وصل أحمد إلى المتحف قرابة الحادية عشرة صباحاً بعد رحلة استغرقت أكثر من أربع ساعات. وقف في صف التذاكر ممسكاً بسبعمئة جنيه، وهي نحو ربع راتبه الشهري، أعدّها لشراء خمس تذاكر له ولزوجته وأطفاله الثلاثة. غير أن دوره لم يأتِ، إذ أخبره الموظف بأن تذاكر المصريين قد نفدت. حاول أحمد التماس حل متعللاً بمشقة الطريق، "أنا جاي من المنيا، شوف لنا حل [. . .]". لكن الرد جاء بأن لا دخول بلا حجز مسبق ودفع إلكتروني. وحين أشار إلى أن الموظف نفسه كان قد تقاضى ثمن التذاكر من سائحين عرب وأجانب قبل دقائق، قيل له "هذه هي التعليمات"، وتذاكر المصريين نفدت بالفعل.
عاد أحمد وأفراد أسرته أدراجهم، وفور وصوله منزله حاول حجز التذاكر إلكترونياً على أمل أن يكرر الزيارة في الشهر التالي غير أنه لم يجد تذاكر متاحة للمصريين حتى نهاية مارس 2026، فلم تشفع لهم عشرات القطع الأثرية الضخمة التي نُقلت من محافظتهم إلى المتحف المصري الكبير ولم يتمكن أطفاله من رؤية آثار أسهمت قراهم في صنع مجدها، لكنها باتت اليوم محجوبة عنهم خلف بوابات زجاجية ونظم حجز لا تراعي واقعهم.

يعيش أحمد على بعد أقل من مئة كيلومتر من قرية البهنسا، إحدى أشهر المناطق الأثرية بمحافظة المنيا، التي نُقل من مخزنها الأثري نحو إحدى وسبعين قطعة أثرية كبيرة ومتوسطة إلى المتحف المصري الكبير. وكذلك بالقرب من منطقة بني حسن الأثرية، أحد أهم المواقع الأثرية في قلب جبال المنيا المطلة على النيل، التي تعود إلى عصر الأسرة الفرعونية الثانية عشرة. لم يزر أحمد وأسرته هذه المواقع يوماً، شأنهم شأن معظم سكان القرى المحيطة، ولا يعرفون عنها سوى مرور أفواج سياحية عابرة في صباحات الشتاء. غير أن قصة أحمد تتجاوزه إلى باقي أبناء كثير من المحافظات التي أُفرغت من الآلاف من أبرز مقتنياتها الأثرية لصالح المتحف المصري الكبير وغيره من المتاحف. وحُرم أبناء المحافظات من حقهم في المعرفة أو الوصول لآثارهم أو الإحساس بالانتماء، ليصبحوا وكأنهم غرباء عن تراث خرج من أرضهم وربما لن يعود. وكأن في ذلك تسليعاً للتاريخ وإعادة تنظيمه جغرافياً في المركز على حساب الأطراف.
بدأ التخطيط لإنشاء المتحف سنة 1992 أثناء حكم الرئيس حسني مبارك، حين عجز المتحف المصري في ميدان التحرير وسط القاهرة عن استيعاب الزيادة في الاكتشافات الأثرية. ومع تكدّس القطع داخل مخازنه، بات البحث عن مساحة عرض جديدة أمراً ملحاً. إذ عانى المبنى الذي صممه المعماري الفرنسي مارسيل دورغنون سنة 1897 من الإهمال عقوداً، ولم يعد مواكباً معايير العرض والحفظ المعتمدة في المتاحف العالمية.
طرح وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني إنشاء متحف جديد لتلبية متطلبات العرض الحديثة وضمان حفظ التراث الأثري وفق أحدث النظم. غير أن الفكرة قوبلت باعتراضات واسعة من متخصصين في الآثار والعمران داخل مصر. وانتقد كثيرون، من بينهم رئيس اتحاد الآثاريين العرب محمد الكحلاوي، ما اعتبروه تكريساً للاهتمام بالمركز على حساب الأقاليم. يرى الكحلاوي في حديثه للفِراتس أن نقل القطع الأثرية من المتاحف والمخازن الإقليمية إلى المتحف الجديد يُضعف المتاحف المحلية، ويحدّ من فرص التنمية الثقافية داخل المجتمعات التي نشأ فيها هذا التراث، بعدما أُعيد توطينه في متحف مركزي واحد.
