كرة القدم السودانية.. لعبٌ اضطراريٌّ في الخارج ومحاولاتٌ متقطعةٌ في الداخل

خرجت كرة القدم من السودان بعد اندلاع الحرب سنة 2023، وتنقلت بحثاً عن بيئة آمنة للاستمرار.

Share
كرة القدم السودانية.. لعبٌ اضطراريٌّ في الخارج ومحاولاتٌ متقطعةٌ في الداخل
سيعود معنى المباراة إلى مكانه الطبيعي | تصميم خاص بالفراتس

لم يكن يوم 22 يوليو 2025 كسائر الأيام. استعدّ قطبا كرة القدم السودانية الهلال والمريخ لخوض مباراةٍ حاسمةٍ في مدينة الدامر شمال العاصمة الخرطوم. سيتحدّد بنتيجتها بطل دوري النخبة الذي انطلق بداية الشهر بمشاركة ثمانية فرقٍ، واستمرت منافساته إلى هذا اليوم الحاسم لتتويج بطل المسابقة.

كانت المباراة أول مواجهةٍ بين الفريقين داخل السودان منذ بدء الاقتتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. حضر اللاعبون وعددٌ محدودٌ من المشجعين كمن يحمل نزوحه معه، يبحثون عن تسعين دقيقةً تُنسيهم أزيز الرصاص. مع بدء المباراة، تدحرجت الكرة كأنها تقاوم ما خلّفته الحرب التي جمَّدت الحياة في السودان. بدت المباراة اختباراً لقدرة البشر على انتزاع لحظاتٍ تنتمي للحياة، وانتهت بفوز الهلال بأربعة أهدافٍ دون مقابلٍ، وتتويجه بطلاً للنسخة الأولى من دوري النخبة.

أعادت المسابقة كرةَ القدم السودانية إلى الوطن، ولو جزئياً، بعد نحو عامين من الشلل تحولت الملاعب خلالهما بفعل الحرب ثكناتٍ عسكريةً، وهُجّرت مقارّ المؤسسات الرياضية من أنديةٍ واتحادات. لم يتوقف نشاط كرة القدم السودانية خلال هذه الفترة، بل انتقل إلى الخارج. فقد استضافت بلدانٌ عربيةٌ وإفريقيةٌ مباريات المنتخب والأندية السودانية التي تابعها جمهور الكرة السوداني في السودان والمهجر. وعلى نجاح الكرة في الحفاظ على هذا الحلم، تحمَّل القطاع أثماناً باهظةً بفعل الحرب.


قبل الحرب، وعلى كثرة الأزمات الاقتصادية والسياسية، كانت كرة القدم جزءاً رئيساً من الحياة الاجتماعية والثقافية السودانية. عرفت البلاد اللعبة في نهايات القرن التاسع عشر عن طريق ضباطٍ وجنودٍ في جيش الاحتلال الإنجليزي، الذين لعبوها في الشوارع والمعسكرات. ووفقاً لمقال حسن العدم "كرة القدم السودانية: حكايات الثورة والرياضة في عصر الاحتلال" المنشور سنة 2025، شاهد السودانيون الإنجليزَ وأُعجبوا باللعبة. فصنعوا الكرات من القماش ولفائف الصوف، ولعبوها على سبيل الترفيه في الشوارع والحارات القريبة من معسكرات الإنجليز، دون الالتزام بقواعد اللعبة الإنجليزية. وسرعان ما انتشرت اللعبة حيثما امتدّ الإنجليز على خط السكة الحديد من عطبرة شمالاً إلى الخرطوم جنوباً، وفي مدينة بورتسودان حيث الميناء.

بدأ الاهتمام المؤسّسي بكرة القدم في السنوات التالية. في بدايات القرن العشرين، أسّس بعض طلبة كلية غردون من أبناء حيّ المسالمة في أم درمان نادياً لكرة القدم، أعقبه تأسيس أنديةٍ أخرى للطلبة والمهنيين من أبناء الأحياء المختلفة. وقد كان أهمّها نادي الخريجين الذي تأسس سنة 1918 تجمعاً سياسياً لخرّيجي غردون، ومساحةً يمارسون فيها الرياضات البدنية، وعلى رأسها كرة القدم. استمر توسّع النشاط الرياضي حتى قيام ثورة اللواء الأبيض ضدّ الاحتلال سنة 1924، والتي أعقبها وقف الاحتلال النشاط الرياضي في السودان.

