تظهر قيمة هذه المعايير في تفاصيل العمل اليومي، من خلال تسهيل تبادل المعلومات بين الوحدات، وفهم إشارات القيادة والإجراءات والمصطلحات المشتركة، وتحسين التنسيق بين الوحدات متعددة الجنسيات، بما يقلل الوقت والجهد اللازمين للاستعداد لتمرينٍ أو مهمةٍ مشتركة. ومن خلال التدريب وتوحيد بعض الإجراءات، يستطيع الحلف توسيع قاعدة القوات التي يمكنه التنسيق معها عند تلاقي المصالح. وتتناول هذه الآليةَ دراسةٌ لكبير الباحثين في مؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية سيغموند فالاكر وآخرين، بعنوان "ذا إنفلونس أو بريديبلويمنت ترايننغ [. . .]" (تأثير التدريب السابق للانتشار في التنسيق داخل المقرات متعددة الجنسيات) المنشورة سنة 2016. وقد استندت الدراسة إلى بياناتٍ جُمعت من 131 مشاركاً في مقر قوة كوسوفو التابعة للناتو. وأظهرت دورَ التدريب السابق للانتشار في تعزيز التنسيق بين المشاركين في العمليات العسكرية متعددة الجنسيات.
وتكشف التجربة الخليجية عن انتقال هذه المبادئ إلى التعاون العملي. فبحسب نص "مبادرة إسطنبول للتعاون" على موقع الناتو، انضمت البحرين والكويت وقطر إلى المبادرة مطلع سنة 2005، ثم لحقت بها الإمارات في يونيو من السنة نفسها، فيما شاركت السعودية وعُمان في أنشطةٍ مختارةٍ دون الانضمام الرسمي.
كذلك ارتفع عدد الأنشطة والفعاليات التي أتاحها الحلف من نحو ثلاثمئة نشاطٍ سنة 2007 إلى قرابة ألف نشاط. فقد أسهمت البحرين مثلاً في قوة المساعدة الأمنية الدولية في أفغانستان، وشاركت قطر والإمارات في عملية "الحامي الموحّد" التي قادها الناتو في ليبيا سنة 2011. وكانت الإمارات قد انضمت قبلها بثلاثة أعوامٍ إلى قوة المساعدة الأمنية الدولية في أفغانستان، التي قادها الناتو.
اتخذ التعاون بُعداً لوجستياً إضافياً مع توقيع الكويت اتفاق عبورٍ مع الناتو في فبراير سنة 2016، وهو الأول من نوعه للحلف في الخليج. أتاح الاتفاق نقل الأفراد والمعدات العسكرية عبر الأراضي الكويتية، وعزز إمكانات الدعم الإسنادي لبعثة الناتو في أفغانستان المسماة "الدعم الحازم"، والتي قادها الحلف من 2015 إلى 2021. وقد وفرت هذه الخطوة للحلف تسهيلاً عملياً للحركة والإمداد في منطقةٍ استراتيجيةٍ دون الحاجة إلى عضوية الكويت فيه.
ومع ترسّخ الشراكات في تصور الناتو الاستراتيجي، برزت الحاجة إلى أطرٍ مؤسسيةٍ تحوّل هذا التوجه من برنامج أنشطةٍ إلى تعاونٍ مستمرٍ مع الشركاء. ويتجسد هذا المسار في المركز الإقليمي المشترك بين الناتو ومبادرة إسطنبول للتعاون في مدينة الكويت. إذ افتُتح سنة 2017 ليكون منصةً للتعاون بين الحلف وشركائه الخليجيين، لا مكتباً للعلاقة مع الكويت وحدها. وتُتاح أنشطته للدول الأربع المشاركة في المبادرة، إلى جانب السعودية وعُمان ومجلس التعاون الخليجي. ويجمع المركز بين التحليل الاستراتيجي والاستعداد المدني والتعاون العسكري والدبلوماسية العامة، مع تركيزٍ على تعزيز قابلية التشغيل المشترك وتوحيد المعايير.
يتيح هذا الوجود المؤسسي للناتو مزايا تتجاوز ما توفره الزيارات والاجتماعات المتفرقة. فاستمرار الاتصال بين موظفي الحلف وضباط المنطقة وخبرائها يساعد على تراكم معرفةٍ مؤسسيةٍ بالعوامل التي تشكّل أمن الخليج، فيما تتيح المنصة نقل التدريب والخبرات إلى مشاركين من دولٍ متعددةٍ، ضمن إطارٍ واحدٍ بدلاً من إنشاء قنواتٍ منفصلةٍ مع كل دولة.
