بالغات مُجبرات.. طريق فتيات غزة نحو التزويج المبكر

تفرض حرب غزة على الفتيات بلوغاً طارئاً تُختصر معه الطفولة ويُصبح الزواج المبكر خياراً قسرياً.

Share
بالغات مُجبرات.. طريق فتيات غزة نحو التزويج المبكر
مسارٌ قسريٌّ يعيد تعريف الطفولة | خدمة غيتي للصور

في رقعة نزوحٍ واسعةٍ ومكتظةٍ في الجنوب الغزي، تستيقظ نغم ذات الثلاثة عشر عاماً مع الفجر. تُعدّ ما تيسّر للإفطار، ثم توقظ إخوتها الصغار وتحاول أن تعيش يوماً لا يشبه الأيام التي كانت تعرفها قبل الحرب. فمنذ فقدان والدها في الحرب وانقطاع أمّها عن العمل بسبب المرض، لم تعد نغم طفلةً بالمعنى الذي اعتادته. لا تذهب نغم إلى مدرسةٍ ولا تملك مساحةً للّعب ولا وقتاً للتفكير. كل ما حولها يحثّها أن تكبر بسرعةٍ، وأن تتصرّف كأنها بالغة. وفي مثل واقعها لا يكون  البلوغ مسألةً مرتبطةً بالعمر، بل مساراً اجتماعياً ونفسياً يتشكّل تحت الضغط. فالعنف الممتد والحروب لا تسرّع النمو الجسدي بقدر ما تختصر الزمن الاجتماعي، وتدفع الأطفال لتولّي أدوار البالغين قبل أوانهم.

أدّت الحرب على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2023 إلى تغيّرٍ في بنية كثيرٍ من العائلات الغزّية، مع ارتفاعٍ غير مسبوقٍ في أعداد الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، ما انعكس على توزيع الأدوار داخل هذه العائلات. في هذا الفراغ، حيث تغيب المرجعيات بسبب موت رب العائلة وانقطاع مصادر الرزق وفقدان المسكن والنزوح، يتحوّل البقاء إلى أولويةٍ مطلقةٍ، ولا يعود العمر معياراً لتحديد المسؤوليات. وفي خضم ذلك، تُدفَع فتياتٌ كثيراتٌ إلى تحمّل أدوارٍ تفُوق أعمارهن، في مسارٍ يمكن توصيفه بالبلوغ الطارئ أو المبكر، أي انتقالٍ قسريٍ إلى أدوار الكبار لا بفعل النضج الطبيعي بل تحت ضغط الحاجة الاجتماعية والاقتصادية. وغالباً ما يمهّد هذا المسار لتطبيع فكرة الزواج المبكر امتداداً ظرفياً لتحمّل المسؤولية، لا قراراً نابعاً من الجاهزية أو الاختيار الحر. ومع هذا لا ينقطع الأمل مع ظهور برامج دعمٍ لإنقاذ ما أمكن من حياة أولئك الفتيات.


في بحثٍ نُشر في 2023 بعنوان "بارنتيفيكيشن فَلنرابيلِتي [. . .]" (هشاشة التحول إلى دور الوالدين) لأستاذة التنمية البشرية والأسرة جاسيندا داريوتيس وآخرين، يُعرَّف التحوّل إلى دور الوالدين، المسمّى أيضاً بالتحوّل إلى أدوار بالغة، بأنه حالةٌ يُجبر فيها الأطفال والمراهقون على تولّي أدوارٍ ومسؤولياتٍ لا تتناسب مع مراحل نموّهم. في حالات التحوّل إلى دور الوالدين يُدفع الأطفال لأداء أدوارٍ شبه راشدةٍ قبل اكتمال جاهزيتهم المعرفية والجسدية. من هذه الأدوار الإعالة والرعاية والدعم العاطفي والتعلّم الذاتي والوساطة داخل الأسرة.

تمتد آثار هذا التحوّل لتشمل الأسرة كافةً، بما في ذلك تأثيرها على الأشقاء والعلاقات والانتقال بين الأجيال. ويُميّز البحث بين هذا التحوّل القسري وتحمّل المسؤوليات المنزلية المتقدمة تحت إشراف الوالدين والتي تُسهم إيجاباً في بناء الشخصية.

ينطبق هذا المفهوم على ما تعيشه نغم ومثيلاتها من الفتيات في غزة، حيث لا يقتصر الأثر على فرض أدوارٍ جديدةٍ عليهن. بل إن التجربة ذاتها تتشكل نفسياً على نحوٍ قد يخلّف أثاراً طويلة الأمد، كما توضح الاختصاصية النفسية إسراء أبو العمرين في حديث للفِراتس.

