تساءلتُ عن العلاقة بين أغنية "لبّت، لبّت" والشرطة، وما يجعلها تثير كل هذا القلق. وهي التي باتت هتافاً احتفالياً ثورياً يعكس انتقال سوريا من سنوات القمع واليأس إلى لحظة يُنظر إليها على أنها انتصار وبصيص أمل. وتمجد بلغةٍ شعبية صمودَ فكرةِ الثورة وتنسب للثوّار المقاتلين استعادة الحرية، وتؤكد وحدة البلاد عبرَ ذكرِ مدن سورية مختلفة.
عرفتُ أن الأغنيةَ محظورةٌ في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، التي كانت حتى 18 يناير 2026 خاضعة لسيطرة قسد. ويعود الحظر إلى دلالات الأغنية الرمزية والسياسية، إذ لا تتضمن تمجيداً لقسد أو الأكراد. وبهذا تتعارض مع موقف الإدارة الذاتية التي ترفض الاعتراف ببقية قوى الثورة السورية كالجيش السوري الحر، المذكور في الأغنية، وهيئة تحرير الشام. ولا تقبل بانتصار وطني موحّد تقوده قوى عربية. وبهذا تُعد مثل هذه الأغاني تهديداً للسلطة ومثيرة للبلبلة، ومعزّزة لهوياتٍ سياسية منافسة.
تكشف هذه الحادثة عن فجوة بين خطاب قسد الرسمي وواقع ممارساتها، وتفضح الانفصال البنيوي بين نمط الحكم في المنطقة وتركيبتها السكانية ذات الغالبية العربية. فنظريّاً تتبنى الإدارة مبدأ "الكونفدرالية الديمقراطية"، وهي صيغة يُفترض أنها قائمة على الديمقراطية الشعبيّة، صاغها عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني في تركيا. غير أن هذا الإطار لم يُطبّق عملياً في مناطقِ قسد، إذ يحمل القادة العسكريون المحليون وشيوخ العشائر ألقاباً ومناصب، لكنهم يفتقرون إلى أي سلطة مستقلة حقيقية. فقد احتكرت السلطةَ شبكةُ ظلٍ مكونةٌ من عناصر مدرَّبة في صفوف حزب العمال الكردستاني، يُشار إليهم محلياً باسم "الكوادِر". يشغل هؤلاء الكوادرُ سلطةً موازية تتجاوز المجالس المدنية المحلية وحتى القيادات العسكرية الشكلية. وقد فرض هذا البناء الإقصائي حالةً من الصمت، إذ نظر السكانُ العرب إلى الإدارةِ شكلاً آخر من حكم الأقلية يفتح الباب أمام الفساد والتهميش. لذلك ساهم أبناء العشائر في أن تبسط الحكومة السورية سيطرتها على معظم المنطقة.
عندما سقط نظام الأسد في نهاية ديسمبر 2024 سادت آمال بأن يُعاد دمج المنطقة سلمياً في الدولة. وقد بدت آفاق انفراجة رسمية، وإن كانت ضئيلة، في العاشر من مارس 2025 حين وقّعت الحكومة السورية وقسد اتفاقاً إطارياً. وإثر ضغوط الولايات المتحدة وافق مظلوم عبدي، القائد العام لقسد، على جدول زمني يقضي باندماج القوات كاملةً في الجيش السوري وحلّ الإدارة الذاتية الكردية ضمن الحكومة المركزية مع نهاية العام. ونصَّ الاتفاق على احترام الثقافة واللغة الكرديتين، واحتفى به أنصار الطرفين داخل البلاد، وسادت حالة من النشوة الوطنية عن إمكانية رسم مسار جديد لسوريا بعد الأسد يقوم على المواطنة واحترام التعددية الثقافية.
لكن لم يكن الأمر بهذه السهولة. حدّثني محمد خليف من مدينة الحسكة، أنّه قضى ما يربو على ستة أشهر في سجون قسد لمجرد رفعه العلم السوري علناً في اليوم التالي للاتفاق. أخرج خليف العلم من سيارته ورفعه أمام حشد في الشارع قائلا: "من هنا انطلقت الثورة السورية في مدينتنا". وباعد هذه الواقعة بعشرة أيام داهمت شرطة قسد منزله بعد منتصف الليل واعتقلته. قيل له في الاستجواب: "لقد رفعت علم الإرهاب"، فرد: "هذا هو العلم نفسه الذي رفعه الزعيم الكردي السوري إبراهيم هنانو [أحد قادة الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين] [. . .] هذا ليس علم إرهاب".