وتتضح أهمية هذا الدور في ضوء تنامي اهتمام الحلف بربط أمن الخليج بأمن المنطقة الأوروبية الأطلسية. ففي أبريل 2025، أكد الحلف هذا الترابط، بعد أن أقرّ في قمة واشنطن سنة 2024 خطةً لجعل مقاربته لجواره الجنوبي أكثر استراتيجيةً وتركيزاً على النتائج. وشملت الخطة تعيين ممثلٍ خاصٍ للمنطقة وتعزيز دور مركز الكويت.
وتعطي دورةُ الأمن البحري التي عُقدت في الكويت بين 17 و21 نوفمبر 2025 مثالاً ملموساً على طبيعة هذا التعاون وما يتيحه المركز الإقليمي للناتو. فقد أوفد مركز التميز للأمن البحري فريقاً متنقلاً درّب أربعة عشر مشاركاً من القوات البحرية وخفر السواحل وجهاتٍ حكوميةٍ في الكويت والسعودية والبحرين. وجمع البرنامج بين الوعي بالمجال البحري، وعمليات مكافحة الإرهاب، وقانون الأمن البحري، والتنسيق بين المؤسسات، واختُتم بتمرينٍ مكتبيٍ تناول قصتين افتراضيتين لمكافحة الإرهاب في البحر.
ومع أن هذا النوع من الدورات لا يغيّر ميزان القوى في الخليج ولا ينشئ تحالفاً دفاعياً، فإن فائدته تكمن في نقل التعاون من إعلانٍ سياسيٍ إلى إجراءاتٍ قابلةٍ للتكرار. فالمشاركون يتدربون على تبادل المعلومات وتنسيق الأدوار بين مؤسساتهم، فيما يوسّع الناتو دائرة المهنيين الذين يعرفون إجراءاته ويستطيعون العمل وفقها. ومع تكرار هذه الأنشطة، تتراكم الخبرة المؤسسية المشتركة، ويقلّ الوقت والجهد اللازمان للتنسيق بين الجهات المشاركة عندما تستدعي الظروف ذلك.
ضمن هذا الإطار، في فبراير 2026، قال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي، إن مركز الكويت نفّذ خمسةً وعشرين نشاطاً خلال سنة 2025، وهي أعلى حصيلةٍ سنويةٍ له. وبعد أربعة أشهرٍ، ذكرت بوابة حكومة الكويت أنّ خطة المركز تضمّ أكثر من إحدى وثلاثين دورةً وفعالية.
تبرز خصوصية مساهمة الناتو عند مقارنتها بطبيعة العلاقة الأمنية الثنائية بين الكويت والولايات المتحدة. فوفق بيانات وزارة الخارجية الأميركية المنشورة في يناير 2025، تشمل هذه العلاقة اتفاقاً للتعاون الدفاعي، ووجوداً عسكرياً، وترتيباتٍ لتخزين المعدات وتسهيل استخدامها، فضلاً عن التدريب ومبيعات السلاح. يضاف لذلك أن واشنطن صنّفت الكويت حليفاً رئيساً من خارج الناتو.
ويظهر الفرق أيضاً في طبيعة القدرات التي يقدمها كل طرف. ففي مايو 2026، وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على بيع الكويت منظومة قيادةٍ قتاليةٍ متكاملةٍ بقيمةٍ تقديريةٍ تبلغ 2.5 مليار دولار، تضم مراكز لعمليات الاشتباك ومعداتٍ للاتصالات والتنسيق والدعم الفني والتدريب. ويمثل ذلك علاقةً بين دولةٍ مورّدةٍ وأخرى تشتري قدرةً عسكريةً بعينها، وتضاف إلى ترتيباتٍ دفاعيةٍ ثنائيةٍ أوسع. أما دورة الأمن البحري في مركز الكويت، فلا تسلّم سلاحاً ولا تعد باستخدامه دفاعاً عن البلد المضيف، بل تبني لغة عملٍ مشتركةً بين مشاركين من ثلاث دولٍ وبين مؤسسةٍ متصلةٍ بالناتو. وهكذا، تظلّ الولايات المتحدة المصدر الأهم للردع والسلاح، فيما تكمن مساهمة الناتو في تطوير الإجراءات المشتركة وتوسيع الصلات المؤسسية بين الشركاء.
ومن العائدات التي يجنيها الناتو من شراكاته الخليجية، سوى التدريب وبناء القدرات، ترتيباتٌ مؤسسيةٌ تتيح له حضوراً إقليمياً مستداماً دون تحمّل جميع تكاليفه منفرداً. ففي الحالة الكويتية، نجد أن المادة الرابعة من الاتفاقية الخاصة بإنشاء وتشغيل المركز الإقليمي للناتو في إطار مبادرة إسطنبول للتعاون، التي أقرها القانون الكويتي رقم 21 لسنة 2018، نصّت على مسؤولية الحكومة الكويتية عن تمويل بناء المركز وصيانته وتشغيله، في حين يتحمل الناتو رواتب موظفيه ومكافآتهم ومزاياهم.
