في لحظةٍ واحدةٍ، كبح السدّ العالي الذي بُني سنة 1970 جماح النهر المتقلب وضبط تدفق المياه السنويّ في مجراه. فحلَّ مشكلة نقصان المنسوب وحمى مصرَ من فيضانات النهر. وعلى أهمية الأثر الإيجابي لظهور السد العالي في إحداث تحولاتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ كبيرةٍ في البلاد، إلا أنّه ساهم في إخفاء حياةٍ وذاكرةٍ شعبيةٍ ارتبطت بالنيل قروناً طويلة.
ظلّت الثقافة الشعبية المرتبطة بالنهر، وقد نشأتُ على بعضها، تؤرقني. ودفعتني قلّة الدراسات الشعبية التي ترصد شكل الحياة الشعبية والظواهر السياسية والاجتماعية وتقارنها قبل بناء السد وبعده، إلى محاولة البحث والتعمّق أكثر في تاريخ المصريين مع النيل. اكتشفتُ أثناء مراحل البحث أنّ المؤرخين والجغرافيين والرحالة الذين زاروا مصر في حقبٍ زمنيةٍ مختلفةٍ شغلتهم طبيعة فيضانات النهر المتقلّبة فأدلوا فيها بتفسيراتٍ طَبعت الخرافةُ غالبيتَها. ظلّ ارتباط النيل بعادات المصريين الاجتماعية والثقافية حتى منتصف القرن العشرين، عندما دفع فيضان سنة 1946 السلطاتِ للعمل على بناء السد العالي. استطاع السد كبح جماح النهر واستقر مستوى مياهه تقريباً، ومنحَ الفلاحين أراضٍ زراعيةً جديدةً، فصُوِّر بناؤه انتصاراً وطنياً على قوى الطبيعة. لكن هذا الانتصار هزّ من مكانة النهر في الشخصية المصرية، واختفت عاداتٌ وتقاليد كثيرة.
يعلِّق حمدان على هذه الأرقام بقوله إنّه إذا كانت مصر هبة النيل، فإنها بالضرورة هبة فيضانه. ويضيف قولاً: "وإذا صحّ أنه لولا النيل لكانت مصر صحراء جرداء [. . .] فإن من الصحيح أيضاً أنه لولا الفيضان لكانت مصر مجرد نهرٍ فصليٍّ هزيلٍ يولد ويموت كلّ سنةٍ دون أن يضمن الوصول إلى البحر [المتوسط] دائماً. إلى حدٍّ يعني [بشكل] أو آخر أن 'النيل هبة الفيضان' هو الآخر".
على ذلك، توارث المصريون الخوف من طباع فيضانات النهر وحاولوا معرفة أسباب تقلّباته السنوية، ثم لجؤوا إلى تفسيراتهم الخاصة. فذكر عالم اللغات أنطوان زكري، في كتابه "النيل في عهد الفراعنة والعرب" المنشور سنة 1926، أنّ المصريين القدماء جهلوا أسباب الفيضان فعبدوا النهر وأطلقوا عليه اسم الإله "حَعْبي". واعتبروا بدءَ فيضانه دموع المعبودة المصريّة إيزيس التي تبكي زوجها المعبود أوزوريس. وبهذا يستغرب زكري من أنّ جميع سكان مصر ظلّوا حتى الربع الأول من القرن العشرين على اعتقادهم القديم بأنّ يوم 11 من شهر بؤونة في التقويم القبطي (الموافق 17 يونيو من التقويم الميلادي) تنزل فيه نقطةٌ تسبب فيضان النيل، وأنّهم أسموها "ليلة النقطة".
يلمح زكري إلى أنّ علماء مصر القديمة لم يسمحوا لمعاصريهم أو زائريهم بالتوسّع في معارف نهر النيل. ثمّ يفسّر ذلك بقوله: "لأنهم يعتقدون أن سعة البحث في ذلك ممنوعة دينيّاً، وتُعرّض المشتغلين بها لحلول النقمات التي تنذر بها الكتب المقدسة كلَّ من يسعى إلى عملٍ يؤدّي إلى كفرٍ أو ضلال". على ذلك حاول كثيرون حلّ اللغز، بدءاً من المؤرخ الإغريقي هيرودوت، الذي تزامنت زيارته مصر مع اندلاع فيضان النيل سنة 440 قبل الميلاد.
