ولا يختلف المشهد في الرباط كثيراً عن الدار البيضاء، إذ طالت جرافات الهدم والترحيل أحياءً شعبيةً عريقةً تُمثل امتداد المدينة العتيقة الوجداني، وجزءاً لا يتجزأ من ذاكرتها الجمعية. هذا التحول العمراني يعد واحداً من أوجه التغيير الجارية في المدن المغربية العتيقة منذ أصبحت مقصداً للاستثمارات الأجنبية التي – على ترميمها الجدران – أسهمت في تغيير نسيج تلك المناطق الاجتماعي الأصيل، وأثّرت عياناً في هويتها الرمزية.
تتزامن التغيرات التي تطال معالم المدن العتيقة في المغرب مع إعلان الدولة عن أكبر برنامج تأهيلٍ حضريٍ في سياق الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030. وبوصفها خزاناً للذاكرة العمرانية، وُضِعت المدن العتيقة أمام معادلةٍ شديدة التعقيد: كيف نحافظ على التراث والهوية المكانية، وفي الوقت نفسه نجذب رؤوس الأموال والاستثمارات السياحية والعقارية؟
التغييرات التي تشهدها المدن العتيقة في المغرب منذ عقدٍ من الزمن تجري وسط جدالٍ متصاعدٍ بين فاعلِين متعدِّدين، من شركاتِ تسويقٍ عقاريٍ ترى المدينةَ منتَجاً يمكن تسعيره، وناشطِين ثقافيِّين يدافعون عن الحق في الذاكرة والفضاء العامّ، وصنّاع قرارٍ يتأرجحون بين منطق الجذب الاقتصادي وضغوطٍ دوليةٍ للحفاظ على تراث مدن المغرب المعماري والحضري. وسعياً للجمع بين مطلبين متعارضين، تسود أحياناً مقارباتٌ تُرمَّم فيها الواجهات وتتضرّر الأنسجة الاجتماعية. ويُحتفى بالتراث قيمةً رمزيةً، في حين يُقصى صُنّاعه الفعليون من السكان.
وبين من يرى عمليات الهدم والترميم هدراً قد يفضي إلى فقدان هذه المدن هويّتها التاريخية والثقافية، ومن يراها ضرورةً لتهيئة المدن وجعلها أكثر جاذبيةً، تحولت المدن العتيقة إلى ورشٍ مفتوحةٍ للتخبط بين محاولاتٍ متعثرةٍ للمحافظةٍ على الهوية التراثية، وجذبٍ متعثرٍ لرؤوس الأموال. وهنا يطرح سؤال: ما معنى التأهيل، ولصالح من يُنجَز؟
عمليات الهدم التي شملت حي المحيط بالعاصمة الرباط | خاص بالفراتس من تصوير الكاتبة
وتمتاز عمارة المدن العتيقة في المغرب بطابعٍ إسلاميٍ ذي جذورٍ أندلسية، يتجلّى في المنازل المغلقة على الخارج والمفتوحة على الداخل، وتُسمى الرياض ويتوسطها صحنٌ مركزي. يتداخل في بنائها الزليج (الفسيفساء المغربية) والجصّ المنقوش والخشب المصقول. وتحضر العمارة الأوروبية في بعض المدن العتيقة في المناطق الساحلية. وتضمن أزقةُ المدن العتيقة الضيقة والمتعرّجة لسكانها الظلَّ والخصوصيةَ، وتحتضن أيضاً أسواقاً تقليديةً تتوزع حسب الحِرَف، إلى جانب الجوامع والزوايا الصوفية والحمّامات والفنادق القديمة التي كانت تؤمّن الإقامة وتخزين السلع للتجار.
بدأت السلطات في هدم عددٍ من أحياء المدينة العتيقة في الدار البيضاء في سبتمبر 2025، بعد توقيع اتفاقية تطوير المحجّ الملكي (شارع ومجمع سياحي). وشملت عملية الهدم أحياءً خارج السور القديم ملاصقةً شارعَ الجيش الملكي، وصولاً إلى حيّ العنق المطلّ على البحر. وبعد ثلاثة أشهرٍ من مباشرة الهدم، اختفت أحياءٌ عريقةٌ مثل درب النزالة ودرب السنغال ودرب المعيزي ودرب الإنكليز، ودرب سلام الذي يضم مبانيَ قديمةً تعود إلى العهد البرتغالي في القرن السادس عشر. وأزيل أيضاً جزءٌ من درب التازي ومنطقة البحيرة، وما تبقّى من مباني درب الصوفي. فيما لا تزال أحياءٌ أخرى تنتظر جرافة الهدم، من بينها درب بوطويل ودرب بوسبير ودرب عبد الله.

ولم يقتصر الهدم على المساكن فقط، فغير بعيدٍ عن بوسبير هُدمت مؤسساتٌ تعليميةٌ عريقةٌ يعود تاريخها إلى مطلع القرن العشرين، مثل مدرسة الحريري وثانوية مولاي يوسف. وأُغلقت مدرسة الرابطة الإفريقية، في انتظار هدمها. ونُفذ قرار هدم منزل علي المانوزي، وهو مقاومٌ واجه الاستعمار الفرنسي. بيت المانوزي الذي صمد عقوداً وسط المدينة العتيقة مطلّاً على مسجد الحسن الثاني هُدم في يوليو 2025، برغم طعن الورثة قضائياً ضد قرار الهدم مستندين إلى شهادةٍ هندسيةٍ قالت إن المنزل غير آيلٍ للسقوط.
