يتعامل قطاعٌ من المغاربة مع الشرفة بوصفها فضاءً غير محسوم الوظيفة. إذ تتحول إلى امتدادٍ للغرفة حين تضيق المساحة، أو إلى حاجزٍ بصريٍ يحمي الداخل من انكشاف العمارات المتقابلة، أو إلى مساحة تخزينٍ وتجفيفٍ للملابس. لذا، لا يستحضر الساكن خطاب التخطيط الهندسي ولا معايير الجمالية الحضرية بقدر ما يحتكم إلى منطقٍ عمليٍ تشكّل عبر التجربة اليومية. لتتحول الشرفة من عنصرٍ معماريٍ محايدٍ إلى مساحة تفاوضٍ صامتٍ بين ما رَسَمه التصميم الأصلي وما تفرضه شروط العيش الفعلية.
تكشف ظاهرة تسييج الشرفات في الرباط توتراً بين تخطيطٍ حضريٍ يسعى إلى ضبط شكل الواجهة جزءاً من مشهد المدينة العام، وبين استعمالٍ فعليٍّ من الساكن يعيد به تنظيم مسكنه وفق حاجاته اليومية. ففي الوقت الذي تُفرض فيه حملات الضبط والإزالة باسم الحفاظ على التناسق البصري والهوية الحضرية، يتعامل الساكن مع الشرفة امتداداً عملياً لمسكنٍ ضيقٍ، لتغدو الشرفات المسيجة مؤشراً على فجوةٍ بين المدينة كما تُرسم في التصاميم الرسمية والمدينة وكما تُعاش فعلياً.
في فبراير 2025، شرعت السلطات المحلية بالرباط في تنفيذ حملة إزالة التعديلات غير القانونية على واجهات المباني، وذلك ضمن مبادرتَي "الرباط مدينة الأنوار" و"الرباط المدينة الخضراء". شدّدت المراسلات الإدارية الموجّهة إلى اتحادات الملّاك المشتركين على ضرورة إزالة كلّ الإضافات على الشرفات والأسطح، بما في ذلك المظلّات والتغطيات البلاستيكية والأسقف الإضافية، والتركيبات المصنوعة من الألومنيوم والحديد والخشب والزجاج. ولم تُفرّق الحملة بين الأحياء الراقية والشعبية، إذ شملت الإجراءات بالأساس أحياءً تُعَدُّ راقيةً مثل الرياض وأكدال.
تستند هذه الإجراءات إلى القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، الصادر بتاريخ 25 أغسطس 2016. تنصّ المادة 40 من القانون على وجوب الحصول على رخصة بناءٍ "على كل تغيير كيفما كانت طبيعته يهم واجهة بناية". أمّا الغرامات فليست رمزيةً، إذ تنصّ المادة 73 من هذا القانون على غراماتٍ تتراوح بين ألفي درهم وعشرين ألف درهم (216 دولار إلى 2164 دولار) على كلّ تغييرٍ أُدخل على واجهة بنايةٍ بلا ترخيص. ويُخوّل القانون المراقبين المُعتمَدين، ومن بينهم ضباط الشرطة القضائية، صلاحية إيقاف الأشغال فوراً وحجز المعدّات ومواد البناء وإغلاق الورش في حال عدم الامتثال.
في هذا السياق، يرى المهندس المعماري خالد العدولي في إفادته لوكالة المغرب العربي للأنباء ضمن تقريرٍ نشر بتاريخ 27 أكتوبر 2020، بعنوان "شرفات المنازل.. عتبة بين حميمية الداخل وجاذبية الخارج" أن "تغيير معالم الشرفات أو إغلاقها بطريقةٍ أو بأخرى.. لا يشوّه المنظر العامّ فحسب، بل يخالف القواعد القانونية للتعمير أيضاً". ويشدد على أن قانون التعمير يمنع إغلاق معالم الشرفات أو تغييرها و"يفرض على المقاولين والمهندسين تجنب تصميم وإنشاء البنايات على شكل صناديق مغلقة. ويحق للبلدية التدخل ومنع أي شخص يغير أو يغلق شرفة بيته لأن ذلك يؤثر سلباً على جمالية البنايات والأحياء فتصبح أشبه ما تكون بامتداد عمودي لدور الصفيح".