سأل هيرودوت المصريين عن أسباب ذاك الفيضان الجارف الذي دام مئة يومٍ، لكن لم يصل إلى معلومةٍ من الكهنة أو غيرهم. وسجَّل في كتابه "التاريخ" عدّة تفسيراتٍ سادت في أذهان الناس في عصره عن أسباب فيضان النهر. ومنها تفسيرٌ يعتقد أن الرياح الموسميّة تسبّب فيضان النيل، وثانٍ يرى أن النيل يفيض من محيط الأرض، ويعتقد رأيٌ ثالثٌ أن الثلوج الذائبة المُنسابة من القارة الإفريقية (التي كانت تُدعى ليبيا آنذاك) إلى إثيوبيا ثم مصر هي السبب. استبعدَ المؤرخ الإغريقيّ تفسيرات عصره طبيعةَ النيل المتقلبة ووَصَفَها بالغموض. ثم أدلى بتفسيرٍ جديدٍ لسبب الفيضان، قال فيه إنّ الشمس فوق سماء "ليبيا" تمتصّ مياه النيل شتاءً ثم تفيض بها على المصريين صيفاً، عند هبوب رياحٍ جنوبيّةٍ على مصر.
استمرّت التأويلات في أسباب الفيضان على طول الزمن. نقّب المؤرخ اليوناني ديودور الصقلّي، المتوفّى سنة 21 قبل الميلاد، عن الظاهرة بعد أن استغرب ارتفاع مياه النهر في الصيف عكس باقي أنهار العالم. وبحسب كتاب "ديودور الصقلي في مصر" الذي ترجمه وهيب كامل سنة 1947 وأعيد طبعه سنة 2013، يلحظ ديودور أنّ المصريين القدماء اهتموا بارتفاع منسوب النيل وقت الفيضان فأقاموا مقاييس النيل ودوّنوا في سجلاتٍ خاصةٍ ملاحظاتهم عن الفيضان. استبعد الصقلّي تفسير هيرودوت سببَ الفيضان بقوله: "كما أن الشمس تبخّر في الشتاء مياه النيل، يتحتم أن تبخّر مياه أنهار ليبيا [يقصد ما اكتُشِفَ من إفريقيا وقتئذ] كذلك، وتخفض من منسوبها. ولما كانت هذه الظاهرة لا تلاحَظ في أيّ مكانٍ في ليبيا، فمن الجلّي إذن أن مؤرخنا [هيرودوت] يلقي الكلام على عواهنه". وبهذا توصّل إلى أنّ منابع النيل موجودةٌ في الحبشة، استناداً إلى نتائج حملةٍ عسكريةٍ أرسلها حاكم مصر بطليموس الثاني لغزو بلاد الحبشة.
وعلى حكم الصقلي القريب من الحقيقة العلمية، إلا أنّ حالة الجدل في طبيعة الفيضان ظلّت حتى عندما مَلَكَ العرب والمسلمون البلاد المصرية. يعرض المؤرّخ والجغرافيّ أبو الحسن المسعودي، المولود في بغداد والمتوفى في القاهرة سنة 956، صورةً قريبةً عن طبيعة نهر النيل المتقلّبة وشروط حدوث الفيضان في زمن الدولة الإخشيدية.
يقول المسعودي في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، الصادر محقّقاً سنة 1973، إن نهر النيل "إذا زاد على السبعة عشر وبلغ ثمانية عشر ذراعاً وغلّقها، استبحَرَ [غَرِقَ] من أرض مصر الرُبعُ. وفي ذلك ضررٌ لبعض الضِياع [. . .] وإن كانت الزيادة ثمانية عشر ذراعاً كانت العاقبةُ في انصرافه حدوثَ وباءٍ في مصر". أمّا المؤرّخ أبو العباس القَلْقَشَنْدِيّ المتوفّى سنة 1418، فقد أورد في كتابه "صبح الأعشى" المطبوع سنة 1914 عدّة تفسيراتٍ أخرى كانت سائدةً في القرن الرابع عشر بين الناس عن أسباب الفيضان. منها أنّ أهل الهند ربطوا زيادة نهر النيل ونقصانه بالسيول وكثرة الأمطار وركود السحاب، في حين قالت العرب إنّ النيل يُستمَدّ من أنهارٍ وعيونٍ وأنّ الله يوحي إليه كلّ عامٍ مرّتين، واحدةً بالزيادة وأخرى بالنقصان. وينقل القلقشندي عن أهل مصر قولَهم: " وقالت القبط: زيادته من عيونٍ في شاطئه رآها من سافر ولحق بأعاليه".