سرعان ما عاد النشاط سنة 1926 أقوى من ذي قبل. فعاد نادي المسالمة للعب، قبل أن يتغيّر اسمه إلى المريخ سنة 1927. تأسس نادي الهلال في أم درمان بعدها بثلاثة أعوامٍ، قبل أن يتأسس الاتحاد السوداني لكرة القدم سنة 1936 وينضمّ للاتحاد الدولي لكرة القدم سنة 1948 في إطار المساعي السودانية لتأكيد الاستقلال الوطني والسيادة. وبعد عامٍ من استقلال السودان سنة 1956، ساهم الاتحاد السوداني مع نظيرَيه المصري والإثيوبي في تأسيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم.

تطوَّر المجال الكروي في السودان في السنوات التالية للاستقلال. على صعيد المسابقات، انطلقت مسابقة كأس السودان سنة 1963، قبل أن تنطلق مسابقة "دوري السودان" بعدها بعامين. واقتسم الهلال والمريخ النصيب الأكبر من الألقاب في المسابقتين. وعلى الصعيد الإنشائي، افتُتح ملعب الخرطوم المعروف باستاد الخرطوم العتيق سنة 1957، قبل أن يشيَّد استاد الهلال المعروف بِاسم الجوهرة الزرقاء (نسبةً لزيّ الهلال الأزرق)، واستاد المريخ المعروف بِاسم رِد كاسل (القلعة الحمراء، نسبةً لزيّ المريخ الأحمر) في أم درمان سنة 1964. توقف تطوير البنية التحتية الرياضية عقوداً، قبل أن يصدر الرئيس السوداني عمر البشير قراراً في فبراير 1991 بتخصيص أرضٍ زراعيةٍ جنوب شرق الخرطوم لبناء مدينةٍ رياضيةٍ تضمّ ملعباً أولمبياً ومرافقَ متعددةً للمنتخبات والأندية. وهو مشروعٌ لم يكتمل حتى أُزيح البشير عن الحكم، واندلع الاقتتال الأهلي.

بدأت ملامح الصراع الحالي مع الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في ديسمبر 2018، وأسفرت عن إسقاط نظام البشير في أبريل 2019. دخلت السودان بعدها مرحلةً انتقاليةً اضطرب توازنها مع تصاعد نفوذ قوات الدعم السريع، في مقابل سعي القوات المسلحة تعزيز سيطرتها على مؤسسات الدولة. تحولت المرحلة الانتقالية ساحةَ تنافسٍ مفتوحةً بين الطرفين، وبلغ التوتر ذروته في أكتوبر 2021 بعد انقلابٍ أعاد السلطة للمؤسسة العسكرية، لكنه لم ينهِ خلافها المتصاعد مع قوات الدعم السريع. ازداد الاحتقان بين الطرفين حتى اندلعت في 15 أبريل 2023 اشتباكاتٌ واسعةٌ بينهما، سرعان ما تحوّلت إلى حربٍ شاملةٍ غيّرت حياة السودانيين وأصابت مؤسسات الدولة، بما فيها القطاع الرياضي، بالشلل.


مع اندلاع الحرب، انقلب المشهد الرياضي في السودان رأساً على عقب. على صعيد البنية التحتية، تحولت الملاعب الرياضية ثكناتٍ عسكريةً تستخدمها أطراف النزاع. فدُمّرت الملاعب الرئيسة الثلاثة، وتحوّل مقرّ مشروع المدينة الرياضية ساحةَ حربٍ مفتوحة. ومع اشتداد المعارك في أحياء أم درمان والخرطوم، واستحالة الوصول إلى المقابر الرسمية لدفن الضحايا، اضطر الأهالي لاستخدام ميادين كرة القدم في الأحياء السكنية مقابرَ لدفن الموتى. وعلى صعيد المؤسسات، أدى توقف النشاط الرياضي لانهيار ميزانيات الأندية واتحاداتها، فانقطع التواصل بين المؤسسات الرياضية وبين اللاعبين في الخارج.