تجري عمليات الهدم في المدينة العتيقة من الدار البيضاء لصالح إنجاز مشروع المحجّ الملكي، وهو شارعٌ ممتدٌّ على مساحة خمسين هكتار (نصف كيلومتر مربع) يربط ساحة محمد الخامس وسط المدينة الجديدة بمسجد الحسن الثاني المُشيَّد على المحيط الأطلسي. وتعثّر إنجاز مشروع المحجّ الملكي أربعين عاماً قبل أن يستنفر محمد امهيدية والي جهة السطات (حيّ بالعاصمة) أعضاءَ المجلس الجماعي للعاصمة الاقتصادية في سبتمبر 2025 لعقد دورةٍ استثنائيةٍ مستعجلةٍ، انتهت بالمصادقة على تسريع تنفيذ اتفاقية إنجاز مشروع المحجّ على أساس الانتهاء سنة 2029.
حصلت مجلة الفراتس على نصّ اتفاقية مشروع المحجّ الملكي. ويتضح منه أن شركة الدار البيضاء للإسكان والتجهيز بدأت في تنفيذ عمليات نزع الملكية وهدم البنايات الآيلة للسقوط وتعويض السكان لإعادة إيوائهم لتنفيذ المشروع. وحسب الاتفاقية يفترض أن تستغرق هذه المرحلة ثمانية عشر شهراً تبدأ من تاريخ التوقيع على الاتفاقية.
وكشف يونس ريتب منسق تنسيقية ضحايا قرارات الهدم بالمدينة القديمة بالدار البيضاء في حديث مع الفراتس أن عملية الترحيل قُسمت إلى ثلاث فئات. أُولاها دُورٌ آيلةٌ للسقوط يُفترض هدمها وإعادة بنائها على طراز المدينة القديمة دون ترحيل أصحابها. وثانيها منازل سليمةٌ تخضع لنزع الملكية في إطار مشروع المحجّ الملكي. وأخيراً مساكن صفيحٍ تضمّ آلاف الأُسر. وتتوزع مساكن الصفيح بدرب التازي وكارتي كوبا ودرب لوبيلا ودرب الطاليان.
خصصت السلطات لملاك الأراضي والمنازل تعويضاً يبلغ 1500 درهم (نحو 150 دولار) لكلّ مترٍ مربع، و700 درهم (نحو 70 دولاراً) لكلّ حائط. فيما قررت منح المُكتَرين (المستأجرين) بدلاً قدرُه مئة ألف درهم (نحو عشرة آلاف دولار). على أن تحصل الأسر المُخلاة منازلُها على مبلغ 900 دولارٍ لكلّ أسرةٍ لتدبير مسكنٍ مدّة ثلاثة أشهرٍ، وهي المدة التي يُرجى أن تجهز فيها الشقق التي ستستفيد منها هذه الأسر. ويقول ريتب للفراتس إن الأسر المستهدفة بعمليات الإخلاء ترى التعويضات المقترحة هزيلةً "ولا تعكس القيمة الحقيقية للعقار بالمنطقة بعد ارتفاع الأسعار". ويدعو إلى مراجعةٍ شاملةٍ حتى لا يتحول السكان من مستفيدين إلى ضحايا هذا الملف. ويبين البحث عبر المواقع العقارية المتخصصة أن الحدّ الأدنى لسعر المتر المربع للشقق في الدار البيضاء يصل نحو خمسة عشر ألف درهمٍ، أي عشرة أضعاف التعويض الذي حصل عليه مُلّاك المنازل المهدومة.
خلال إنجاز هذا التقرير استقصينا آراء سكانٍ بالمدينة العتيقة بالدار البيضاء، الذين عدّوا ترحيلهم إلى ضواحٍ بعيدةٍ مثل حيّ النسيم "إجحافاً يقبر ذاكرتهم الجماعية" ويضرب عيشهم الاقتصادي المرتبط بالميناء القريب أو التجارة في سوق بوسبير في محيط المدينة العتيقة نفسها. وفي درب التازي يرفض السكان هدم بيوتهم لصالح مشروعاتٍ استثماريةٍ، ويعدّون التعويضات المقترحة "غير منصفةٍ ولا تعكس قيمة عقاراتهم الحقيقية". تقول سميرة إحدى سكان درب التازي للفراتس، إن حقّ أسرتها في السكن اللائق لا يزال مجهولاً، مشدّدةً على أن مطلبهم الأساس هو ضمان سكنٍ لائقٍ بإجراءاتٍ واضحةٍ، مع توفير السند القانوني والوثائق الرسمية اللازمة لحماية حقوقهم.