تتجاوز هذه المكاسب الأثر المباشر للتدريب والتمويل إلى التأثير طويل الأمد للمعايير والإجراءات المشتركة. ففي دراسةٍ بعنوان "الناتو والملكيات العربية في الخليج: تطور التعاون العسكري" المنشورة سنة 2015، يرى الباحث أنطون كودرياشوف أنّ ربط القوات الخليجية بمعايير الناتو يزيد قدرتها على العمل معه، ويرسخ نفوذ الحلف ويصعّب استخدام منظومات تسليحٍ ينتجها منافسوه. فكلما ترسخت الإجراءات والمعايير المشتركة داخل المؤسسات الشريكة، ازدادت أهمية الصلات التي تربطها بالحلف، وأصبح التعاون معه جزءاً من خبرتها المؤسسية المتراكمة. وهذا بخلاف الترتيبات الأمريكية، التي تتوزع فيها أعباء الوجود العسكري بين البلدين وفق التزاماتٍ دفاعيةٍ أوسع، لا وفق قسمةٍ محددةٍ لتكاليف مؤسسةٍ بعينها.
لكن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، التي تزامنت مع قمة أنقرة، أظهرت حدود هذه المكاسب على ما تبدو عليه من تنوع. فقد أدان الناتو الهجمات الإيرانية، التي طالت دولاً خليجيةً ومنها الكويت، وأعلن عن تضامنه مع شركائه الخليجيين، ثم أطلق مشروعاتٍ لتعزيز القدرات في مجالاتٍ ارتبطت بالأخطار التي كشفتها الحرب. ومع ذلك، لم يتحول التضامن إلى ردٍّ عسكريٍ جماعيٍ دفاعاً عن الكويت أو غيرها من دول الخليج. ولا يمثل ذلك إخفاقاً في تنفيذ وعدٍ دفاعيٍ لم يقطعه الحلف أصلاً، لكنه يضع حدوداً واضحةً لما تعنيه "الشراكة الاستراتيجية" ويمنع الخلط بين القدرة على التعاون والالتزام بالحماية.
وبالمحصلة، قد تُعزى محدودية تطور المبادرة إلى عاملين أعمق: اختلاف التوقعات الأمنية بين دول الخليج والناتو، واستمرار اعتماد العواصم الخليجية على ترتيباتٍ دفاعيةٍ ثنائيةٍ مع الولايات المتحدة. وهذا ما تشير لبعض أوجهه دراسةٌ بعنوان "ذي إستانبول كووبيريشن إنيشياتيف [. . .]" (مبادرة إسطنبول للتعاون بعد عشرين عاماً [. . .])، المنشورة في أكتوبر 2025. إذ خلص كاتبها المختص بشؤون الخليج، ليوناردو ياكوبو مارزوكو، إلى أن المبادرة حسّنت التعاون العملي والحوار، لكنها لم تصبح شراكةً استراتيجيةً متماسكة. ويربط ذلك بعدم انضمام السعودية وعُمان رسمياً، وغلبة العلاقات الدفاعية الثنائية، واختلاف تصورات التهديد داخل الخليج، والفجوة بين ما يعرضه الناتو من بناءٍ للقدرات وما تطلبه دولٌ خليجيةٌ من ضماناتٍ للحماية.
وفي مايو 2026، اتخذ هذا التعاون خطوةً عمليةً إضافيةً مع إرسال اليابان أفراداً إلى بعثة الناتو للمساعدة الأمنية والتدريب لأوكرانيا، التي تتخذ من مدينة فيسبادن الألمانية مقراً لها، وتتولى تنسيق تسليم المعدات وتدريب القوات المسلحة الأوكرانية. وضمّ الوفد الياباني أربعة أفرادٍ من قوات الدفاع الذاتي، أُلحق ثلاثةٌ منهم بقسم دعم تطوير قدرات القوات الأوكرانية، فيما انضم الرابع إلى قسم التدريب. ومن المقرر أن تستمر مهمتهم سنةً واحدة. وقد أتاح ذلك لليابان الإسهام في عملٍ يقوده الناتو لدعم أولويةٍ أمنيةٍ أوروبيةٍ، من دون أن تصبح عضواً في الحلف.