سُجن خليف أول مرة لشهرٍ في الحبس الانفرادي في ظروف سيئة، ووصفَ الزنزانة بأنّها مكانٌ مظلمٌ لا يأتيه الضوء في النهار أو الليل، وليس فيها سوى فراش رقيق ملطخ بالدم وفضلات بشرية.
زاره في سجنِه أمريكي ظنّ أنه مفتش، ويتذكر أنه قال لحارس السجن عبر مترجم: "لماذا لا توجد مروحة أو إضاءة في هذه الزنزانة، ولماذا هي قذرة؟". أُخرِحَ خليف من الزنزانة الانفرادية، وحاولوا إرغامه على الإدلاء بأنّه إرهابي باعتراف مصوّر. لكنه قال عوضاً من ذلك: "نحن بلاد واحدة، عرباً وأكراداً، وأشكر القوات الأمريكية على وقوفها إلى جانبنا".
وفيما كان خليف في السجن، بدأت التفاهمات السياسية التي كان يمكن أن تحميه تتفكك وتقوَّض. فمع أواخر مايو 2025، تعثّرت مرحلة تنفيذ اتفاق مارس. وعندما ترّأس مظلوم عبدي وفداً إلى دمشق في 31 مايو، رفض الاجتماع بالرئيس أحمد الشرع أو وزير الخارجية أسعد الشيباني، وفضّل التفاوض حصراً مع المبعوث الأمريكي توم برّاك. وقد أطلعني مصدر مقرب من الحكومة (رفض الإفصاح عن اسمه) أنّ الأجواء تسممتْ، وتوتّر الوضع في جلسة جمعت المفاوضة الكردية فوزة اليوسف بالشيباني بشأن وضع اثني عشر ألف مقاتلة كردية.
سُئل الشيباني عمّا سيؤول إليه مصير المقاتلات في حال دُمِجَ عناصر قسد فردياً لا جماعياً، فأجاب بأن بإمكانهن العودة إلى أدوارهن أمهات وزوجات. وبعد تلميحات سابقة من الحكومة بالاعتراف الدستوري بالثقافة والسياسة الكرديتين، لم يعرض الشيباني سوى السماح بحصة ضئيلة من دروس تعليم اللغة الكردية للأطفال بعد الدوام المدرسي.
في الأثناء نُقِل خليف إلى زنزانة جماعية تضم عشرين معتقلاً عربياً، قبع فيها أربعة أشهر. ومن بين ما يتذكره أن أحد السجناء كان يتلو القرآن، وكلما فعل ذلك كان الحراس يصرخون فيه: "توقف عن هذا الهراء". وعندما سألتُه عمّا إذا كانت المعاملة في الزنزانة الجماعية أفضل أم أسوأ من الحبس الانفرادي، أجاب: "أفضل بالتأكيد، للإنصاف".
وشرح قائلاً: "في الزنزانة الجماعية كانت جودة الطعام أفضل. كانوا يقدمون لنا الدجاج مرة أو مرتين في الأسبوع. كان الطعام وفيراً، وأحياناً لا نأكله كله". وأضاف أن الحراس كانوا يتأكدون من أن الجميع يأكلون ولا يتركون طعاماً. وقال: "بدأوا بالسماح لنا بزيارات على نحوٍ أكثر انتظاماً"، ومع ذلك ظلّت الرعاية الطبية سيئة للغاية.
مَثُل خليف في نهاية المطاف أمام قاض في محكمة الإرهاب التابعة لقسد في الحسكة من دون محام. طلب منه المدعي العام في الجلسة الأولى أن يروي كل تفاصيل حياته منذ سنة 2003 وحتى 2025. وعندما سألتُه عن سبب اختيار سنة 2003، أوضح أن الأمر ربما يرتبط بأحداث العنف التي وقعت سنة 2004 بين الأكراد ونظام الأسد. ففي مارس 2004، اندلعت مواجهات بين العرب والأكراد في مدينة القامشلي عقب اشتباكات في مباراة كرة قدم تحولت إلى احتجاجات واسعة للأكراد ضد عقود من التمييز الذي مارسه نظام الأسد. ردّت قوات الأمن وقتها بإطلاق النار واعتقالات جماعية وحملة عسكرية واسعة في المناطق الكردية، فقُتل العشرات واعتُقل المئات، وأصبحت تلك الأحداث محطة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الأكراد والدولة السورية.