هذه الصرامة القانونية ليست معزولةً عن سياقها، إذ تندرج ضمن رؤيةٍ أوسع تطمح لتحويل الرباط إلى حاضرةٍ عالميةٍ متناسقة المشهد الحضري.
أُطلق هذا البرنامج سنة 2014 بغطاءٍ ماليٍّ يُقدَّر بأكثر من تسعة مليارات درهم مغربي (حوالي مليار دولار)، موزّعٍ على محاور متعدّدةٍ تشمل البنية التحتية، والتجهيزات الاجتماعية، والمساحات الخضراء، والحفاظ على الموروث الثقافي، فضلاً عن تقوية وتحديث تجهيزات النقل وتحريك الأنشطة الاقتصادية. وحضر الجانب الجمالي عبر ميثاق مدينة الرباط المعماري والمجالي، الذي تصفه الوكالة الحضرية للرباط "سلا" بأنه "أداة مرجعية، عملية وتحفيزية لخدمة الفاعلين في مجال التهيئة الحضرية".
بيد أن القانون رقم 66.12 يمنح هذا الجانب الجمالي أسناناً حادة. إذ تهدف الحملات المنبثقة عنه إلى تجميل واجهات المباني وتحسين المشهد الحضري. لكن الخطاب الرسمي يتجاوز البعد الجمالي نحو رؤيةٍ أوسع، تتضمن صناعة مدينةٍ تتطابق مع المعايير العالمية في التناسق البصري والتخطيط المنظّم. غير أن هذه المعايير لا تنمّ بالضرورة عن نموذجٍ جماليٍ عالميٍ محددٍ للشرفات أو الواجهات، بل تعني أساساً احترام التصميم المعماري الأصلي الذي صادق عليه الترخيص ومنع التعديلات الفردية التي تخلّ بتناسق واجهة البناية.
تعود خلفية هذه الرؤية إلى مرحلة التخطيط الحضري في الرباط منذ مطلع القرن العشرين. آنذاك اختار الجنرال هوبير ليوطي، المقيم العام الفرنسي الأول في المغرب بين 1912 و1925، الرباط عاصمةً سياسيةً وإداريةً، وكلّف المهندس الفرنسي هنري بروست بتصميم المدينة الجديدة وفق مخطّطٍ يتمحور حول شارعٍ رئيسٍ تتفرّع منه باقي الأزقّة والشوارع، ويضمّ أهم المرافق السياسية والإدارية.
اعتمد التخطيط الاستعماري مبدأ الفصل المجالي بين المدينة الأوروبية الحديثة والمدينة القديمة المخصّصة للأهالي. كانت المدينة القديمة محاطةً بالأسوار التي بناها المغاربة قبل مجيء الاستعمار الفرنسي. وأنتج هذا الفصل المجالي نسيجاً عمرانياً مزدوجاً لا تزال آثاره ماثلةً إلى اليوم. فقد انتقلت غالبية ساكنة المدن المغربية تدريجياً من المدينة العتيقة إلى الأحياء الحديثة، لكن هذا الانتقال لم يكن سلساً ولم يستوعب بالكامل الخصوصيات الثقافية التي تحكم تنظيم الفضاء لدى الساكن المغربي.
أما اليوم، فتواصل الدولة هذا التوجّه العمراني ولكن بدافعٍ مختلف. إذ لم يعد الفصل المجالي يقوم على منطقٍ استعماريٍ يعزل الأوروبيين عن الأهالي، بقدر ما يسعى إلى إنتاج مدينةٍ منظمةٍ بصرياً وقادرةٍ على استقطاب الاستثمار والسياحة وتكريس صورة الرباط حاضرةً عالمية.
وفي حين تشدّد السلطات المختصة المحلية على ضرورة الالتزام بواجهاتٍ منفتحةٍ وشفّافةٍ غير معتمةٍ بكثرة التسييج، يصرّ قطاعٌ مهمٌّ من الساكنة المغاربة على تسييج شرفاتهم وإغلاقها، باعتباره سلوكاً جمعِياً جاء نتاج تاريخٍ ممتدٍ من التعقيدات الثقافية والمعمارية.