ففي سياق الحرب، حسب أبو العمرين، تتآكل أغلب مصادر الدعم النفسي والاجتماعي. وهو ما يدفع الأطفال، لاسيما الفتيات، إلى محاكاة أدوار البالغين على حساب نموّهم النفسي والجسدي الطبيعي. وتضيف أنه في ظلّ النزوح وفقدان الأسرة وانهيار التعليم وتفكك شبكات الحماية الاجتماعية وانعدام الأمن الغذائي، "تغدو الفتاة معيلةً جزئيةً أو بديلةً عن الأمّ، أو وسيطةً بين الأسرة والعالم الخارجي، ضمن بيئةٍ تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الأمان والاستقرار".

وبحسب تقرير منظمة يونيسف الإنساني الخامس والأربعين عن غزة نُشر في ديسمبر 2025، فإنه على الرغم من تراجع حدّة الأعمال العسكرية في قطاع غزة (بعد توقيع وقف إطلاق النار بداية أكتوبر 2025)، لا يزال الأطفال يواجهون مخاطر شديدةً تهدّد حمايتهم. ووفق تقديرات المنظمة، فإنّ نحو 1.1 مليون طفلٍ ما زالوا بحاجةٍ إلى خدمات حمايةٍ ودعمٍ صحيٍ ونفسيٍ واجتماعيٍ، فيما فقد أكثر من ثمانيةٍ وخمسين ألف طفلٍ أحد الوالدين أو كليهما. ويُظهر هذا الواقع مدى انهيار شبكة حماية الأطفال الأسرية والاجتماعية في غزة.

ويشير تقريرٌ من لجنة الإغاثة الدولية نُشر في أغسطس 2025، تحت عنوان "هاو إز وور أفِكتِنغ تشيلدرن إن غزة" (كيف تؤثر الحرب على الأطفال في غزة)، إلى أنّ ما لا يقلّ عن 658 ألف طفلٍ في قطاع غزة فقدوا إمكانية الوصول إلى التعليم نتيجة استخدام معظم المدارس ملاجئَ للنازحين. كذلك طال الضرر نحو 90  بالمئة من المدارس، ما يجعلها بحاجةٍ إلى إصلاحاتٍ أو إعادة بناءٍ قبل إعادة فتحها. ومع انهيار القطاع التعليمي، تتقلّص مساحات حماية الأطفال بما في ذلك الفتيات.

تقول اعتماد النواجحة، وهي مدرّسةٌ سابقةٌ لطالبات المرحلة الإعدادية في مدرسة "المدينة المنورة" التابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في رفح، إنّ التغيّر الذي طرأ على الفتيات لا يشبه أيّ انتقالٍ عمريٍ طبيعيٍ شهدته سابقاً. وتضيف في حديثٍ للفِراتس: "كنت أدرّس بناتٍ بعمر الثانية عشرة والثالثة عشرة سنةً، مشغولاتٍ بالدفاتر وبالمشاكل الصغيرة والضحك بين الحصص. اليوم، عندما ألتقي ببعضهن في مراكز النزوح، لا أتعرّف عليهن بسهولة. نظراتهن مختلفةٌ، أجسادهن متعبةٌ، وحديثهن مثقلٌ بأشياء لا يفترض بفتياتٍ صغيراتٍ تحمّلها".

وتشير النواجحة إلى أنّ كثيراتٍ من طالباتها السابقات أصبحن مسؤولاتٍ عن إخوةٍ أصغر سناً، أو عن أمهاتٍ مريضاتٍ أو تدبير تفاصيل الحياة اليومية داخل الخيام. تقول: "بعرف تلميذة كانت عندي من المتفوّقات ومن أكثر البنات خجلاً. الآن التقيتها بتبيع [حلوى] شعر بنات وبسكوت، وبتحكي عن أسعار الأكل وبتفاصل مع الناس كأنها حدا كبير. حتى ملامحها متغيرة".

تلفت المدرّسة الفلسطينية إلى أن هذا التحوّل انعكس على نظرة الأُسر إلى الفتيات، قائلةً: "فوضى توزيع الأدوار نتائج مباشرةٌ للحرب، والنزوح المتكرر، وظروف المعيشة غير الطبيعية، وهي عوامل خارجةٌ عن سيطرة الأُسر والمجتمع التربوي في بدايتها". وتشرح النواجحة أنّ استمرار هذا الواقع مدّةً طويلةً "يضع جزءاً من المسؤولية علينا، نحن أهل ومعلّمين ومربّي أجيال. إذ بات لزاماً بعد مرور أكثر من عامين أن نلتفت إلى الفتيات ونعمل على تصحيح هذا الخلل قدر الإمكان. وأصبح من الضروري أن تعود المدرسة بشكل منتظم وكامل".