في مثوله الثاني بعد أيام قليلة، طُرحت على خليف الأسئلة نفسها ثم أُعيد إلى السجن. وبعد أسبوع، أُحضر للمرة الثالثة أمام القاضي نفسه، إلا أن هذه المرة وُجهت إليه تهمة الانضمام إلى جماعات عسكرية إرهابية سنة 2011، في إشارة إلى الجيش السوري الحر، مع أنه لم ينضم إليه أبداً. ثم أشار القاضي إلى أن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا كانت قد أقرّت في أبريل 2024 قانوناً صدق عليه مجلسها التشريعي (مجلس الشعوب الديمقراطي)، يمنح عفواً عن بعض الجرائم المرتكبة قبل ذلك التاريخ. ويقضي كذلك بالعفو الكامل عن الجنح وتخفيض العقوبات في بعض الجنايات. شمل العفو خليف بموجب هذا القانون، غير أن المدعي العام طعن في قرار القاضي، ما أبقاه في السجن شهراً إضافياً.
أُفرج عن خليف في نهاية المطاف بعد موافقته على شروط صارمة، شملت منعه من مغادرة مناطق الإدارة الذاتية دون إذن وإخضاعه لمراقبة مستمرة وإلزامه بالإبلاغ عن مكان وجوده كل خمسة عشر يوماً. لم يكن خليف حالة استثنائية، فقد طال عدم تسامح التنظيم مع كثير من الإشارات والرموز التي تعبّر عن دعم الحكومة السورية الحالية.
حظرتْ قسد أيضاً عرض صور الرئيس أحمد الشرع أو العلم السوري علناً أو على وسائل التواصل الاجتماعي. وكان استخدام الاسم الرسمي للبلاد "الجمهورية العربية السورية" أمراً مرفوضاً، وإذا ذُكر فلا بد من حذف كلمة "العربية"، حسب مظلوم عبدي. أو استخدام مصطلح "الجمهورية السورية الديمقراطية"، حسب القيادية في قسد إلهام أحمد. كذلك مُنع الحديث عن الصعوبات الاقتصادية في المنطقة. وإذا ضُبط شخص يتجاوز التعليمات في هذه الأمور، فإن التهم الجاهزة بدعم الإرهاب كانت بانتظاره.
يعرف خليف شاباً من مدينته يدعى حسن الجبوري، سافر إلى دمشق وواجه عواقب وخيمة بعد عودته. التقط الجبوري هناك صوراً ومقاطع فيديو عن الحكومة السورية الحالية، مثل الأعلام واللافتات والمركَبات الرسمية، ثم نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. وعند عودته اعتُقل، وصدر بحقه حكم بالسجن ثلاث سنوات بتهمة دعم الإرهاب.
تزامن هذا التشديد في السيطرة مع ما بدا انهياراً للثقة بين قسد ودمشق. فبحلول يوليو 2025، بدا أن القيادة الكردية بدأت تراهن على عدم بقاء الحكومة المركزية في دمشق. قاطع مظلوم عبدي جولة محادثات كانت مقررة مع الشيباني في باريس في 24 يوليو. وقد هدف اللقاء في باريس لدفع اتفاق العاشر من مارس بين الشرع وعبدي لدمج قسد ضمن وزارة الدفاع السورية.
وحسب مصادر قريبة من القيادات الكردية تحدثنا معها، رأينا عدم الإعلان عنها لضرورات أمنية، أبلغ عبدي مقربين منه سراً أنه يرى حكومة الشرع مجرد "واجهة تجميلية" استُخدِمتْ لإضفاء الشرعية على نظامه، وأنّه يفضّل عدم ربط حركته بنظام يعتقد أنه لن يدوم. وحسب ذات المصادر بدأت قسد تبحث عن قنوات بديلة، حتى إنها علّقت آمالاً على صفقة شاملة مع تركيا تشمل عبد الله أوجلان، تتمثل بإنهاء الكفاح المسلح مقابل ضمان حقوق معينة.