لم يقتصر أثر الاقتتال على تدمير مؤسسات كرة القدم وبنيتها التحتية، بل حصدت الحرب أرواح بعض اللاعبين، ومنهم نيالا حسن بركية، لاعب المنتخب الأولمبي السوداني ونادي الوادي. قُتل أيضاً لاعب فريق الناشئين بنادي المريخ أحمد عبد السلام، وأمير أحمد حسب الرسول، مسؤول الإعلام بالاتحاد السوداني لكرة القدم. ووصلت آثار الحرب إلى بيوت رموز الكرة السودانية، فاخترقت رصاصةٌ جدارَ منزل قائد فريق الهلال فوزي المرضي في الخرطوم، فقتلت زوجته وابنته. وبعدها بأيامٍ، لحق المرضي بهما إثر أزمةٍ قلبية.

وعلى مستوى المباريات، أعلن اتحاد كرة القدم السوداني عن إلغاء الموسم الرياضي 2022–2023. ومع تجميد النشاط الكروي وانهيار البنية التحتية اللازمة للتدريب، تراجع مستوى اللاعبين البدني والفني. وزاد من حدّة هذا التراجع الضغط النفسي الذي خلّفته الحرب مع تصاعد القتال. فخرج المنتخب السوداني الأول من التصفيات المؤهلة إلى كأس الأمم الإفريقية في كوت ديفوار سنة 2023، وخرجت الفرق السودانية المشارِكة في المسابقات القارية من أدوارها الأولى.


حظرَ الاتحاد الإفريقي إقامة أيّ مباراةٍ دوليةٍ داخل السودان بسبب الحرب. فوجد اتحاد الكرة السوداني نفسه مضطراً لابتكار مسارٍ جديدٍ يضمن بقاءه واستمرار مشاركته في المسابقات. بحثت الكرة السودانية عن خلاصٍ في محيطها الإقليمي، فكانت البداية مع المنتخب السوداني الذي أقام معسكراً في مدينة الطائف السعودية استمرّ ثلاثة أشهر. وقال عضو مجلس إدارة الاتحاد السوداني محمد حلفا للفراتس، إن هدف المعسكر كان  نفسياً بالدرجة الأولى ثم فنياً. فقد حاول الاتحاد من خلاله "تجهيز اللاعبين نفسياً وإبعادهم عن الظروف المحيطة في البلد. وساهمت هذه الخطوة في عزل اللاعبين عن أجواء الحرب".

استمرت محاولات إنقاذ النشاط الكروي والبحث عن حلولٍ موازيةٍ للأندية. خاطب اتحاد الكرة السوداني اتحاداتٍ عربيةً لاستضافة النشاط مؤقتاً، على غرار ما حدث مع المنتخب في السعودية. وافق الاتحاد الموريتاني لكرة القدم على انضمام فريقَي الهلال والمريخ  للمشاركة في الدوري الموريتاني الممتاز لموسم 2024–2025 بعد لقاءٍ ضمّ رئيسَي الاتحادَيْن اتفقا فيه على تحمّل الاتحاد الموريتاني تكاليف الملاعب والتسجيل مقابل التزام الأندية السودانية باللوائح المحلية. عدّ الاتحاد الموريتاني كلّ لاعبٍ من السودان لاعباً محلياً في البطولة الوطنية، وهو ما يعني استثناءه من حساب اللاعبين الأجانب المحدَّد عددهم لكلّ فريقٍ، وفقاً للنظم والقوانين المعمول بها في البطولة. وهو ما فتح الباب أمام اللاعبين السودانيين الآخرين للانضمام إلى الأندية الموريتانية.