ترى النواجحة أن المشكلة في أن الوقت يمضي والفتاة تكبر، "بات بعض الأهالي يرون أن المدرسة ليست أولويةً في المرحلة الحالية، ويعتقدون أن الأهم هو ترتيب بقية شؤون الحياة".

غير أن البلوغ الطارئ عند الفتيات في غزة لا يبدأ من تحمّل الأدوار المعيشية ولا ينحصر فيه، بل يتشكّل أولاً في الحيّز العاطفي والنفسي. إذ إنه في سياق حربٍ ممتدةٍ لا يُمنح الأطفال الوقت الكافي لمعالجة الخوف أو الفقد، إنما يُتوقّع منهم الاستمرار والتكيّف وضبط انفعالاتهم، فيُطلب من الطفل أن يكون قوياً بدل أن يكون محمياً.


صدرت دراسةٌ في ديسمبر 2024 عن "مركز التدريب المجتمعي وإدارة الأزمات الفلسطيني"، مدعومةً من "تحالف أطفال الحرب"، وهو شبكةٌ دوليةٌ تعنى بحماية الأطفال المتضررين من الحروب. وتشير الدراسة إلى تدهورٍ كارثيٍ في صحة أطفال قطاع غزة النفسية. وتظهر النتائج أن 96 بالمئة من الأطفال يشعرون أنّ الموت وشيكٌ، في حين يعاني 87 في المئة منهم من خوفٍ شديدٍ، ويواجه 79 بالمئة كوابيس متكررةً نتيجة الصدمات اليومية.

جاءت هذه النسب لتعكس تدهوراً إضافياً في صحة الأطفال النفسية في الأعوام التي سبقت الحرب الأخيرة، وسط قطاعٍ تعدّ فيه نسبة الاكتئاب والصدمة من ضمن الأعلى عالمياً. فوفقاً لتقرير منظمة "أنقذوا الأطفال" سنة 2022، عانى نحو 84 بالمئة من الأطفال الغزّيين من الخوف، و77 بالمئة من الاكتئاب، وأكثر من نصفهم راودتهم أفكارٌ بالانتحار. وبالمقارنة بدراسةٍ سابقةٍ من المنظمة سنة 2018، فقد لوحظت زيادةٌ فارقةٌ في نسب تدهور صحة الأطفال النفسية خلال أربعة أعوام. ما يعنى بالصورة الأشمل أن حرب السابع من أكتوبر جاءت تبعاتها النفسية تراكميةً، لكنها وبسبب قسوتها غير المسبوقة دفعت الوضع النفسي لأطفال غزة إلى منتهاه، خصوصاً وأن الأطفال أيضاً يمتصون جزءاً من سلوكيات آبائهم والبالغين في محيطهم الاجتماعي الذين عانوا صدماتٍ تراكميةً سبقت ولادةَ هؤلاء الأطفال أو تشكُّلَ وعيِهم. بهذا عمقت الحرب ومن ثمّ طبعت واقع الخوف والاضطراب حالةً مستمرةً تُعيد تشكيل سلوك الأطفال اليومي وتؤثر على نموهم العاطفي.  

تتحدث كفاح أبو شاويش البالغة خمسة عشر عاماً للفِراتس عن فقدان والدها ثم شقيقها الأكبر في الحرب ولا تتوقف طويلاً عند الصدمة بل عند ما تلاها. فهي لا تبحث عن الاحتواء، وتتحدث عن شعورها بالمسؤولية العاطفية تجاه إخوتها، وضرورة تحمّل هذا الواقع الصعب حتى ينقضي. فيما يبدو تجلّياً للبلوغ الطارئ، إذ تستشعر المعاناة لكنها لا تتوقف عندها.

تقول كفاح: "كان لازم أكمّل مع والدتي"، وتوافق على فكرة أنها "طفلةٌ تُعِين أطفالاً"، مدركةً التناقض. لكنها تتجاوزه لأن الواقع لا يتيح غير ذلك. وتضيف: "مرّات بكون مخنوقة [. . .] بس ما بقدر أوقع [أسقط]. أمي كمان تعبانة وإخوتي صغار. بحسّ لازم أضل واقفة معها لساعدها". 