تصاعدت هذه التوترات السياسية إلى حدِّ الاتهامات المتبادلة بالخيانة. ترأستْ قسد في الثامن من أغسطس مؤتمراً في الحسكة، شارك فيه الزعيم الدرزي حكمت الهجري والشيخ العلوي غزال غزال عبر تقنية الاتصال بالفيديو. اعتبرت الحكومة السورية في دمشق هذا التنسيق مع قيادات أقليات مخططاً انفصالياً خطيراً، ووصفت المنظمين بالخونة، وألغت جولة محادثات لاحقة كانت مقررة في فرنسا. وأعادت قسد تفعيل علاقتها مع موسكو، في إشارة بدت بهدف البحث عن ضامن أمني بديل عن الولايات المتحدة. عاد سيبان حمو، القائد العام لوحدات حماية الشعب، الذي كان قد أدار سابقاً محادثات مع الروس، للظهور حلقةَ وصل في قاعدة حميميم الجوية الروسية بالتزامن مع دورية عسكرية روسية في القامشلي بالحسكة. زار عبدي والقيادية الكردية إلهام أحمد دمشقَ لاحقاً في الشهر نفسه، إلا أنّ الزيارة لم تسفر عن شيء، ورفضَ عبدي مجدداً الاجتماع بالشرع.
أدّت هواجس الولاءات السياسية إلى عمليات تفتيش ومصادرة غير قانونية لمنازل المدنيين وهواتفهم وسياراتهم، بحسب باسل أحمد. يقول: "كانت قوات الأمن تداهم منزلك إذا سافرت من الحسكة إلى دمشق أو إلى مناطق أخرى خاضعة لحكومة الشرع". ويضيف: "إذا تبيّن أن الغرض من السفر لم يكن التعليم أو العلاج الطبي، فقد تُحتجز وربما تُسجن إلى حين توضيح وضعك".
يذكرُ لي أحد المصادر في الحسكة، رفض الإفصاح عن اسمه، أن غالب محمد، طبيب أطفال من الحسكة يقدم الرعاية الطبية للأطفال في مخيم الهول للاجئين، اعتُقل في إحدى زياراته بعدما أحضر كرسياً متحركاً لطفلة في الرابعة من عمرها فقدت ساقيها. حققت قسد مع الطبيب وحكمت عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة دعم الإرهاب. تساءل مصدري: "أي نظام سياسي يبرر سجن طبيب أطفال خمس سنوات لأنه ساعد طفلة معاقة لمجرد أنها ابنة إحدى قاطنات مخيم الهول؟"، في إشارةٍ إلى ارتباط المخيمِ باستضافته لعائلات تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".
كانت الشرطة كذلك تداهم أقاربَ من انضموا إلى الحكومة السورية الانتقالية أو قواتها، وتعرّضهم إلى اعتقالاتٍ متكررة وعشوائية. والأسوأ، كما يقول باسل، الخوف الدائم من أن يكون أي شخص في حياتك اليومية أو في دائرتك الاجتماعية "جاسوساً لهم، خاصة بعدما ازداد عدد هؤلاء بشكل كبير مؤخراً بسبب التوترات في منطقتنا الناتجة عن عدم اندماج قسد في بقية البلاد". فيما يبدو تطابقاً مع عقلية "الحيطان لها آذان"، التي كانت سمة بارزة في عهد الأسد.
تمتدُ قبضةُ قسد إلى التفتيش العشوائي لهواتف المدنيين عند الحواجز الأمنية. روى لي أبو مازن، وهو سائق حافلة بين دير الزور والحسكة أنه عند الحاجز الموجود على مدخل مدينة الحسكة "فتشت الشرطة هواتف الرجال من ركاب الحافلة". فصادروا هاتف شاب من الركّاب وضع صورة للشَّرع خلفيةً لهاتفه، وكبلوه بالأصفاد واتصلوا بدورية شرطة لنقله للتحقيق.