في الوقت نفسه، فتحت ليبيا ملاعبها، مثل ملعب شهداء بنينا في بنغازي، لتكون ملاعب بديلةً للمنتخب السوداني في مبارياته الرسمية. بدأ الاتحاد السوداني لكرة القدم في مخاطبة اتحاداتٍ عربيةٍ وإفريقيةٍ لفتح المجال أمام الأندية السودانية للمشاركة في مسابقاتها المحلية خارج البلاد. وبالتوازي مع ذلك، قاد ناديا الهلال والمريخ تحركاتٍ للبحث عن مشاركةٍ تضمن استمرارية نشاطهما التنافسي. تقدم نادي الهلال بطلباتٍ إلى عدّة اتحاداتٍ إفريقيةٍ للمشاركة في دورياتها المحلية، دون احتساب نتائجه ضمن سجلات البطولة، ولقيت هذه الطلبات قبولاً في ليبيا وأوغندا وتنزانيا، ليستقر النادي في نهاية المطاف على خوض تجربة المشاركة في الدوري التنزاني سنة 2024. وسار نادي المريخ على النهج نفسه، فتواصل مع عدّة اتحاداتٍ، قبل أن يختار هو الآخر تنزانيا باعتبارها الخيار الأقرب والأكثر جاهزية. وفي أكتوبر 2025، وافق الاتحاد الرواندي لكرة القدم على طلب مشاركة فريقَي الهلال والمريخ، إلى جانب فريق الأهلي ود مدني، في الدوري الرواندي الممتاز للموسم الرياضي 2025–2026.

حالف الحظ الهلال والمريخ باعتبارهما أكثر الأندية السودانية شهرةً، الأمر الذي أتاح لهما إيجاد مساراتٍ بديلةٍ، مقابل عشرات الأندية الأخرى التي لا تمتلك الموارد أو الحضور الجماهيري، فلم تستطع الصمود. بعضها اختفى تماماً من المشهد، والبعض الآخر جمد نشاطها.


حققت الكرة السودانية إنجازاتٍ لافتةً على المستويَين القاري والإقليمي خلال سنتَي 2024 و2025، ما رسّخ حضورها في ساحات المنافسة. فقد عاد المنتخب السوداني ليحضر في المنافسات بعد فترةٍ من التراجع، فأقام معسكراته وخاض مبارياته في ليبيا. خاض ثماني مبارياتٍ في المسابقات الرسمية إلى نهاية نوفمبر سنة 2025، فاز في خمسٍ منها وتعادل في اثنتين وخسر واحدةً فقط. ومع فشله في التأهل لكأس العالم بعد حلوله ثالثاً في مجموعته، تأهل المنتخب السوداني رسمياً لنهائيات كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب، وهو التأهل العاشر في تاريخه. وفي أكتوبر 2024، أعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم عن قائمة المدرّبين المرشحين لنيل جائزة أفضل مدربٍ للعام، وجاء من بين الأسماء مدرب المنتخب السوداني جيمي كويسي أبياه، وهو من غانا.

وأحرز منتخب السودان نتيجة مقبولة في بطولة الأمم الإفريقية للاعبين المحليين، إذ حلّ رابعاً في البطولة التي أقيمت نهائياتها في تنزانيا وكينيا أوغندا سنة 2025. وعلى مستوى الأندية، حقق فريق الهلال نجاحاً كبيراً في المضمار القارّي. فبعد أن حلّ ثالثاً في مجموعته في دوري أبطال إفريقيا بموسم 2023–2024، تصدَّر ترتيب مجموعته في الموسم التالي وتأهل لثمن النهائي للمرة الأولى منذ زيادة عدد فرق دوري المجموعات.


النتائج التي حققها المنتخب خارج السودان لا تعكس سوى جزءٍ صغيرٍ من الصورة. خلف هذا الأداء، يقف لاعبون يعيشون يومياً تحدياتٍ قاسيةً تتجاوز حدود الملعب، مع انتقالهم إلى مجتمعاتٍ جديدةٍ وابتعادهم القسري عن عائلاتهم في السودان. ولم يكن اللاعبون وحدهم، فالجمهور أيضاً انتقل مع الفريق، يتتبعه بين الملاعب ومن بلدٍ لآخر.

أصبحت ضغوط الحياة والمعيشة والنزوح جزءاً من دأب اللاعبين اليومي. يقول علي جعفر، المدير الإداري في نادي المريخ: "نحن نطلب من اللاعب السوداني المستحيل. نطلب منه أن ينسى منزله الذي دُمّر بالكامل، وعائلته التي قد تكون محاصَرة تحت القصف أو تعيش النزوحَ في مراكز الإيواء، ويدخل الملعب بحضورٍ ذهنيٍّ كاملٍ لمدة تسعين دقيقة". يؤكد جعفر في حديثه للفراتس أن الأندية اضطرّت للاستعانة بأخصائيين نفسيين لدعم اللاعبين، نظراً للضغوط الكبيرة التي أثقلتهم إبان الحرب.