ظل مشروع المتحف الكبير متعثراً سنواتٍ طويلة بسبب نقص التمويل، في ظل الحاجة إلى ميزانية تتجاوز مليار دولار أمريكي. وكانت الحكومة المصرية قد حصلت على قرض من اليابان سنة 2007 بقيمة ثلاثمئة مليون دولار لهذا الغرض، إلا أن تداعيات ثورة يناير 2011، وتوقف الحكومة عن سداد أقساط القرض، أدت لتعثر المشروع فترةً.
ومع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم رسمياً سنة 2014، أُعيد إحياء المشروع اعتماداً على قروض خارجية في إطار مساعٍ رسمية لتنشيط الاقتصاد المصري المتعثر. وعلى الأثر منحت اليابان الحكومة المصرية قرضاً ثانياً سنة 2016 بقيمة أربعمئة وستين مليون دولار، إلى جانب تعاون فني ومنحة بقيمة أربعة ملايين دولار لترميم إحدى القطع الأثرية.
وإن وُضع المشروع قيد التنفيذ الفعلي، إلا أن الطريق لجمع القطع الأثرية ونقلها من محافظات مصر لم يكن سهلاً في بدايته.
يؤكد الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار والمشرف العام السابق على المشروع، محمد عبد المقصود، في حديثه للفِراتس أن آلية الاختيار بدأت منذ المراحل الأولى للتفكير في إنشاء المتحف، أي قبل ثورة يناير 2011. ويشير إلى أن التحدي الأكبر وقتها تمثل في إعداد عرض متحفي مبدئي يضم نحو خمسين ألف قطعة أثرية، وهو شرط أساس لتسهيل توقيع عقد تمويل المشروع مع الجانب الياباني.
ويستعيد عبد المقصود تجربة ترؤسه إحدى اللجان الأربع التي شُكّلت بين 2007 و2013 لجمع القطع الأثرية، موضحاً الصعوبات التي واجهها في نقل القطع من المخازن والمتاحف على امتداد البلاد. ومن أبرزها وجود لجنة موازية لجمع قطع للمتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، الذي افتتح في أبريل 2021. ومع تصاعد الخلاف بين اللجان حول القطع الأثرية الشهيرة، تدخلت الحكومة بتشكيل لجنة عليا برئاسة عالم المصريات علي رضوان، لتتولى حسم توزيع القطع والموافقة النهائية على تخصيصها لكل متحف.
أسفرت قرارات لجنة رضوان عن نقل الجثث الفرعونية المحنطة إلى متحف الحضارة بالفسطاط، وهو القرار الذي نفذ سنة 2021. وصل موكب مهيب ضم اثنتين وعشرين محنطة لملوك مصر وملكاتها القديمة، من الأسرات السابعة عشرة حتى العشرين، بما في ذلك رمسيس الثاني وحتشبسوت وسقنن رع. وقررت اللجنة نفسها نقل مقتنيات الملك توت عنخ آمون التي تتجاوز خمسة آلاف قطعة إلى المتحف الكبير. ونُقلت المجموعة كاملةً من مخازن متحف التحرير والأقصر لعرضها لأول مرة كاملة منذ اكتشفها عالم الآثار الإنجليزي هوارد كارتر سنة 1922.
يضيف عبد المقصود أن من أبرز الصعوبات الأخرى كان رفض مسؤولي الآثار في معظم المناطق الأثرية نقل التماثيل الضخمة إلى المتحف، ومنها تلك التي وُضعت لاحقاً في منطقة الدرج العظيم في المتحف الكبير. وتشمل تسعاً وخمسين قطعة تمتد من الدولة القديمة للعصر اليوناني الروماني، بينها رأس تمثال الملك أخناتون وتمثال الملك رمسيس الثالث، وتمثال الإمبراطور الروماني كاراكالا الذي اكتُشف في منطقة آثار الشيخ فضل في المنيا.