وتكشف المقارنة بين الخليج ودول المحيطَيْن الهندي والهادئ عن غايةٍ مشتركةٍ تتخذ أشكالاً مؤسسيةً مختلفة. ففي الخليج، يستند التعاون إلى مبادرةٍ إقليميةٍ انطلقت ومركزٍ دائمٍ في الكويت، في حين تقوم علاقات الناتو مع شركائه الآسيويين أساساً على برامج ثنائيةٍ، تدعمها لقاءاتٌ وتنسيقاتٌ سياسيةٌ جماعية. بمعنى أن وجود مركزٍ إقليميٍ في الكويت يمنح التعاون الخليجي بنيةً مؤسسيةً دائمةً، فيما يظل التعاون مع الشركاء الآسيويين موزعاً بين عواصمهم، دون مركزٍ مماثلٍ يجمع أنشطتهم.
وعلى اختلاف هذه الأطر، فإنها تتيح للحلف توسيع معرفته بالبيئات الأمنية خارج أراضي أعضائه، وتعزيز صلاته بالمؤسسات المحلية، وإتاحة الاستفادة من خبرات الشركاء وقدراتهم ومساهماتهم. ومن هنا ربما لم يكن مصادفةً أن يقول إعلان واشنطن إن الشراكات تدعم مهام الحلف الثلاث ومقاربته الأمنية في جميع الاتجاهات، أو أن يصف آراء شركاء آسيا وخبراتهم بأنها إضافةٌ إلى نقاشاته بشأن الأمن السيبراني والمرونة والتقنية والأمن البحري.
تدعم هذا الاستنتاجَ دراسةٌ لرئيسة فريق الأمن العالمي في مركز الدراسات الأمنية التابع لجامعة زيورخ، غورانا غرغيتش، بعنوان "ريديفاينينغ ناتوز إندو-باسيفيك بارتنرشيبس" (إعادة تعريف شراكات الناتو في المحيطين الهندي والهادئ) المنشورة سنة 2024. ترى غرغيتش أنّ هذه الشراكات تحولت من دعم عملياتٍ خارج المادة الخامسة إلى علاقاتٍ يربطها الطرفان بدفاعهما وردعهما. وتشير هذه القراءة إلى أنّ الشراكات تتكيّف مع التحولات الاستراتيجية وأولويات أطرافها، بما قد يوسّع نطاق التعاون، دون أن يغيّر بالضرورة الوضع القانوني للشركاء داخل الحلف.
ومثلما هو الحال في المجال الخليجي، فإن اتساع التعاون لا يضمن وحده تحوّله إلى شراكةٍ تخطيطيةٍ متماسكة. فتقرير مجموعة الخبراء بشأن الناتو وشركائه في المحيطين الهندي والهادئ الصادر سنة 2024، يشير إلى أن تباين أولويات أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا، ولاسيما في مقاربتها للصين وروسيا وتحديد الدور الذي ينبغي أن يؤديه الناتو في المنطقة، يحدّ من قدرتها على بلورة أجندةٍ أمنيةٍ مشتركةٍ مع الحلف. لذا تطور التعاون أساساً في مجالاتٍ محددةٍ تتقاطع فيها المصالح، دون أن يرقى إلى التزامٍ دفاعيٍ مشتركٍ أو تصورٍ موحدٍ عن الأمن الإقليمي.
وفي إطارٍ مشابهٍ، يشير تقرير "بيوند ألينمنت [. . .]" (ما وراء التوافق [. . .])، الصادر عن مركز الدراسات الأمريكية بجامعة سيدني سنة 2025، إلى أن هذه الاختلافات، إلى جانب تفاوت الموارد والاهتمام السياسي، تعرقل بناء خطةٍ زمنيةٍ مشتركةٍ قابلةٍ للتنفيذ. ويوضح تقريرٌ آخر عن التعاون المؤسسي بين الناتو وشركائه الآسيويين، منشورٌ سنة 2026، أن تبادل المعلومات والتنسيق لا يضمنان قدرةً مشتركةً على إدارة الأزمات في منطقة الآخر. وبذلك، يظل التقارب الاستراتيجي أوسع من الالتزامات الأمنية المتبادلة والقدرة المؤسسية المشتركة.
لكن الشراكات تمنح الحلف هامش حركةٍ إضافياً في بيئةٍ أمنيةٍ لا تتوقف أخطارها عند حدوده. وهكذا، يتوسع الحلف عبر مسارين متمايزين: عضويةٌ تحمل الضمان والقرار، وشبكةٌ خارجيةٌ تحمل التعاون والمعلومات والقدرات. وما كسبه الحلف من المسار الثاني هو حضورٌ أوسع وتكلفة التزامٍ أقلّ، وهي صيغةٌ تساعده على التكيف، وإن بقي نجاحها رهناً بأن تتحول التعهدات الواردة في البيانات الختامية إلى تعاونٍ عمليٍ مستمر.