مخاوف السكان لها ما يدعمها في نص الاتفاقية. فتحليل الملحق الأول يكشف أن مشروع تهيئة الدار البيضاء لم يستهدف أراضيَ عشوائيةً أو ذات وضعياتٍ عقاريةٍ هشّةٍ، بل ركّز بالأساس على الملكيات المحفّظة، أي المسجّلة في السجل العقاري بحدودٍ وملكيةٍ مثبتتين قانونياً. ويُظهر هذا الاختيار توجّهاً نحو تفادي التعقيدات والنزاعات المرتبطة بالأراضي غير المحفّظة أو ذات التحفيظ الجزئي المعرضة للنزاع القضائي، وكذلك تجنّب الملكيات المشاعة المملوكة لعدّة أطرافٍ بلا تقسيمٍ فعلي. وبهذا، اشتغل المشروع على وضعياتٍ عقاريةٍ واضحةٍ من الناحية القانونية، بما يسهّل مساطر (وضع معايير) نزع الملكية وإعادة توظيف هذه الأراضي ضمن مشاريع التهيئة.
ولا يرد في الاتفاقية والملاحق المؤطرة لمشروع المحجّ الملكي أيّ ذكرٍ لمشاريع محددةٍ أو وظائف عمرانيةٍ دقيقةٍ ستُقام فوق الأراضي المهدومة والمنزوعة ملكيتها داخل المدينة العتيقة. فالوثائق تكتفي بالحديث عن "تهيئة الفضاءات العمومية" و"تعبئة الوعاء العقاري". مع إيلاء ملكية عشرات القطع الأرضية إلى جماعة (مجلس مدينة) الدار البيضاء، دون توضيح ما إذا كانت ستُخصص لاستعمالاتٍ ثقافيةٍ أو سياحيةٍ أو تجاريةٍ أو استثمارية. في المقابل، تُفصّل الاتفاقية بدقةٍ مشروع نسيم المخصص لإعادة إيواء السكان، ما يكشف اختلالاً لافتاً يتمثل في وضوح مصير السكان كاملاً، وغموضٍ يبدو مقصوداً في مصير المجال الذي أُفرغ منهم.
تتسم المدينة العتيقة في مراكش بصفاتٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ خاصةٍ، طالما لفتت نظر الأدباء والرحالة. ومنهم الكاتب والمسرحي الإسباني الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1981، إلياس كانيتي. خصص كانيتي فصلاً كاملاً من كتابه "دي شتيمِن فون مراكش" (أصوات مراكش) الصادر سنة 1967، للحديث عن أسطح المدينة والدار التي أقام فيها داخل المدينة العتيقة. يقول كانيتي: "بإمكانك أن تصعد إلى السطح وأن تشاهد أسطح المدينة كلّها لمحةً واحدةً [. . .] يراودك إحساسٌ بأن كلّ شيءٍ شُيّد في مجموعاتٍ من الشرفات العريضة، وكأن بمقدورك أن تخطو فوق المدينة بأسرها". غير أن رفيقه المراكشي حذّره من الصعود إلى السطح لأن الثقافة المحلية تعدّ ذلك عيباً على الرجال، لأنه فضاءٌ مقصورٌ على النساء في مدينةٍ تقوم بنيتها على التقارب الشديد بين البيوت.
أُعيد قراءة هذه الفقرة وأنا أطالع الكتاب الذي كان مرشداً لي في رحلتي لمراكش. أجُول بين أزقة المدينة العتيقة، وأرفع رأسي محاولةً لمح واحدٍ من تلك الأسطح التي تحدث عنها الكاتب. غير أن المشهد بدا غريباً، إذ تحولت عشرات الأسطح إلى مقاهٍ ومطاعم وحاناتٍ ومراقص. ولم تقتصر التحولات على الأسطح فقط، بل امتدت إلى المنازل والرياض نفسها، تلك البيوت العتيقة التي أصبحت فرصاً استثماريةً تُدرّ على أصحابها والسماسرة أموالاً طائلةً، بعد أن تحولت من بيوتٍ تقليديةٍ تضمن الخصوصية إلى فنادق ودور ضيافةٍ في خضمّ صعود الاستثمار السياحي.
ظهرت الاستثمارات الأجنبية في مجال السياحة بمراكش في العقدين الأخيرين، لتتحول معها بنيةُ المدينةِ العتيقةِ العمرانيةُ ووظيفتُها الاجتماعية. فالأزقة التي كانت تحتضن حياةً يوميةً وحِرَفاً تقليديةً، أصبحت اليوم ممراتٍ لفنادق ورياضٍ فاخرةٍ، تستقبل زواراً من مختلف أنحاء العالم. أسهمت هذه المشاريع في إنقاذ مبانٍ تاريخيةٍ كانت مهددةً بالانهيار، لكنها في المقابل غيّرت وظيفة السكن من إقامةٍ دائمةٍ إلى نشاطٍ تجاريٍ موسميٍ، ما أدّى إلى تقلّص العرض السكني داخل الأسوار وارتفاع أسعار العقار والإيجار.