المنزل التقليدي المغربي، سواءً كان داراً بسيطةً أو رياضاً فاخراً، بُني وفق مبدأٍ معماريٍ واضحٍ ينكفئ نحو الداخل. إذ لا توجّه منافذ هذه المساكن بالضرورة نحو الشارع، بل نحو الفناء الداخلي، وذلك وفقاً لدراسة الباحثة إكرام سلكاني الصادرة سنة 2021 بعنوان "ذا ريادز أوف موروكو آز توريست أكوموديشن برودكتس [. . .]" (الرياضات المغربية منتجات للإيواء السياحي [. . .]). داخل هذا البيت يوجد ما يسمى محلياً "الضواية" (عبارة عن منفذ مربع الشكل يطل على السماء) يُشكّل قلب المنزل النابض.

هذا الفناء الداخلي المُزيَّن غالباً بنافورةٍ ونباتاتٍ يحقّق وظائف متعددة. إذ يسمح بتهويةٍ طبيعيةٍ، وإضاءةٍ كافيةٍ ومساحة تجمُّعٍ عائليةٍ وخصوصيةٍ من الخارج. هكذا ترجمت الهندسة التقليدية مفهوماً ثقافياً تتمظهر في ما يسمى دينياً "الحُرمة". ويتجاوز هذا المصطلح معنى الخصوصية، ليُشير إلى حماية خصوصية العائلة، وخاصةً النساء من نظرات الآخرين سواءً كانوا جيراناً أو عابرين.
تتعزّز هذه الخصوصية بفضل الجدران العالية والنوافذ القليلة والصغيرة الموجّهة نحو الداخل، ناهيك من الأبواب الخشبية السميكة المُعزّزة بالأقفال والشبابيك الخشبية المُخرَّمة. إذ تسمح لمن في الداخل برؤية الخارج دون أن تسمح لمن في الخارج برؤية مَن في الداخل. وتترجِم هذه المعطيات المشكّلة للدار التقليدية هاجساً واحداً يكمن في رسم حدودٍ صارمةٍ بين الداخل، أي فضاء الحرمة والخصوصية، وبين الخارج، أي فضاء العموم والمراقبة الاجتماعية، كما أوضح الباحثان فاطمة الزهراء سعيد ومحمد عمران الشاوي في دراستهما "ذا باتيو هاوس تيبولوجي أند ذا مودرن آركيتكتشر [. . .]" (نموذج البيت ذي الفناء والعمارة الحديثة [. . .]) المنشورة سنة 2020.
لم يكن نموذج البيت ذي الفناء حكراً على الرياض الفاخرة، بل تسرّب في صيغٍ مبسطةٍ إلى مساكن الطبقات الوسطى والدنيا، بما فيها البيوت الأمازيغية في الجنوب الشرقي في إقليم ورزازات، والوسط الغربي في منطقة سوس، حيث ظلّ الفصل بين الداخل والخارج مبدأً منظِّماً للعمارة.
يؤكَّد هذا المعطى في دراسة "بيرفورمونس إنيرجيتيك دِينْ ميزون أ باسيو ضون لو كُنْتِيكْست ماغْرِيبِين (الأداء الطاقي لبيت الفناء في السياق المغاربي) المنشورة سنة 2012 في مجلة "ليزينرجي رونوفلابل." إذ يحاجج الباحثون أنّ ظهور البيت ذي البهو الداخلي جاء استجابةً لمتطلباتٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ، وأنّ قيم الحميمية تشكّل تصوّر هذا المسكن بما يفضّل الكينونة على المظهر، أي الحياة الداخلية الحقيقية والعَيْشِ الخَاص على العرضِ الخَارِجِي وجماليَّة الواجهة العامة. ويبرز البحث قدرة هذا النمط المعماري على خلق فضاءاتٍ خارجيةٍ خاصةٍ داخل البيت وإتاحة مراقبة الأطفال، وهي خصائص نادراً ما تتوافر في أنماطٍ سكنيةٍ أخرى ذات كثافةٍ مماثلة. وتضيف الدراسة أنّ الغرف تنتظم حول الفناء الذي يمدّها بالضوء والهواء، بينما تكاد النوافذ المطلة على الشارع تنعدم، ما يجعل حتى الأفنية الصغيرة في المساكن المتواضعة ملاذاً بصرياً واجتماعياً يحمي الحياة اليومية من انكشاف المجال العام.