يقول الصحفي السوداني المتخصص في الشأن الرياضي أكرم الفرجاني إن ارتفاع تكلفةَ الإقامة والسفر، والحاجةَ الدائمة للتنقل بين دولٍ مختلفةٍ، والابتعادَ الطويل عن العائلات، كلّها تحدياتٌ تضغط على اللاعبين داخل الملعب وخارجه. ويضيف الفرجاني في حديثه للفراتس أن التكلفة المالية المرتبطة بهذا الوضع، ما بين الإقامة في الفنادق واستئجار الملاعب إلى جانب رواتب اللاعبين، جميعها أعباءٌ دفعت عدداً من الأندية إلى التوقف عن النشاط بالفعل. وبحسب الفرجاني، لم ينجُ فريقا الهلال والمريخ من هذا المصير إلا بفضل دعم المشجعين وتبرعاتهم.

كثيرٌ من اللاعبين يعيشون في مجتمعاتٍ تختلف في العادات والتقاليد والطباع عمّا اعتادوه، ما يجعل الاندماج صعباً. في ظلّ هذه الضغوط، يقول حلفا إن مشاركة اللاعبين في المنافسات الخارجية تمنحهم شعوراً بالمسؤولية تجاه تمثيل السودان، وهو ما يعطيهم دافعاً معنوياً إضافياً رغم الظروف الصعبة.

ولا يقلّ العامل المعيشي أهمّية. فمع انهيار الاقتصاد السوداني وتوقف الأعمال، أصبحت مكافآت المشاركات الخارجية والدعم المالي من الاتحاد الإفريقي مصدر الدخل الرئيس للأندية، إذ تُدفع منه رواتب لاعبي كرة القدم ويعتمدون عليه لإعالة أسرهم. ما يجعل الاستمرار في اللعب ضرورةً حياتيةً بقدر ما هو التزامٌ رياضيّ. ويشير الفرجاني إلى أن نجاح الكرة السودانية في الاستمرار ليس مرتبطاً باللاعبين وحدهم، بل بارتباطٍ وجدانيٍّ يجمع السودانيين حول اللعبة مهما اختلفت مواقفهم السياسية. يقول: "تتوقف أصوات الرصاص أثناء بثّ مباريات الهلال في دوري الأبطال. نحن نختلف في السياسة ونقاتل بعضنا البعض من أجل السلطة، لكننا نتفق في عشق هذه اللعبة".

في المقابل، خاض الجمهور السوداني تجربةً مختلفةً في تشجيع اللاعبين. تحولت المقاهي في مناطق النزوح إلى أماكنَ بديلةً للمدرجات. وعند كثيرٍ من المشجعين، لم تعُد متابعة فرقهم مسألةَ ترفيهٍ، بل نشاطاً يؤكد استعدادهم للعودة إلى وطنهم. في أحد مقاهي القاهرة، التقت الفراتس خالد محمد، وهو سودانيٌّ نزح إلى القاهرة مع اندلاع الحرب. يشعر محمد حين يشاهد مباريات فريقه أو المنتخب الوطني أن السودان باقية. "فالناس تستغرب إننا نتابع كرة القدم وسط كل اللي حاصل، لكننا لا نبحث عن المتعة. نبحث عن لحظةٍ نشعر فيها أن السودان ما زال موجوداً، وأن أسماء أنديتنا لم تختفِ".

هذه الظروف لم تقتصر على المشجعين واللاعبين، بل انعكست أيضاً على العلاقة بين جماهير الهلال والمريخ. فالتنافس الذي كان حاضراً بقوةٍ قبل الحرب، والذي وصل أحياناً للتعصب كما يقول خالد، تراجع في المنفى لصالح مساحةٍ مشتركةٍ من الذاكرة والحنين. في مقاهي الغربة، لم يعُد الانقسام بين الأحمر والأزرق المشهد الغالب، بل تجمّع سودانيين يتشاركون تجربة فقدان المكان، ويبحثون في كرة القدم عن استمراريةٍ رمزيةٍ للوطن.