خلّف هذا التحول العمراني والاقتصادي آثاراً اجتماعيةً عميقةً على السكان. فمع تراجع السكن الدائم داخل المدينة العتيقة، اضطرت الأسر ذات الدخل المحدود إلى مغادرة أحيائها التاريخية نحو الضواحي بحثاً عن تكلفة عيشٍ أقلّ. هذا النزوح الصامت أعاد تشكيل خريطة المدينة البشرية، وحوّل بعض أحيائها إلى فضاءاتٍ شبه موسميةٍ، تعجّ بالزوار في أحيان الذروة السياحية وتفقد حيويتها الاجتماعية في بقية الأوقات. وأدّى تقلّص عدد السكان الدائمين إلى إضعاف شبكات الجوار والتكافل التي ميّزت المدينة العتيقة في مراكش. وتراجعت العلاقات اليومية المرتبطة بالحيّ والمسجد والسوق، وحلّ مكانها حضورٌ عابرٌ لزوارٍ لا تربطهم بالمكان علاقة استقرار. وعوضت أنشطةٌ تجاريةٌ صُمّمت لتلبية الطلب السياحي عن الحِرَف والخدمات التقليدية الموجهة للسكان.
خلال عملنا على هذا التقرير تواصلنا مع أحمد، وهو وسيطٌ عقاريٌ في مدينة مراكش متخصصٌ في التسويق التجاري للبيوت التقليدية المعروفة بِاسم الرياض. أكّد لنا أحمد أن العرض داخل المدينة العتيقة بمراكش كبيرٌ والأسعار مرتفعةٌ مقارنةً بالسوق المحلية. ويوضح أيضاً أن المستثمرين المستهدفين هم الأجانب الباحثون عن فرص ربحٍ سريعةٍ، مستفيدين من أوضاعٍ اجتماعيةٍ معقدة. إذ تعود أغلب هذه العقارات إلى أسر ورثةٍ يفضّلون بيع المنازل الكبيرة واقتسام عائداتها بدلاً من تحمّل تكلفة ترميمها أو الحفاظ عليها. وتعكس منصات الحجز الفندقي هذا الواقع بوضوح. فبمجرد اختيار المدينة العتيقة بمراكش ضمن مجال البحث، تظهر عشرات الرياض المعروضة دورَ ضيافةٍ وفنادقَ فاخرةً، ما يؤشر على حجم التحول الذي طال الوظيفة السكنية لهذا الفضاء التاريخي.
عبد الرحيم المصلوحي، ناشط مجتمعي وابنُ مدينة مراكش، يقول إن "المدينة العتيقة تتعرض لعملية استنزافٍ ممنهجةٍ يقودها وسطاء عقارٍ حوّلوا الأزقة التاريخية إلى مجالٍ للمضاربة على حساب السكان وهوية المكان العمرانية. وأن أحياءً مثل الملاح شهدت موجةَ بيعٍ واسعةً لمنازل كانت تؤوي أسراً مراكشيةً منذ أجيال". ويضيف المصلوحي أن كثيراً من هذه العمليات تجري عبر وسطاء يُقنعون السكان ببيع منازلهم بأثمانٍ تقلّ كثيراً عن قيمتها الحقيقية، مستندين إلى تدهور البنية أو التخويف من تكلفة الترميم، قبل أن تتحول هذه الدور إلى رياضٍ سياحيةٍ فاخرةٍ موجهةٍ لزبائن أجانب.
لفت هذا الوضع أنظار أنطوني جاد بيجيو، أستاذ التخطيط الحضري المستدام بجامعة جورج واشنطن والخبير السابق لدى البنك الدولي، لينشر دراسته "ذا سَستينابيليتي أوف أوربان هيرِتِج بريزيرفيشن" (استدامة التراث العمراني: حالة مراكش) سنة 2010. ويرى جاد في دراسته أن تغيير وظيفة الرياض من مساكن إلى مؤسساتٍ سياحيةٍ وتجاريةٍ أقصى الساكنَ الأصليَّ لصالح نموذج ترميمٍ موجّهٍ للسائح أكثر منه للمجتمع المحلي.
يعيد مشروع تصميم تهيئة الرباط تشكيل مجال المدينة الحضري وتهيئة الساحلَيْن الشمالي والجنوبي، ويحدث خطوطاً للنقلِ متعدّدِ الوسائطِ، ويطوّر مجالاتٍ للسياحة والترفيه والأنشطة الاقتصادية. إلا أن لغة المشروع تركّز على مفاهيم الجاذبية الحضرية والتعدد الوظيفي وتحسين جودة الفضاءات العمومية، ولا يُظهر نصّه التفاتاً للأسئلة الاجتماعية أو دراسة أثر التحولات وتكلفتها على السكان.
يتضمن المخطط تغيير النمط العمراني في كثيرٍ من أحياء المدينة، إذ يسمح ببناء عمائر عاليةٍ مشرفةٍ على المحيط الأطلسي، وهدم مناطق شعبيةٍ ملاصقةٍ الشواطئَ لتحويلها لمراكز تسوقٍ ومجمعاتٍ سكنيةٍ فاخرة. يترتب على ذلك التخطيط ترحيل سكان المناطق الشعبية من العاصمة إلى هوامشها بعد إخلاء مناطقهم السكنية لصالح المشروعات السياحية الفاخرة.