بيد أن القرن العشرين جاء بتحولٍ هندسيٍ يتجاوز هذا التشكل المعماري المنكفئ على الداخل. إذ دخلت نماذج معماريةٌ جديدةٌ كلياً إبان حقبة الحماية الفرنسية بين 1912 و1956، فهي مُستوحاةٌ من التخطيط الأوروبي الحداثي، معتمدةً نماذج معماريةً جديدةً مستوحاةً من تقاليد مدرسة "بو آر" (الفنون الجميلة) ومن المدرسة الوظيفية.
بالتوازي صمّم المُخطِّط الفرنسي ميشيل إكوشار نموذجاً سكنياً شهيراً. شغل إكوشار مناصب مهمةً في التخطيط الحضري بالمغرب، أبرزها إدارته مصلحة التعمير بالمغرب بين سنتي 1946 و1952. واشتهر بتصميمٍ يضم شبكة بيوتٍ أفقيةٍ بمساحة ثمانية في ثمانية أمتار في حيّ كاريان سانطرال بالدار البيضاء. إذ ابتغى هذا المشروع المعمار إسكان ساكنة الأحياء الصفيحية في مساكن حديثةٍ، من خلال المزج بين المعمارين المغربي التقليدي والفرنسي الحديث عبر توفير فناءٍ صغيرٍ داخل كلّ وحدةٍ سكنيةٍ على نحوٍ منظمٍ وفق مساحاتٍ محددةٍ ومتساويةٍ لكلّ ساكنٍ على حدة.
على المحاولة التوفيقية، ظلّ هذا النموذج المعماري مثقلاً بعيوب غير مرضية للمغاربة. إذ ذكر الباحث في علم الاجتماع الحضري عبد الرحمان رشيق في بحثه المعنون "ستروكتور أوربين إيه بوليتيك كولونيال أو ماغريب" (البنية الحضرية والسياسة الاستعمارية في المغرب) المنشور سنة 2015، أن بيوت إكوشار لا تتجاوز مساحتها أربعة وستين متراً مربعاً، تتضمن فناءً في الوسط بمساحة خمسة وعشرين متراً مربعاً مغلقاً على الداخل، بلا نوافذ نحو الخارج، وتضمّ غرفتين فقط مع مطبخٍ صغيرٍ ومرحاضٍ، ما يُعدّ تقلصاً حاداً في حيز البيت قياساً بالدار المغربية الأفقية الواسعة والممتدة. وقد كرس هذا المعمار بحسبه "انتقالاً نحو وحدات صغيرة مكدَّسة في بنايات عمودية متعددة الطوابق الفناء جزءاً من منظومة سكن جماعي، وليس فضاءً خاصاً بعائلة واحدة، وأدّى عملياً إلى تشارك عائلات مختلفة في الفضاء نفسه أو الإشراف عليه من مستويات عليا، وهو ما قيّد الخصوصية التي كان الفناء التقليدي يضمنها في الدار الأفقية".
بقي هذا النموذج المعماري، بما يحمله من تقليصٍ حادٍ لحيّز السكن وتحويل الفناء إلى جزءٍ من عمارةٍ عموديةٍ مشتركةٍ، حلقةً في مسارٍ أطول من التحوّل نحو أنماط عيشٍ أكثر اكتظاظاً وأقلّ أفقية. وفقاً لمعطيات المندوبية السامية للتخطيط، في الوسط الحضري بالمغرب كان البيت المغربي الحديث يمثل 65 بالمئة من مساكن الأسر سنة 2014، مقابل 65.4 بالمئة سنة 2024، وارتفعت الشقق من 17.5 بالمئة إلى 24.4 بالمئة، في حين تراجعت البيوت المغربية التقليدية من 5.5 بالمئة إلى 2.6 بالمئة.