تنسب الأخصائية النفسية أبو العمرين هذا النضج المبكر لانهيار منظومات الأمان الأساس. تقول: "حين تُسحب من الفتاة فجأةً عناصر الحماية والدعم النفسي، يُعاد تشكيل وعيها وسلوكها تحت الضغط، لا بوصفها طفلةً في طور النمو، بل فاعلاً مطلوباً منه الاستجابة الفورية لضرورات الدعم والبقاء". وترى أن الخطر الأكبر يكمن في تطبيع هذا التحوّل اجتماعياً، "المجتمع يبدأ في قراءة تحمّل الفتاة للأعباء وتماسكها النفسي الظاهر دليلَ جاهزيةٍ، بينما هو في الحقيقة نتاج صدمةٍ مستمرة. وهذا الخلط يفتح الباب أمام قراراتٍ مصيريةٍ تُتخذ بِاسم الحكمة أو المصلحة".

إلا أن هذا المسار يترك آثاراً نفسيةً مؤجلةً تتراكم بصمتٍ، بحسب أبو العمرين،  وقد تنفجر لاحقاً قلقاً مزمناً أو شعوراً بالذنب، أو عجزاً عن بناء علاقاتٍ آمنة. كذلك فإن "غياب التدخل النفسي والدعم المجتمعي يحوّل هذا المسار من آلية نجاةٍ مؤقتةٍ إلى نمطٍ دائمٍ يُعيد إنتاج الهشاشة بدل معالجتها".

ويتشكل الضغط العاطفي لدى الفتيات في غزة كذلك نتيجة تحوّلٍ جذريٍ في بنية الأسرة إجمالاً. فالحرب لا تكتفي بسلب البيوت أو مصادر الدخل، بل تعيد ترتيب العلاقات داخل الأسرة، وتفكك الأدوار التقليدية التي كانت تحدد معنى الطفولة والمسؤولية والاعتماد المتبادل. ومع فقدان آلاف الآباء أو خروجهم من دائرة الفعل بسبب الإصابة أو الاعتقال، إلى جانب إنهاك الأمهات نفسياً وجسدياً، يُعاد تشكيل موقع الفتاة داخل العائلة على أساس الضرورة لا العمر. فلا يعود السؤال: من الأنسب، بل من المتاح.

هذا ما تتحدث عنه سجى ضهير، والدة الطفلة نغم. إذ تصف في حديثٍ مع الفِراتس التحوّلَ الذي تعيشه عائلتها بأنه "تبدّل مواقع" لا نمواً طبيعياً. فبعد فقدانها زوجها، أخذت تعتمد على ابنتها في تفاصيل يوميةٍ كانت سابقاً من صميم دور الكبار، مثل تنظيم شؤون الخيمة، ورعاية الإخوة، وتقاسم الطعام، واتخاذ قرارات صغيرة. 

تقول سجى: "أول ليلة نزوح ما قدرت أنام، وهي ضلّت صاحية [تقصد نغم]. ثاني يوم صارت تسألني أسئلة مش لعمرها [. . .] من وقتها حسّيت إنها صارت واقفة مكاني". وترى سجى أنّ ابنتها ليست مجرّد فتاةٍ مساعدةٍ، بل بديلاً يؤدي وظيفةً داخل الأسرة، معتبرةً أنّ هذا الاستبدال استجابةٌ قسريةٌ لانهيار القدرة الأبوية.

تضيف أنه مع مرور الوقت لم تعد ابنتها مجرّد سندٍ مؤقتٍ، إذ تحوّلت إلى نقطة توازنٍ داخل الأسرة كما لو كانت راشدةً، "بطّلت تطلب  [. . .] لا أكل ولا لبس، ولا حتى لما تتعب بتحكي".

في إحدى المرات قالت الأم لنغم بأنها ما زالت صغيرةً، فردّت نغم: "مش وقته هالحكي". ورغم أنّ سجى لم يكن لديها ترف الوقت للتوقف عند هذا التحوّل أو تفسيره، إلا أنها توافق على انطباق توصيف البلوغ الطارئ على حالة ابنتها، معتبرةً أنها انسحبت من موقع الاحتياج قبل أوانها وصارت فرداً يمكن فعلاً الاعتماد عليه. 

يمتد هذا التحول أيضاً لنظرة المجتمع المحيط. وتشير والدة نغم إلى أنّ التعليقات التي تسمعها لم تعُد تتعلّق بعمر ابنتها، بل بدورها ومساحة الاعتماد عليها: "يقولون لي يُعتمد عليها، شايلة، فاهمة". هذه اللغة، وإن بدت إيجابيةً وفيها قدرٌ من الإشادة، إلا أنها تُسهم في تثبيت موقعٍ جديدٍ للفتاة داخل الأسرة، وهو موقع الجاهزية الدائمة. 