ويذكر عبد المقصود أن المناطق الأثرية في الأقصر مثلاً رفضت نقل مقتنيات توت عنخ آمون وعدد من التماثيل الضخمة إلى المتحف الجديد. وتكرر الأمر في منطقة صان الحجر بالشرقية التي امتنعت عن منح المتحف مسلة الملك رمسيس الثاني المعلقة قبل أن تنقل القطع الأثرية لاحقاً إلى المتحف تحت الضغط.

أعيد تشكيل لجان جديدة لنقل القطع بين سنتي 2014 و2018، وقررت لجنة يرأسها أستاذ الآثار المصرية بجامعة القاهرة طارق توفيق، إعادة مراجعة المعايير بعد أن استقبل المتحف حتى نهاية 2014 نحو اثني عشر ألف قطعة مخزنية لا تفي بشروط العرض. لذا حددت اللجنة معايير جديدة تشمل القيمة التاريخية والدينية والجمالية، مع التركيز على عرض المجموعات المتكاملة، مثل مجموعة الملكة حتشبسوت وتماثيل الدولة القديمة من أبو صير ورؤوس تماثيل الدولة الحديثة من إسنا.
نجحت لجنة توفيق في نقل نحو خمسة وثلاثين ألف قطعة أثرية، إلا أن المعارضة لم تغب عن المشهد، لاسيما في منتصف سنة 2018. فقد أثار نقل مقتنيات توت عنخ آمون من الأقصر إلى القاهرة قلق العاملين بالقطاع السياحي بالأقصر، لما سيتركه هذا من أثر سلبي على تدفق السياح للمنطقة. وقدم عضو لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، عبد الرازق زلط، طلب إحاطة لوزير الآثار الأسبق خالد العناني احتجاجاً على ما وصفه بتفريغ متحف الأقصر من محتوياته، ونقل نحو مئتي قطعة أثرية نادرة إلى القاهرة، من بينها 122 قطعة من مقتنيات الملك توت عنخ آمون.
مقتنيات توت عنخ آموت - تصوير الكاتب
بالتوازي يُفسر تفريغ المتاحف المحلية لصالح المتحف الكبير، وقبله متاحف أخرى منها "الحضارة"، ضمن نمط عام تتبناه الدولة لتسليع التراث. إذ تحتفظ بالمقتنيات الأكثر شهرة وربحية على المستوى العالمي في المتاحف الجديدة، بينما تُهمش متاحف الأقاليم. وتتعدد الأمثلة على هذا.
وفي مثال آخر في السنة نفسها، قررت الوزارة تقطيع حمّام "تل الحير" البطلمي ونقله من مكان اكتشافه في سيناء إلى متحف شرم الشيخ، غير أن اعتراضات الآثاريين أدت إلى تجميد التنفيذ.
يقول مفتش الآثار بمنطقة أبيدوس في محافظة سوهاج، محمد أبو اليزيد، للفِراتس إن نقل مقبرة توتو ألحق ضرراً بالغاً بالبيئة الأثرية للموقع بأكمله. مضيفاً أنه وباقي الآثاريين بالمحافظة دخلوا في نقاشات حادة مع مسؤولي الآثار. إذ كان من الممكن فتح المنطقة للزوار والسكان المحليين، خاصة أنها تضم إلى جانب مقبرة توتو مقبرة زوجته "تا شريت إيزيس"، التي شغلت منصب عازفة الصلاصل للإلهة حتحور. لكن نقل المقبرة أغلق الباب أمام استثمار الموقع سياحياً أو خدمياً.
يصف أبو اليزيد ما حدث بأنه "قتل للموقع الأثري بالكامل"، موضحاً أن آثاريي سوهاج فشلوا في الدفاع عن بقاء المقبرة بعدما روّج المسؤولون آنذاك لرواية تفيد بأن الموقع غير مؤمَّن، وأن المقبرة تحتاج إلى حفظ داخل مبنى مغلق، وهو ما يؤكد أنه "خلاف للحقيقة".