في الوقت نفسه، ارتفعت نسبة الأسر الحضرية التي تعيش في مساكن مكوّنةٍ من غرفةٍ أو غرفتين من 35.7 بالمئة سنة 2014 إلى 43.5 بالمئة سنة 2024، ما يجعل كلّ مترٍ مربّعٍ موضع تنافسٍ واستثمارٍ أقصى، بما في ذلك مساحة الشرفة التي لا تتجاوز في الغالب أربعة إلى ستة أمتار مربعة وتتحوّل عملياً إلى احتياطيٍ عمرانيٍ صغيرٍ داخل الشقة.
يخفي هذا الواقع السكني قطيعةً ثقافيةً لم تُحسَم بعد، ويطرح إشكاليةً معقدةً، إذ كيف يُمكن للساكن المغربي، المُشبَع بثقافة الستر أن يعيش في شقةٍ حديثةٍ تُجبره على الانفتاح نحو الشارع عبر الشرفة المفتوحة؟.
تبيّن الباحثة فاطمة ورياشي في بحثها المنشور بعنوان "بابليك سبيس إن موروكو أ هيستوري أوف جيندر سيغريشن" (الفضاء العام في المغرب تاريخ الفصل بين الجنسين) أن الفضاء يُقسَّم تاريخياً بين الذكور والإناث وفق منطقٍ صارم. إذ يُخصَّص الفضاء العام للرجال بينما يُكرَّس الفضاء الخاص للنساء داخل البيت. وظلّ الفصل المجالي بين الجنسين سمةً أساساً في التنظيم الاجتماعي للفضاء في المجتمعات العربية والمغاربية في القرون الفائتة، إذ تشكّل الفضاء العام الذكوري في المقاهي والشوارع والأسواق، يقابله فضاءٌ أنثويٌ خاصٌ يتمثّل في الدار والفناء والمطبخ.
في ضوء هذا التقسيم، لا تبقى الشرفة المفتوحة عنصراً معمارياً محايداً، بل تعمل على كسر جزءٍ من هذا الفصل حين تدفع بقطعةٍ من الداخل المنزلي إلى مجال النظر الخارجي، فتضع حافة الحرمة في تماسٍّ مباشرٍ مع الشارع.
يجد هذا التصوّر امتداداً له في قراءة أستاذ الدراسات الثقافية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة مراد مكينسي للثقافة السكنية المغربية. في إفادةٍ له مع وكالة المغرب العربي للأنباء ضمن تقريرٍ نُشر بتاريخ 27 أكتوبر 2020، قال أنه "من الممكن ربط إغلاق الشرفات كذلك بالنوع الاجتماعي لأن الفضاء الخاص يرتبط في الفكر التقليدي بالنساء بينما يرتبط الفضاء العام بالرجال". واستدل على ذلك بأفكار عالمة الاجتماع المغربية الراحلة فاطمة المرنيسي التي تناولت ما سمته "الحدود"، التي تحدّد من يحقّ له أن يوجد في أيّ فضاء. إذ لا تظل هذه الحدود مجرّد تصورٍ نظريٍ، بل تتحوّل إلى جدرانٍ وفتحاتٍ ومساراتٍ يرسمها المعماري في تصميم البيت. فما الهندسة حسب مكينسي "إلا أداة تعطي شكلاً ملموساً لهذه الحدود".
بالإضافة إلى هذا التأثر بهذا الموروث الثقافي، تأثّر المغاربة بقواعد تنظيم المسكن التي تستند إلى نصوص الفقه الإسلامي وقواعده الكلية في رفع الضرر وصون "الحرمة".
تُبيّن كيفيةَ تطبيق الفقيه هذه القواعد دراسةٌ منشورةٌ في مجلة التفاهم لأستاذ أصول الدين علي العلوي حول كتاب ابن الرامي البنّاء المعنون "الإعلان بأحكام البنيان". يرجّح المؤلف فتوى القاضي أبي عبد الله بن الحاج التي تُلزم صاحب الحانوت المفتوح قبالة باب دار جاره بأن ينكب عن قبالته "لأن ضرر الحانوت شديد"، مع اعتبار كشف داخل الدار "مفسدة عظيمة". ويحوّل هذا التصوّر قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" إلى أداةٍ عمليةٍ تنظّم مواضع الفتحات وارتفاع الجدران وطريقة توجيه المباني، بحيث يحجب المسكن أنظار الغرباء عن الداخل، ويقلّل إمكان إيذاء الجيران بصرياً، ويؤسّس لمخيالٍ عمرانيّ "محافظ" يطلب مسافةً آمنةً بين الخاص والعام.