في القاهرة أيضاً، يتابع عبد الله الحاج مباريات المنتخب الوطني السوداني. انتقل الحاج إلى القاهرة قبل أسابيع، بعد اشتداد القتال في ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة التي تُعدّ من أوائل المدن التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع قبل أن يستعيدها الجيش السوداني في بداية 2025. استقرّ الحاج في منطقة فيصل بالقاهرة، والتي تستضيف تجمعاتٍ كبيرةً من الوافدين السودانيين. يقول الحاج للفراتس إن سماع النشيد الوطني قبل انطلاق المباريات يعيده ولو مؤقتاً إلى ذاكرة الشوارع والملاعب في الخرطوم، ويمنحه إحساساً عابراً بالانتماء. لا يزال يحتفظ بقميص نادي الهلال ويتابع مبارياته عبر الإنترنت، منتظراً مشاركات المنتخب المقبلة، على أمل أن تحمل معها ما هو أبعد من نتيجةٍ كرويةٍ، فتنتقل الكرة والجمهور إلى السودان من جديد.


تكشف التجارب المجاورة عن صورٍ متكررةٍ لمعاناة كرة القدم تحت وطأة الحروب. ليبيا مثلاً، التي عصفت بها الحرب بين قوات الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر وحكومة الوفاق الوطني، اضطرت أندية كرة القدم فيها لخوض مبارياتها بعيداً عن الوطن. أصدر الاتحاد الإفريقي لكرة القدم قراراً سنة 2014 بحظر إقامة المباريات في ليبيا بسبب الوضع الأمني، فلعبت الأندية الليبية مبارياتها القارّية في دولٍ مختلفةٍ، منها تونس ومصر والجزائر.

وبسبب صعوبة إقامة المباريات داخل ليبيا نتيجة الانقسام السياسي بين حكومتَي الشرق والغرب، تنظِّم كل منطقةٍ مسابقاتها المحلية بصورةٍ منفصلةٍ قبل اختيار أفضل الفرق من الجهتين للمشاركة في دورةٍ فاصلةٍ تُقام خارج ليبيا لتحديد البطل. وخلال موسمَي 2023–2024 و2024–2025، أقيمت المباريات في إيطاليا بعدما أصبح جمع الفرق داخل ليبيا محفوفاً بالمخاطر، بسبب خطورة التنقل بين الشرق والغرب واحتمالات الاحتكاكات والشغب بين جماهير الفرق المختلفة. ينطبق الأمر نفسه على كأس ليبيا. فقد تقرر أن يُقام نهائي موسم 2024–2025 بين أهلي طرابلس وأهلي بنغازي في استاد القاهرة الدولي.

في مارس 2021 وبعد انقطاعٍ دام سبعة أعوامٍ، عادت كرة القدم إلى ملعب شهداء بنينا في مدينة بنغازي من خلال مباراةٍ جمعت المنتخب الليبي مع نظيره التونسي. وعلى خسارة المنتخب الليبي، لم يكن وقع الهزيمة قاسياً لأن الجماهير شعرت بأن كرة القدم عادت أخيراً إلى ليبيا. وعليه، احتفلت الجماهير في المقاهي والساحات لمجرد رؤية منتخبهم يلعب على أرضه من جديد.

في سوريا، توقفت مباريات كرة القدم مع بداية الثورة السورية في 2011 بعدما منع الاتحاد الدولي لكرة القدم سوريا من استضافة المباريات الدولية. ومع الصراع المسلّح الذي استشرى لاحقاً، استُخدم العديد من الملاعب قواعدَ عسكريةً، فيما دُمّر كثيرٌ منها. مثلاً، تضم العاصمة دمشق أربعة ملاعبٍ رئيسةً، هي الفيحاء وتشرين والجلاء والعباسيين. وقد حوّل النظام السوري بعض مرافقها لمراكز اعتقالٍ وثكناتٍ عسكريةٍ، ما جعل إقامة المباريات المحلية محدودةً في الداخل. أما المنتخب السوري، فخاض مبارياته الرسمية في ملاعبَ بديلةٍ خارج البلاد، في ماليزيا وإيران والسعودية وغيرها، بعدما فقدت الملاعب المحلية قدرتها على استضافة المباريات. ومع امتداد سنوات القتال وتعطّل المنشآت الرياضية، انتقلت كلّ مباريات المنتخب السوري إلى الخارج فيما بقي كثيرٌ من الملاعب السورية مغلقاً أو غير مؤهل للاستخدام.