هذا الاعتماد يتعدى الدور المنزلي ليشمل مسؤولياتٍ اقتصاديةً ضمن الأسرة، إذ تضطر الفتيات في بعض الحالات للمساهمة في تسيير شؤون المعيشة اليومية تحت ضغط الظروف القاهرة وما صاحبها من انهيارٍ اقتصاديٍ في القطاع.


بلغ حجم اقتصاد قطاع غزة مع نهاية 2025 حوالي 13 بالمئة فقط من حجمه سنة 2022. وهو الوضع الذي وصفه نائب رئيس وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، بيدرو مانويل مورينو، بأنه أسرع انهيارٍ اقتصاديٍ والأكثر ضرراً على الإطلاق. يصاحب ذلك استمرارٌ في انعدام الأمن الغذائي. فمع أن قطاع غزة قد خرج من حالة المجاعة مع زيادة دخول المساعدات بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025، فإن ما يتحصل عليه السكان لا يتجاوز الحاجات الأساس.

تلجأ الأسر في غزة في ظلّ انعدام الأمن الغذائي إلى إستراتيجيات تكيّفٍ قاسيةٍ، تشمل إشراك الأطفال في الإعالة أو إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية داخل الأسرة. لذا تُدفَع كثيرٌ من الفتيات إلى العمل ضمن سلسلةٍ من الأدوار الاقتصادية غير المرئية في بعض الأحيان، مثل تقنين الاستهلاك ومتابعة المساعدات ووجبات الطعام التي توزعها الجهات المختلفة، أو بيع حاجياتٍ بسيطة.

تجسّد ختام البالغة خمسة عشر عاماً هذا المسار. إذ تحوّلت من طالبةٍ كانت تستعد للمرحلة الثانوية إلى بائعةٍ جائلةٍ على بسطة حاجياتٍ بسيطةٍ في مواصي خان يونس جنوب غزة، حيث تقع أكثر مناطق النزوح اكتظاظاً.

تقول للفِراتس إنّ هذا التحوّل ليس خياراً، بل نتيجةً حتميةً لانقطاع الدخل، "فجأة صار السؤال كل يوم: من وين نجيب؟ مش شو بدنا نعمل بالمستقبل". وتضيف "باتت مفردات المال، الأسعار، الديون، والمساعدات جزءاً أصيلاً من يومنا، وحلّت محلّ مفردات المدرسة والحلم". وتشير إلى أنها حاولت بدايةً المساعدة بطرقٍ غير مباشرةٍ، لكن سرعان ما شعرت أن وجودها في البيت لم يعد كافياً من دون مساهمةٍ اقتصاديةٍ ملموسة، "كنت أحس إنه لازم أعمل أكتر [. . .] أنا الكبيرة".

وختام كما يبدو واحدةٌ من أطفالٍ غزيين كثرٍ انخرطوا بلا ترتيب في البحث عمّا يمكن أن يضيفوه للأسرة لا ما يتلقّونه منها. تقول: "لما تصيري تحسّي إنك عبء، بتصيري تدوري كيف تخفّفي الحمل عن غيرك". تصف هذا الشعور بأنه كان أقسى من العوز نفسه. فهي لا تشعر بأنها كبيرةٌ فقط بسبب تحمّلها مسؤولياتٍ كثيرةً، بل لأنها أصبحت ترى نفسها عبئاً. وإحدى طرق التخفيف من هذا العبء، كما يبدو، هو سلوك مسار تزويج الفتيات مبكراً.


الزواج المبكر في غزة أحد المخرجات الممكنة لمسار التحولات القسرية في حياة الفتيات. ولا يُطرح دائماً إكراهاً مباشراً، بل ينظر إليه أحياناً حلّاً عملياً ضمن أدوات التكيّف. وتقول المديرة التنفيذية لمنظمة يونيسف كاثرين راسل، في تقريرٍ نُشر في مايو 2023، إنّ "الأزمات الصحية والاقتصادية وتصاعد النزاعات المسلحة، والآثار المدمّرة لتغيّر المناخ، تدفع الأسر إلى البحث عن إحساسٍ زائفٍ بالأمان عبر تزويج الأطفال".