لم يَبْقَ هذا التصور الفقهي حبيس المتون والنصوص، وإنما ترسّخ عبر قرونٍ في الوعي الجمعي المغربي حتى صار سلوكاً يومياً يحكم علاقة الساكن بمسكنه. فحين تُجبر الشقة الحديثة ساكنَها على الانكشاف عبر شرفةٍ مفتوحةٍ على الشارع والمارّة، يتعامل مع الوضع بوصفه إخلالاً بمبدأٍ متجذّرٍ في وعيه الثقافي والديني وليس بوصفه مجرد خيارٍ جمالي.
يغدو التسييج في نظر كثيرٍ من العائلات ضرورةً عمليةً وأخلاقيةً تُعيد للمسكن توازنه المفقود وتعيد رسم الحدّ الفاصل بين الداخل والخارج.
لكن دوافع التسييج لا تقتصر على الخصوصية وحدها، إذ تمتدّ إلى أسباب وظيفيةٍ بحتةٍ تجعل من الاستحواذ على الشرفة ضرورةً معيشية. فمشكلة التخزين تطرح نفسها بإلحاحٍ في الشقق الحديثة، خاصةً تلك الموجّهة للطبقة المتوسطة والفقيرة ضمن برامج السكن الاقتصادي، والتي تُعاني من ضيق المساحة. إذ تصير الشرفة التي قد تُمثّل أربعة إلى ستة أمتار مربعة مساحةً استراتيجيةً للأدوات المنزلية والملابس الموسمية وأدوات الأطفال وحتى المؤن الغذائية.
تستعمل الشرفة يومياً في نشر الغسيل. فالتجفيف الطبيعي تحت أشعة الشمس يظل الخيار الأكثر شيوعاً، غير أن الشرفة المفتوحة تضع هذا الاستعمال في تماسٍّ مباشرٍ مع الخارج، قد يزيد من نظرات الجيران وتراكم الغبار وتقلبات الطقس. لذا يتحول تسييج الشرفة إلى حلٍّ عمليٍّ يسمح بالحفاظ على هذا التوظيف نفسه، لكن داخل فضاءٍ أكثر تحكماً، يضمن الخصوصية ويخفف من تأثير العوامل المناخية.
في هذا السياق تبرز دلالةٌ تفسيريةٌ خاصةٌ لدوافع المختار، وهو شابٌّ مقيمٌ في حي أكدال بالرباط، لتسييج شرفته. إذ قدم في حديثه مع الفراتس تبريراً مركّباً يجمع بين الحاجة الوظيفية، وتحصيل قدرٍ أكبر من الخصوصية، والرغبة في إضفاء لمسة تمايزٍ على شقته داخل النسيج العمراني. فقال: "تسييج الشرفة أملَته ظروف ودواعي مختلفة، أولها الاستفادة من المساحة لأقصى حد ممكن نظراً لضيق الشقة والحاجة لاستغلال كل متر"، مضيفاً أن تسييج الشرفة "بمثابة حجاب مع العمارات المتقابلة، ما يحول دون تلصص الغرباء لما في الشقة وانتهاك الخصوصية". تتحول شرفة المختار في هذا المستوى من فضاءٍ مكشوفٍ إلى أداةٍ لإعادة رسم الحدود البصرية بين الداخل والخارج، بما ينسجم مع منظومةٍ ثقافيةٍ ترى في التحكم في الرؤية شرطاً أساساً للعيش اليومي.
لا يختزل المختار التسييج في هذه الضرورة وحدها. بل يضيف بعداً رمزياً يتعلق بالهوية داخل سكنٍ موحدٍ الشكل. إذ يقول في هذا الصدد إن "التعديل فيها يدل على التمايز، خصوصاً عندما تكون كلّ الشقق متشابهةً، فإعادة التصميم أو إدخال عناصر أخرى في ذلك يعطي تميزاً للشقة ويزيد من جماليتها".