انتقدت عدّة أحزابٍ مغربيةٍ مشروع تصميم تهيئة الرباط، ومنها حزب العدالة والتنمية. نشر الحزب مذكرة ملاحظاتٍ نصّ فيها على أن غياب دراسات الأثر الاجتماعي في مشروع تصميم التهيئة "يُهدّد بإنتاج تحولاتٍ صامتةٍ داخل الأحياء التاريخية. قد لا تظهر نتائجها فوراً، لكنها تُعيد تشكيل الخريطة البشرية والوظيفية للمدينة العتيقة على المدى المتوسط".
وبخلاف مراكش حيث قاد السوق والسياحة التحولات داخل المدينة العتيقة، تُقدّم الرباط نموذجاً آخر لإعادة تشكيل الفضاء التاريخي تقوده الدولة، بغرض جعل العاصمة رمزاً للحداثة المؤسسية كما تراها. ولا تقتصر مشاريع التهيئة على تحسين البنية العمرانية أو تثمين التراث، بل ترتبط بإعادة تعريف وظيفة المدينة العتيقة داخل مشروعٍ أوسع لإعادة هيكلة العاصمة، يمتد من ضفاف وادي أبو رقراق إلى أحياءٍ مركزيةٍ داخل النسيج الحضري.
في هذا الإطار، نفّذت السلطات عمليات هدمٍ وترحيلٍ واسعةً طالت سكان عددٍ من الأحياء الشعبية، في مقدمتها دوار العسكر المطلّ على البحر والذي خُصص في الأصل لإيواء جنودٍ أنهوا الخدمة العسكرية، لكنه تحول مع مرور السنوات إلى حيٍّ عشوائي. ووفق المعاينة الميدانية، امتدت عمليات الهدم لاحقاً إلى بناياتٍ قانونيةٍ في أحياء يعقوب المنصور والعكاري والفرح والرشاد وأبو رقراق والتقدم وحيّ المحيط المطلّ على البحر. وجرت مفاوضاتٌ مع السكان ضمن ما يُسمى "البيع الطوعي" في سياق تطبيق مشروع إعادة تأهيل مدينة الرباط استعداداً لاحتضان كأس العالم 2030.
واتّسمت عمليات الهدم في الرباط بالصمت. فُرّغت عدّة أحياءٍ ثم أُزيلت بلا تقديم مبرراتٍ واضحةٍ للسكان أو للرأي العام، ومنها حيّ المحيط. ولم تترافق عمليات الإزالة مع الكشف عن مشاريع بديلةٍ أو مخططاتٍ زمنيةٍ لتوفير مساكن دائمةٍ لائقةٍ للسكان أو أفقٍ زمنيٍ للانتهاء من المشروعات المقامة عوضاً عن الأحياء المُزالة. هذا الفراغ في التواصل فتح الباب أمام تساؤلاتٍ عمّا إذا كان الهدم في العاصمة يستهدف فعلاً معالجة السكن غير اللائق، أم يندرج ضمن منطق إعادة توزيع الفضاء الحضري لجلب الاستثمارات الداخلية والخارجية.
في مقابلة مع الفراتس، يقول فاروق المهداوي، المستشارُ الجماعيُّ (عضو مجلس البلدية) بالعاصمة الرباط وأحدُ الفاعلين السياسيين الذين تابعوا عمليات الهدم، إن "ما يجري في حيّ المحيط لا يمكن فصله عن منطق المضاربات العقارية الكبرى". متهماً جهاتٍ رسميةً لم يسمّها بالخوض في صفقاتٍ عقاريةٍ مع أطرافٍ من خارج المغرب. ويرى المهداوي أن ما يُقدَّم رسمياً تهيئةً حضريةً يُخفي في الواقع تحريراً ممنهجاً للعقار لفائدة مستثمرين كبارٍ بينهم أجانب. ورغم موقعه مسؤولاً منتخباً، يتساءل المهداوي عن غياب أيّ إعلانٍ رسميٍّ يوضح طبيعة المشاريع التي ستُشيّد فوق الأراضي بعد الهدم، والجهات المستفيدة منها. وما إذا كانت ستشمل تجهيزاتٍ اجتماعيةً أو إسكاناً بديلاً، أم ستقتصر على استثماراتٍ لا تخدم المصلحة العامة.
ويكشف التقرير المنهجي المرفق بمشروع تهيئة الرباط عن تصدّعٍ بنيويٍ واضحٍ، وهو أن تصميم العاصمة يُنجز في غياب رؤيةٍ مرجعيةٍ محدَثة. إذ يعترف المشروع صراحةً بأن تصميم التهيئة لم يُعدّ في إطار تصوراتٍ شموليةٍ تندرج ضمن المخطط المديري للتنمية الحضرية، وهو مخططٌ يحدّد خططَ المدينةِ العمرانيةَ على المدى المتوسط. ويعود تاريخ المخطط المديري المشار إليه في نصّ المشروع إلى سنة 1995، على أن مداه الزمني القانوني لا يتجاوز عشرين إلى خمسةٍ وعشرين عاماً، أي أنه لم يعد سارياً بحكم قانون التعمير المغربي.