لم تُحسَم أسباب طبيعة فيضانات النيل المتقلّبة حتى بدايات القرن العشرين. يلمح المؤرخ المصري أمين سامي باشا في كتابه "تقويم النيل" الصادر سنة 1916 إلى أنّه لم يتحقّق وجودَ دلائل على ارتباط ارتفاع الفيضان بسقوط أمطارٍ في أوقاتٍ معينةٍ على هضبة الحبشة، إلّا بعد قراءته مقالةٍ نشرها عقيدٌ إنجليزيٌّ يُدعَى روس — بعنوان "عن منطقة عكس الأعاصير في نصف الكرة الجنوبي" — وأنّ المقالة استندت إلى بيانات مصلحة المساحة المصرية آنذاك. يقول سامي إنه كاتَبَ مديرَ مصلحة المساحة المصرية، الكابتن هنري جورج ليونز، ليمدّه بمعلوماتٍ عن ارتفاعات النيل. فأرسل له تقريراً فيه دلائل بيانيّةٌ وجداول على ارتباط هطول أمطار الحبشة وحدوث فيضانات النيل في مصر بين 1737 و 1800. وقد قلّل الطبيب الفرنسي أنطوان بارتملِّي كلوت، المتوفّى سنة 1868، في كتابه "لمحة عامة إلى مصر" المنشورة ترجمته سنة 2011، من صواب التفسيرات القديمة لظاهرة فيضان النيل. وذلك اعتماداً على ما دوّنه علماء الحملة الفرنسية على مصر نهايات القرن الثامن عشر، واستناداً إلى ملاحظاته الشخصية آنَ قُربِه من والي مصر محمد علي باشا. يقول كلوت إن ارتفاع الماء في النيل من السحب المتكونة من أبخرة المحيط الهندي، والمندفعة بقوة الرياح الجنوبية والشرقية إلى بلاد الحبشة، حيث تحجزها الجبال وتحوّلها إلى مطر. ويُذكِّر أن المياه الأولى التي ترفع النهر تمرّ بالخرطوم في أوائل أبريل، ولا تظهر الزيادة في حجم مياه النيل في القاهرة إلا في النصف الأخير من يونيو.
تذكر النقوش أنّ زوسَر أهدى أراضٍ زراعيةً بمحاصيلها وحيواناتها قرابينَ إلى الإله "خُنوم"، طالباً منه الإذن بإطلاق فيضان النيل. يناشد زوسَر إلهَه قائلاً: "أنا كنتُ في بؤسٍ على العرش العظيم، والحاشية في حزنٍ، وقلبي كان في حزنٍ شديد. لأن حعبي [الفيضان طبقاً لهوامش الدراسة] لم يأتِ في الوقت المناسب لمدّة سبع سنوات [. . .] الأطفال في بكاءٍ والشباب في انهيارٍ، أما كبار السنّ فقلوبهم في بؤسٍ وعناء".
تُظهر النقوش اهتمامَ المصريين بأحوال النهر، وسعيَهم الدائم لكبح جماح طوفانه أو حتى مساءلة تقشّفه. ولهذا يَعتقد علي باشا مبارك، وزير الأشغال العمومية المصرية في القرن التاسع عشر — في مقدمة كتابه "نخبة الفكر في تدبير نيل مصر" الصادر سنة 1879 — أن المصريين القدماء اهتموا بأمر النيل والزراعة. وتعلّموا لأجل ذلك علوم الحساب والكيمياء والطبّ والفلك والعمارة، فعاشوا قروناً في استقرار. على عكس حقبتَي البطالمة والرومان اللتين امتدّتا ألف عامٍ حتى القرن السابع الميلادي، وعانى فيهما المصريون بسبب إهمال شؤون النهر. يقول مبارك عن هاتين الحقبتَيْن: "غيّروا فيها كلّ شيءٍ حتى العوائد [العادات] والأخلاق وسائر الرسوم. ولم يلتفت للإصلاح منهم إلا القليل في أزمانٍ يسيرةٍ يتخلّلها إفسادٌ كثير [. . .] ومن إهمال الأعمال النيلية ارتدم بعض أفواه النيل وخرب ما عليه من المدن والقرى".