ويشرح بأن الآثار تنقسم علمياً إلى آثار ثابتة وأخرى منقولة. وعند فتح مقبرة أثرية، يمكن نقل التماثيل واللوحات والأواني الفخارية إلى متحف أو مخزن متحفي لحمايتها من السرقة. لكن من الناحية العلمية يجب وضع "مستنسخات أثرية"، أي نسخ طبق الأصل من القطع الأثرية الأصلية داخل المقبرة نفسها، ما يسمح بفهم طبيعة الموت وطقوس الدفن، "وهو إجراء لا يُطبَّق فعلياً على الأرض".
ويرى أبو اليزيد أن وجود متاحف مركزية أمر ضروري، لكنه يشدد على أهمية إنشاء متاحف داخل المواقع الأثرية لخدمة السكان المحليين والسياح، وهي متاحف نادرة في مصر، باستثناء متحف إيمحتب في سقارة ومتحف النوبة في أسوان. ويشير إلى أن منطقة "أم الجعاب" الأثرية في أبيدوس تضم لوحات أثرية تتنافس المتاحف على اقتنائها، وقد نُقل عدد منها إلى المتحف المصري الكبير، بينما كان الأجدر برأيه عرضها في متحف سوهاج.
يقول تعليقاً على الحدث: "خصص آثاريو المحافظة قسماً داخل متحف سوهاج لعرض مقتنيات القائد العسكري البارز 'وني'، حاكم إقليم تاور [الصعيد] في عهد الملك بيبي الأول [خلال عهد الأسرة السادسة]، وطالبوا بإعادة لوحة له نُقلت إلى المتحف الكبير خلال السنوات الماضية لاستكمال المجموعة. غير أن إدارة المتحف رفضت إعادتها، ما أبقى العرض غير مكتمل".
مثال آخر أشارت إليه أستاذة التخطيط العمراني ومديرة الأبحاث بالمعهد الفرنسي للبحوث من أجل التنمية جليلة القاضي وهو سحب مجموعة الملك توت عنخ آمون من المتحف المصري ومن متاحف الأقصر واستبدالها بقطع أقل شهرة أو مختلفة عن سياقها. أضعفت هذه الخطوة برأيها المتاحف الأخرى وخاصة الإقليمية التي فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها.
تضيف القاضي للفِراتس: "ما زلت أتذكر حفل نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري إلى متحف الحضارة بالفسطاط، حين كنت في الأقصر. كانت ليلة حزينة وقاتمة على سكان المدينة، الذين رفضوا الاحتفال لإيمانهم أن المومياوات كانت لا بد أن تُعرض داخل مدينتهم، وهو شعور لم يقتصر على المثقفين بل شعر به الناس العاديون أيضاً".
ويتفق محمد الكحلاوي مع جليلة القاضي في أن القرار المركزي لنقل القطع الأثرية المهمة يخدم رؤية تنموية عليا، تهدف إلى استخدام الثروة الأثرية لتحقيق أهداف اقتصادية محددة في محيط العاصمة مع تجاهل لما يحدث في الأقاليم. ويؤكد أن المتاحف الإقليمية أُضعفت لصالح المتحف المصري الكبير، "نُقلت أبرز القطع من متحفي التحرير والفن الإسلامي، فضلاً عن تفريغ مناطق أثرية مثل بني حسن وتل العمارنة وإهناسيا، ووضعت مقتنياتها داخل المتحف الكبير دون وعي بخطورة الخطوة".
هذه السياسة بنظر الكحلاوي لا تستنزف القطع الأثرية والموارد المادية فحسب، بل تؤثر على الكفاءات والاهتمام الأكاديمي والتمويل المخصص للمتاحف والمواقع الإقليمية المتبقية. يقول: "حين تنزع القطع الأصلية يقل الاهتمام المركزي والتمويل للمواقع الإقليمية، مما يؤدي إلى تدهور مستمر فيها وغياب العدالة الثقافية". ويشدّد على أن العدالة الثقافية تتطلب ضمان حق المجتمعات المحلية في الوصول المباشر إلى تراثها وتاريخها. والمركزية برأيه تقلِّص فرص عمل السكان المحليين، وتضعف الجاذبية الاقتصادية والسياحية للمدن خارج العاصمة، مما يحوِّل التدفق المالي والاقتصادي بالكامل إلى المركز.