ولا يقتصر الخلل على غياب المرجعية، بل يتعمق أكثر باعتماد المشروع على معطيات إحصاء السكان العامّ سنة 2014، في حين أُنجز إحصاءٌ جديدٌ سنة 2024 كشف عن تراجع وتيرة النمو السكاني
خصوصاً داخل العاصمة. وهو ما يجعل تقدير الحاجيات السكنية والتجهيزية مبنياً على واقعٍ لم يعد قائماً.
هذا الخلل المنهجي لم يمرّ دون اعتراضٍ من داخل المجلس الجماعي (مجلس البلدية) نفسه. فقد أصدرت فرقـة العدالة والتنمية بجماعة الرباط مذكرة ملاحظاتٍ ومقترحاتٍ، انتقدت فيها الأسس التي بُني عليها المشروع. واعتبرت أن المدينة عاشت أكثر من عقدٍ في ظلّ منطق التدبير بالاستثناء، بعد انتهاء صلاحية تصاميم التهيئة السابقة ما بين 2008 و2010، دون تعويضها بوثيقةٍ تخطيطيةٍ محدَثة. وتحاجّ المذكرة أن "استمرار هذا الوضع أدّى إلى تفريغِ التخطيط الحضري من بعده المندمج، وتعويضِه بتدخلاتٍ ظرفيةٍ وانتقائيةٍ لا تستند إلى رؤيةٍ شموليةٍ ولا إلى معطياتٍ محدّدةٍ يمكن قياسها".
وبالبحث في الجريدة الرسمية وتتبّع تصريحات سياسيين، تأكدت الفراتس من غياب أيّة مراسيم خاصةٍ بإزالة حيّ المحيط وآليّات تعويض سكانه. والمحيط هو حيٌّ أزالته سلطات الدار البيضاء بالفعل دون أن تسبق إزالتَه بإعلان حالة المنفعة العامة للعقارات التي هُدمت حسبما يُلزِمها القانون. هذا المعطى شكّل محور انتقادٍ قويٍّ من طرف معارضين بينهم عضو مجلس الرباط فاروق المهداوي، الذي عدّ ما جرى غيرَ مستوفٍ شروطَ نزع الملكية القانونية، بل مندرجاً ضمن ما يمكن وصفه بالهدم الإداري أو التحرير العقاري غير المعلَن.
التقت الفراتس عبد الله، أحد سكان حيّ المحيط المُزال. ويعدّ عبد الله ما ناله وجيرانه من سكان الحيّ من تهجيرٍ قسريٍّ منافياً القوانينَ الجاري العملُ بها. نُقل سكان حيّ المحيط إلى أحياءٍ على أطراف العاصمة منها عين عودة وتامسنا والصخيرات. وتفيد شهاداتٌ حصلت عليها الفراتس أن بعض الأسر نُقلت إلى شققٍ لا تزيد مساحتها على خمسين متراً مربعاً. يقول عبد الله إنه لو كان الهدفُ تهيئةَ المدينة وإنعاشَ السياحة، لكان الأجدرُ ترميمَ المنازل ذات القيمة التراثية وصيانتَها بدل هدمها، خصوصاً أن أحياءً مثل المحيط والسانية الغربية تُعدّ من أقدم أحياء الرباط خارج سور المدينة العتيقة، وتضمّ منازل يتجاوز عمر بعضها مئة عام.
يعلّق المهداوي أن مصطلح "التهيئة الحضرية" الحاضر بكثافةٍ في الخطاب الرسمي ظلّ مفهوماً فضفاضاً في حالة حيّ المحيط. فالتهيئة – وفق معايير التخطيط الحضري الحديثة – ترتبط بمشاريع واضحةٍ ومعلنةٍ منها الطرق والمرافق العمومية أو التجهيزات الاجتماعية والفضاءات الخضراء. لكن في حيّ المحيط، "لا لوحات مشاريع ولا تصاميم منشورة ولا آجال زمنية معلنة، ولا توضيح لطبيعة الملكية أو الاستعمال المستقبلي للأراضي بعد الهدم".
يقول إدريس السدراوي رئيس الرابطة المغربية للمواطَنة وحقوق الإنسان إن عمليات هدم بعض الأحياء القديمة ونزع الملكية خصوصاً في الرباط والدار البيضاء خلّفت آثاراً حقوقيةً واقتصاديةً خطيرةً لأنها نُفذت خارج الضمانات الدستورية والقانونية. ومسّت تلك المشروعات بالحق في السكن اللائق والحق في الملكية، مما يقوض ثقة المواطنين في مؤسساتهم الرسمية والمنتخبة. ويؤكد السدراوي أن أيّ مشروعٍ عمرانيٍ يجب أن ينطلق من احترام كرامة السكان بإشراكهم في اتخاذ القرار، وتوفير بدائل سكنيةٍ ملائمةٍ داخل المحيط الاجتماعي نفسه. معتبراً أن الهدم دون حلولٍ واقعيةٍ وتعويضاتٍ منصفةٍ يرقى إلى "الإخلاء القسري" حسب تعريفه الذي وضعه مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ما يضع السلطات المغربية في وضع خرقٍ للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ومن الناحية القانونية، شدّد رئيس الرابطة المغربية للمواطَنة وحقوق الإنسان على أن نزع الملكية لا يكون مشروعاً إلّا بثبوت المنفعة العامة ثبوتاً معلَّلاً، واحترام المساطر القانونية وعلى رأسها التعويض العادل الذي يعكس قيمة العقار الحقيقية. محذّراً من أن ما تُقدم عليه السلطات المغربية في المدن العتيقة والأحياء الشعبية يمسّ بالأمن العقاري ويبعث برسائل سلبيةٍ للمستثمرين. مؤكداً أنه لا تنمية دون ضماناتٍ قانونيةٍ ولا استثمار دون احترام حقوق الإنسان.