استمر تدوين مزاج النهر هذا في العصور الإسلامية اللاحقة. شهدت مصر مجاعةً قاسيةً في زمن الخلافة الفاطمية. ويزعم المؤرّخ تقي الدين المقريزي المتوفى سنة 1442 في كتابه "كشف الغمة بإغاثة الأمة"، المنشور محقّقاً سنة 2007، أنّ المجاعة اضطرت بعض المصريين لأكل بعضهم في سبع سنواتٍ صعبةٍ امتدت من 1065 إلى 1071. وكان الخليفة المستنصر بالله حاكماً فيها على البلاد. لم يستبعد المقريزي نقصان منسوب نهر النيل سبباً في اشتداد محن المصريين في زمن الخلفاء الفاطميين. فيذكر أسباباً أخرى حينما يقول: "السبب الأول، وهو أصل الفساد، ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة كالوزارة والقضاء ونيابة الإقليم، وولاية الحسبة، وسائر الأعمال [. . .] فلما دُهِيَ أهل الريف بكثرة المغارم وتنوع المظالم، اختلت أحوالهم ومُزّقوا كلّ تمزّقٍ وَجَلَوا عن أوطانهم".
هكذا ربط بعض المؤرخين انحياز النهر عن حالته الطبيعية بسياسات الدولة وتفشي الفساد والظلم في العصور الإسلامية المتلاحقة. إذ يرى المؤرخ قاسم عبده قاسم في كتابه "النيل والمجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك" المنشور سنة 1978 أنّ اضطراب أحوال المصريين في عهد المماليك الذي امتدّ حتى بدايات القرن السادس عشر كان سببه سوء إدارة الحكم في مصر. يذكر قاسم أنّ بعض سلاطين المماليك تظاهر بالعدل أثناء انتشار المجاعات والطواعين، فأعلن عن إلغاء كثيرٍ من الضرائب خوفاً من شرّ الوباء المنتشر. ثم عادت الضرائب ما إن ارتفع الوباء وتراجع خوف المصريين.
تكرّرت معاناة المصريين مع وقوع أيّ فيضاناتٍ عالية. يرصد المؤرخ اللبناني جورجي زيدان في كتابه "مصر العثمانية" المنشور سنة 1911 وقوعَ فيضانٍ استثنائيٍّ في عهد السلطان العثماني مصطفى بن محمد بدايات القرن السابع عشر. ويذكر زيدان ارتفاع النيل "ارتفاعاً فوق العادة فطاف على الأرض، وأغرقها حتى يئس الناس من البقاء لنهاية ذلك الطوفان، وأصابهم ضيقٌ شديدٌ أعقبه طاعونٌ فتّاك". فعزل السلطانُ الواليَ حسين باشا سنة 1621 في أعقاب هذا الفيضان، واستقدمه إلى الأستانة. وهكذا كانت معاناة المصريين حاضرةً في القرون اللاحقة، حتى في عهد محمد علي باشا الذي حكم من سنة 1805 إلى 1848. إذ يوثّق المؤرخ أحمد أحمد الحتّة في كتابه "تاريخ الزراعة المصرية في عهد محمد علي الكبير"، المنشور سنة 2012، زيادةَ منسوب نهر النيل زيادةً كبيرةً تسع مراتٍ من 1809 إلى 1849. ما أدّى إلى غرق الأراضي وإتلاف المحاصيل والبيوت.
هذا الأثر العظيم الذي أحدثه نهر النيل على مرِّ القرون في حياة المصريين جعله حاضراً في مفاصل حياتهم الثقافية والشعبيّة. أبدع المصريون عاداتٍ وتقاليد ومعتقداتٍ ومعارف وطقوساً شعبيّة، ارتبطتْ كلّها بالنهر، رجاءً أو خوفاً أو شكراً.
من هذه النظرة امتدت مركزية النيل لترسم تصوّر المصريين عن جغرافية الأرض. يذكر عالم الآثار سليم حسن في كتابه "أقسام مصر الجغرافية في العهد الفرعوني"، الصادر سنة 1944، أن النيل حدّدَ للمصريين القدماء الأماكن المناسبة لدفن موتاهم. فنظر المصري في أول الأمر إلى "الجهة التي ينبع منها نيل مصر وهي الجنوب [. . .] كان يرى أنها في بادئ تاريخه نهاية العالم [. . .] وكان يرى أنّ الجهة الغربية هي المكان الذي تذهب إليه روحه في عالم الآخرة". ولهذا كانت شواطئ النهر المكانَ الأمثل لغالبية الاحتفالات الدينية والشعبية. وقد سجّل أستاذ التربية الموسيقية في جامعة حلوان خيري إبراهيم الملْط، في كتابه "الموسيقى والمجتمع في مصر القديمة" المنشور سنة 2017، جانباً من أشكال التعبير الشعبي التي عملها المصريون القدماء في عيد شمّ النسيم أو عيد الربيع، الذي احتُفل به سنوياً على شواطئ النهر بمشاركة الحاكم والوزراء وكبار رجال الدين والدولة.