في المقابل يرى أستاذ التخطيط العمراني وتاريخ المدن بجامعة كاليفورنيا بيركلي، نزار الصياد، أن تمثيل التراث في المركز أو العاصمة خلق وعياً بالتراث لم يكن موجوداً قبلاً، "المركز عادة يخلق فكرة الإشعاع الحضاري للخارج، سواء خارج مصر أو نحو الأقطار القريبة". لكنه يشير إلى وجود مشكلة في الجور على التراث المحلي، مثل حدث نقل تماثيل أربعة أكباش من محافظة الأقصر ووضعها في ميدان التحرير بوسط القاهرة. يعلق: "هنا يظهر ازدواج المعايير، فقد قررت الحكومة نقل تمثال رمسيس من ميدان رمسيس في وسط القاهرة إلى المتحف الكبير سنة 2006 بسبب التلوث وعوادم السيارات، لكنها نقلت كباش الأقصر سنة 2020 ووضعتها في ميدان مركزي آخر رغم تعرضه لتلوث مرتفع".
هذه الفجوة بين المركز والأطراف لها ما يؤكدها إحصائياً، ويتبين ذلك في توزيع المتاحف الأثرية. إذ يتركز الجزء الأكبر من المتاحف الكبرى في المراكز الحضرية الرئيسة، لاسيما القاهرة والجيزة، بينما تقتصر المتاحف في الأقاليم على عدد محدود من المتاحف النوعية.
أما محافظة الإسكندرية، فتضم ثلاثة متاحف أثرية رئيسة هي متحف الإسكندرية القومي والمتحف اليوناني الروماني ومتحف المجوهرات الملكية.
وفي المحافظات الحدودية هناك متاحف متفرقة تشمل متحف السويس القومي ومتحف الإسماعيلية ومتحف شرم الشيخ ومتحف الغردقة ومتحف مطروح ومتحف كهف رومل إلى جانب متحف الوادي الجديد.
في المقابل هناك ثلاثة متاحف فقط في الدلتا، وهي متحف كفر الشيخ ومتحف طنطا بمحافظة الغربية ومتحف تل بسطا بمحافظة الشرقية. وفي محافظات ذات كثافة سكانية مرتفعة، مثل المنوفية والدقهلية والبحيرة، لا توجد أي متاحف أثرية. ويقتصر الأمر على متاحف محلية، مثل متحف دنشواي في المنوفية.
أما محافظات جنوب مصر، فتضم متاحف مثل ملوي بالمنيا وسوهاج القومي وكوم أوشيم بالفيوم. فضلاً عن متاحف الأقصر، الأقصر والتحنيط والتمساح، ومتحف النوبة بأسوان ومتحف أسوان الملحق بجزيرة إلفنتين.
على أن الفجوة بين المركز والأطراف ليست كل المشكلة، إذ قد تمتد لداخل المركز نفسه بصورة مختلفة. يرى أستاذ التصميم العمراني بكلية الهندسة في جامعة عين شمس وعضو اللجنة المشرفة على اختيار تصميم المتحف المصري الكبير، جلال عبادة، أن القاهرة نفسها تعاني من أزمات تخطيط عمراني وثقافي. ويعلل ذلك بأن الثقافة غالباً ما تُفصل عن التخطيط العمراني في مصر.
يقول عبادة: "لا يُنظر إلى الثقافة باعتبارها أداة لقيادة التنمية. المخططات العمرانية لمدن مثل القاهرة الجديدة ومدينة الشروق وبدر غرب القاهرة، لم تضع إنشاء مراكز ثقافية أو متاحف ضمن أولوياتها، ما يجعل أقرب متحف لسكان هذه المناطق على بُعد نحو ساعتين بالسيارة، وهو متحف عواصم مصر في العاصمة الإدارية الجديدة. هذا الأمر يدفع كثيراً من الأسر إلى تفضيل زيارة الإسكندرية بدلاً من قطع مسافات طويلة داخل القاهرة".