وظهرت في السنوات الأخيرة جمعياتٌ ومنظماتٌ غير ربحيةٍ تُعنى بحماية التراث، وتدقّ ناقوس الخطر إزاء التهديدات التي باتت تطال المعالم التاريخية، خصوصاً التراث المعماري داخل المدن العتيقة. وتضم هذه الهيئات خبراء وأساتذةً جامعيين ونشطاء، ومن بينها جمعية تراث بمراكش، ومؤسسة المنية للإحياء والمحافظة على الموروث الثقافي التابعة لمنظمة اليونسكو، إلى جانب الجمعية المغربية للتراث، والجمعية المغربية للتراث والتنمية، وجمعية أصدقاء الفن والحفاظ على التراث.
ويمثل خطاب هذه الجمعيات محاولةً لمواجهة مقاربةٍ استثماريةٍ أصبحت تُسيطر على تدبير المدن العتيقة. وفي تصريحٍ لموقع مدار21 حذّر كريم الرويسي، نائبُ رئيس جمعية كازا ميموار، من "تشويه معالم المدينة القديمة لأغراضٍ سياحيةٍ صِرفة"، معتبراً أن "السائح نفسه لن يكون راضياً عن التجربة إذا لم يعثر على الطابع الإنساني الأصيل، وعلى الحرف والثقافة التي تجعل المدينة القديمة فضاءً حيّاً لا مجرّد واجهة". وشدّد الرويسي على أن "المدينة القديمة بالدار البيضاء موروثٌ ثقافيٌ ثمينٌ، لا يمكن تثمينه اقتصادياً دون الحفاظ على خصوصياته الاجتماعية والثقافية".
وعلى هذه التحذيرات، ظلّت جمعيات المجتمع المدني، إلى جانب حقوقيين وممثلين عن المعارضة داخل المجالس المنتخبة، من بين الأصوات القليلة التي واجهت مشاريع عُدّت مهدّدةً التراثَ وذاكرةَ المدن. في المقابل، فإن مؤسساتٍ رسميةً تابعةً لوزارة الثقافة ومكلَّفةً نظرياً بحماية التراث الْتَزَمَت الصمتَ في محطاتٍ عديدةٍ، مبرّرةً ذلك بكون هذه المشاريع تندرج ضمن برامج إعادة التهيئة التي أطلقتها الدولة.
غير أن موقف الدولة لم يكن موحداً ولا ثابتاً. ففي بعض الحالات، أدّت دور الموازن بين تشجيع الاستثمار وحماية الذاكرة. وفي حالاتٍ أخرى تدخّلت مباشرةً لإيقاف مشاريع وُصفت بأنها تمسّ بحمولة المكان الرمزية. ويتجسد ذلك في حملات إغلاق مقاهٍ ومطاعم وفنادق داخل مدنٍ عتيقةٍ، بعد رصد اختلالاتٍ مرتبطةٍ باستغلال الأسطح والاستغلاليات العشوائية وتجاوز العلوّ المسموح به.
ويبرز مثالٌ أكثر دلالةً في المشروع التجاري الذي شُيّد على ضفّة وادي أبو رقراق بسلا. إذ أوردت تقارير إعلاميةٌ أن الملك محمد السادس أمر بهدمه وهو في طور الإنجاز، بعدما تبيّن أنه يحجب الرؤية عن معالم تاريخيةٍ في المدينة التي أسّسها الموحدون أواخر القرن الثاني عشر الميلادي. هذا التدخل وضع الدولة في موقعٍ يُشجّع الاستثمار من جهةٍ، ويضع له حدوداً عندما يتعارض مع رمزية المكان من جهةٍ أخرى. كذلك أحدث الملك مؤسسة المحافظة على التراث الثقافي لمدينة الرباط وترأسها شقيقته الأميرة أسماء. وتُعنى المؤسسة بالحفاظ على تراث الرباط الثقافي المادي واللامادي، خصوصاً المواقع المصنفة ضمن التراث العالمي منذ 2012.
وعلى هذا الإطار المؤسساتي، لم ينتهِ الجدل. فقد أطلق ائتلاف "ذاكرة المغرب" نداءً عاجلاً لإنقاذ المعالم التاريخية بالمدن العتيقة. وحذّر من تدهورٍ خطيرٍ شمل انهيار بناياتٍ رمزيةٍ ومآثر تاريخيةٍ، خصوصاً في المدن الساحلية. ودعت هذه الهيئات المشاركة في الائتلاف إلى تدخلٍ عموميٍّ عاجلٍ يستند إلى خبراتٍ متخصصةٍ في تثمين التراث، بدل مقارباتٍ غير منضبطةٍ قد تؤدي إلى فقدان معالم فريدةٍ نهائياً.