تبدأ الاحتفالية الشعبيّة بخروج جميع أفراد الأسر المصرية من البيوت، حاملين الزهور والأغصان الخضراء والآلات الموسيقية — مثل المزمار والدفوف — إلى الحقول وشواطئ النيل. هناك يتشارك الجميع العزف والغناء والرقص في مجموعاتٍ، في حين تمتلئ صفحة نهر النيل بأعدادٍ أخرى من قوارب المحتفلين.
أثّر اعتقاد المصريين في ألوهيّة النيل على نوعية طعام عيد شمّ النسيم. يقول الملط: "ومن أشهر المأكولات التي كان يحرص على تناولها القدماء المصريون في هذا العيد، البيض: ويمثل دورة البعث والخلود، والسمك: ويرمز إلى التكاثر وقدسية النيل حابي [الإله حَعْبي]".
ولم يكن شمُّ النسيم العيدَ الوحيدَ الذي تتمثّل فيه قدسية نهر النيل. فقد اعتقد المصريون أنّ منسوب النيل لا يزيد في كلّ عامٍ حتى يُلقى في النهر تابوتٌ من خشبٍ فيه إصبعٌ من أصابع أسلافهم الموتى في عيد الشهيد. وهو عيدٌ يُعتقد أنّ القبطيين توارثوا الاحتفال به عندما يخافون نقصان منسوب النيل. ويذكر تقيّ الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" المنشور محقّقاً سنة 1997 أنّ العيد استمر حتى أبطله السلطان صالح بن محمد بن قلاوون بين سنتَي 1354 و1355. حدث ذلك بعد أن هُدِمَت كنيسةٌ في منطقة شبرا الخيام في القاهرة، وأُخِذَ منها "إصبع الشهيد" في صندوقٍ، ثم أُحضِرَ إلى السلطان وأُحرِقَ بين يديه.
ومما ارتبط بالنيل من الخرافات والقصص الشعبية خرافة عروس النيل. وهي خرافةٌ تزعم ضرورة إلقاء فتاةٍ مصريّةٍ جميلةٍ مجهولة الاسم في قاع النيل قُرباناً إذا لم يوفِ بالزيادة. يذكر المترجم مختار السويفي في مقالته "الاحتفال بوفاء النيل.. أقدم عيد في العالم" المنشورة سنة 1994 أنّ الخرافة اتصلت بعيد وفاء النيل. لكنه شدّد على عدم وجود دلائل تاريخيةٍ على أن المصريين ألقوا كلّ عامٍ فتاةً بكراً مزدانةً بالحليّ والثياب في مياه النهر. ثم يشير السويفي إلى أنّ هذه الخرافة ذُكرتْ أول مرّةٍ في كتاب "فتوح مصر والمغرب" للمؤرخ أبي القاسم ابن عبد الحكم، المتوفى سنة 803، ثم تناقلها عنه المؤرخون العرب. دوّن ابن عبد الحكم حادثةً قريبةَ الشبه من خرافة عروس النيل. إذ يقول إن أهل مصر أتوا الواليَ عمرو بن العاص عندما نقص منسوب النيل، وأخبروه أن سُنّة النيل ألّا يزيد إلّا بإلقاء امرأةٍ في النهر. نقرأ في كتاب ابن عبد الحكم: "قالوا [أهل مصر] له: أيها الأمير [عمرو بن العاص]، إن لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلّا بها. فقال لهم: 'وما ذاك؟' قالوا: 'إنه إذا كان لاثنتي عشرة ليلةً تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جاريةٍ بكرٍ بين أبويها. فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحليّ والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل' . فقال لهم عمرو: 'إن هذا لا يكون في الإسلام'".