وكان هذا المسار في غزة قد انخفض خلال العقدين الماضيين قبل حرب السابع من أكتوبر، بحسب دراسةٍ نُشرت في المجلة الأوروبية لأبحاث التنمية في يوليو 2021 بعنوان "إكسبلورينغ درايفرز آند إمباكتس أوف تشايلد ماريج [. . .]" (استكشاف الدوافع والآثار المترتبة على زواج الأطفال في الأزمات). وتشير الدراسة إلى أنّ النزاع يعزز العوامل المسببة للزواج المبكر ويُعيد إحياء دوافع قائمةٍ مسبقاً لتزويج الأطفال، خاصةً الأعراف المحافظة. وتلفت إلى أنّ برامج الحماية الاجتماعية والفرص التعليمية المتاحة للفتيات أدّت في العقدين الماضيين دوراً وقائياً في غزة. ومع غياب هذه البرامج كثيراً في الحرب الأخيرة لصالح برامج أكثر إلحاحاً، عادت ظاهرة تزويج القاصرات إلى الواجهة.

وكذا يذكر بحثٌ صادرٌ عن مركز شؤون المرأة في غزة نهاية 2024، تحت عنوان "الفتيات الصغيرات بين مطرقة الحرب وسندان التزويج المبكر"، أنه في حين كان زواج القاصرات آخذاً في الانخفاض في قطاع غزة، أتت الحرب لتعيد الأوضاع إلى السوء، وتدفع بكثيرٍ من الأسر للّجوء إلى تزويج طفلاتها آليةً للتكيف السلبي.

ويشير البحث إلى أن قانون العائلة لقطاع غزة الذي سُنّ في 1954 تحت حكم الإدارة المصرية للقطاع يسمح بتزويج من هم دون سن ثمانية عشر عاماً. المادة الخامسة من القانون اشترطت أن يكون الذكر قد أتمّ ثمانية عشر عاماً، وأن لا يقلّ عمر الأنثى عن سبعة عشر عاماً عند العقد. إلا أن مادّتيه السادسة والسابعة أجازتا للقاضي السماح لمَن هم أصغر من ذلك بالزواج إذا ادّعوا البلوغ وكانت هيئتهم تدلّ على ذلك. ويشير البحث إلى أن قانون العقوبات الساري في قطاع غزة لم يوفر حمايةً حقيقيةً من الزواج المبكر للفتيات، حتى لمن هن دون سن الخامسة عشرة، وحمى فقط الفتيات من الزواج المبكر إذا أُجري بدون رغبة أوليائهن.

بدوره اشترط قانون رقم 21 لسنة 2019 المتعلق بتحديد سن الزواج في فلسطين، معتمداً في جزءٍ من أحكامه قانون العائلة لسنة 1954 وقانون الأحوال الشخصية لسنة 1976، أن يتمّ كلٌّ من طرفي عقد الزواج ثمانية عشر عاماً. غير أن القانون أجاز للمحكمة المختصة استخدام الاستثناءات بحالاتٍ خاصةٍ، إذا كان في الزواج ضرورةٌ تقتضيها مصلحة الطرفين، وفي حال لم يكملا ثمانية عشر عاماً. ووفقاً لمركز تطوير الإعلام التابع لجامعة بيرزيت، فإن الاستثناءات تمنح القضاة سلطةً تقديريةً قد يساء استغلالها، وهو ما أثار حفيظة منتدى المنظمات الأهلية الفلسطينية لمناهضة العنف ضد المرأة.

ووفقاً لبحث مركز شؤون المرأة، لا تتوفر إحصاءاتٌ دقيقةٌ عن نسبة حالات التزويج المبكر خلال الحرب، نظراً لاعتماد المحاكم على المعاملات الورقية، وصعوبة الوصول إلى الملفات في ظل ظروف الحرب. وبحسب ما رصده، بلغ عدد الفتيات اللواتي زُوّجن أو حصلن على إذن زواجٍ في محكمة دير البلح 167 فتاةً تتراوح أعمارهن بين أربعة عشر إلى ستة عشر عاماً، من أصل 3124 حالة زواجٍ بين 1 يونيو و30 أكتوبر سنة 2024. وفي محكمة غزة والشمال، صدرت أذونات زواج 234 فتاةً من الفئة العمرية نفسها، من أصل 1781 حالة زواجٍ خلال المدة نفسها.

ولا تخفي الطفلة ختام أنّ فكرة الزواج ترددت على مسامعها، لكنها لم تُطرح بصيغة الأمر، بل تسلّلت بلغة الضغط مثل "الحمل تقيل" و"الحياة صعبة"، وهو ما جعلها تفكّر بما إذا كان ذلك فعلاً خياراً أمامها.