لا تختلف رؤية الخبير العمراني وباحث الدكتوراه بجامعة هيوستن الأميركية، عمرو عصام، كثيراً عن عبادة. يعتقد عصام أن انتقال مركزية المتحف الرئيس من المتحف المصري في ميدان التحرير إلى المتحف المصري الكبير لم يكن مجرد انتقال هندسي، بل تحوّلاً مفاهيمياً واستراتيجياً في علاقة المتحف بالمدينة. فقد كان المتحف القديم يقع في قلب القاهرة، ضمن نسيج عمراني حيوي يسهل الوصول إليه سيراً على الأقدام أو عبر وسائل النقل العام، وحمل دلالات تاريخية مرتبطة بمحطات مفصلية مثل ثورة 2011.
ويضيف: "أما الموقع الجديد في منطقة الرماية [في محافظة الجيزة]، فيقع ضمن سياق شبه حضري محاط بثلاثة محاور إقليمية رئيسة: الطريق الدائري وطريق الفيوم وطريق الإسكندرية الصحراوي. وهو ما يعزز سهولة الوصول إليه بالسيارات الخاصة ويربطه بمحافظات الدلتا والصعيد". غير أن هذه الطرق السريعة "عزّزت عزل المتحف عن نسيجه العمراني المحيط، وخلقت فاصلاً بينه وبين المجتمع، في تناقض مع العلاقة العضوية التي كانت تربطه بمحيطه في وسط القاهرة".
ترى جليلة القاضي أن تهميش المتاحف الإقليمية يسلط الضوء أيضاً على الفجوة المتنامية بين المركز والأطراف في إدارة التراث الثقافي بمصر. تقول أستاذة التخطيط العمراني إن محاولات استعادة السيطرة الوطنية على التراث جاءت – بعد عقود من النهب والهيمنة الاستعمارية – محمّلة بنيّة مركزية مفرطة. أسهم ذلك في إعادة توزيع الموارد الثقافية والاقتصادية لصالح العاصمة، على حساب المجتمعات المحلية التي نشأت فيها الآثار. كانت النتيجة تراجع أدوار المتاحف الإقليمية وتحولها من أدوات محتملة للتنمية والمعرفة إلى مؤسسات هامشية، ما عمّق التهميش الثقافي والاقتصادي للأقاليم.
وترى جليلة أن التجاهل لا يقتصر على سحب القطع الأثرية، بل يشمل حرمان المتاحف الإقليمية من الاستثمار والربط المؤسسي. وتؤكد أن معالجة هذا الخلل تبدأ بإعادة الاعتبار لهذه المتاحف، سواء عبر إعادة بعض القطع إلى أقاليمها الأصلية، أو بخطة تنمية شاملة تهدف إلى تطوير المتاحف المحلية المهملة وبناء شبكة علاقات وتكامل بين المتاحف في مختلف المحافظات. يحصل ذلك بتوزيع الفعاليات الثقافية بحيث "لا تظل حبيسة العاصمة أو المتحف المصري الكبير وحده".
في نفس السياق يرى جلال عبادة أن التوسع في إنشاء المتاحف الإقليمية يمثل فرصة لتقليص الفجوة بين المركز والأطراف. ومفهوم المتحف برأيه يجب ألا يُختزل في العرض الأثري التقليدي، بل يمكن أن يشمل متاحف تعكس النسيج الاجتماعي المحلي والمطبخ والمشغولات الشعبية، بما يجعل المتحف أداة تنموية مرتبطة بالمجتمع، لا مجرد مخزن للآثار في العاصمة.
وتبرز تجربة الأقصر نموذجاً مغايراً لهذه المركزية وتحدياً لروايتها، إذ يشير الأثري يوسف مجلع إلى أن خطة والده، الرسام والمهندس رشيد مجلع، في تسعينيات القرن الماضي لتحويل الأقصر إلى متحف مفتوح، نجحت لأنها اعتمدت على إبقاء الجزء الأكبر من الآثار داخل المدينة وربطها بحياة الناس اليومية. ويردف أن نقل القطع الأثرية من بيئتها الأصلية إلى العاصمة "حل سهل لكنه فاشل"، لأن تفريغ المتاحف والمواقع الإقليمية من القطع الأجمل والأندر لصالح المتحف المصري الكبير أضعف دور هذه المتاحف وكرّس الفجوة بين المركز والأطراف، بدلاً من معالجة اختلالات التنمية الثقافية.