وعلى ما جاء به الإسلام من نقض عاداتٍ كثيرةٍ عند المصريين، إلا أنّ مظاهر احتفاليةً كثيرةً ظلّت على حالها. فقد استمرت عادة الاحتفاء بوفاء النيل وكانت إجازةً رسميّةً في مصر حتى الربع الأول من ستينيات القرن العشرين. تسجّل الباحثة نعمات أحمد فؤاد في مقالتها "النيل في الأدب الشعبي" المنشورة سنة 1965 أنّ المصريين وخاصةً الصِبية والأطفال كانوا يتزاحمون في شوارع القاهرة خلف المُنادي الذي يعلن عن وفاء النيل. فيردّدون معه جماعةً أغنيةً عنوانها "عوف الله"، أي أَوْفَى الله. تشرح نعمات أن منادي المقياس كان يصطحب أحياناً فتىً يساعده في الإعلان عن وفاء النيل لتحميس الحاضرين. وتوارث المصريون المتأخرون من أسلافهم الاعتقادَ في وجوب الدعاء لنهر النيل إذا لم يفِ بالمنسوب وخِيفَ من شبح الغلاء والمجاعة. إذ يدوّن المؤرخ المصريّ ابن إياس المتوفى سنة 1524 في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" المحقق سنة 1893 أن السلطان المملوكي خُشْقَدَم، الذي حكم مصر بين سنتَي 1460 و1467، استفتى القضاة ورجال الدين في زمنه حين تأخر منسوب نهر النيل عن الزيادة المطلوبة. فظلّ القضاة يقيمون الدعاء داخل مقياس جزيرة الروضة لأجل زيادة منسوب النهر. ثم يستشهد ابن إياس: "ثم إن القاضي علم الدين صالحاً البلقيني توجه إلى المقياس، وأقام هناك ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع زاد [منسوب النيل] ثلاثة أصابع. ففرح الناس بذلك ورجع القاضي علم الدين وشقّ من القاهرة وقدّامه رايات زعفران، وانطلقت له النساء بالزغاريت".
ولم تتوقف احتفالات المصريين بعيد وفاء النيل حتى في أحيان اضطراباتٍ سياسيةٍ، مثل دخول الفرنسيين مصر. يسجّل المؤرّخ عبد الرحمن الجبرتي المتوفى سنة 1825 في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" الصادر سنة 1880 بعضَ مشاهد احتفال سنة 1799. ويذكر أنّ الأقباط كانوا يوم "وفا النيل المبارك" يخرجون ويتأهّبون "للخلاعة والقصف [الجَلَبَة] والتفرّج واللهو والطرب"، ويذهبون إلى بولاق ومصر العتيقة والروضة ويكترون المراكب وينزلون فيها وصحبتهم الآلات والمغاني.
وقد لاحظ علماء الحملة الفرنسية على مصر غناءَ المصريين فوق صفحة النيل. ودوّنوا عدداً من نصوص أغاني مراكبيّةِ النهر وألحانها. تبدأ إحدى الأغاني، التي دوّنها الفرنسيون في موسوعة "وصف مصر"، بترداد مراكبيّة النيل نصّاً قصيراً يقول: "زِينة يا حليوه، قوم يا بو سلام"، عندما تكون الريح مواتيةً للتجديف. فيما يغنّون جماعةً: "هيلا هيلا" عند بدء التجديف في النهر.
استمرت هذه الاعتقادات والاحتفالات حتى منتصف القرن العشرين، إذ أتى سنة 1946 فيضانٌ عالٍ دمّر كثيراً من المزارع والمساكن. ومن ثمّ نشأت فكرة ضرورة إنشاء السد العالي.
يسجّل الإنجليزي هارولد إدوين هيرست، الخبير العلمي السابق لدى الحكومة المصرية، في كتابه "النيل" المنشور سنة 1947 أنّ فيضان سنة 1946 اقترن بتوترٍ شديدٍ في الأعصاب في مصر. يقول هيرست: "كان المنظر مخيفاً حقّاً حين كان المرء يَذْرَع جسر النيل في مستهلّ سبتمبر. فيتلفّت يميناً ليرى النهر وقد أشرف على منسوب الجسر، ويتلفّت شمالاً ليرى أرض الزراعة منحطّةً عنه في حدود ثلاثة أمتارٍ أو أربعة. ولا يخفي أن من بين أخطار الفيضان استمرار المناسيب عاليةً، لأن هذا يساعد على تشبّع الجسور بالمياه بما يعرّضها للانزلاق الذي تنشأ عنه القطوع".