ويروي أبو مازن قصة أخرى عن جنديين عربيين من قسد كانا يستقلان الحافلة معه. يقول إنّه عندما اقتربت الحافلة من حاجز ورأى الجنديان أن العناصر تفتش هواتف الركاب، "أعادا فوراً ضبط هاتفيْهما"، لمسح محتوى الرسائل ووسائل التواصل الاجتماعي. وعندما اكتشف عناصر الحاجز الخدعة، أوقفوا الحافلة جانباً واعتقلوا الجنديين. وحين عبّر أبو مازن عن استيائه من تصرفهم، خصوصاً أن الشابين جندييْن من الجهة نفسها، اعتقلوه هو أيضاً واستجوبوه أربع ساعات. قال أبو مازن إنه علم لاحقاً أنّ الجنديين سُجنا أربعة أشهر.
نتيجة هذه الأفعال غيّر كثير من العرب منذ سقوط الأسد مواقفَهم في مناطق سيطرة قسد، وبدوا أقرب إلى حضنِ الحكومة السورية بعدما كانوا يرون في التنظيم بديلاً أفضل من نظام الأسد القمعي أو من داعش.
وفي هذا المناخ العدائي، شهد شهر سبتمبر 2025 محاولةً جديدة للدفع إلى الاندماج. طُرحت مقترحات بتعيين مظلوم عبدي رئيساً لأركان الجيش أو نائباً لوزير الدفاع، إلى جانب تخصيص حقائب وزارية للأكراد. ونوقشت خطة لنشر المقاتلات الكرديات في مناطق علوية ومسيحية ودرزية بهدف تقليص النفوذ الإسلامي، مع تجنّب المناطق السنية المحافظة.
بيد أن أحمد الشرع ظل متمسكاً بالبنية السياسية ولم يوافق إلا على القانون 107، وهو قانون الإدارة المحلية الصادر سنة 2011، الذي يوفّر حرية محدودة عبر مجالس منتخبة مع الإبقاء على قبضة قوية للحكومة المركزية. رفضَ الشرع الفيدرالية أو أي تغيير في اسم الدولة، ووجّه انتقادات علنية لما وصفه بالطموحات غير الواقعية للأكراد، محذراً من أن شمال شرق سوريا يمثّل قضية أمن قومي تركي.
كانت هناك محاولة أخيرة لتحقيق انفراجة في المفاوضات بين الدولة السورية والأكراد في أكتوبر 2025. إذ اقترحت الحكومة السورية إنشاء فرقة شمالية في الجيش السوري تتولى المسؤولية عن الأراضي الواقعة شرق الفرات وتتألف من أربعة ألوية، اثنان يعيّنهما الشرع واثنان يعيّنهما مظلوم عبدي. إلا أن عبدي طالب بثلاثة ألوية من أصل أربعة لصالح قسد. وفي الوقت نفسه، واصل الأكراد حفر الخنادق والاستعداد لاحتمال مواجهة عسكرية، أشيع أنّها بدعم إسرائيلي.
أطلقت قسد في النصف الأول من أكتوبر هجوماً عسكرياً في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، في محاولة لقطع الخدمات واجتياح المدينة، قبل أن يتدخل الأمريكيون ويوقفوا القتال. وحدَّثني نفس المصدر المقرب من الحكومة السورية أنّ قسد طرحت بعدئذٍ مطالبَ أهمها تمثيلٌ كرديٌ بنسبة 30 بالمئة في جميع مؤسسات الدولة، منها ثمانٌ وعشرون سفارة وإنشاء ثلاث محافظات ذات غالبية كردية هي عفرين وكوباني (أو عين العرب) والقامشلي مع محافظين منتخبين. وأضافت بضرورةِ تخصيص 70 إلى 75 بالمئة من عائدات النفط للحكومة المركزية (ما يعني احتفاظ قسد بحصة كبيرة)، وإدراج الحقوق واللغة الكرديتين في الدستور الانتقالي.
أصدر الشرع في 17 يناير 2026 مرسوماً رئاسياً يؤكد حقوق الأكراد السوريين، في محاولة لدفع المفاوضات إلى الأمام. يعترف المرسوم بالأكراد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، ويضمن الحقوق الثقافية واللغوية، بما في ذلك استخدام اللغة الكردية وتعليمها. ويعالج قضايا المواطنة العالقة للأكراد المجرّدين من الجنسية، ويقر عيد النوروز يوم 21 مارس عطلة وطنية. غير أن أكراداً يؤكدون أن الحماية الدائمة لا تتحقق بمراسيم تنفيذية فقط، وإنما تتطلب ضمانات دستورية صريحة. وهو ما يشير إليه أيضاً الباحث بمركز الفرات للدراسات، وليد جولي في تصريح لقناة الجزيرة، قائلاً إن المرسوم "خارج إطار الدستور وقابل للتراجع".