وتعلق إسراء أبو العمرين إنه "عندما تعيش الفتاة في بيئةٍ يهيمن عليها الخوف وعدم الاستقرار، يتغيّر مفهومها للأمان والمستقبل. في هذه الظروف، لا تُتخذ القرارات المصيرية بدافع الرغبة أو النضج أو الاستعداد الداخلي، بل ردَّ فعلٍ نفسيٍّ على التهديد المستمر وحاجةً ملحّةً لإنهاء حالة عدم اليقين". وتضيف أنّ "الزواج قد لا يكون خياراً مطروحاً قبل الحرب، لكنه يظهر لاحقاً حلاً سريعاً للاستقرار، أو وسيلةً للهروب من حالة الانتظار والقلق المزمن".

وإن كانت بعض الفتيات سلكن مسار الزواج نتيجة اليأس والظروف الاجتماعية والاقتصادية القاهرة الناتجة عن الحرب، برزت مساراتٌ أخرى لدعم الفتيات ومساندتهن قدر الإمكان. فمع قسوة هذه الظروف، قد لا يمكن اختزال تجارب الفتيات في موقع الضحية الساكنة أو العاجزة.


في مواجهة الانهيار شبه الكامل لمنظومات الحماية، تنخرط كثيرٌ من الفتيات الغزيات في برامج دعمٍ ضمن مبادراتٍ فرديةٍ وجماعيةٍ، لا تُنهي الخطر لكنها تحاول التخفيف من آثاره. ويظلّ التعليم أحد أبرز أدوات الدعم. فمع إغلاق المدارس أمام الطلبة لضرورات النزوح وتضرّر ما لا يقل عن 95 بالمئة منها، وبالنتيجة تعطّل معظم العملية التعليمية الرسمية لما جاوز العامين، تلجأ الفتيات إلى مبادراتٍ تعليميةٍ بديلةٍ داخل مراكز الإيواء أو الخيام. تقود هذه المبادرات مجموعاتٌ شبابيةٌ أو مؤسساتٌ محليةٌ، في حين تعتمد أُخرياتٌ على التعلم الذاتي أو تبادل الدروس في ما بينهن.

تقول ميس عرفات البالغة سبعة وعشرين عاماً، وهي خريجة تربية وعضوةٌ في مبادرةٍ تعليميةٍ مجتمعيةٍ أُطلقت داخل "مخيم الصمود" غرب مدينة خان يونس: "نحن لا ندرّس المناهج بقدر ما نحاول استعادة فكرة الزمن. الحرب سرقت من الفتيات الإحساس بأن هناك وقتاً للحلم ووقتاً للنضج. فجأةً أصبحت الفتاة مُطالَبةً بأن تكون كبيرةً على الدوام. في الخيمة التعليمية، ولو لساعتين يومياً، نخلق زمناً مختلفاً تطرح فيه الأسئلة، وتُخطئ، وتضحك، وتتعب من الدراسة لا من تحمّل المسؤوليات".

تضيف عرفات: "جاءت إلينا فتياتٌ كنّ ينظرن إلى أنفسهن عبئاً على أُسرهن، أو يرين في الزواج حلّاً منطقياً. وحين عُدن إلى تعريف أنفسهن طالبات، تغيّر النقاش داخل الأسرة. ليس لأن الأهل اقتنعوا فجأةً، بل لأن الفتاة نفسها أصبحت قادرةً على الحديث عن مستقبلها، لا عن النجاة فقط".

وفي هذا السياق تقول المدرّسة السابقة اعتماد النواجحة أن "لا شيء يحتضن هؤلاء الفتيات ويحصّنهن من فوضى المسؤوليات الثقيلة سوى ساحة المدرسة. يجب أن يعِشن أعمارهن على نحوٍ سليمٍ، لأن ما نراه اليوم أنّ البلوغ الطارئ بات واقعاً يومياً تعيشه الفتيات تحت وطأة الضغوط المفروضة عليهن".

إلى جانب التعليم، لعبت شبكاتُ دعمٍ نسويةٌ غير رسميةٍ دوراً في المبادرات الداعمة للفتيات  تقودها معلماتٌ سابقاتٌ ومرشداتٌ نفسياتٌ وناشطاتٌ مجتمعياتٌ من المجتمع المحلي. لا تكتفي المبادرات بتقديم دعمٍ نفسيٍّ أوليٍّ، بل تتيح للفتيات التعبير عن الخوف والضغط والتناقض الداخلي الناتج عن تحميلهن مسؤولياتٍ لا تتناسب مع أعمارهن.