بهذا ساعدَت تداعيات فيضان 1946 الحكومةَ المصرية في بزوغ أفكارٍ أولى لبناء سدٍّ عالٍ يحمي مصر من أخطار الفيضانات في حقبة الأربعينيات الماضية. تذكر الباحثة إلهام السيد محمد عفيفي، مدرّسة التاريخ في جامعة عين شمس، في كتابها "معركة السد العالي وتأثيره الاقتصادي: 1952- 1987" المنشور سنة 2009 أنّه عقب الفيضان تقدّمَ المقاول والمهندس الزراعيّ المصري اليوناني الأصل أدْريان دانينوس إلى الحكومة المصرية بفكرة أول مشروعٍ لبناء سدٍّ عالٍ عند الشلال الرابع في أسوان يساهم في توليد كهرباء قدرتها ستمئةٍ وثلاثون ألف كيلوواطٍ في الساعة سنوياً. تشير إلهام إلى أن مصر اعتمدت تصميماً نهائياً لمشروع السدّ في 15 نوفمبر 1954 بمشاركة خبراء من ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
تبنّت ثورة يوليو 1952 منذ قدومها تعزيز إيراد النيل المائيّ بتحقيق فكرة التخزين المستمر. وذلك بإنشاء سدٍّ عالٍ عبر النهر يكفي لاحتجاز الفائض من مياه النهر في السنين المتعاقبة. يقول المهندس المصريّ موسى عرفة في مقالته "السدّ العالي [. . .] وأثره في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية" المنشورة سنة 1963 إن الثورة اشترطت أن "يقام السد داخل الأراضي المصرية ليكون قريباً من مناطق الانتفاع به، وأيضاً ليكون إنشاؤه غير مرتبطٍ بالحكومات التي تقع منابع النيل تحت نفوذها". ويضيف عرفة، الذي شارك في الإشراف على التصميم النهائي لمشروع السد العالي، أن مصر عقدتْ عدّة اتفاقياتٍ مع الاتحاد السوفييتي لتمويل السدّ قبل أن يضع الرئيس جمال عبد الناصر حجر الأساس في 9 يناير 1960.
أوقف السد العالي عند اكتماله سنة 1970 الفيضانات ووفّر الطاقة والمياه للمصريين. يذكر أحمد النجار، الخبير الاقتصادي في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، في كتابه "مياه النيل: القدر والبشر" المنشور سنة 2010، أن السد العالي تكفّل بحماية مصر من الفيضانات العالية التي كانت تتسبّب في خسائر فادحة. ووفّرَ السدّ أيضاً على الدولة المصرية النفقات المالية التي كانت تنفقها سنوياً لدرء خطر الفيضانات. يرصد النجّار توفيرَ السدّ اثنين وعشرين مليار مترٍ مكعبٍ من المياه عند أسوان، وإضافةَ قرابة المليونَيْ فدّانٍ إلى مساحة الأرض الصالحة للزراعة في الفترة من 1968 إلى 2007. ويضيف أن توليد الكهرباء من السد العالي أدّى إلى "تسريع كهربة الريف المصري في الثمانينات. وما استتبعه من انتشار وسائل الاتصال، مثل التلفزيون والراديو، ساهم في تحقيق المزيد من الاندماج القومي في مصر".
ترى إيمان أنّ عناصر التراث الشعبيّ المصريّ المرتبطة بطبيعة النهر تأثرت بعوامل تطوّرٍ وتغيّرٍ إضافيّةٍ جرّاء اكتمال بناء السد العالي. إذ انتشرتْ الكهرباء وظهر التلفزيون، فانتشرت الفنون الفردية. وتوارت رويداً رويداً إبداعات الفلاح العفويّة، مع انتظام دورة الأرض الزراعية وانتشار التعليم الإلزاميّ. لكنّ المتعلمين الجدد ارتبطوا أكثر بالوظيفة المنتظمة والنهضة التي أنشأها السدّ، "في حين سرّعت هذه النهضة من أفول جانبٍ من التراث الشفاهي الخاصّ بظواهر النيل القديمة من ألفاظٍ وتعبيراتٍ وقصصٍ وألغازٍ ومفاهيم وحكايات العجائز"، وفقاً لإيمان. على ذلك، ترفض إيمان مهران القول باختفاء مكانة النيل في وجدان المصريين بفعل التطور التقنيّ والزمن. إذ تسرد بناءً على مشاهداتها الميدانيّة الخاصة كيف أنّ "الناس في قرى مصر لا تزال تعتقد في بَرَكة النيل وقدرته على منح الخصوبة والرزق الوفير. لذلك يلفّون حتى الآن ما يتبقى من الجسد، بعد عملية ختان الأطفال، في رغيف خبزٍ ويرمونه في نهر النيل. علاوةً على ذلك، لا يزال سكان بعض القرى في محافظة أسيوط يعتقدون أنّ جزءاً من شبكة صيدٍ نيليٍّ متهالكةٍ وقديمةٍ، فيها البركة والذرّية الصالحة، فيقطِّعونها ويوزّعونها على المتزوجين الجدد في تلك القرى".