تتلاقى هذه الرؤى مع ما أقرّه مسؤولون في وزارة الآثار، من بينهم مدير عام آثار الكرنك، مصطفى الصغير، عقب افتتاح المتحف المصري الكبير. شددوا وقتها على أن اختيار القطع المنقولة استهدف ضم "الأروع والأندر" من مختلف المواقع. وهو ما يعيد طرح السؤال عن جدوى تركيز التراث في العاصمة مقابل إفراغ المتاحف الإقليمية من محتواها، وتحويل المجتمعات المحلية إلى مجرد مصادر للآثار، لا شركاء في إنتاج المعرفة أو في الاستفادة من عوائدها الثقافية والاقتصادية. ووراء ذلك سؤال أكبر عن سبل ضبط العلاقة بين المتاحف المركزية والإقليمية.
تشير دراسة صادرة سنة 2024 عن بعنوان "إغزيبيتنك كولونيالزم آند ناشنيليز [. . .]" (عرض الاستعمار والقومية: حالة المتاحف المصرية وتراثها الثقافي) للباحثة يونتونغ جو في جامعة يانغتشو الصينية، إلى أن صناعة السياحة في مصر وُجهت تاريخياً لخدمة السائح الأجنبي، سعياً لتعظيم العائد الاقتصادي. ركّزت المتاحف، حسب الدراسة، على الصورة النمطية التي يتوقعها الجمهور الغربي عن مصر القديمة أرضاً للغموض والأساطير وممارسات التحنيط، ما طغى على تقديم صورة أكثر تعقيداً وتنوعاً للمجتمع المصري القديم. وهو ما أسهم في تهميش البعد المحلي للتراث وإفراغه من معناه الاجتماعي للسكان.
ويعلِّق جلال عبادة بأن جذور الأزمة تكمن في دمج وزارة الآثار مع السياحة. فحين كانت الآثار تابعة لوزارة الثقافة، حسبما يقول، كانت جزءاً من مشروع نهضة ثقافية وقوة ناعمة، بينما أدى فصلها عن الثقافة ودمجها بالسياحة إلى اختزالها في بعدها الربحي. ويعترف بأن المركزية لها مزايا، مثل جذب السياح إلى المتاحف الكبرى، لكنه يستدرك بأن الأقاليم دفعت الثمن بفقدان متاحف تحافظ على ذاكرتها الجمعية. واستشهد بغياب متاحف الأثاث الخشبي في دمياط، أو متحف السجاد في أخميم بسوهاج، رغم ترسخ هذه الصناعات في تراثها المحلي.
وشدد أستاذ الآثار بجامعة يونيفرسيتي كوليدج لندن فكري حسن على أن غياب المتاحف الإقليمية يحكم على الآثار بالبقاء في المخازن، بعيداً عن السكان والسياح. ويرى أن الحل لا يكمن فقط في إنشاء متاحف جديدة، بل في توسيع مفهوم التراث ليشمل التراث غير المادي، من عادات وتقاليد وتاريخ شفاهي، وربط القطع الأثرية بالبيئة والمجتمع المحلي، بعيداً عن منطق الأرباح السياحية. ويقترح نقل التجربة المتحفية إلى القرى والنجوع عبر متاحف صغيرة أو فضاءات عرض توثق حياة العائلات، وتعزز إحساس الانتماء لدى الأجيال الجديدة، مع الحفاظ على تكامل المجموعات الأثرية، بحيث يصبح المتحف المصري الكبير مؤسسة توجيهية وتكامليّة لا تنافسية مع المتاحف الأخرى.
وفيما يرى الباحث العمراني عمرو عصام أن الحجم الهائل للمتحف المصري الكبير فرض نفسه على المتاحف الإقليمية، التي خضعت مقتنياتها لمفاضلة بين البقاء أو الانتقال، إلا أن الجهد كان منقوصاً. لذا يعتقد عصام أن المتحف يمكن أن يتحول إلى نواة لتنمية ثقافية متكاملة إذا فُكر في مشاركة عوائده مع المتاحف الإقليمية، ودمجه ضمن شبكة وطنية تقود مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المدن المصرية بالارتكاز إلى التراث.