اتسعت رقعة الانهيار بسبب سوء تقدير الدعمِ الأمريكي. فقد ضغط برّاك على الأكراد للرضوخ للحكومة السورية في اجتماعه معهم في يناير 2026، محذراً من أن الحماية العسكرية الأمريكية لن تدوم إلى الأبد. وحسب مصادرنا، عندما سأل برّاك الأكراد كيف سيصمدون وحدهم، ردّت فوزة اليوسف بحدّة: "هذا شأننا، لا شأنك"، فعكسَ ردها، الذي دفع برّاك إلى مغادرة الاجتماع، اعتقاد القيادة الكردية بأن الولايات المتحدة في الواقع بصدد تكريس وجود طويل الأمد. وهو اعتقاد دفعهم إلى رفض نصيحته بالاستسلام بناءً على ما اعتبروه تهديداً زائفاً بالانسحاب.
استغلّ الشرع غياب الغطاء الأمريكي، فقادت قوات الحكومة هجوماً استهدف مناطق سيطرة قسد في يناير 2026، ليكون نتيجةً مباشرة لفشل هذه المفاوضات.
توقعتُ اندلاع الاشتباكات في زيارتي السابقة لمناطق الإدارة الذاتية في مارس 2025 وزيارتي الحالية. إذ كانتْ أجواء المنطقة مستعرة، والعلاقة بين قسد والسكان الخاضعين لسيطرتها تضجّ بانعدام الثقة والخوف والضجر. وكانت الغالبية العربية في المنطقة تزداد ضيقاً من عدم توصل الشرع وعبدي إلى اتفاق نهائي بالاندماج. أدركت القيادة الكردية ذلك وخشيت أن تثور غالبية السكان، ولاسيما العرب، ضدها.
ثبتت صحة هذه المخاوف يوم الأحد 18 يناير. فبعد حصولها على الضوء الأخضر من دمشق، انتفضت العشائر في مناطق لم تكن القوات الحكومية قد انتشرت فيها بعد. في البداية، مُنِعَتْ الفصائل الثورية التي ساهمت في إسقاط الأسد، مثل هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات التي اندمجت لاحقاً في الجيش السوري الجديد، من عبور النهر تفادياً لمواجهة مباشرة مع قسد. وعندما انهارت المفاوضات، كان مقاتلو العشائر هم من قادوا القتال ضد قسد، فيما وصلت القوات الحكومية الرسمية لاحقاً لتكريس السيطرة.
اندفع هؤلاء للتخلص مما اعتبروه قوة احتلال، على مخاوفهم من ألا تدخل الحكومة مناطقهم وأن يبقوا أقلّ تسليحاً من قسد. وبهذا خسرت قسد جزءاً كبيراً من مكوّنها العربي بعد أن قررت مجموعات عدة الانشقاق عنها. فعلى سبيل المثال، أعلنت قوات الصناديد، وهي مجموعة مسلحة عشائرية عربية تنتمي أساساً إلى قبيلة شمر في شمال شرق سوريا، انتقالها رسمياً إلى الجانب الآخر يوم 20 يناير، بعدما كانت لفترة طويلة حليفاً وثيقاً لقسد.
وحتى تاريخ النشر في الثالث والعشرين من فبراير، كانت معظم المنطقة قد خرجت من سيطرة قسد.
قد تتعلم الحكومة السورية، وهي تبسط سيطرتها على شرق سوريا وشمال شرقها، من أخطاء قوات سوريا الديمقراطية ومن قبلها نظام الأسد، فتسعى إلى ترميم النسيج الاجتماعي واحتواء أعمال الانتقام. فالإدماج الحقيقي والمستقر لبقية البلاد لن يتحقق إلا بالمساءلة واحترام الحريات المدنية، والقطيعة الواضحة مع منطق الحكم السلطوي الذي ترك جروحاً غائرة في الجسد السوري.