وموازاةً مع إطلاق مشاريع عمرانيةٍ حديثةٍ، دشّن المغرب في العقد الأخير برامج واسعةً لترميم الأسوار والمآثر التاريخية والمدن العتيقة، سعياً للحفاظ على توازنٍ دقيقٍ بين التوسع الحضري وصيانة التراث المعماري. وما بين سنتَي 2014 و2024 أنفقت المملكة أكثر من ستمئة مليون دولارٍ على تأهيل مدنٍ عتيقةٍ من بينها الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش ومكناس وتطوان والصويرة وسلا، وفق معطياتٍ رسميةٍ من وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وأسهمت هذه البرامج في إنقاذ عددٍ من المباني المهددة بالانهيار، وتحسين البنية العمرانية، وتحويل بعض الفضاءات التراثية إلى موارد سياحيةٍ واقتصادية. إلا أن باحثين وخبراء يرون أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تزال دون حجم التحديات العارضة.
في هذا السياق، يقول الباحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أسامة خضراوي، للفراتس إن "المعمار في المدن العتيقة تعبيرٌ فنّيٌ وجماليٌ عن حقبٍ تاريخيةٍ متراكمةٍ، والترميم أمرٌ محمودٌ شريطة ألا يُفقدها معالمَها التاريخية وحُمولتها الرمزية. لكن هذه الجهود المبذولة تبقى ضئيلةً ومتناثرةً بالنظر إلى العدد الكبير للمآثر التاريخية وارتفاع كلفة ترميمها". ويحذّر خضراوي من أن القطيعة مع هذا الموروث المعماري تعني قطيعةً مع الذاكرة الجمعية والهوية، لأن ربط الأجيال بتاريخ أمكنتها شرطٌ أساسيٌّ لبناء الحاضر والمستقبل.
ويُعد المغرب من بين أكثر الدول العربية والإفريقية التي تضمّ مواقع مصنّفةً ضمن قائمة التراث العالمي، بعد مصادقته سنة 1975 على اتفاقية حماية التراث الثقافي والطبيعي. وكانت مدينة فاس أول موقعٍ يُدرج سنة 1981، تلتها مراكش ومكناس وتطوان والصويرة ووَلِيلي وقصر آيت بن حدو والجديدة، قبل أن تُصنّف الرباط تراثاً إنسانياً سنة 2012. غير أن خبراء في المعمار والتراث يرون أن إمكانيات المغرب لا تزال أكبر من مستوى الاستغلال الحالي. تقول مينة المغاري، أستاذة التاريخ والحفائر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في حديثها مع الفراتس، إن "إسبانيا تمثل نموذجاً ناجحاً في التوفيق بين موروثها العمراني الإسلامي وروح العصر بفضل اعتمادها استراتيجيةً واضحةً في الترميم. ونجحت في تحويل تراثها إلى رافعةٍ اقتصاديةٍ ذات أثرٍ مباشرٍ على التدفق السياحي، دون تفريغه من معناه التاريخي".
وفي هذا الإطار، صرّح رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن الدولة رصدت حوالي سبعة مليارات درهم لتثمين إحدى وعشرين مدينةً عتيقةً في أنحاء المملكة، ضمن برنامجٍ يهدف إلى الحفاظ على النسيج العمراني العتيق ومعالجة الاختلالات الهيكلية وتحسين الظروف المعيشية. وأعلن كاتب الدولة المكلّف بالتعمير، أديب بن إبراهيم، أن مجلس الوزراء تعاقد على أربعةٍ وثلاثين مشروعاً بين 2014 و2024 بتكلفةٍ إجماليةٍ بلغت حوالي ستة آلاف مليارات درهم، ساهمت الدولة بجزءٍ منها، فيما تولّت مقاولاتٌ خاصةٌ تنفيذ الأشغال. وتنتظر الحكومة أن تسهم هذه الاستثمارات في تعزيز السياحة الثقافية ورفع جاذبية المدن العتيقة، ما يزيد الطلب على الخدمات السياحية والعقارية المرتبطة بالتراث. وعلى أن هذه المدن لا تستقطب بالضرورة مشاريع أجنبيةً ضخمةً مباشرةً، فإن الاستثمارات الأجنبية – خاصة الأوروبية – متواصلةٌ، لا سيما في مجال اقتناء الرياض الصغيرة والفنادق التراثية.
غير أن حركة الإحلال السياحي الجارية لا تخلو من آثارٍ جانبية. ففي طنجة، مع أن المدينة العتيقة لم تَطَلْها مشاريعُ هدمٍ واسعةٌ، أسفرت إزالة مرافئ تقليديةٍ ومخازن قديمةٍ وتعويضها بمرافق سياحيةٍ وتجاريةٍ عن طمس جزءٍ من ذاكرة الميناء المعمارية وذاكرة المدينة التاريخية. وأسهم إطلاق مشاريع مغربيةٍ وأجنبيةٍ – خليجيةٍ خاصةً – في إعادة صياغة الواجهة الساحلية، من بينها مشروع "المدينة المتوسطية" الذي أُعلن عنه مجمعاً سياحياً وترفيهياً متكاملاً.