أما مونيكا حنا، العميدة المؤسسة لكلية التراث الحضاري في أسوان، أول كلية من نوعها في مصر، فتشير إلى أن الخطأ المتمثل في انتزاع "القطع الأجمل" لصالح المتحف الكبير يمكن تداركه مستقبلاً، مؤكدة أن جميع القطع الأثرية متساوية في الأهمية. وأن ضعف الاجتهاد في بناء مجالات عرض قوية للمتاحف الإقليمية ساهم في تهميشها. غير أن الفرصة برأيها لا تزال قائمة لإعادة رسم الفلسفة المتحفية في الأقاليم على أسس أعدل، مع ضمان حق المصريين في الوصول المتكافئ إلى المتحف المصري الكبير.
سألت الفراتس أيضاً الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف، أحمد غنيم، عن الجدل الدائر حول تفريغ المتاحف الإقليمية لصالح المتحف المصري الكبير. قال غنيم إن الحل يكمن في توظيف المتحف الكبير قاطرةً للتنمية الثقافية بالتعاون مع شبكة متكاملة من المتاحف الإقليمية، وإعادة التوازن بين المركز والأطراف بما يضمن للتراث أن يكون مورداً حياً للمجتمع، لا مجرد واجهة سياحية معزولة.
علّق غنيم على شكوى الزائرين المصريين من نفاد تذاكر دخول المواطنين، مثل أحمد وأسرته، وأوضح أن المسألة تخضع لمنطق "العرض والطلب" والمواسم السياحية، ولا تنطوي على تفضيل ممنهج للأجانب على حساب المصريين. وقال إن نسب الزيارة تتغير حسب كل موسم، إذ تشهد ذروة الموسم السياحي الحالي زيادة أعداد الأجانب، ما يستدعي تنظيم أعداد الدخول لضمان جودة التجربة داخل المتحف. وأضاف أن إدارة المتحف بدأت في تنظيم مواعيد الدخول لضبط سلوك الزوار وتقليل التكدس، مع الإقرار بصعوبة تحديد أوقات الخروج، "لا يمكنني أن أقول للزائر إن وقتك انتهى داخل المتحف".
وأشار غنيم إلى أن قاعات المتحف تفتح حتى التاسعة مساءً يومي السبت والأربعاء فقط، منوهاً إلى صعوبة تعميم هذا النظام على باقي أيام الأسبوع، إذ تغلق القاعات السادسة مساءً، حتى لا يتحول المتحف الكبير إلى مركز جذب وحيد يستحوذ على الحركة السياحية على حساب المتاحف الأخرى. فالإدارة، كما يقول غنيم، تحرص على عدم مزاحمة المتحف القومي للحضارة المصرية ومتحف التحرير، اللذين يقدمان فترات زيارة ليلية محددة. في رؤية تقوم على التكامل بين المتاحف لا التنافس بينها، فضلاً عن ارتفاع التكلفة التشغيلية لمدِّ ساعات العمل.

اختتم غنيم حديثه بالتأكيد على أن الهدفَ الأساس تقديم تجربة متحفية متوازنة للزائر، سواء كان مصرياً أو أجنبياً، وأن المتحف يعمل على تنفيذ مبادرات توعوية للحد من السلوكيات السلبية داخل القاعات. الهدف هو ترسيخ دور المتحف نقطةَ انطلاق لمنظومة متحفية متكاملة، لا مركزاً يستنزف المتاحف الإقليمية لصالحه.
هذا النقل للآثار بنظر الكثيرين لم يُترجم إلى حق متكافئ لسكان المناطق التي خرجت منها القطع الأثرية في المعرفة أو الوصول أو الإحساس بالانتماء. وكأن أبناءها باتوا غرباء عن تراثهم لصالح ما يراه البعض تسليع الثقافة والتاريخ. ويظل النقاش قائماً عن جدوى نقل الآثار وسبل سد الفجوة بين المركز والأطراف.