مع ذلك، حوّلَ التقدّم التقني جمهور المأثورات الشعبية إلى مستقبلين أكثر منهم مشاركين، بحسب ما يورد الكاتب أحمد رشدي صالح في مقالته "المأثورات الشعبية والعالم المعاصر" المنشورة سنة 1972. يقول صالح إنّ "التبدلات التي تقع في البيئة الطبيعية تكون هي الأخرى باعثاً على حدوث تغييراتٍ في تصورات الإنسان ومظانّه وخرافاته ومعارفه الأولية". ويتابع: "نضرب في ذلك مثلاً بما صحب التطورات التكنيكية [التقنية] والاقتصادية والسياسية من سيطرةٍ على البحيرات والأنهار التي ظلّت على مدار قرونٍ طويلةٍ منبع الأساطير والممارسات الزراعية". يذكر صالح أيضاً أنّ الصناعة مثلما تنمّط السلع التي تعرضها، فإن وسائل الاتصال الجمعي كالإذاعة والمسرح والتلفزيون تعيد إلى جمهور المشاهدين والمستمعين كثيراً من نماذج المأثورات الشعبية بعد أن تنمّطها وتسوّقها في قوالب حديثة.
عاصرتْ عزّة عزّت، أستاذة الإعلام في جامعة المنوفية، حقبة بناء السد العالي طفلةً في مدينة المنصورة بدلتا مصر في ستينيات القرن العشرين. تقول في حديثها للفراتس إنّ الشخصية المصريّة التعاونية التي تعاملتْ مع لحظة السدّ لحظةَ انتصارٍ وتحدٍّ شعبيٍّ "ليست هيَ الشخصية المرهَقة بفعل حرب أكتوبر 1973، ثم الفردانيّة في علاقاتها الاجتماعيّة عقب تطبيق قرارات الانفتاح الاقتصادي أيام الرئيس أنور السادات، وصولاً إلى التأثيرات السلبيّة الحالية على هذه الشخصيّة في الوقت الحاضر جرّاء تعاظم دور التقنية في حياة الناس". ترجّح عزّة أنّ نظرةَ الشخصية المصريّة الحالية للنيلِ اختلفتْ عن نظرة أجيال ما قبل السد العالي الذين كانت لهم معارف وخبراتٌ شعبيّةٌ أكثر عن النهر. لكنها تضيف أنّ سكان المجتمعات النهرية يميلون دائماً إلى التغيير. فإذا اختفت المشاهد الشعبية السابقة على السد، لكن يبقى النهر قيمةً قوميةً ونفسيةً كبيرةً في وجدان المصريين. وتؤكد عزّة: "ابتدعتْ الشخصية المصرية الراهنة، التي طبعها النيل هي الأخرى بمرونةٍ وانبساطيّةٍ وقدرةٍ خاصةٍ على التكيّف، طرقاً جديدةً في علاقتها اليوميّة مع نهر النيل. فهي تحبّ التنزّه حول شواطئ النيل في المناسبات الخاصة، كالزواج أو الأعياد الدينية والقوميّة. ومثلها يحرص حتّى الآن أبناء الريف، في الوجهين البحري والقبلي، على الجلوس في لحظات العصر حول شواطئ التِرَع والفروع النيلية الصغيرة للسمر واستقبال الضيوف وعقد بعض المناسبات الاجتماعية. ليس هذا فحسب، بل لا يزال كثيرٌ من المصريين يحرصون على دفن موتاهم في مقابر قريبةٍ من صفحة نهر النيل".
على ذلك، تبدو لحظة بناء السدّ وتوقّف مشاعر الخوف أو الرجاء الشعبيّ في الفيضان لحظةً مفصليةً في نظرة المصريين إلى النيل في حياتهم اليومية. فبعد أن أصبحَ النيل يُوفي كلّ عامٍ بالآلة الحديثة، دخل على الفور عالمٌ شعبيٌّ كاملٌ — باحتفالاته وخوفه وعاداته ومعتقداته وطقوسه ولحظات أدائه العفويّ — دائرةَ الذاكرة الشعبيّة المعرّضة للنسيان.