تتقاطع رغبة المختار في توظيفه شرفته مع قصة هاجر، المُستأجرة التي تسكن شقةً صغيرةً من نمط "الأستوديو" في حي حسان بالرباط داخل عمارةٍ قديمة. والتي قدمت للفراتس وصفاً دقيقاً لمسكنها، موضحةً أن المنزل عبارةٌ عن مسكنٍ بغرفةٍ واحدة، وأن الشرفة لها العرض نفسه تقريباً وتمتد إلى الخارج بنحو متر ونصف. وأشارت إلى أن الشقة تقع في الطابق الأرضي، غير أن الشرفة تطل على الجهة الخلفية من العمارة حيث يوجد موقفٌ صغيرٌ للسيارات، وتطلّ في الوقت نفسه على باحة العمارة، بحكم أن المبنى من الطراز القديم ويتوسطه فناءٌ داخلي.
لا تركّز هاجر على شكل الشرفة الخارجي بقدر ما تركز على كيفية تهيئتها للاستعمال اليومي. فالشرفة مُسيَّجةٌ بشبكٍ حديديٍ مُغلَّفٍ بنوعٍ من الصفائح البلاستيكية البيضاء غير الشفافة، ويتخلل هذا التسييج نافذتان قابلتان للفتح والإغلاق مصنوعتان من المادة نفسها، ويفصل بينهما جزءٌ مغطىً بزجاجٍ غير شفافٍ لا يفتح لكنه يسمح بدخول الإضاءة الطبيعية. يحقق هذا الحل التقني توازناً بين الأمان والإنارة والتهوية إذ تسمح الصفائح البلاستيكية البيضاء بدخول الضوء الطبيعي.
تربط هاجر هذا الاختيار مباشرةً بضيق المسكن والحاجة إلى الأمان، مشيرةً إلى أن مالكةَ المنزل هي التي قامت بهذه الأشغال بهدف الحماية والاستفادة من مساحة الشرفة بأقصى قدرٍ ممكنٍ نظراً لصِغر مساحة الشقة، وأن إغلاق النوافذ يكفي للشعور بالأمان من دون الحاجة إلى إغلاق منفذ الشرفة بالكامل، خاصةً خلال فصل الصيف. ثم تختم حديثها بوصف استعمال الشرفة اليومي، حيث تنشر فيها الملابس المغسولة وتضع آلة غسل الملابس وسلّة الخضار وبعض اللوازم الجانبية، موضحةً أنها لا تطلّ على منظرٍ جماليٍّ بل على جدار عمارةٍ مجاورةٍ، ومع ذلك تظل مصدراً أساساً للإضاءة الطبيعية وأشعة الشمس والتهوية.
تكشف أسباب المختار وهاجر ومالكة مسكنها وسواهما من الساكنين المغاربة عن حضور فجوةٍ جليةٍ بين التصميم والواقع. إذ صُمِّمت الشقق وفق نماذج غربيةٍ تفترض نمط عيشٍ مختلفاً، يقوم على عائلاتٍ صغيرةٍ، ومساحاتٍ كافيةٍ أو مضبوطةٍ بدقةٍ، وخصوصيةٍ موجهةٍ أساساً لفردٍ واحدٍ أو لأسَر نووية. محصلة هذا الوضع أنّ الساكن يغدو بمثابة مهندسٍ ثانٍ يُعيد تصميم المسكن ليلائم حاجاته الفعلية، في انسجامٍ مع ضروراتِه الثقافية والنفسية.
بينما يتحرك التخطيط الحضري عبر ترسانةٍ قانونيةٍ صارمةٍ يؤطرها القانون ورؤيةٍ تقنيةٍ للجمالية الحضرية تجعل من تجانس الواجهات معياراً للنظام. ينشأ التوتر حين يصطدم الاستعمال الواقعي بنموذجٍ قانونيٍ مجردٍ للمسكن لا يعترف بهذه الحاجات، ليتحول القانون في نظر السكان من أداةٍ لتنظيم العيش الحضري إلى قوةٍ تُجرّم تعديلاتهم الصغيرة على فضائهم المنزلي.