في اليمن، توقف الدوري المحلي كلّياً. كان الموسم الأخير من الدوري اليمني 2013–2014، ثم أُغلقت الملاعب وتعذّر إقامة أيّ نشاطٍ رياضيٍّ داخل البلاد مع انهيار الأمن في مناطقَ واسعةٍ بسبب الصراع بين جماعة الحوثي التي تسيطر على صنعاء وشمال البلاد، والحكومة المتمركزة في عدن وجنوب اليمن. وفي ظلّ هذا التفكك، خاض المنتخب اليمني مبارياته في تصفيات كأس آسيا في الدوحة، قبل أن يتنقل بين الرياض وماليزيا نتيجة التجاذبات السياسية الإقليمية. ظلّ المنتخب مع ذلك نقطة التقاء اليمنيين. وقد عكست فرحتهم بتأهله لكأس آسيا 2019 رغبةً في التمسك بأيّ مساحةٍ مشتركةٍ في بلدٍ يشهد دماراً واسعاً في البنية التحتية وانهيار الخدمات، مع استمرار القتال بين الأطراف المتنازعة.

تكشف هذه التجارب أن كرة القدم لا تنجو من آثار الحروب فحسب، بل تتحول أحياناً مساحةً تعكس الانقسام أو تمنح الناس فرصةً للالتقاء وسط الانهيار. في هذه التجارب، ظهرت كرة القدم جزءاً أصيلاً من الثقافة الشعبية بدرجاتٍ متفاوتة. بلدانٌ عربيةٌ تضررت ملاعبها أو استُخدمت داخل الصراع، واضطُرّت كرة القدم فيها للبحث عن حياةٍ جديدةٍ خارج الحدود. كذلك أدّى المحيط العربي دوراً مهماً في استضافة الفرق والمنتخبات، وظلّت الجماهير في الداخل تتابع فرقها من بعيد. وفي أغلب هذه البلدان، عادت اللعبة تدريجياً إلى الداخل، في مشهدٍ يؤكد أن كرة القدم تعيد تشكيل نفسها في ظلّ الحروب، لكنها لا تتلاشى.

يرى جورج أورويل في مقاله الشهير "ذا سبورتنغ سبيريت" (الروح الرياضية) المنشور سنة 1945 أن الرياضة التنافسية ليست نشاطاً محايداً بل مجالاً تتكثف فيه مشاعر الانتماء والصراع. المباريات، وخصوصاً على المستوى الدولي، لا تمرّ بوصفها لعباً فقط بل باعتبارها مواجهةً رمزيةً بين جماعاتٍ وأممٍ يتحول فيها الفوز إلى إثباتٍ للقوة والهيبة، والخسارة إلى إهانةٍ جماعية. ويربط أورويل بين تصاعد هذا الشكل من الرياضة وصعود القومية الحديثة، إذ تُختزل الهوية الجماعية في نتائج المباريات ويُنظر إلى الأداء الرياضي اختباراً لقيمة الأمّة. وتتحول كرة القدم في سياقات الصراع إلى مساحةٍ تُعاد فيها صياغة مشاعر الانتماء للوطن والهوية الجماعية.


لا خلاف على أن كرة القدم السودانية تمرّ اليوم بأصعب مراحلها، مثلها مثل بقية تفاصيل الحياة الأخرى. تبحث عن طريقةٍ للبقاء: لعبٌ اضطراريٌّ في الخارج، ومحاولاتٌ متقطعةٌ في الداخل. وهي بذلك تشكّل مرحلةً انتقاليةً ستنتهي يوماً ما بعودة النشاط إلى السودان عندما تسمح الظروف الأمنية.

حينها فقط، سيعود معنى المباراة إلى مكانه الطبيعي: كرةٌ تُلعب بالكامل في ملعبها، وجمهورٌ يشجع من مدرجاته.

اشترك في نشرتنا البريدية