وتوضح أمينة الشاعر، وهي منسّقة دعمٍ نفسيٍّ مجتمعيٍّ، أنّ "أغلب الفتيات اللاتي نقابلهن لا يأتين ليشكين مباشرةً مثلاً من قرار الزواج، بل يأتين من التعب. تعب أن يكنّ دائماً الأقوى والأهدأ والمسؤولَات. ففي ظل الحرب أصبح مطلوباً من الفتاة أن تكون عمود البيت العاطفي، فتمسك نفسها وتمسك الآخرين". 

وتضيف في حديث للفِراتس أنّ "المساحة التي نوفرها لهن ليست علاجاً نفسياً تقليدياً، بل مساحةً يمكن فيها للفتاة أن تكون ضعيفةً من دون محاسبة. عندما تتحدث وتبكي، يُعاد توزيع العبء، فلا تتحمل وحدها كلّ شيء. أحياناً تغيّر هذه اللحظة طريقة تعامل الأسرة معها، وتجعل فكرة تزويجها أقلّ استعجالاً، ليس لأنهم أصبحوا أكثر وعياً، بل لأنهم شاهدوا هشاشتها لأول مرة".

ولا تقل أشكال المقاومة الصامتة أهمية. فهذه المسارات، وإن بدت فرديةً ومعزولةً، تشكّل محاولاتٍ يوميةً للحفاظ على الذات في سياقٍ يُعاد فيه تعريف الفتاة وفق قدرتها على التكيّف، لا وفق حقها في النمو الطبيعي. 

وتشرح الطفلة سلمى البالغة خمسة عشر عاماً للفِراتس كيف تواجه الضغوطات المحيطة بها، قائلةً: "لا أفعل شيئاً كبيراً لرفض هذا الواقع، لكنّ هناك أشياءً صغيرةً أتمسّك بها كي لا أضيع. أستيقظ باكراً، وأكتب ما أريد فعله خلال النهار، لا أكتفي بجلب الماء وغسل الصحون. أحاول أن أستمر في القراءة، قراءة أيّ شيءٍ، روايةٍ قديمةٍ، دفتر مذكراتٍ، أيّ كلمات".

ثم تُردف: "أكثر ما أخافه أن أعتاد على الواقع. أنا لست قويةً مثلما يظنّ البعض، وأريد لهذا الوضع أن يتغيّر [. . .] أحياناً يتحدثون في المنزل عن الزواج، ولا أجادل، أكتفي بالقول: ليس الآن. لدي أشياء يجب أن أكملها، حتى لو كانت صغيرة". وتختم "أشعر أن مقاومتي هي أن أظل أرى نفسي فتاة. عندما أضحك مع صديقاتي في الخيمة أو أخربش في دفتر المذكرات، أشعر أنني ما زلتُ موجودة".


ما تواجهه فتيات غزة اليوم ليس قراراتٍ فرديةً معزولةً أو خياراتٍ عائليةً صعبةً فحسب، بل مساراً قسرياً متكاملاً يُعاد فيه تعريف الطفولة تحت ضغط الحرب. في هذا المسار، تُقيَّم الفتاة وفق قدرتها على التكيّف وتحمل الأعباء، لا وفق حقها في النمو الآمن، فتتحوّل المسؤولية المبكرة والرعاية والإعالة وضبط الانفعالات إلى مؤشراتٍ زائفةٍ على "الجاهزية"، يُبنى عليها لاحقاً قبول الزواج المبكر.

وتُظهر شهادات الفتيات والعاملات في الميدان أنّ ما يُقرأ أحياناً على أنه نضجٌ أو تكيّفٌ، ليس سوى إدارةٍ يوميةٍ للأذى في ظل غياب الحماية. فالبلوغ الطارئ لا يمنح الفتاة استقلالاً حقيقياً، بل يضعها في منطقةٍ رماديةٍ تُطالَب فيها بتأدية أدوار الراشدات بلا أن تحصل  على حقوقها التي تضمنها شبكاتِ الأمان والحماية. وما لم يُعاد الاعتبار للأسرة وحدةَ حمايةٍ، وللتعليم حقاً غير قابلٍ للتعليق، وللأمن الاقتصادي شرطاً أساساً للطفولة، ستبقى أعمار الفتيات تُختصر بِاسم الضرورة، وتُدفَع كثيراتٌ منهن إلى خياراتٍ قاسيةٍ، من بينها الزواج المبكر. فإعادة بناء حماية الطفولة في سياقات الحرب لا تبدأ عند لحظة الزواج، بل قبلها بكثير: عند النقطة التي يُسمَح فيها لطفلةٍ أن تبقى طفلةً، حتى في أقسى الظروف.

اشترك في نشرتنا البريدية