يؤثر هذا الوضع على شقق السكن الاقتصادي التي يسكنها محدودو الدخل والطبقة المتوسطة. إذ بينت المعطيات التي رصدها تقرير ندوةٍ حول إشكالية الإدماج عبر السكن، التي نظمها المرصد الوطني للتنمية البشرية سنة 2015 أن جزءاً معتبراً من هذا التوتر يعود إلى طبيعة العرض السكني نفسه.
فالنموذج المهيمن من السكن الاجتماعي في المغرب يُوصَف في التقرير بأنه نموذجٌ "سيء التقدير" لأنه يتميّز بكثافةٍ سكانيةٍ مرتفعةٍ وله مشاكل أبرزها في الاكتظاظ السكني، وصعوباتٍ في إدارة الملكية المشتركة وصيانة المباني ومحيطها.
يؤشر هذا الواقع على أن الشقة الاقتصادية لا تُصمَّم بالضرورة انطلاقاً من أنماط العيش الفعلية للأسر، بل وفق معادلةٍ تجمع بين الكلفة والحد الأدنى من المعايير الشكلية وضغط الأرقام المرتبطة بإنتاج الوحدات السكنية، التي تضجّ بأسرٍ مثقلةٍ بحيواتٍ يوميةٍ صاخبةٍ، ضمن مساحاتٍ ضيقةٍ وغالباً غير مرنةٍ، ما يجعل من كلّ مترٍ مربعٍ إضافيٍ (ومنه الشرفة) رصيداً مكانياً حرجاً.
يعزز المجلس الأعلى للحسابات هذا التشخيص، في تقريره حول السكن الاجتماعي سنة 2018. إذ أكد أن نظام السكن الاقتصادي الذي تتراوح قيمته بين 140 ألف درهم و250 ألف درهم (حوالي 13 ألف دولار إلى 24 ألف دولار) أُطلق من دون أيّ دراسةٍ أوّليةٍ لطبيعة الحاجيات أو مواصفات السكن. فقد خلص التقرير إلى أن برنامجي السكن الموجّهَين لفئات الدخل المحدود طُبّقا من دون دراساتٍ تصميميةٍ مسبقةٍ تحدّد حجم الحاجة السكنية ونوعها. إذ لم تميز دفاتر التحملات الفنية والهندسية جوهرياً بين الفئتين وفقاً لمعيارَي المساحة والمواصفات، فكانت الخصائص التقنية والمعمارية متقاربةً مع تداخلٍ واضحٍ في المساحات الممنوحة لكلّ وحدة.
ومحصِّلة هذا كلّه أن الشقق الاقتصادية، التي صُمِّمت وفق منطق إنتاجٍ كمّيٍ ووحدةٍ سكنيةٍ نمطيةٍ لا تُصغي لتكوين الأسر ولا لثقافة العيش في الداخل، هي ذاتها التي يُطلب من ساكنيها اليوم ألّا يمسّوا شرفاتها. فحين يُغفل القانون هذه الاحتياجات ولا يسأل لماذا يُغلِق الساكن شرفته أو يُسيّجها، يتحوّل من أداةٍ لضبط فضاءٍ ممكن العيش فيه إلى أداةٍ لضبط "تشوّه" يمسّ التشكل المعماري العام.
تلخص الباحثة مينة البوركي في دراستها "السياسة السكنية بالمغرب وسؤال التنمية الحضرية نحو فهم أبعاد العلاقة"، المنشورة سنة 2021 هذا الوضع بزاويةٍ تفسيريةٍ أوسع. ففي حين تشخّص التقارير المؤسسية مشكلة السكن الاقتصادي باعتباره "خللاً تقنياً"، ترى مينة أنه جاء نتاج "مقاربة تجزيئية يغلب عليها منطق الربح والعقلانية الصناعية" إذ يهيمن الإنتاج الكمي على فهم أنماط العيش الحضري، فتصير المدينة تراكم بنىً متراصةٍ تشبه "صناديق للعيش" لا تراعي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية. وتضع هذه الخلاصة الشرفات في سياقه الأوسع، أي سياق مدينةٍ تُدار ملفاً تقنياً أكثر مما تُبنى مجالاً للعيش.

